روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
/////////

 حمل المصحف

دعائي

فسبحان الله وبحمده  عدد خلقه وزنة عرشه  ورضا نفسه ومداد كلماته} أقولها ما حييت وبعد موتي  والي يوم الحساب وارحم  واغفر اللهم لوالديَّ ومن مات من اخوتي واهلي والمؤمنين منذ خَلَقْتَ الخلق الي يوم الحساب آمين وفرِّجِ كربي وردَّ اليَّ عافيتي وارضي عني في الدارين  واعِنِّي علي أن اُنْفِقها في سبيلك يا ربي اللهم فرِّج كربي واكفني همي واكشف البأساء والضراء عني وعنا.. وردَّ إليَّ عافيتي وثبتني علي دينك الحق ولا تُزِغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب اللهم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وتوفنا مع الأبرار وألِّفْ بين قلوبنا اجمعين.يا عزيز يا غفار ... اللهم واشفني شفاءاً لا يُغَادر سقما واعفو عني وعافني وارحمني وفرج كربي واكفني همي واعتقني مما أصابني من مكروه أنت تعلمه واعتقني من النار وقني عذاب القبر وعذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم ومن غلبة الدين وقهر الرجال اللهم آمين *اللهم ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عُقَد لساني واغنني بك عمن سواك يارب

الثلاثاء، 14 يونيو 2022

مجلد 7. و8. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي

 مجلد 7. و8. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي

اولا:  مجلد 7.الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)


الثاني- أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع، والدعاء مخ العبادة. وهذا كقوله:" قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ" [الأنبياء: 112] «1» وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق. الثالث- سألوا أن يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلا، لأنها حكاية عن أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسألوه ذلك إعزازا للدين. والله أعلم. وروى أنس ابن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من وعده الله عز وجل على عمل ثوابا فهو منجز له رحمة ومن وعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار (. والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد، حتى قال قائلهم «2»:
ولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا اختفى «3» من خشية المتهدد
وإني متى «4» أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
الرابعة عشرة- قوله تعالى: (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) أي أجابهم. قال الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم. وقال جعفر الصادق: من حزبه «5» أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه لله مما يخاف وأعطاه ما أراد. قيل: وكيف ذلك؟ قال: اقرءوا إن شئتم" الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ- إلى قوله: إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ" [آل عمران: 194- 191]. الخامسة عشرة- قوله تعالى:" أَنِّي" أي بأني. وقرا عيسى بن عمر" إني" بكسر الهمزة، أي فقال: إني. وروى الحاكم أبو عبد الله في صحيحه عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، ألا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله تعالى: (فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ: ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) الآية. وأخرجه الترمذي. ودخلت" مِنْ" للتأكيد، لان قبلها حرف نفي. وقال الكوفيون: هي للتفسير ولا يجوز حذفها، لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا به، وإنما تحذف إذا كان تأكيدا للجحد. (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) ابتداء وخبر، أي دينكم واحد. وقيل: بعضكم من بعض في الثواب والأحكام والنصرة وشبه ذلك. وقال الضحاك: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة، ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، نظيرها قوله
__________
(1). على قراءة نافع راجع ج 11 ص 351.
(2). هو عامر بن الطفيل، كما في اللسان.
(3). في هـ وى: أختبي.
(4). كذا في جميع الأصول، والذي في اللسان: وإني إن، وفى التاج: وإني وإن.
(5). حزبه الامر: إذا نزل به مهم أو أصابه غم.

عز وجل:" وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ" [التوبة: 71] «1». ويقال: فلان مني، أي على مذهبي وخلقي. السادسة عشرة- قوله تعالى: (فَالَّذِينَ هاجَرُوا) ابتداء وخبر، أي هجروا أوطانهم وساروا إلى المدينة. (وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) في طاعة الله عز وجل. (قاتَلُوا) أي وقاتلوا أعدائي. (وَقُتِلُوا) أي في سبيلي. وقرا ابن كثير وابن عامر:" وقاتلوا وقتلوا" على التكثير. وقرا الأعمش" وقتلوا وقاتلوا" لان الواو لا تدل على أن الثاني بعد الأول. وقيل: في الكلام إضمار قد، أي قتلوا وقد قاتلوا، ومنه قول الشاعر:
تصابى وأمسى علاه الكبر

أي وقد علاه الكبر. وقيل: أي وقد قاتل من بقي منهم، تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتل بعضهم. وقال امرؤ القيس:
فإن تقاتلونا نقتلكم

وقرأ عمر بن عبد العزيز:" وقتلوا وقتلوا" خفيفة بغير ألف. (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ) أي لاسترنها عليهم في الآخرة، فلا أوبخهم بها ولا أعاقبهم عليها. (ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)
مصدر مؤكد عند البصريين، لان معنى" لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ" لاثيبنهم ثوابا. الكسائي: انتصب على القطع. الفراء: على التفسير. (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ) أي حسن الجزاء، وهو ما يرجع على العامل من «2» جراء عمله، من ثاب يثوب. السابعة عشرة- قوله تعالى: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) قيل: الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمراد الامة. وقيل: للجميع. وذلك أن المسلمين قالوا: هؤلاء الكفار لهم تجائر وأموال واضطراب في البلاد، وقد هلكنا نحن من الجوع، فنزلت هذه الآية. أي لا يغرنكم سلامتهم بتقلبهم في أسفارهم. (مَتاعٌ قَلِيلٌ) أي تقلبهم متاع قليل. وقرا يعقوب" يغرنك" ساكنة النون، وأنشد:
لا يغرنك عشاء ساكن ... قد يوافي بالمنيات السحر
__________
(1). راجع ج 8 ص 202.
(2). في ز وهـ ود وج: جزاء.

ونظير هذه الآية قوله تعالى:" فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ" [المؤمن: 4] «1» والمتاع: ما يعجل الانتفاع به، وسماه قليلا لأنه فان، وكل فان وإن كان كثيرا فهو قليل. وفي صحيح الترمذي عن المستورد الفهري قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما ذا يرجع (. قيل:) يرجع) بالياء والتاء. (وَبِئْسَ الْمِهادُ) أي بئس ما مهدوا لأنفسهم بكفرهم، وما مهد الله لهم من النار. الثامنة عشرة- في هذه الآية وأمثالها كقوله:" أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ" [آل عمران: 178] «2» الآية." وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ" [الأعراف: 183] «3»." أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ" [المؤمنون: 55] «4»." سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ" [الأعراف: 182] «5» دليل على أن الكفار غير. منعم عليهم في الدنيا، لان حقيقة النعمة الخلوص من شوائب الضرر العاجلة والأجلة، ونعم الكفار. مشوبة بالآلام والعقوبات، فصار كمن قدم بين يدي غيره حلاوة من عسل فيها السم، فهو وإن استلذ آكله لا يقال: أنعم عليه، لان فيه هلاك روحه. ذهب إلى هذا جماعة من العلماء، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري. وذهب جماعة منهم سيف السنة ولسان الامة القاضي أبو بكر: إلى أن الله أنعم عليهم في الدنيا. قالوا: واصل النعمة من النعمة بفتح النون، وهي لين العيش، ومنه قوله تعالى:" وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ" [الدخان: 27] «6». يقال: دقيق ناعم، إذا بولغ في طحنه وأجيد سحقه. وهذا هو الصحيح، والدليل عليه أن الله تعالى أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى جميع المكلفين فقال:" فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ" [الأعراف: 74] «7»." وَاشْكُرُوا لِلَّهِ" [البقرة: 172] «8» والشكر لا يكون إلا على نعمة. وقال:" وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ" [القصص: 77] «9» وهذا خطاب لقارون. وقال:" وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً" [النحل: 112] «10» الآية. فنبه سبحانه أنه قد أنعم عليهم نعمة دنياوية فجحدوها. وقال:" يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها" [النحل: 83] «11» وقال:" يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ" [فاطر: 3] «12». وهذا عام
__________
(1). راجع ج 15 ص 286.
(2). راجع ص 286 من هذا الجزء.
(3). راجع ج 7 ص 329 وص 237.
(4). راجع ج 12 ص 130.
(5). راجع ج 7 ص 329 وص 237.
(6). راجع ج 16 ص 138. [.....]
(7). راجع ج 7 ص 329 وص 237.
(8). راجع ج 2 ص 215.
(9). راجع ج 13 ص 314.
(10). راجع ج 10 ص 193 وص 166.
(11) راجع ج 10 ص 193 وص 166.
(12) راجع ج 14 ص 321.

في الكفار وغيرهم. فأما إذا قدم لغيره طعاما فيه سم فقد رفق به في الحال، إذ لم يجرعه السم بحتا، بل دسه في الحلاوة، فلا يستبعد أن يقال: قد أنعم عليه، وإذا ثبت هذا فالنعم ضربان: نعم نفع ونعم دفع، فنعم النفع ما وصل إليهم من فنون اللذات، ونعم الدفع ما صرف عنهم من أنواع الآفات. فعلى هذا قد أنعم على الكفار نعم الدفع قولا واحدا، وهو ما زوي عنهم من الآلام والاسقام، ولا خلاف بينهم في أنه لم ينعم عليهم نعمة دينه. والحمد لله. التاسعة عشرة- قوله تعالى: (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) استدراك بعد كلام تقدم فيه معنى النفي، لان معنى ما تقدم ليس لهم في تقلبهم في البلاد كبير «1» الانتفاع، لكن المتقون لهم الانتفاع الكبير «2» والخلد الدائم. فموضع" لكِنِ" رفع بالابتداء. وقرا يزيد بن القعقاع" لكن" بتشديد النون. الموافية عشرين- قوله تعالى: (نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) نزلا مثل ثوابا عند البصريين، وعند الكسائي يكون مصدرا. الفراء: هو مفسر. وقرا الحسن والنخعي" نُزُلًا" بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقله الباقون. والنزل ما يهيأ للنزيل، والنزيل الضيف. قال الشاعر: نزيل القوم أعظمهم حقوقا وحق الله في حق النزيل والجمع الانزال. وحظ نزيل: مجتمع. والنزل «3»: أيضا الريع، يقال، طعام النزل والنزل. الحادية والعشرون- قلت: ولعل النزل- والله أعلم- ما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قصة «4» الحبر الذي سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هم في الظلمة دون الجسر) قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: (فقراء المهاجرين) قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال (زيادة كبد النون) قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ فقال: (ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها) قال: فما شرابهم عليه؟ قال: (من عين فيها تسمى سلسبيلا) وذكر الحديث. قال أهل
__________
(1). في ج وا: كثير.
(2). في ج وا: كثير.
(3). النزل. بضم فسكون وبالتحريك.
(4). من ج وهـ وى ود. وفي ب وا: من حديث.

اللغة: والتحفة ما يتحف به الإنسان من الفواكه. والطرف محاسنه وملاطفة، وهذا مطابق لما ذكرناه في النزل، والله أعلم. وزيادة الكبد: قطعة منه كالإصبع. قال الهروي:" نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ" أي ثوابا. وقيل رزقا. (وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ) أي مما يتقلب به الكفار في الدنيا. والله أعلم. الثانية والعشرون- قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) الآية. قال جابر بن عبد الله وأنس وابن عباس وقتادة والحسن: نزلت في النجاشي، وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه: (قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي)، فقال بعضهم لبعض: يأمرنا أن نصلي على علج من علوج الحبشة، فأنزل الله تعالى" وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ". قال الضحاك: (وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) القرآن. (وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) التوراة والإنجيل. وفي التنزيل: أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ، [القصص: 54] «1». وفي صحيح مسلم: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين- فذكر- رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدرك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران) وذكر الحديث. وقد تقدم في" البقرة" «2» الصلاة عليه وما للعلماء في الصلاة على الميت الغائب، فلا معنى للإعادة. وقال مجاهد وابن جريج وابن زيد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وهذا عام والنجاشي واحد منهم. واسمه أصحمة، وهو بالعربية عطية. و(خاشِعِينَ) أذلة، ونصب على الحال من المضمر الذي في" يُؤْمِنَّ". وقيل: من الضمير في" إِلَيْهِمْ" أو في" إِلَيْكُمْ". وما في الآية بين، وقد تقدم. الثالثة والعشرون- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا) الآية. ختم تعالى السورة بما تضمنته هذه الآية العاشرة من الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الاعداء والفوز بنعيم الآخرة، فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، والصبر الحبس، وقد تقدم في" البقرة" بيانه «3». وأمر بالمصابرة فقيل: معناه مصابرة الاعداء، قاله زيد بن أسلم.
__________
(1). راجع ج 13 ص 297.
(2). راجع ج 2 ص 81.
(3). راجع ج 2 ص 174.

وقال الحسن: على الصلوات الخمس. وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها فهي تدعو وهو ينزع. وقال عطاء والقرظي: صابروا الوعد الذي وعدتم. أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (انتظار الفرج بالصبر عبادة). واختار هذا القول أبو عمر رحمه الله. والأول قول الجمهور، ومنه قول عنترة:
فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا ... ولا كافحوا مثل الذين نكافح
قوله" صابروا مثل صبرنا" أي صابروا العدو في الحرب ولم يبد منهم جبن ولا خور. والمكافحة: المواجهة والمقابلة في الحرب، ولذلك اختلفوا في معنى قوله (وَرابِطُوا) فقال جمهور الامة: رابطوا أعدائكم بالخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداءكم، ومنه قوله تعالى:" وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ" [الأنفال: 60] «1» وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة ابن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غزو يرابط فيه، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه. واحتج أبو سلمة بقوله عليه السلام: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط) ثلاثا، رواه مالك. قال ابن عطية: والقول الصحيح هو أن الربط [هو] «2» الملازمة في سبيل الله. أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام «3» مرابطا، فارسا كان أو راجلا. واللفظ مأخوذ من الربط. وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فذلكم الرباط) إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله. والرباط اللغوي هو الأول، وهذا «4» كقوله: (ليس الشديد بالصرعة) «5» وقوله (ليس المسكين بهذا الطواف) إلى غير ذلك.
__________
(1). راجع ج 8 ص 36. [.....]
(2). من ب وج وهـ وط.
(3). في ب: المسلمين.
(4). في ب: هكذا.
(5). الصرعة بضم ففتح المبالغ في الصراع الذي لا يغلب.

قلت: قوله" والرباط اللغوي هو الأول" ليس بمسلم، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال: الرباط ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضا، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يقال: ماء مترابط أي دائم لا ينزح «1»، حكاه ابن فارس، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه. فإن المرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحل، فيعود إلى ما كان صبر عنه، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة. ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله:" وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ" [الأنفال: 60] على ما يأتي. وارتباط النفس على الصلوات كما قاله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رواه أبو هريرة وجابر وعلى ولا عطر بعد عروس. الرابعة والعشرون- المرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله محمد بن المواز [ورواه ] «2». وأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين. قال ابن عطية. وقال ابن خويز منداد: وللرباط حالتان: حالة يكون الثغر مأمونا منيعا يجوز سكناه بالأهل والولد. وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال، ولا ينقل إليه الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق. والله أعلم. الخامسة والعشرون- جاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها (. وفي صحيح مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:) رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان ( «3». وروى أبو داود في سننه عن فضالة
__________
(1). في الأصول: لا يبرح. والتصويب من اللسان.
(2). كذا في ز وب وج ود وهـ وى وط وابن عطية وفى اوح وداود.
(3). الفتان: الشيطان. ويروى بفتح الفاء وضمها. فمن رواه بالفتح فهو واحد، لأنه يفتن الناس عن الدين. ومن رواه بالضم فهو جمع فاتن، أي يعاون أحدهما الأخر على الذين يضلون الناس عن الحق ويفتنونهم.

ابن عبيد أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر (. وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (إذا مات الإنسان «1» انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم، فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم وموت الولد. والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة، لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة، وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله تعالى إلى يوم القيامة. وهذا لان أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام. وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة، خرجه ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من مات مرابطا في سبيل الله أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجرى عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع (. وفي هذا الحديث قيد ثان وهو الموت حالة الرباط. والله أعلم. وروي عن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (من رابط ليلة في سبيل الله كانت له كألف ليلة صيامها وقيامها). وروي عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من غير شهر رمضان أعظم أجرا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبا من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرا-
__________
(1). هذه رواية مسلم كما في كتاب الوصية. وكذا في ز وط وى وج وهـ. وفى رواية: (ابن آدم) والحديث رواه الترمذي وأبو داود وأبو داود والنسائي بلفظ: إلا من ثلاث صدقة الحديث، والبخاري في الأدب المفرد

أراه قال: من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها فإن رده الله إلى أهله سالما لم تكتب عليه سينه ألف سنة وتكتب له الحسنات ويجرى له أجر الرباط إلى يوم القيامة «1»
. ودل هذا الحديث على أن رباط يوم في شهر رمضان يحصل له من الثواب الدائم وإن لم يمت مرابطا. والله أعلم. وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (حرس ليلة في سبيل الله أفضل من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة السنة ثلاثمائة يوم [وستون «2» يوما] واليوم كألف سنة). قلت: وجاء في انتظار الصلاة بعد الصلاة أنه رباط، فقد يحصل لمنتظر الصلوات ذلك الفضل إن شاء الله تعالى. وقد روى أبو نعيم الحافظ قال حدثنا سليمان بن أحمد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا حجاج بن المنهال ح «3» وحدثنا أبو بكر بن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثني الحسن بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أبي أيوب الأزدي عن نوف البكالي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ذات ليلة المغرب فصلينا معه فعقب من عقب ورجع من رجع، فجاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يثوب «4» الناس لصلاة العشاء، فجاء وقد حضره الناس رافعا أصبعه وقد عقد تسعا وعشرين يشير بالسبابة إلى السماء فحسر ثوبه عن ركبتيه وهو يقول: (أبشروا معشر المسلمين هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة يقول يا ملائكتي انظروا إلى عبادي هؤلاء قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى (. ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن مطرف بن عبد الله: أن نوفا
__________
(1). رواية ابن ماجة.
(2). في ج.
(3). جرت عادة المحدثين أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد" ح" وهى حاء مهملة مفردة. والمختار أنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها:" ح" ويستمر في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز، لكونها حالت بين الإسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، وليست من الرواية. وقيل: إنها رمز إلى قوله: الحديث. وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث. ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرا وهى كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري. (راجع مقدمة النوري على صحيح مسلم).
(4). في ج: يتوجه.

وعبد الله بن عمرو اجتمعا فحدث نوف عن التوراة وحدث عبد الله بن عمرو بهذا الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي لم تؤمروا بالجهاد من غير تقوى. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لتكونوا على رجاء من الفلاح. وقيل: لعل بمعنى لكي. والفلاح البقاء، وقد مضى هذا كله في" البقرة" مستوفي «1»، والحمد لله.
نجز تفسير سورة آل عمران من (جامع أحكام القرآن والمبين لما تضمن من السنة وآي الفرقان) بحمد الله وعونه.
صححه أبو إسحاق إبراهيم الطفيش
تم الجزء الرابع من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء تعالى الجزء الخامس، وأقوله:" سورة النساء بعون الله وجميل توفيقه قد تم طبع الجزء الرابع من كتاب (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي
__________
(1). راجع ج 1 ص 162، 182، 227.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

الجزء الخامس

[تفسير سورة النساء]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة النساء وهي مدنية إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «1» على ما يأتي بيانه. قال النقاش: وقيل: نزلت عند هجرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة إلى المدينة. وقد قال بعض الناس: إن قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) حيث وقع إنما هو مكي، وقاله «2» علقمة وغيره، فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني. وقال النحاس: هذه السورة مكية. قلت: والصحيح الأول، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت: ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تعني قد بنى بها. ولا خلاف بين العلماء أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما بنى بعائشة بالمدينة. ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. وأما من قال: إن قوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) مكي حيث وقع فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها قوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) في موضعين «3»، وقد تقدم. والله أعلم

[سورة النساء (4): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)
فيه ست «4» مسائل: الاولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) قد مضى في (البقرة) اشتقاق (النَّاسِ) ومعنى التقوى والرب والخلق والزوج والبث، فلا معنى للإعادة «5»
__________
(1). راجع ص 255 من هذا الجزء. [.....]
(2). في هـ: قال، وسائر الأصول: قاله.
(3). راجع ج 1 ص 235 وج 2 ص 207.
(4). في دوط وى وب: سبع، والمسائل ست، ويبدو ان الثالثة في قوله: وقرا ابراهيم النخعي إلخ فتكون سبعا
(5). راجع ج 1 ص 136 و161 و226 و310 وج 2 ص 196

وفي الآية تنبيه على الصانع. وقال (واحِدَةٍ) على تأنيث لفظ النفس. ولفظ النفس يؤنث وإن عني به مذكر. ويجوز في الكلام (من نفس واحد) وهذا على مراعاة المعنى، إذ المراد بالنفس آدم عليه السلام، قاله مجاهد وقتادة. وهي قراءة ابن أبي عبلة (واحد) بغير هاء. (وَبَثَّ) [معناه «1»] فرق ونشر في الأرض، ومنه (وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) «2» وقد تقدم في (البقرة) «3». و(مِنْهُما) يعني آدم وحواء. قال مجاهد: خلقت حواء من قصيرى «4» آدم. وفي الحديث: (خلقت المرأة من ضلع عوجاء)، وقد مضى في البقرة. (رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً) حصر ذريتهما في نوعين، فاقتضى أن الخنثى ليس بنوع، لكن له حقيقة ترده إلى هذين النوعين وهي الآدمية فيلحق بأحدهما، على ما تقدم ذكره في (البقرة) «5» من اعتبار نقص الأعضاء وزيادتها. الثانية- قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) كرر الاتقاء تأكيدا وتنبيها لنفوس المأمورين. و(الَّذِي) في موضع نصب على النعت. و(الْأَرْحامَ) معطوف. أي اتقوا الله أن تعصوه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها. وقرا أهل المدينة (تساءلون) بإدغام التاء في السين. وأهل الكوفة بحذف «6» التاء، لاجتماع تاءين، وتخفيف السين، لان المعنى يعرف، وهو كقوله: (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ «7») و(تُنَزَّلَ) وشبهه. وقرا «8» إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة (الأرحام) بالخفض. وقد تكلم النحويون في ذلك. فأما البصريون فقال رؤساؤهم: هو لحن لا تحل القراءة به. وأما الكوفيون فقالوا: هو قبيح، ولم يزيدوا على هذا ولم يذكروا علة قبحه، قال النحاس: فيما علمت. وقال سيبويه: لم يعطف على المضمر المخفوض، لأنه بمنزلة التنوين، والتنوين لا يعطف عليه. وقال جماعة: هو معطوف على المكني، فإنهم كانوا يتساءلون بها، يقول الرجل:
__________
(1). من ب وج وز وط ود.
(2). راجع ج. 2 ص 33.
(3). راجع ج 2 ص 196.
(4). القصيري: أسفل الأضلاع. وقيل: الضلع التي تلى الشاكلة بين الجنب والبطن.
(5). راجع ج 1 ص 301.
(6). في د وى وب: تحذف.
(7). راجع ج 6 ص 47.
(8). لعل هذا أول المسألة الثالثة على نسخ سبع مسائل.

سألتك بالله والرحم، هكذا فسره الحسن والنخعي ومجاهد، وهو الصحيح في المسألة، على ما يأتي. وضعفه أقوام منهم الزجاج، وقالوا: يقبح عطف [الاسم «1»] الظاهر على المضمر في الخفض إلا بإظهار الخافض، كقوله (فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ «2») ويقبح (مررت به وزيد). قال الزجاج عن المازني: لان المعطوف والمعطوف عليه شريكان، يحل كل واحد منهما محل صاحبه، فكما لا يجوز (مررت بزيد وك) كذلك لا يجوز (مررت بك وزيد). وأما سيبويه فهي عنده قبيحة ولا تجوز إلا في الشعر، كما قال:
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
عطف (الأيام) على الكاف في (بك) بغير الباء للضرورة. وكذلك قول الآخر:
نعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب مهوى «3» نفانف
عطف (الكعب) على الضمير في (بينها) ضرورة. وقال أبو علي: ذلك ضعيف في القياس. وفي كتاب التذكرة المهدية «4» عن الفارسي أن أبا العباس المبرد قال: لو صليت خلف إمام يقرأ (ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ «5») و(اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) لأخذت نعلي ومضيت. قال الزجاج: قراءة حمزة مع ضعفها وقبحها في العربية خطأ عظيم في اصول أمر الدين، لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا تحلفوا بآبائكم) فإذا لم يجز الحلف بغير الله فكيف يجوز بالرحم. ورأيت إسماعيل بن إسحاق يذهب إلى أن الحلف بغير الله أمر عظيم، وإنه خاص «6» لله تعالى. قال النحاس: وقول بعضهم (والأرحام) قسم خطأ من المعنى والاعراب، لان الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَة يدل على النصب. وروى شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا «7» عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى جاء قوم من مضر حفاة عراة، فرأيت وجه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتغير لما رأى من فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناس فقال: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ،
__________
(1). من ب وج ود وط.
(2). راجع ج 13 ص 317. [.....]
(3). المهوى والمهواة: ما بين الجبلين ونحو ذلك. والنفنف: الهواء. وقيل: الهواء بين الشيئين، وكل شي بينه وبين الأرض مهوى فهو نفنف. وفى النحاس: (وما بينها والكعب غوط نفانف) والغوط (بفتح الغين: المتسع من الأرض مع طمانينة).
(4). في ب وط وز. (المهذبة).
(5). وهذه قراءة حمزة. راجع ج 9 ص 357.
(6). في ط: عاص لله.
(7). في ب وج وز: كنت.

إلى: وَالْأَرْحامَ (، ثم قال:) تصدق رجل بديناره تصدق رجل بدرهمه تصدق رجل بصاع تمره) وذكر الحديث «1». فمعنى هذا على النصب، لأنه حضهم على صلة أرحامهم. وأيضا فقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت). فهذا يرد قول من قال: المعنى أسألك بالله وبالرحم. وقد قال أبو إسحاق: معنى (تَسائَلُونَ (بِهِ) يعني تطلبون حقوقكم به. ولا معنى للخفض أيضا مع هذا. قلت: هذا ما وقفت عليه من القول لعلماء اللسان في منع قراءة (والأرحام) بالخفض، واختاره ابن عطية. ورده الامام أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري، واختار العطف فقال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لان القراءات التي قرابها «2» أئمة القراء ثبتت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تواترا يعرفه أهل الصنعة، وإذا ثبت شي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمن رد ذلك فقد رد على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يقلد فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تتلقى من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يشك أحد في فصاحته. وأما ما ذكر من الحديث ففيه نظر، لأنه عليه السلام قال لابي العشراء «3»: (وأبيك لو طعنت في خاصرته). ثم النهي إنما جاء في الحلف بغير الله، وهذا توسل إلى الغير بحق الرحم فلا نهي فيه. قال القشيري: وقد قيل هذا إقسام بالرحم، أي اتقوا الله وحق الرحم «4»، كما تقول: افعل كذا وحق أبيك. وقد جاء في التنزيل: (وَالنَّجْمِ)، وَالطُّورِ، وَالتِّينِ، لعمرك) وهذا تكلف. قلت: لا تكلف فيه فإنه لا يبعد أن يكون (والأرحام) من هذا القبيل، فيكون [أقسم بها «5»] كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدا لها حتى قرنها بنفسه. والله أعلم.
__________
(1). الرواية في صحيح مسلم كتاب الزكاة (تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمرة). وليس فيها تكرار. وهى الرواية ذاتها والسند.
(2). في ب وط: قرأتها.
(3). في تهذيب التهذيب: (أبو العشراء الدارمي عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) لو طعنت في فخذها الا جزاك) الحديث في الذكاة.
(4). في ج: الأرحام.
(5). في ب وج وط ود وى.

ولله أن يقسم بما شاء ويمنع ما شاء ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قسما. والعرب تقسم بالرحم. ويصح أن تكون الباء مرادة فحذفها «1» كما حذفها في قوله:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
فجر وإن لم يتقدم باء. قال ابن الدهان أبو محمد سعيد بن مبارك: والكوفي يجيز عطف الظاهر على المجرور ولا يمنع منه. ومنه قوله:
آبك أيّه بي أو مصدّر ... من حمر الجلة جأب حشور «2»
ومنه:
فاذهب فما بك والأيام من عجب

وقول الآخر:
وما بينها والكعب غوط نفانف

ومنه:
فحسبك والضحاك سيف مهند

وقول الآخر:
وقد رام آفاق السماء فلم يجد ... له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا
وقول الآخر:
ما إن بها والأمور من تلف ... ما حم من أمر غيبه «3» وقعا
وقول الآخر:
أمر على الكتيبة لست أدري ... أحتفي كان فيها أم سواها
ف «سواها» مجرور الموضع بفي. وعلى هذا حمل بعضهم قوله تعالى: (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ «4») فعطف على الكاف والميم. وقرا عبد الله بن يزيد (والأرحام) بالرفع على الابتداء، والخبر مقدر، تقديره: والأرحام أهل أن توصل. ويحتمل أن يكون إغراء، لان من العرب من يرفع المغرى. وأنشد [الفراء «5»]:
__________
(1). كذا في الأصول. الاولى: فحذفت. بالبناء المجهول تأدبا.
(2). آبك: مثل ويلك. والنائبة: الدعاء، يقال: أمت؟ بالإبل إذا صحت بهاء والمصدر: الشديد الصدر. والجاب: الغليظ. والحشور: الخفيف. والجلة: المسان، واحدها جليل. والشاهد في عطف (المصدر) على المضمر المجرور دون إعادة الجار.
(3). في ج وب وز: أمر غيبة.
(4). راجع ج 10 ص 12. [.....]
(5). من ز وج وهـ وى.

إن قوما منهم عمير وأشبا ... هـ عمير ومنهم السفاح
لجديرون باللقاء إذا قا ... ل أخو النجدة السلاح السلاح
وقد قيل: إن (وَالْأَرْحامَ) بالنصب عطف على موضع به، لان موضعه نصب، ومنه قوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا «1»

وكانوا يقولون: أنشدك بالله والرحم. والأظهر أنه نصب بإضمار فعل كما ذكرنا. الثالثة- اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرمة. وقد صح أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأسماء وقد سألته [أأصل أمي ] «2» (نعم «3» صلي أمك) فأمرها بصلتها وهي كافرة. فلتا كيدها دخل الفضل في صلة الكافر، حتى انتهى الحال بأبي حنيفة وأصحابه فقالوا بتوارث ذوى الأرحام إن لم يكن عصبة ولا فرض مسمى، ويعتقون على من اشتراهم من ذوي رحمهم لحرمة الرحم، وعضدوا ذلك بما رواه أبو داود أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من ملك ذا رحم محرم فهو حر). وهو قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة. وهو قول الحسن البصري وجابر بن زيد وعطاء والشعبي والزهري، وإليه ذهب الثوري وأحمد وإسحاق. ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول- أنه مخصوص بالآباء والأجداد. الثاني- الجناحان يعني الاخوة. الثالث- كقول أبي حنيفة. وقال الشافعي: لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته، ولا يعتق عليه إخوته ولا أحد من ذوي قرابته ولحمته. والصحيح الأول للحديث الذي ذكرناه وأخرجه الترمذي والنسائي. وأحسن طرقه رواية النسائي له، رواه من حديث ضمرة عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من ملك ذا رحم محرم فقد عتق عليه). وهو حديث ثابت بنقل العدل عن العدل ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه، غير أن النسائي قال في آخره: هذا حديث منكر. وقال غيره: تفرد به ضمرة. وهذا هو معنى المنكر والشاد في اصطلاح المحدثين. وضمرة عدل ثقة، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره. والله أعلم.
__________
(1). هذا عجز بيت لعقيبة الأسدي، وصدره: معاوي اننا بشر فأسجح أراد معاوية بن أبى سفيان. شكا إليه جور عماله. وأسجح: سهل وأرفق.
(2). من ز.
(3). من ابن العربي.

الرابعة- واختلفوا من هذا الباب في ذوي المحارم من الرضاعة. فقال أكثر أهل العلم لا يدخلون في مقتضى الحديث. وقال «1» شريك القاضي بعتقهم. وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه، واحتجوا بقوله عليه السلام: (لا يحزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه). قالوا: فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك، ولصاحب الملك التصرف. وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع، فإن الله تعالى يقول: (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً «2») فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه، فإذا يجب عليه عتقه إما لأجل الملك عملا بالحديث (فيشتريه فيعتقه)، أو لأجل الإحسان عملا بالآية. ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه. وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك، فوجه القول الأول ما ذكرناه من معنى الكتاب والسنة، ووجه الثاني إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المذكور في الحديث، ولا أقرب للرجل من ابنه فيحمل على الأب، والأخ يقاربه في ذلك لأنه يدلي بالأبوة، فإنه يقول: أنا ابن أبيه. وأما القول الثالث فمتعلقه حديث ضمرة وقد ذكرناه. والله أعلم. الخامسة- قوله تعالى: (وَالْأَرْحامَ) الرحم اسم لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره. وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في «3» منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام. فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند. وهم يرون ذلك نسخا، سيما وفية إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزوها في حق بني الأعمام وبني «4» الأخوال والخالات. والله أعلم. السادسة- قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) أي حفيظا، عن ابن عباس ومجاهد. ابن زيد: عليما. وقيل: (رَقِيباً) حافظا، قيل: بمعنى فاعل. فالرقيب من صفات الله تعالى، والرقيب: الحافظ والمنتظر، تقول: رقبت أرقب رقبة ورقبانا إذا انتظرت.
__________
(1). في ج وز وط: وكان شريك القاضي يعتقهم.
(2). راجع ج 10 ص 236.
(3). في ب: من.
(4). في ب وج ود وط وى.

وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)

والمرقب: المكان العالي المشرف، يقف عليه الرقيب. والرقيب: السهم الثالث من السبعة التي لها أنصباء «1» .. ويقال: إن الرقيب ضرب من الحيات، فهو لفظ مشترك. والله أعلم.

[سورة النساء (4): آية 2]
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2)
فيه خمس مسائل: الاولى قوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) وأراد باليتامى الذين كانوا أيتاما، كقوله: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ «2») ولا سحر مع السجود، فكذلك لا يتم مع البلوغ «3». وكان يقال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يتيم أبي طالب) استصحابا لما كان. (وَآتُوا) أي أعطوا. والإيتاء الإعطاء. ولفلان أتو، أي عطاء. أبو زيد: أتوت الرجل آتوه إتاوة، وهي الرشوة. واليتيم من لم يبلغ الحلم، وقد تقدم في (البقرة) مستوفى «4». وهذه الآية خطاب للأولياء والأوصياء. نزلت- في قول مقاتل والكلبي- في رجل من غطفان [كان معه «5» [مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه، فنزلت، فقال العم: نعوذ بالله من الحوب «6» الكبير! ورد المال. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ورجع به هكذا فإنه يحل داره) يعني جنته. فلما قبض الفتى المال أنفقه في سبيل الله، فقال عليه السلام: (ثبت الأجر وبقي الوزر). فقيل: كيف يا رسول الله؟ فقال: (ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده) لأنه كان مشركا. الثانية- وإيتاء اليتامى أموالهم يكون بوجهين: أحدهما- إجراء الطعام والكسوة ما دامت الولاية، إذ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلى والاستبداد كالصغير والسفيه الكبير. الثاني- الإيتاء بالتمكن وإسلام المال إليه، وذلك عند الابتلاء والإرشاد،
__________
(1). وهى: الفذ، التوأم، الرقيب، الحلس، النافز، المسبل، المعلى. راجع ج 2 ص 58.
(2). راجع ج 7 ص 260.
(3). الحديث (لا يتم بعد احتلام).
(4). راجع ج 2 ص 14.
(5). في ب وج وط وى.
(6). الحوب: الإثم. [.....]

وتكون تسميته مجازا، المعنى: الذي كان يتيما، وهو استصحاب الاسم، كقوله تعالى: (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ) أي الذين كانوا سحرة. وكان يقال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يتيم أبي طالب). فإذا تحقق الولي رشده حرم عليه إمساك ماله عنه وكان عاصيا. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ما له كله على كل حال، لأنه يصير جدا. قلت: لما لم يذكر الله تعالى في هذه الآية إيناس الرشد وذكره في قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ). قال أبو بكر الرازي الحنفي في أحكام القرآن: لما لم يقيد الرشد في موضع وقيد في موضع وجب استعمالهما، فأقول: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد، وجب دفع المال إليه، وإن كان دون ذلك لم يجب، عملا بالآيتين «1». وقال أبو حنيفة: لما بلغ ] رشده «2» [صار يصلح أن يكون جدا فإذا صار يصلح أن يكون جدا فكيف يصح «3» إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتيم؟! وهل ذلك إلا في غاية البعد؟. قال ابن العربي: وهذا باطل لا وجه له، لا سيما على أصله الذي يرى المقدرات لا تثبت قياسا وإنما تؤخذ من جهة النص، وليس في هذه المسألة. وسيأتي ما للعلماء في الحجر إن شاء الله تعالى. الثالثة- قوله تعالى: (وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) أي لا تتبدلوا الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة، ولا الدرهم الطيب بالزيف. وكانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى، فكانوا يأخذون الطيب والجيد من أموال اليتامى ويبدلونه بالرديء من أموالهم، ويقولون: اسم باسم ورأس برأس، فنهاهم الله عن ذلك. هذا قول سعيد بن المسيب والزهري والسدي والضحاك وهو ظاهر الآية. وقيل: المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب وهو مالكم. وقال مجاهد وأبو صالح وباذان: لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعو انتظارا الرزق الحلال من [عند «4»] الله. وقال ابن زيد:
__________
(1). راجع أحكام الجصاص ج 1 ص 489، وج 2 ص 49 في اختلاف العبارة.
(2). من ب وى وط. وفى غيرها: أشده.
(3). في أوهـ: يصلح.
(4). من ب وط وى وز.

كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث. عطاء: لا تربح يتيمك الذي عندك وهو غر صغير. وهذان القولان خارجان «1» عن ظاهر الآية، فإنه يقال: تبدل الشيء بالشيء أي أخذه مكانه. ومنه البدل. الرابعة- قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) قال مجاهد: وهذه الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها فنهوا عن ذلك، ثم نسخ بقوله (إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ «2»). وقال ابن فورك عن الحسن: تأول الناس في هذه الآية النهى عن الخلط فاجتنبوه من قبل أنفسهم فخفف عنهم في آية البقرة «3». وقالت طائفة من المتأخرين: ان (إِلى ) بمعنى مع، كقوله تعالى: (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ «4»). وأنشد القتبي:
يسدون أبواب القباب بضمر ... إلى عنن مستوثقات الأواصر «5»
وليس بجيد. وقال الحذاق: (إِلى ) على بابها وهي تتضمن الا ضافه، أي لا تضيفوا أموالهم وتضموها إلى أموالكم في الأكل. فنهوا أن يعتقدوا أموال اليتامى كأموالهم فيتسلطوا عليها بالأكل والانتفاع. الخامسة- قوله تعالى: (إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) (إِنَّهُ) أي الأكل. (كانَ حُوباً كَبِيراً) أي إثما كبيرا، عن ابن عباس والحسن وغيرهما. يقال: حاب الرجل يحوب حوبا إذا أثم. وأصله الزجر للإبل، فسمي الإثم حوبا، لأنه يزجر عنه وبه. ويقال في الدعاء: اللهم اغفر حوبتي، أي إثمي. والحوبة أيضا الحاجة. ومنه في الدعاء: إليك أرفع حوبتي، أي حاجتي. والحوب الوحشة، ومنه قوله عليه السلام لابي أيوب: (إن طلاق أم أيوب لحوب). وفية ثلاث لغات (حُوباً) بضم الحاء وهي قراءة العامة ولغة أهل الحجاز. وقرا الحسن (حوبا) بفتح الحاء. وقال الأخفش: وهي لغة تميم. مقاتل: لغة الحبش.
__________
(1). في ب وج وى وط وه: خارج.
(2). راجع ج 3 ص 62.
(3). راجع ج 3 ص 62.
(4). راجع ج 18 ص 89.
(5). البيت لسلمة بن الحوشب يصف الحيل، يريد خيلا ربطت بأفنيتهم. والعنن: كنف سترت بها الخيل من الربح والبرد، والأواصر: الأواخي والأواري واحدتها آصرة، وهو حبل يدفن في الأرض ويبرز منه كالعروة تشد إليه الداية. (عن اللسان مادتي أخا أصرو).

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)

والحوب المصدر، وكذلك الحيابة. والحوب الاسم. وقرا أبي بن كعب (حابا) على المصدر مثل القال. ويجوز أن يكون اسما مثل الزاد. والحوأب (بهمزة بعد الواو): المكان الواسع. والحوأب ماء أيضا. ويقال: ألحق الله به الحوبة أي المسكنة والحاجة، ومنه قولهم: بات بحيبة سوء. واصل الياء الواو. وتحوب فلان أي تعبد وألقى الحوب عن نفسه. والتحوب أيضا التحزن. وهو أيضا الصياح الشديد، كالزجر، وفلان يتحوب من كذا أي يتوجع وقال طفيل:
فذوقوا كما ذقنا غداة محجر «1» ... من الغيظ في أكبادنا «2» والتحوب

[سورة النساء (4): آية 3]
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3)
فيه أربع عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى:" (وَإِنْ خِفْتُمْ)" شرط، وجوابه (فَانْكِحُوا). أي إن خفتم ألا تعدلوا في مهورهن وفى النفقة عليهن (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ) أي غيرهن. وروى الا يمه واللفظ لمسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة في قول الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) قالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها تشاركه في ما له فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. وذكر الحديث. وقال ابن خويز منداد: ولهذا قلنا إنه يجوز أن يشتري الوصي من مال اليتيم لنفسه، ويبيع من نفسه من غير محاباة. وللموكل النظر فيما اشترى وكيله لنفسه أو باع منها. وللسلطان النظر فيما يفعله الوصي من ذلك. فأما الأب فليس لاحد عليه نظر ما لم تظهر عليه المحاباة فيعترض عليه
__________
(1). محجر (كمعظم ومحدث): اسم موضع، وفى الديوان: في أجوافنا.
(2). محجر (كمعظم ومحدث): اسم موضع، وفى الديوان: في أجوافنا.

السلطان حينئذ، وقد مضى في (البقرة) «1» القول في هذا. وقال الضحاك والحسن وغير هما: إن الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام، من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما شاء، فقصرتهن الآية على أربع. وقال ابن عباس وابن جبير وغيرهما: المعنى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء، لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء و(خِفْتُمْ) من الأضداد، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف. فقال أبو عبيدة: (خِفْتُمْ) بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: (خِفْتُمْ) ظننتم. قال ابن عطية: وهذا الذي اختاره الحذاق، وأنه على بابه من الظن لا من اليقين. التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة فليعدل عنها. و(تُقْسِطُوا) معناه تعدلوا. يقال: أقسط الرجل إذا عدل. وقسط إذا جار وظلم صاحبه. قال الله تعالى:َ- أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
«2»يعني الجائرون. وقال عليه السلام: (المقسطون في الدين على منابر من نور يوم القيامة) يعني العادلين. وقرا ابن وثاب والنخعي (تقسطوا) بفتح التاء من قسط على تقدير زيادة لا كأنه قال: وإن خفتم أن تجوروا. الثانية- قوله تعالى: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) إن قيل: كيف جاءت (ما) للآدميين وإنما أصلها لما لا يعقل، فعنه أجوبة خمسة: الأول- أن (من) و(ما) قد يتعاقبان، قال الله تعالى: (وَالسَّماءِ وَما بَناها «3») أي ومن بناها. وقال (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ «4»). فما هاهنا لمن يعقل وهن النساء، لقوله بعد ذلك (مِنَ النِّساءِ) مبينا لمبهم. وقرا ابن أبي عبلة (من طاب) على ذكر من يعقل. الثاني- قال البصريون: (ما) تقع للنعوت كما تقع لما لا يعقل يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريف وكريم. فالمعنى فانكحوا الطيب من النساء، أي الحلال، وما حرمه الله فليس بطيب. وفي التنزيل (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ «5») فأجابه موسى على وفق ما سأل، وسيأتي. الثالث- حكى بعض الناس أن (ما) في هذه الآية ظرفية، أي ما دمتم تستحسنون
__________
(1). راجع ج 3 ص 62.
(2). راجع ج 19 ص 15.
(3). راجع ج 20 ص 74. [.....]
(4). راجع ج 12 ص 291.
(5). راجع ج 13 ص 98

النكاح قال. ابن عطية: وفي هذا المنزع ضعف. جواب رابع- قال الفراء: (ما) هاهنا مصدر. وقال النحاس: وهذا بعيد جدا، لا يصح فانكحوا الطيبة. قال الجوهري: طاب الشيء يطيب طيبة وتطيابا. قال علقمة:
كأن تطيابها في الأنف مشموم «1»

جواب خامس- وهو أن المراد بما هنا العقد، أي فانكحوا نكاحا طيبا. وقراءة ابن أبي عبلة ترد هذه الأقوال الثلاثة. وحكى أبو عمرو بن العلاء أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان ما سبح له الرعد. أي سبحان من سبح له الرعد. ومثله قولهم: سبحان ما سخر كن لنا. أي من سخر كن. واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) ليس له مفهوم، إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنتين أو ثلاثا أو أربعا كمن خاف. فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم من ذلك. الثالثة- تعلق أبو حنيفة بهذه الآية في تجويزه «2» نكاح اليتيمة قبل البلوغ. وقال: إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة، بدليل أنه لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها، لأنها تختار ذلك فيجوز إجماعا. وذهب مالك والشافعي والجمهور من العلماء إلى أن ذلك لا يجوز حتى تبلغ وتستأمر، لقوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ) والنساء اسم ينطلق على الكبار كالرجال في الذكور، واسم الرجل لا يتناول الصغير، فكذلك اسم النساء، والمرأة لا يتناول الصغيرة. وقد قال: (فِي يَتامَى النِّساءِ) والمراد به هناك اليتامى هنا، كما قالت عائشة رضي الله عنها. فقد دخلت اليتيمة الكبيرة في الآية فلا تزوج إلا بإذنها، ولا تنكح الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن لا تزوج إلا بإذنها. كما رواه الدارقطني من حديث محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها، فأرغبها في المال وخطبها إليها، فرفع شأنها إلى النبي صلى الله
__________
(1). هذا عجز بيت، وصدره:
يحملن اترجة نضخ العبير بها

(2). كذا في وط وى.

عليه وسلم فقال قدامة: يا رسول الله ابنة أخي وأنا وصي أبيها ولم أقصر بها، زوجتها من قد علمت فضله وقرابته. فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنها يتيمة واليتيمة أولى بأمرها) فنزعت مني وزوجها المغيرة بن شعبة. قال الدارقطني: لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه. ورواه ابن أبي ذئب عن عمر بن حسين عن نافع عن عبد الله بن عمر: أنه تزوج بنت خاله عثمان بن مظعون قال: فذهبت أمها إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: إن ابنتي تكره ذلك. فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يفارقها ففارقها. وقال: (ولا تنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن فإذا سكتن فهو إذنها). فتزوجها بعد عبد الله المغيرة بن شعبة. فهذا يرد ما يقوله أبو حنيفة من أنها إذا بلغت لم تحتج إلى ولي، بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح. وقد مضى في (البقرة «1») ذكره، فلا معنى لقولهم: إن هذا الحديث محمول على غير البالغة لقوله (إلا بإذنها) فإنه كان لا يكون لذكر اليتيم معنى والله أعلم. الرابعة- وفي تفسير عائشة للآية من الفقه ما قال به مالك صداق المثل، والرد إليه فيما فسد من الصداق ووقع الغبن في مقداره، لقولها: بأدنى من سنة صداقها. فوجب أن يكون صداق المثل معروفا لكل صنف من الناس على قدر أحوالهم. وقد قال مالك: للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها. أي صدقات وأكفاء. وسيل مالك عن رجل زوج ابنته [غنية «2»] من ابن أخ له فقير فاعترضت أمها فقال: إني لأرى لها في ذلك متكلما. فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو من نظره ما يسقط اعتراض الام عليه. وروى (لا أرى) بزيادة الالف والأول أصح. وجائز لغير اليتيمة أن تنكح بأدنى من صداق مثلها، لان الآية إنما خرجت في اليتامى. هذا مفهومها وغير اليتيمة بخلافها. الخامسة- فإذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في صداقها جاز له أن يتزوجها، ويكون هو الناكح والمنكح على ما فسرته عائشة. وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأبو ثور، وقاله من التابعين الحسن وربيعة، وهو قول الليث. وقال زفر والشافعي:
__________
(1). راجع ج 3 ص 72.
(2). زيادة من احكام القران لابن العربي.

لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها منه ولي لها هو أقعد «1» بها منه، أو مثله في القعدد، «2» وأما أن يتولى طرفي العقد بنفسه فيكون ناكحا منكحا فلا. واحتجوا بأن الولاية شرط من شروط العقد لقوله عليه السلام: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل). فتعديد الناكح والمنكح والشهود واجب، فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين. وفي المسألة قول ثالث، وهو أن تجعل أمرها إلى رجل يزوجها منه. روي هذا عن المغيرة بن شعبة، وبه قال أحمد، ذكره ابن المنذر. السادسة- قوله تعالى: (ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) معناه ما حل لكم، عن الحسن وابن جبير وغيرهما. واكتفى بزمن يجوز نكاحه، لان المحرمات من النساء كثير. وقرأ ابن إسحاق والجحدري وحمزة (طاب) (بالامالة) وفي مصحف أبي (طيب) بالياء، فهذا دليل الإمالة. (مِنَ النِّساءِ) دليل على أنه لا يقال نساء إلا لمن بلغ الحلم. وواحد النساء نسوة، ولا واحد لنسوة من لفظه، ولكن يقال امرأة. السابعة- قوله تعالى: (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) وموضعها من الاعراب نصب على البدل من (ما) وهي نكرة لا تنصرف، لأنها معدولة وصفه، كذا قال أبو علي. وقال الطبري: هي معارف، لأنها لا يدخلها الالف واللام، وهي بمنزلة عمر في التعريف، قاله الكوفي. وخطأ الزجاج هذا القول. وقيل «3»: لم ينصرف، لأنه معدول عن لفظه ومعناه، فآحاد معدول عن واحد واحد، ومثنى معدولة عن اثنين اثنين، وثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة، ورباع عن أربعة أربعة. وفى كل واحد منها لغتان: فعال ومفعل، يقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع، وكذلك إلى معشر وعشار. وحكى أبو إسحاق الثعلبي لغة ثالثة: أحد وثني وثلث وربع مثل عمر وزفر. وكذلك قرأ النخعي في هذه الآية. وحكى المهدوي عن النخعي وابن وثاب (ثلاث وربع) بغير ألف في ربع فهو مقصور من رباع استخفافا، كما قال:
__________
(1). اقعد: اقرب إلى الحد الأكبر.
(2). القعدد (بضم القاف وفتح الدال وضمها) أملك القرابة في النسب.
(3). في أ: قال.

أقبل سيل جاء من عند الله ... يحرد حرد الجنة المغلة «1»
قال الثعلبي: ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلا بيت جاء عن الكميت:
فلم يستريثوك حتى رمي ... ت فوق الرجال خصالا عشارا
يعني طعنت عشرة. وقال ابن الدهان: وبعضهم يقف على المسموع وهو من أحاد إلى رباع ولا يعتبر بالبيت لشذوذه. وقال أبو عمرو بن الحاجب: ويقال أحاد وموحد وثناء ومثنى وثلاث ومثلث ورباع ومربع. وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال؟ فيه خلاف أصحها أنه لم يثبت. وقد نص البخاري في صحيحه على ذلك. وكونه معدولا عن معناه أنه لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الاعداد غير المعدولة، تقول جاءني اثنان وثلاثة، ولا يجوز مثنى وثلاث حتى يتقدم قبله جمع، مثل جاءني القوم أحاد وثناء وثلاث ورباع من غير تكرار. وهي في موضع الحال هنا وفي الآية، وتكون صفة، ومثال كون هذه الاعداد صفة يتبين في قوله تعالى: (أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ «2») [فهي «3»] صفة للاجنحة [وهي «4»] نكرة. وقال ساعدة بن جوية:
ولكنما أهلي بواد أنيسه ... ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد «5»
وأنشد الفراء:
قتلنا به من بين مثنى وموحد ... بأربعة منكم وآخر خامس «6»
فوصف ذئابا وهي نكرة بمثنى وموحد، وكذلك بيت الفراء، أي قتلنا به ناسا، فلا تنصرف إذا هذه الأسماء في معرفة ولا نكرة. وأجاز الكسائي والفراء صرفه في العدد على أنه نكرة. وزعم الأخفش أنه إن سمى به صرفه في المعرفة والنكرة، لأنه قد زال عنه العدل.
__________
(1). حرد يحرد بالكسر حردا: قصد.
(2). راجع ج 14 ص 319.
(3). من ب وج وط وز.
(4). من ب وج وط وز.
(5). تبغى الناس: تطالبهم. [.....]
(6). الذي في معاني القرآن للفراء:
وأن الغلام المستهام بذكره ... قتلنا به من بين مثنى وموحد
بأربعة منكم وآخر خامس ... وساد مع الإظلام في رمح معبد
كذا في شرح السبيل.

الثامنة- اعلم أن هذا العدد مثنى وثلاث ورباع لا يدل على إباحة تسع، كما قال من بعد فهمه للكتاب والسنة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الامة، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نكح تسعا، وجمع بينهن في عصمته. والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه «1» المقالة الرافضة وبعض أهل الظاهر، فجعلوا مثنى مثل اثنين، وكذلك ثلاث ورباع. وذهب بعض أهل الظاهر أيضا إلى أقبح منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمان عشرة، تمسكا منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار والواو للجمع، فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين وكذلك ثلاث ورباع. وهذا كله جهل باللسان والسنة، ومخالفة لإجماع الامة، إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع. وأخرج مالك في موطئة، والنسائي والدارقطني في سننهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة: (اختر منهن أربعا وفارق سائرهن). وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (اختر منهن أربعا). وقال مقاتل: إن قيس بن الحارث كان عنده ثمان نسوة حرائر، فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يطلق أربعا ويمسك أربعا. كذا قال: (قيس بن الحارث)، والصواب أن ذلك كان حارث ابن قيس الأسدي كما ذكر أبو داود. وكذا روى محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير: أن ذلك كان حارث ابن قيس، وهو المعروف عند الفقهاء. وأما ما أبيح من ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذلك من خصوصياته، على ما يأتي بيانه في (الأحزاب «2»). وأما قولهم: إن الواو جامعة، فقد قيل ذلك، لكن الله تعالى خاطب العرب بأفصح اللغات. والعرب لا تدع أن تقول تسعة وتقول اثنين وثلاثة وأربعة. وكذلك تستقبح ممن يقول: أعط فلانا أربعة ستة ثمانية، ولا يقول ثمانية عشر. وإنما الواو في هذا الموضع بدل، أي انكحوا ثلاثا بدلا من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث، ولذلك عطف بالواو ولم يعطف بأو. ولو جاء بأو لجاز إلا يكون لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. وأما قولهم: إن مثنى تقتضي اثنين، وثلاث ثلاثة،
__________
(1). في هـ: بهذه.
(2). راجع ج 14 ص 212

ورباع أربعة، فتحكم بما لا يوافقهم أهل اللسان عليه، وجهالة منهم. وكذلك جهل الآخرين «1»، بأن مثنى تقتضي اثنين اثنين، وثلاث ثلاثة ثلاثة، ورباع أربعة أربعة، ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثا ثلاثا، وأربعا أربعا، حصر للعدد. ومثنى وثلاث ورباع بخلافها. ففي العدد المعدول عند العرب زيادة معنى ليست في الأصل، وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيل مثنى، إنما تعني بذلك اثنين اثنين، أي جاءت مزدوجة. قال الجوهري: وكذلك معدول العدد. وقال غيره: إذا قلت جاءني قوم مثنى أو ثلاث أو أحاد أو عشار، فإنما تريد أنهم جاءوك واحدا واحدا، أو اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو عشرة عشرة، وليس هذا المعنى في الأصل، لأنك إذا قلت جاءني قوم ثلاثة ثلاثة، أو قوم عشرة عشرة، فقد حصرت عدة القوم بقولك ثلاثة وعشرة. فإذا قلت جاءوني رباع وثناء فلم تحصر عدتهم. وإنما تريد أنهم جاءوك أربعة أربعة أو اثنين اثنين. وسواء كثر عددهم أو قل في هذا الباب، فقصرهم كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم. وأما اختلاف علماء المسلمين في الذي يتزوج خامسة وعنده أربع وهى: التاسعة- فقال مالك والشافعي: عليه الحد إن كان عالما. وبه قال أبو ثور. وقال الزهري: يرجم إذا كان عالما، وإن كان جاهلا أدنى الحدين الذي هو الجلد، ولها مهرها ويفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا. وقالت طائفة: لا حد عليه في شي من ذلك. هذا قول النعمان. وقال يعقوب ومحمد: يحد في ذات المحرم ولا يحد في غير ذلك من النكاح. وذلك مثل أن يتزوج مجوسية أو خمسة «2» في عقدة أو تزوج [متعة «3»] أو تزوج بغير شهود، أو أمة تزوجها بغير إذن مولاها. وقال أبو ثور: إذا علم أن هذا لا يحل له يجب أن يحد فيه كله إلا التزوج بغير شهود. وفية قول ثالث قاله النخعي في الرجل ينكح الخامسة متعمدا قبل أن تنقضي عدة الرابعة من نسائه: جلد مائة ولا ينفى. فهذه فتيا علمائنا «4» في الخامسة على ما ذكره ابن المنذر فكيف بما فوقها.
__________
(1). في ا: جهله الآخرون لان. إلخ.
(2). في ج: أو ستة أو خمسة.
(3). كذا في ط وج وب وز وهـ وى. وفى ا: معتدة. ولعله أحق.
(4). في ط وب وج وى: علماء المسلمين.

العاشرة- ذكر الزبير بن بكار حدثني إبراهيم الحزامي عن محمد بن معن الغفاري قال: أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وأنا أكره أن أشكوه، وهو يعمل بطاعة الله عز وجل. فقال لها: نعم الزوج «1» زوجك. فجعلت تكرر عليه القول و[هو «2»] يكرر عليها الجواب. فقال له كعب الأسدي: «3» يا أمير المؤمنين، هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه. فقال عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما. فقال كعب: علي بزوجها، فأتي به فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك. قال: أفي طعام أم شراب؟ قال لا. فقالت المرأة:
يا أيها القاضي الحكيم رشده ... ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهده في مضجعي تعبده ... فاقض القضا كعب ولا تردده
نهاره وليله ما يرقده ... فلست في أمر النساء أحمده
فقال زوجها:
زهدني في فرشها وفي الحجل «4» ... أني امرؤ أذهلني ما قد نزل
في سورة النحل وفي السبع «5» الطول ... وفي كتاب الله تخويف جلل
فقال كعب:
إن لها عليك حقا يا رجل ... نصيبها في أربع لمن عقل

فأعطها ذاك ودع عنك العلل

ثم قال: إن الله عز وجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك. فقال عمر، والله ما أدري من أي أمريك أعجب؟ أمن فهمك أمرهما أم من حكمك بينهما؟ اذهب فقد وليتك قضاء البصرة. وروى أبو هدبة إبراهيم
__________
(1). في ب وط: نعم الرجل.
(2). من ب وط وهـ وز.
(3). هو كعب بن سوار الأزدي. راجع أسد الغابة.
(4). الجحل: جمع جحلة بفتحتين، وهى بيت يزين للعروس بالثياب والأسرة والستور.
(5). السبع الطول من سور القرآن وهى البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والانعام والأعراف واختلفوا في السابعة فمنهم من قال براءة والأنفال عدهما سورة واحدة، ومنهم من جعلها سورة يونس. والطول جمع الطولى. وفى ب وج وز وهـ: النمل بدل النحل.

ابن هدبة حدثنا أنس بن مالك قال: أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأة تستعدي زوجها، فقالت: ليس لي ما للنساء، زوجي يصوم الدهر. قال: (لك يوم وله يوم، للعبادة يوم وللمرأة يوم). الحادية عشرة- قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) قال الضحاك وغيره: في الميل والمحبة والجماع والعشرة والقسم بين الزوجات الأربع والثلاث والاثنين، (فَواحِدَةً). فمنع من الزيادة التي تؤدي إلى ترك العدل في القسم وحسن العشرة. وذلك دليل على وجوب ذلك، والله أعلم. وقرئت بالرفع، أي فواحدة فيها كفاية أو كافية. وقال الكسائي: فواحدة تقنع. وقرئت بالنصب بإضمار فعل، أي فانكحوا واحدة. الثانية عشرة- قوله تعالى: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) يريد الإماء. وهو عطف على (فَواحِدَةً) أي إن خاف ألا يعدل في واحدة فما ملكت يمينه. وفي هذا دليل على ألا حق لملك اليمين في الوطي ولا القسم، لا ن المعنى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا) في القسم (فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) فجعل ملك اليمين كله بمنزلة واحدة، فانتفى بذلك أن يكون للإماء حق في الوطي أو في القسم. إلا أن ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكة والرفق بالرقيق. وأسند تعالى الملك إلى اليمين إذ هي صفة مدح، واليمين مخصوصة بالمحاسن لتمكنها. ألا ترى أنها المنفقة؟ كما قال عليه السلام: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) وهي المعاهدة المبايعة، وبها سميت الالية يمينا، وهي المتلقية لرايات المجد، كما قال:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين «1»

الثالثة عشرة- قوله تعالى: (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) أي ذلك أقرب إلى ألا تميلوا عن الحق وتجوروا، عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. يقال: عال الرجل يعول إذا جار ومال. ومنه قولهم: عال السهم عن الهدف مال عنه. قال ابن عمر: إنه لعائل الكيل والوزن، قال الشاعر:
__________
(1). البيت للشماخ، يمدح عرابة الأوسي. وقبله:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين

قالوا «1» اتبعنا رسول الله واطرحوا ... قول الرسول وعالوا في الموازين
أي جاروا. وقال أبو طالب:
بميزان صدق لا يغل «2» شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل
يريد غير مائل. وقال آخر:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد عال الزمان على عيالي «3»
أي جار ومال. وعال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة. ومنه قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً «4»). ومنه قول الشاعر:
وما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل «5»
وهو عائل وقوم عيلة، والعيلة والعالة الفاقة، وعالني الشيء يعولني إذا غلبني وثقل علي، وعال الامر اشتد وتفاقم. وقال الشافعي: (ألا تعولوا) ألا تكثر عيالكم. قال الثعلبي: وما قال هذا غيره، وإنما يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله. وزعم ابن العربي أن عال على سبعة معان لا ثامن لها، يقال: عال مال، الثاني زاد، الثالث جار، الرابع افتقر، الخامس أثقل، حكاه ابن دريد. قالت الخنساء:
ويكفي العشيرة «6» ما عالها

السادس عال قام بمئونة العيال، ومنه قوله عليه السلام: (وابدأ بمن تعول). السابع عال غلب، ومنه عيل صبره «7». أي غلب. ويقال: أعال الرجل كثر عياله. وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح.
__________
(1). في اللسان مادة عول: انا تبعنا ... إلخ. [.....]
(2). في ج: يخيس. وفي ابن عطية رواية:
بميزان قسط لا يخيس شعيرة ... ووازن صدق وزنه غير عائل

(3). البيت للحطيئة. وفية شاهد آخر، وهو تذكير الثلاثة والنفس مؤنثة لحملها على معنى الشخص وثلاث ذود: أنوق كان يقوم بها على عياله ففضلت له، في ب وى وط د: نحن ثلاثة. وهى رواية الأغاني ج 2 ص 173.
(4). راجع ج 8 ص 106.
(5). البيت لاحيحة بن الجلاح وبعده:
وما تدري إذا أزمعت أمرا ... بأي الأرض يدركك المقيل

(6). في ديوانها:
وما كان أدنى ولكنه ... سيكفي العشيرة ما عالها

(7). في ب وهـ: صبري.

قلت: أما قول الثعلبي (ما قاله غيره) فقد الدارقطني في سننه عن زيد بن أسلم، وهو قول جابر بن زيد، فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد سبقا الشافعي إليه. وأما ما ذكره ابن العربي من الحصر وعدم الصحة فلا يصح. وقد ذكرنا: عال الامر اشتد وتفاقم، حكاه الجوهري. وقال الهروي في غريبيه: (وقال أبو بكر: يقال عال الرجل في الأرض يعيل فيها أي «1» ضرب فيها. وقال الأحمر: يقال عالني الشيء يعيلني عيلا ومعيلا إذا أعجزك). وأما عال كثر عياله فذكره الكسائي وأبو عمر الدوري وابن الاعرابي. قال الكسائي أبو الحسن علي بن حمزة: العرب تقول عال يعول وأعال يعيل أي كثر عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا، ولعله لغة. قال الثعلبي المفسر: قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب: سألت أبا عمر الدوري عن هذا وكان إماما في اللغة غير مدافع فقال: هي لغة حمير، وأنشد:
وإن الموت يأخذ كل حي ... بلا شك وإن أمشى وعالا
يعني وإن كثرت ماشيته وعياله. وقال أبو عمرو بن العلاء: لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت «2» أن آخذ عن لاحن لحنا. وقرا طلحة بن مصرف (ألا تعيلوا) وهي حجة الشافعي رضي الله عنه. قال ابن عطية: وقدح الزجاج وغيره في تأويل عال من العيال بأن قال: إن الله تعالى قد أباح كثرة السراري وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى ألا يكثر العيال. وهذا القدح غير صحيح، لان السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما [العيال «3»] القادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة. وحكى ابن الاعرابي أن العرب تقول: عال الرجل إذا كثر عياله. الرابعة عشرة- تعلق بهذه الآية من أجاز للمملوك أن يتزوج أربعا، لان الله تعالى قال: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) يعني ما حل (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) ولم يخص عبدا من حر. وهو قول داود والطبري وهو المشهور عن مالك وتحصيل مذهبه على ما في موطئة، وكذلك روى عنه ابن القاسم وأشهب. وذكر ابن المواز أن ابن وهب روى عن مالك أن العبد لا يتزوج إلا اثنتين، قال وهو قول الليث. فال أبو عمر: قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري
__________
(1). قي ط: إذا.
(2). في ب وى ط وز: حييت.
(3). الزيادة في ط وج وب، وابن عطية، والبحر.

وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)

والليث بن سعد: لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين، وبه قال أحمد وإسحاق. وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف في العبد لا ينكح أكثر من اثنتين، ولا أعلم لهم مخالفا من الصحابة. وهو قول الشعبي «1» وعطاء وابن سيرين والحكم «2» وإبراهيم [وحماد «3»]. والحجة لهذا القول القياس الصحيح على طلاقه وحده. وكل من قال حده نصف حد الحر، وطلاقه تطليقتان، وإيلاؤه شهران، ونحو ذلك من أحكامه فغير بعيد أن يقال: تناقض في قوله (ينكح أربعا) والله أعلم.

[سورة النساء (4): آية 4]
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4)
فيه عشر مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ) الصدقات جمع، الواحدة صدقة. قال الأخفش: وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات، وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت. قال المازني: يقال صداق المرأة [بالكسر «4»]، ولا يقال بالفتح. وحكى يعقوب وأحمد بن يحيى بالفتح عن النحاس. والخطاب في هذه الآية للأزواج، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وابن جريج. أمرهم الله تعالى بأن يتبرعوا بإعطاء المهور نحلة منهم لأزواجهم. وقيل: الخطاب للأولياء، قاله أبو صالح. وكان الولي يأخذ مهر المرأة ولا يعطيها شيئا، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يدفعوا ذلك إليهن. قال في رواية الكلبي: أن أهل الجاهلية كان الولي إذا زوجها فإن كانت معه في العشرة «5» لم يعطها من مهرها كثيرا ولا قليلا، وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير، فنزل: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً). وقال المعتمر بن سليمان عن أبيه: زعم حضرمي ان المراد بالآية المتشاغرون الذين كانوا يتزوجون امرأة بأخرى، فأمروا أن يضربوا المهور. والأول أظهر، فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد، لأنه قال:
__________
(1). في ب: الشافعي. في ا: الحسن.
(2). في ط وج.
(3). من ج وط.
(4). من النحاس.
(5). في ج وب وط: في العشيرة. [.....]

(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) إلى قوله: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً). وذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأول فيها هو الأخر. الثانية- هذه الآية تدل على وجوب الصداق للمرأة، وهو مجمع عليه ولا خلاف فيه إلا ما روي عن بعض [أهل العلم «1»] من أهل العراق أن السيد إذا زوج عبده من أمته أنه لا يحجب فيه صداق، وليس بشيء، لقوله تعالى: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) فعم. وقال: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ «2»). وأجمع العلماء أيضا أنه لاحد لكثيرة، واختلفوا في قليله على ما يأتي بيانه في قوله: (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً «3»). وقرا الجمهور (صدقاتهن) بفتح الصاد وضم الدال. وقرا قتادة (صدقاتهن) بضم الصاد وسكون الدال. وقرا النخعي وابن وثاب بضمهما والتوحيد (صدقتهن). الثالثة- قوله تعالى: (نِحْلَةً) النحلة والنحلة، بكسر النون وضمها لغتان. واصلها من العطاء، نحلت فلانا شيئا أعطيته. فالصداق عطية من الله تعالى للمرأة. وقيل: (نِحْلَةً) أي عن طيب نفس من الأزواج من غير تنازع. وقال قتادة: معنى (نِحْلَةً) فريضة واجبة. ابن جريج وابن زيد: فريضة مسماة. قال أبو عبيد: ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة. وقال الزجاج: (نِحْلَةً) تدينا. والنحلة الديانة والملة. يقال: هذا نحلته أي دينه. وهذا يحسن «4» مع كون الخطاب للأولياء الذين كانوا يأخذونه في الجاهلية، حتى قال بعض النساء في زوجها:
لا يأخذ الحلوان من بناتنا

تقول: لا يفعل ما يفعله غيره. فانتزعه الله منهم وأمر به للنساء. و(نِحْلَةً) منصوبة على أنها حال من الأزواج بإضمار فعل من لفظها تقديره أنحلوهن نحلة. وقيل: هي نصب على التفسير. وقيل: هي مصدر على غير الصدر في موضع الحال. الرابعة- قوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) مخاطبة للأزواج، ويدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها بكرا كانت أو ثيبا جائزة، وبه قال جمهور الفقهاء. ومنع مالك من هبة البكر الصداق لزوجها وجعل ذلك للولي مع أن الملك لها.
__________
(1). سقطت جملة: أهل العلم. من ب وز ج وهـ وط وى.
(2). راجع ص 141 من هذا الجزء.
(3). ص 98 من هذا الجزء.
(4). أوح: حسن.

وزعم الفراء أنه مخاطبة للأولياء، لأنهم كانوا يأخذون الصداق ولا يعطون المرأة منه شيئا، فلم يبح لهم منه إلا ما طابت به نفس المرأة. والقول الأول أصح، لأنه لم يتقدم «1» للأولياء ذكر، والضمير في (مِنْهُ) عائد على الصداق. وكذلك قال عكرمة وغيره. وسبب الآية فيما ذكر أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شي مما دفعوه إلى الزوجات فنزلت (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ). الخامسة- واتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها، ولا رجوع لها فيه. إلا أن شريحا رأى الرجوع لها فيه، واحتج بقوله: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) وإذا كانت طالبة له لم تطب به نفسا. قال ابن العربي: وهذا باطل، لأنها قد طابت وقد أكل فلا كلام لها، إذ ليس المراد صورة الأكل، وإنما هو كناية عن الإحلال والاستحلال، وهذا بين. السادسة- فإن شرطت عليه عند عقد النكاح ألا يتزوج عليها، وحطت عنه لذلك شيئا من صداقها، ثم تزوج عليها فلا شي لها عليه في رواية ابن القاسم، لأنها شرطت عليه ما لا يجوز شرطه. كما اشترط أهل بريرة «2» أن تعتقها عائشة والولاء لبايعها، فصحح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العقد وأبطل الشرط. كذلك هاهنا يصح إسقاط بعض الصداق عنه وتبطل الزيجة «3». قال ابن عبد الحكم: إن كان بقي من صداقها مثل صداق مثلها أو أكثر لم ترجع عليه بشيء، وإن كانت وضعت عنه شيئا من صداقها فتزوج عليها رجعت عليه بتمام صداق مثلها، لأنه شرط على نفسه شرطا واخذ عنه عوضا كان لها واجبا أخذه منه، فوجب عليه الوفاء لقوله عليه السلام: (المؤمنون عند شروطهم). السابعة- وفي الآية دليل على أن العتق لا يكون صداقا، لأنه ليس بمال، إذ لا يمكن المرأة هبته ولا الزوج أكله. وبه قال مالك وأبو حنيفة وزفر ومحمد والشافعي. وقال أحمد ابن حنبل وإسحاق ويعقوب: يكون صداقا ولا مهر لها غير العتق، على حديث صفية «4»-
__________
(1). في ج وب وز وط: لم يجئ.
(2). بريرة: مولاة عائشة رضى الله عنها كانت لعتبة بن أبى لهب. وقيل: لبعض بنى هلال، فكاتبوها ثم باعوها فاشترتها عائشة، وجاء الحديث في شأنها بأن الولاء لمن أعتق.
(3). كذا في الأصول. وكان ينبغي: ويبطل ما التزمه، وقد يريد بالزيجة الهيئة التي حصل عليها العقد.
(4). هي صفية بنت حيي بن أخطب، سباها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

رواه الأئمة- أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعتقها وجعل عتقها صداقها. وروي عن أنس أنه فعله، وهو راوي حديث صفية. وأجاب الأولون بأن قالوا: لا حجة في حديث صفية، لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مخصوصا في النكاح بأن يتزوج بغير صداق، وقد أراد زينب فحرمت على زيد فدخل عليها بغير ولي ولا صداق. فلا ينبغي الاستدلال بمثل هذا، والله أعلم. الثامنة- قوله تعالى: (نَفْساً) قيل: هو منصوب على البيان. ولا يجيز سيبويه ولا الكوفيون أن يتقدم ما كان منصوبا على البيان، وأجاز ذلك المازني وأبو العباس المبرد إذا كان العامل فعلا. وأنشد:
وما كان نفسا بالفراق تطيب «1»

وفي التنزيل (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ «2») فعلى هذا يجوز (شحما تفقأت. ووجها حسنت). وقال أصحاب سيبويه: إن (نَفْساً) منصوبة بإضمار فعل تقديره أعني نفسا، وليست منصوبة على التمييز، وإذا كان هذا فلا حجة فيه. وقال الزجاج الرواية:
وما كان نفسي ...

واتفق الجميع على أنه لا يجوز تقديم المميز إذا كان العامل غير متصرف كعشرين درهما. التاسعة- قوله تعالى: (فَكُلُوهُ) ليس المقصود صورة الأكل، وإنما المراد به الاستباحة بأي طريق كان، وهو المعني بقوله في الآية التي بعدها (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً). وليس المراد نفس الأكل، إلا أن الأكل لما كان أو في «3» أنواع التمتع بالمال عبر عن التصرفات بالأكل. ونظيره قوله تعالى: (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ «4») يعلم أن صورة البيع غير مقصودة، وإنما المقصود ما يشغله عن ذكر الله تعالى مثل النكاح وغيره، ولكن ذكر البيع لأنه أهم ما يشتغل به عن ذكر الله تعالى. العاشرة- قوله تعالى (هَنِيئاً مَرِيئاً) منصوب «5» على الحال من الهاء في (فَكُلُوهُ) وقيل: نعت لمصدر محذوف، أي أكلا هنيئا بطيب «6» الأنفس. هنأه الطعام والشراب يهنئه،
__________ (1). هذا عجز بيت للمخبل السعدي، وصدر:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها

(2). راجع ج 17 ص 125.
(3). في ط: أرجى.
(4). راجع ج 18 ص 97.
(5). في ز: منصوبان.
(6). كذا في أوب وج وهـ، وفى ى: يطيب للأنفس. وفى ز: لطيب. [.....]

وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)

وما كان هنيئا، ولقد هنؤ، والمصدر الهنء. وكل ما لم يأت بمشقة ولا عناء فهو هنئ. وهني اسم فاعل من هنؤ كظريف من ظرف. وهني يهنأ فهو هنئ على فعل كزمن. وهنأني الطعام ومرأني على الاتباع، فإذا لم يذكر (هنأني) قلت: أمرأني الطعام بالألف، أي انهضم. قال أبو علي: وهذا كما جاء في الحديث (ارجعن مأزورات غير مأجورات). فقلبوا الواو من (موزورات) ألفا اتباعا للفظ مأجورات. وقال أبو العباس عن ابن الاعرابي: يقال هنئ وهنأني ومرأني وأمرأني ولا يقال مرئني، حكاه الهروي. وحكى القشيري أنه يقال: هنئني ومرئني بالكسر يهنأني ويمرأني، وهو قليل. وقيل: (هَنِيئاً) لا إثم فيه، و(مَرِيئاً) لا داء فيه. قال كثير:
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
ودخل رجل على علقمة وهو يأكل شيئا وهبته امرأته من مهرها فقال له: كل من الهني المري. وقيل: الهني الطيب المساغ الذي لا ينغصه شي، والمري المحمود العاقبة، التام الهضم الذي لا يضر ولا يؤذي. يقول: لا تخافون في الدنيا به مطالبة، ولا في الآخرة تبعة. يدل عليه ما روى ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سئل عن هذه الآية (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ) فقال: (إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان، ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة) وروي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: (إذا اشتكى أحدكم شيئا فليسأل امرأته درهما «1» من صداقها، ثم ليشتر به عسلا فليشربه بماء السماء، فيجمع الله عز وجل له الهني والمري والماء المبارك. والله أعلم.

[سورة النساء (4): آية 5]
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5)
فيه عشر مسائل: الاولى- لما أمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم في قوله: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) وإيصال الصدقات إلى الزوجات، بين أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه. فدلت
__________
(1). كذا في ى. وفى اخرى الأصول: دراهم. ولا يتسق مع ما بعد.

الآية على ثبوت الوصي والولي والكفيل للأيتام. وأجمع أهل العلم على أن الوصية إلى المسلم الحر الثقة العدل جائزة. واختلفوا في الوصية إلى المرأة الحرة، فقال عوام أهل العلم: الوصية لها جائزة. واحتج أحمد بأن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة. وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال في رجل أوصى إلى امرأته قال: لا تكون المرأة وصيا، فإن فعل حولت إلى رجل من قومه. واختلفوا في الوصية إلى العبد، فمنعه الشافعي وأبو ثور ومحمد ويعقوب. وأجازه مالك «1» والأوزاعي وابن عبد الحكم. وهو قول النخعي إذا أوصى إلى عبده. وقد مضى القول في هذا في (البقرة «2») مستوفى. الثانية- قوله تعالى: (السُّفَهاءَ) قد مضى في (البقرة) معنى السفه «3» لغة. واختلف العلماء في هؤلاء السفهاء، من هم؟ فروى سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالكم. قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية. وروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك قال: هم الأولاد الصغار، لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها وتبقوا بلا شي. وروى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال: هم النساء. قال النحاس وغيره: وهذا القول لا يصح، إنما تقول العرب في النساء سفائه أو سفيهات، لأنه الأكثر في جمع فعيلة. ويقال: لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة. وروي عن عمر أنه قال: من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا، فذلك قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) يعني الجهال بالأحكام. ويقال: لا تدفع إلى الكفار، ولهذا كره العلماء أن يوكل المسلم ذميا بالشراء والبيع، أو يدفع «4» إليه مضاربة. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: السفهاء هنا كل من يستحق الحجر. وهذا جامع. وقال ابن خويز منداد: وأما الحجر على السفيه فالسفيه له أحوال: حال يحجر عليه لصغره، وحالة لعدم عقله بجنون أو غيره، وحالة لسوء نظره لنفسه في ماله. فأما المغمى عليه فاستحسن مالك ألا يحجر عليه لسرعة زوال ما به. والحجر يكون مرة في حق الإنسان ومرة في حق غيره، فأما المحجور عليه في حق نفسه من
__________
(1). سقط من ط.
(2). راجع ج 2 ص 257 وما بعدها.
(3). راجع ج 1 ص 205.
(4). في ز: يدفعه.

ذكرنا. والمحجور عليه في حق غيره العبد والمديان والمريض في الثلثين، والمفلس وذات الزوج لحق الزوج، والبكر في حق نفسها. فأما الصغير والمجنون فلا خلاف في الحجر عليهما. وأما الكبير فلانه لا يحسن النظر لنفسه في ماله، ولا يؤمن منه إتلاف ما له في غير وجه، فأشبه الصبي، وفية خلاف يأتي. ولا فرق بين أن يتلف ما له في المعاصي أو في القرب والمباحات. واختلف أصحابنا إذا أتلف ما له في القرب، فمنهم من حجر عليه، ومنهم من لم يحجر عليه. والعبد لا خلاف فيه. والمديان ينزع ما بيده لغرمائه، لإجماع الصحابة، وفعل عمر ذلك بأسيفع جهينة «1»، ذكره مالك في الموطأ. والبكر ما دامت في الخدر محجور عليها، لأنها لا تحسن النظر لنفسها. حتى إذ تزوجت ودخل إليها الناس، وخرجت وبرز وجهها عرفت المضار من المنافع. وأما ذات الزوج فلان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا يجوز لامرأة ملك زوجها عصمتها قضاء في مالها إلا في ثلثها). قلت: وأما الجاهل بالأحكام وإن كان غير محجور عليه لتنميته لماله وعدم تدبيره «2»، فلا يدفع إليه المال، لجهله بفاسد البياعات وصحيحها وما يحل وما يحرم منها. وكذلك الذمي مثله في الجهل بالبياعات ولما يخاف من معاملته بالربا وغيره. والله أعلم. واختلفوا في وجه إضافة المال إلى المخاطبين على هذا، وهي للسفهاء، فقيل: أضافها إليهم لأنها بأيديهم وهم الناظرون فيها فنسبت إليهم اتساعا، كقوله تعالى: (فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ «3») وقوله (فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «4»). وقيل: أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم، فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق تنتقل من يد إلى يد، ومن ملك إلى ملك، أي هي لهم إذا احتاجوها كأموالكم التي تقي أعراضكم وتصونكم وتعظم أقداركم، وبها قوام أمركم. وقول ثان قاله أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة: (أن المراد أموال المخاطبين حقيقة. قال ابن عباس: لا تدفع مالك الذي هو سبب معيشتك إلى امرأتك وابنك وتبقى فقيرا تنظر إليهم وإلى ما في أيديهم، بل كن أنت الذي تنفق عليهم. فالسفهاء على هذا هم النساء والصبيان، صغار ولد الرجل وامرأته. وهذا يخرج مع قول مجاهد وأبي مالك في السفهاء.
__________
(1). راجع مادة سفع في القاموس والتاج.
(2). في ط: تبذيره.
(3). راجع ج 12 ص 318.
(4). راجع ج 1 ص 400

الثالثة- ودلت الآية على جواز الحجر على السفيه، لأمر الله عز وجل بذلك في قوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) وقال (فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً «1»). فأثبت الولاية على السفيه كما أثبتها على الضعيف. وكان معنى الضعيف راجعا إلى الصغير، ومعنى السفيه إلى الكبير البالغ، لان السفه اسم ذم ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه «2»، والقلم مرفوع عن غير البالغ، فالذم والحرج منفيان عنه، قاله الخطابي. الرابعة- واختلف العلماء في أفعال السفيه قبل الحجر عليه، فقال مالك وجميع أصحابه غير ابن القاسم: إن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الامام على يده. وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقال ابن القاسم: أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الامام. وقال أصبغ: إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة، وإن كان غير ظاهر السفه فلا ترد أفعاله حتى يحجر عليه الامام. واحتج سحنون لقول مالك بأن قال: لو كانت أفعال السفيه مردودة قبل الحجر ما أحتاج السلطان أن يحجر على أحد. وحجة ابن القاسم ما رواه البخاري من حديث جابر أن رجلا أعتق عبدا ليس له مال غيره فرده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يكن حجر عليه قبل ذلك. الخامسة- واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهور الفقهاء: يحجر عليه. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله، فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم إليه بكل حال، سواء كان مفسدا أو غير مفسد، لأنه يحبل منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يولد له لستة أشهر فيصير جدا [وأبا «3»]، وأنا أستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدا. وقيل عنه: إن في مدة المنع من المال إذا بلغ مفسدا ينفذ تصرفه على الإطلاق، وإنما يمنع من تسليم المال احتياطا. وهذا كله ضعيف في النظر والأثر. وقد روى الدارقطني: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف أخبرنا حامد بن شعيب أخبرنا شريح بن يونس أخبرنا يعقوب بن إبراهيم- هو أبو يوسف القاضي- أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير فقال: إني اشتريت
__________
(1). راجع ج 3 ص 385.
(2). من ز.
(3). من ز.

بيع كذا وكذا، وإن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين فيسأله أن يحجر علي فيه. فقال الزبير: أنا شريكك في البيع. فأتى على عثمان فقال: إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا فاحجر عليه. فقال الزبير: فأنا شريكه في البيع. فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير؟ قال يعقوب: أنا آخذ بالحجر واراه، وأحجر وأبطل بيع المحجور عليه وشراءه، وإذا اشترى أو باع قبل الحجر أجزت بيعه. قال يعقوب بن إبراهيم: وإن أبا حنيفة لا يحجر ولا يأخذ بالحجر. فقول عثمان: كيف أحجر على رجل، دليل على جواز الحجر على الكبير، فإن عبد الله بن جعفر ولدته أمه بأرض الحبشة، وهو أول مولود ولد في الإسلام بها، وقدم مع أبيه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام خيبر فسمع منه وحفظ عنه. وكانت خيبر سنة خمس من الهجرة. وهذا يرد على أبي حنيفة قوله. وستأتي حجته إن شاء الله تعالى. السادسة- قوله تعالى: (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً) أي لمعاشكم وصلاح دينكم. وفي (الَّتِي) ثلاث لغات: التي والت بكسر التاء والت بإسكانها. وفي تثنيتها أيضا ثلاث لغات: اللتان واللتا بحذف النون واللتان بشد النون. وأما الجمع فتأتي لغاته في موضعه من هذه السورة إن شاء الله تعالى «1». والقيام والقوام: ما يقيمك بمعنى. يقال: فلان قيام أهله وقوام بيته، وهو الذي يقيم شأنه، أي يصلحه. ولما انكسرت القاف من قوام أبدلوا الواو ياء. وقراءة أهل المدينة (قيما) بغير ألف. قال الكسائي والفراء قيما وقواما بمعنى قياما، وانتصب عندهما على المصدر. أي ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي تصلح بها أموركم فيقوموا بها قياما. وقال الأخفش: المعنى قائمة بأموركم. يذهب إلى أنها جمع. وقال البصريون: قيما جمع قيمة، كديمة وديم، أي جعلها الله قيمة للأشياء. وخطأ أبو علي هذا القول وقال: هي مصدر كقيام وقوام واصلها قوم، ولكن شذت في الرد إلى الياء كما شذ قولهم: جياد في جمع جواد ونحوه. وقوما وقواما وقياما معناها ثباتا في صلاح الحال ودواما في ذلك. وقرا الحسن والنخعي (اللاتي) [جعل «2»] على جمع التي، وقراءة العامة (الَّتِي) على لفظ الجماعة. قال الفراء: الأكثر في كلام العرب (النساء اللواتي، والأموال التي) وكذلك غير الأموال، ذكره النحاس.
__________
(1). راجع ص 82 من هذا الجزء.
(2). من ب وج وهـ وى وط. [.....]

السابعة- قوله تعالى: (وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ) قيل: معناه اجعلوا لهم فيها أو افرضوا لهم فيها. وهذا فيمن يلزم الرجل نفقته وكسوته من زوجته وبنيه الأصاغر. فكان هذا دليلا على وجوب نفقة الولد على الوالد والزوجة على زوجها. وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أفضل الصدقة ما ترك غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني (؟ فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال: لا، هذا من كيس «1» أبي هريرة!. قال المهلب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع، وهذا الحديث حجة في ذلك. الثامنة- قال ابن المنذر: واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن ينفق على ولده الذكور حتى يحتلموا، وعلى النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن. فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها. وإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها. التاسعة- ولا نفقة لولد الولد على الجد، هذا قول مالك. وقالت طائفة: ينفق على ولد ولده حتى يبلغوا الحلم والمحيض. ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال، وسواء في ذلك ولده أو ولد ولده وإن سفلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على النفقة عليهم، هذا قول الشافعي. وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد، على ظاهر قوله عليه السلام لهند: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). وفي حديث أبي هريرة (يقول الابن أطعمني إلى من تدعني؟) يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة له على الكسب والتحرف. ومن بلغ سن الحلم فلا يقول ذلك، لأنه قد بلغ حد السعي على نفسه والكسب لها، بدليل قوله تعالى: (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) الآية. فجعل بلوغ النكاح حدا في ذلك. وفي قوله «2» (تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني) يرد على من قال: لا يفرق بالإعسار ويلزم المرأة الصبر، وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم. هذا قول عطاء
__________
(1). في العسقلاني على البخاري: أي من حاصلة اشارة الى أنه من استنباطه مما فهم من الحديث المرفوع مع الواقع. ويروى: من كيسي. ج 9 ص 440.
(2). في ز: وفى حديث أبى هريرة.

وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)

والزهري. وإليه ذهب الكوفيون متمسكين بقوله تعالى: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) «1». قالوا: فوجب أن ينظر إلى أن يوسر. وقوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ «2») الآية. قالوا: فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون الفقر سببا للفرقة وهو مندوب منعه إلى النكاح. ولا حجة لهم في هذه الآية على ما يأتي بيانه في موضعها. والحديث نص في موضع الخلاف. وقيل: الخطاب لولي اليتيم لينفق عليه من ماله الذي له تحت نظره، على ما تقدم من الخلاف في إضافة المال. فالوصي ينفق على اليتيم على قدر ماله وحاله، فإن كان صغيرا وماله كثير اتخذ له ظئرا وحواضن ووسع عليه في النفقة. وإن كان كبيرا قدر له ناعم اللباس وشهي الطعام والخدم. وإن كان دون ذلك فبحسبه. وإن كان دون ذلك فخشن «3» الطعام واللباس قدر الحاجة. فإن «4» كان اليتيم فقيرا لا مال له وجب على الامام القيام به من بيت المال، فإن لم يفعل الامام وجب ذلك على المسلمين الأخص به فالاخص. وأمه أخص به فيجب عليها إرضاعه والقيام به. ولا ترجع عليه ولا على أحد. وقد مضى في البقرة عند قوله: (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ «5»). العاشرة- قوله تعالى: (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً) أراد تليين الخطاب والوعد الجميل. واختلف في القول المعروف، فقيل: معناه ادعوا لهم: بارك الله فيكم، وحاطكم وصنع لكم، وأنا ناظر لك، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك. وقيل: معناه وعدوهم وعدا حسنا، أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم. ويقول الأب لابنه: مالي إليك مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبه إذا ملكت «6» رشدك وعرفت تصرفك.

[سورة النساء (4): آية 6]
وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6)
__________
(1). راجع ج 3 ص 371.
(2). راجع 12 ص 239.
(3). في ج: فحسن.
(4). في ب: ولو.
(5). راجع ج 3 ص 160 و161.
(6). في ط وج وب وز: إذا ملكتم رشدكم وعرفتم تصرفكم.

فيه سبع عشرة مسألة. الاولى- قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتامى ) الابتلاء الاختبار، وقد تقدم «1». وهذه الآية خطاب للجميع في بيان كيفية دفع أموالهم. وقيل: إنها نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه. وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثانية- واختلف العلماء في معنى الاختبار، فقيل: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله والإهمال «2» لذلك. فإذا توسم الخير قال علماؤنا وغيرهم: لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه. وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده. وليس في العلماء من يقول: إنه إذا اختبر الصبي فوجده رشيدا ترتفع الولاية عنه، وأنه يجب دفع ماله إليه وإطلاق يده في التصرف، لقوله تعالى: (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ). وقال جماعة من الفقهاء: الصغير لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون غلاما أو جارية، فإن كان غلاما رد النظر إليه في نفقة الدار شهرا، أو أعطاه شيئا نزرا يتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه، «3» فإن أتلفه فلا ضمان على الوصي. فإذا رآه متوخيا سلم إليه ماله وأشهد عليه. وإن كان جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه، في الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته، واستيفاء الغزل وجودته. فإن رآها رشيدة سلم أيضا إليها مالها وأشهد عليها. وإلا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما. وقال الحسن ومجاهد وغيرهما: اختبروهم في عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم. الثالثة- قوله تعالى: (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) أي الحلم، لقوله تعالى: (وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ «4») أي البلوغ وحال النكاح. والبلوغ يكون بخمسة أشياء: ثلاثة
__________
(1). راجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص 387.
(2). الواو بمنى أو.
(3). في ى: ينفقه.
(4). راجع ج 12 ص 308

يشترك فيها الرجال والنساء، واثنان يختصان بالنساء وهما الحيض والحبل. فأما الحيض والحبل فلم يختلف العلماء في أنه بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما. واختلفوا في الثلاث، فأما الإنبات والسن فقال الأوزاعي والشافعي وابن حنبل: خمس عشرة سنة بلوغ لمن لم يحتلم. وهو قول ابن وهب وأصبغ وعبد الملك بن الماجشون وعمر بن عبد العزيز وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن العربي. وتجب الحدود والفرائض عندهم على من بلغ هذا السن. قال أصبغ بن الفرج: والذي نقول به إن حد البلوغ الذي تلزم به الفرائض والحدود خمس عشرة سنة، وذلك أحب ما فيه إلي وأحسنه عندي، لأنه الحد الذي يسهم فيه في الجهاد ولمن حضر القتال. واحتج بحديث ابن عمر إذ عرض «1» يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجيز، ولم يجز يوم أحد، لأنه كان ابن أربع عشرة سنة. أخرجه مسلم. قال أبو عمر بن عبد البر: هذا فيمن عرف مولده، وأما من جهل مولده وعدة «2» سنه أو جحده فالعمل فيه بما «3» روى نافع عن أسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد: ألا تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي «4». وقال عثمان في غلام سرق: انظروا إن كان قد أخضر مئزره «5» فاقطعوه. وقال عطية القرظي: عرض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني قريظة، فكل من أنبت منهم قتله بحكم سعد بن معاذ «6»، ومن لم ينبت منهم استحياه، فكنت فيمن لم ينبت فتركني. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: لا يحكم لمن لم يحتلم حتى يبلغ ما لم يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبع عشرة سنة، فيكون عليه حينئذ الحد إذا أتى ما يجب عليه الحد. وقال مالك مرة: بلوغه بأن يغلظ صوته وتنشق أرنبته. وعن أبي حنيفة رواية أخرى: تسع عشرة [سنة «7»]، وهي الأشهر. وقال في الجارية: بلوغها لسبع عشرة سنة وعليها النظر. وروى اللؤلؤي عنه ثمان عشرة سنة. وقال داود: لا يبلغ بالسن ما لم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة. فأما الإنبات فمنهم من قال: يستدل به على البلوغ، روي عن ابن القاسم وسالم، وقاله
__________
(1). أي عرضه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليعرف حاله.
(2). في ج وز وا: عدم. [.....]
(3). في ج وب وط: على ما روى.
(4). المواسي جمع موسى، أي نبت شعر عانته وهو الذي يجرى عليه الموسى، وهذا عند بنى إسرائيل كالمسلمين وكالختان.
(5). مئزره كناية عن العورة أي اسودت بالشعر والعرب تسمى اللون الأسود أخضر.
(6). كان حكمه فيهم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم. وقد قال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات). راجع ترجمته في الاستيعاب.
(7). في ز وى.

مالك مرة، والشافعي في أحد قوليه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقيل: هو بلوغ، إلا أنه يحكم به في الكفار فيقتل من أنبت ويجعل من لم ينبت في الذراري، قاله الشافعي في القول الأخر، لحديث عطية القرظي. ولا اعتبار بالخضرة والزغب، وإنما يترتب الحكم على الشعر. وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: العمل عندي على حديث عمر بن الخطاب: لو جرت عليه المواسي لحددته. قال أصبغ: قال لي ابن القاسم وأحب إلي ألا يقام عليه الحد إلا باجتماع الإنبات والبلوغ. وقال أبو حنيفة: لا يثبت «1» بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة على البلوغ. وقال الزهري وعطاء: لا حد على من لم يحتلم، وهو قول الشافعي، ومال إليه مالك مرة، وقال به بعض أصحابه. وظاهره عدم اعتبار الإنبات والسن. قال ابن العربي: (إذا لم يكن حديث ابن عمر دليلا في السن فكل عدد يذكرونه من السنين فإنه دعوى، والسن التي أجازها «2» رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولى من سن لم يعتبرها، ولا قام في الشرع دليل عليها، وكذلك اعتبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإنبات في بني قريظة، فمن عذيري ممن ترك أمرين اعتبرهما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيتأوله ويعتبر ما لم يعتبره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لفظا، ولا جعل الله له في الشريعة نظرا (. قلت: هذا قوله هنا، وقال في سورة الأنفال عكسه، إذ لم يعرج على حديث ابن عمر هناك، وتأوله كما تأوله علماؤنا، وأن موجبه الفرق بين من يطيق القتال ويسهم له وهو ابن خمس عشرة سنة، ومن لا يطيقه فلا يسهم له فيجعل في العيال. وهو الذي فهمه عمر ابن عبد العزيز من الحديث. والله أعلم. الرابعة- قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) أي أبصرتم ورأيتم، ومنه قوله تعالى: (آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً «3») أي أبصر وراي. قال الأزهري: تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحدا، معناه تبصر. قال النابغة:
... على مستأنس وحد «4»
__________
(1). في ط وج وب وز: لا يتعلق.
(2). في ط: اختارها.
(3). راجع ج 13 ص 280.
(4). تمام البيت: كأن رحلي وقد زال النهار بنا يوم الجليل على مستأنس وحد الوحد: المنفرد.

أراد ثورا وحشيا يتبصر هل يرى قانصا فيحذره. وقيل: آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) أي علمتم. والأصل فيه أبصرتم. وقراءة العامة (رُشْداً) بضم الراء وسكون الشين. وقرا السلمي وعيسى والثقفي وابن مسعود رضي الله عنهم (رشدا) بفتح الراء والشين، وهما لغتان. وقيل: رشدا مصدر رشد. ورشدا مصدر رشد، وكذلك الرشاد. والله أعلم. الخامسة- واختلف العلماء في تأويل (رُشْداً) فقال الحسن وقتادة وغيرهما: صلاحا في العقل والدين. وقال ابن عباس والسدي والثوري: صلاحا في العقل وحفظ المال. قال سعيد بن جبير والشعبي: إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده، فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. وهكذا قال الضحاك: لا يعطى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله. وقال مجاهد: (رُشْداً) يعني في العقل خاصة. وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم وإن شاخ لا يزول الحجر عنه، وهو مذهب مالك وغيره. وقال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا. وبه قال زفر بن الهذيل، وهو مذهب النخعي. واحتجوا في ذلك بما رواه قتادة عن أنس أن حبان «1» بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته «2» ضعف، فقيل: يا رسول الله احجر عليه، فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فاستدعاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (لأتبع). فقال: لا أصبر. فقال له: (فإذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا). قالوا: فلما سأله القوم الحجر عليه لما كان في تصرفه من الغبن ولم يفعل عليه السلام، ثبت أن الحجر لا يجوز. وهذا لا حجة لهم فيه، لأنه مخصوص بذلك على ما بيناه في البقرة «3»، فغيره بخلافه. وقال الشافعي: إن كان مفسدا لما له ودينه، أو كان مفسدا لماله دون دينه حجر عليه، وإن كان مفسدا لدينه
__________ (1). حبان: بفتح الحاء، وقد ذكر في ج 3 ص 386 وفيه: وفي عقله. وهي رواية أخرى.
(2). كذا في جميع الأصول. وهي رواية، ففي النهاية: أي في رأيه ونظره في مصالح نفسه.
(3). حبان: بفتح الحاء، وقد ذكر في ج 3 ص 386 وفيه: وفي عقله. وهي رواية أخرى.

مصلحا لماله فعلى وجهين: أحدهما يحجر عليه، وهو اختيار أبي العباس بن شريح. والثاني لا حجر عليه، وهو اختيار أبى إسحاق المروزي، والأظهر من مذهب الشافعي. قال الثعلبي: وهذا الذي ذكرناه من الحجر على السفيه قول عثمان وعلي والزبير وعائشة وابن عباس وعبد الله ابن جعفر رضوان الله عليهم، ومن التابعين شريح، وبه قال الفقهاء: مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال الثعلبي: وادعى أصحابنا الإجماع في هذه المسألة. السادسة إذا ثبت هذا فاعلم أن دفع المال يكون بشرطين: إيناس الرشد والبلوغ، فإن وجد أحدهما دون الأخر لم يجز تسليم المال، كذلك نص الآية. وهو رواية ابن القاسم وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية. وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة. قال أبو حنيفة: لكونه جدا. وهذا يدل على ضعف قوله، وضعف ما احتج به أبو بكر الرازي في أحكام القرآن له من استعمال الآيتين حسب ما تقدم، فإن هذا من باب المطلق والمقيد، والمطلق يرد إلى المقيد باتفاق أهل الأصول. وماذا يغني كونه جدا «1» إذا كان غير جد، أي بخت. إلا أن علماءنا شرطوا في الجارية دخول الزوج بها مع البلوغ، وحينئذ يقع الابتلاء في الرشد. ولم يره أبو حنيفة والشافعي، ورأوا الاختبار في الذكر والأنثى على ما تقدم. وفرق علماؤنا بينهما بأن قالوا: الأنثى مخالفة للغلام لكونها محجوبة لا تعاني الأمور ولا تبرز لأجل البكارة فلذلك وقف فيها على وجود النكاح، فبه تفهم المقاصد كلها. والذكر بخلافها، فإنه بتصرفه وملاقاته للناس من أول نشئه إلى بلوغه يحمل له الاختبار، ويكمل عقله بالبلوغ، فيحصل له الغرض. وما قاله الشافعي أصوب، فإن نفس الوطي بإدخال الحشفة لا يزيدها في رشدها إذا كانت عارفة بجميع أمورها ومقاصدها، غير مبذرة لمالها. ثم زاد علماؤنا فقالوا: لا بد بعد
__________
(1). كذا في الأصول. وفى أحكام القرآن لابن العربي: (قلنا هذا ضعيف، لأنه إذا كان جدا ولم يكن ذا جد فماذا ينفعه جد النسب وجد البخت فائت (.) (

دخول زوجها من مضي مدة من الزمان تمارس فيها الأحوال. قال ابن العربي: وذكر علماؤها في تحديدها أقوالا عديدة، منها الخمسة الأعوام والستة والسبعة في ذات الأب. وجعلوا في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي عليها عاما واحدا بعد الدخول، وجعلوا في المولى عليها مؤبدا حتى يثبت رشدها. وليس في هذا كله دليل، وتحديد الأعوام في ذات الأب عسير، وأعسر منه تحديد العام في اليتيمة. وأما تمادي الحجر في المولى عليها حتى يتبين رشدها فيخرجها الوصي عنه، أو يخرجها الحكم منه فهو ظاهر القرآن. والمقصود من هذا كله داخل تحت قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) فتعين اعتبار الرشد ولكن يختلف إيناسه بحسب اختلاف حال الراشد. فاعرفه وركب عليه واجتنب التحكم الذي لا دليل عليه. السابعة- واختلفوا فيما فعلته ذات الأب في تلك المدة، فقيل: هو محمول على الرد لبقاء الحجر، وما عملته بعده فهو محمول على الجواز. وقال بعضهم: ما عملته في تلك المدة محمول على الرد إلا «1» أن يتبين فيه السداد، وما عملته بعد ذلك محمول على الإمضاء حتى يتبين فيه السفه. الثامنة- واختلفوا في دفع المال إلى المحجور عليه هل يحتاج إلى السلطان أم لا؟ فقالت فرقة: لا بد من رفعه إلى السلطان، ويثبت عنده رشده ثم يدفع إليه ما له. وقالت فرقة: ذلك موكول إلى اجتهاد الوصي دون أن يحتاج إلى رفعه إلى السلطان. قال ابن عطية: والصواب في أوصياء زماننا ألا يستغنى عن رفعه إلى السلطان وثبوت الرشد عنده، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الصبي، ويبرأ المحجور عليه لسفهه وقلة تحصيله في ذلك الوقت. التاسعة- فإذا سلم المال إليه بوجود الرشد، ثم عاد إلى السفه بظهور تبذير وقلة تدبير عاد إليه الحجر عندنا، وعند الشافعي في أحد قوليه. وقال أبو حنيفة: لا يعود، لأنه بالغ عاقل، بدليل جواز إقراره في الحدود والقصاص. ودليلنا قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً) وقال تعالى: (فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً
__________
(1). في اوح وز: إلى. [.....]

أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ «1» (ولم يفرق بين أن يكون محجورا سفيها أو يطرأ ذلك عليه بعد الإطلاق. العاشرة- ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من «2» تجارة وإبضاع وشراء وبيع. وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر أمواله: عين وحرث وماشية وفطرة. ويؤدي عنه أروش الجنايات وقيم المتلفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة. ويجوز أن يزوجه ويؤدي عنه الصداق، ويشتري له جارية يتسررها، ويصالح له وعليه على وجه النظر له. وإذا قضى الوصي بعض الغرماء وبقي من المال بقية تفي ما عليه من الدين كان فعل الوصي جائزا. فإن تلف باقي المال فلا شي لباقي الغرماء على الوصي ولا على الذين اقتضوا. وإن اقتضى الغرماء جميع المال ثم أتى غرماء آخرون فإن كان عالما بالدين الباقي أو كان الميت معروفا بالدين الباقي ضمن الوصي لهؤلاء الغرماء ما كان يصيبهم في المحاصة، ورجع على الذين اقتضوا دينهم بذلك. وإن لم يكن عالما [بذلك «3»]، ولا كان الميت معروفا بالدين فلا شي على الوصي. وإذا دفع الوصي دين الميت بغير إشهاد ضمن. وأما إن أشهد وطال الزمان حتى مات الشهود فلا شي عليه. وقد مضى في البقرة «4» عند قوله تعالى: (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) من أحكام الوصي في الإنفاق وغيره ما فيه كفاية، والحمد لله. الحادية عشرة- قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا) ليس يريد أن أكل مالهم من غير إسراف جائز، فيكون له دليل خطاب، بل المراد ولا تأكلوا أموالهم فإنه إسراف. فنهى الله سبحانه وتعالى الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم، على ما يأتي بيانه. والإسراف في اللغة الافراط ومجاوزة الحد. وقد تقدم في آل عمران «5» والسرف الخطأ في الإنفاق. ومنه قول الشاعر «6»:
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف
__________
(1). راجع ج 3 ص 376.
(2). في ج: في تجارة أو بضاعة.
(3). من ج.
(4). راجع ج 3 ص 65.
(5). راجع ج 4 ص 231.
(6). البيت لجرير يمدح بنى أمية، وهنيدة: اسم لكل مائة من الإبل.

أي ليس يخطئون مواضع العطاء. وقال آخر:
وقال قائلهم والخيل تخبطهم ... أسرفتم فأجبنا أننا سرف
قال النضر بن شميل: السرف التبذير، والسرف الغفلة. وسيأتي لمعنى الإسراف زيادة بيان في (الانعام «1») إن شاء الله تعالى. (وَبِداراً) معناه ومبادرة كبرهم، وهو حال البلوغ. والبدار والمبادرة كالقتال والمقاتلة. وهو معطوف على (إِسْرافاً)". و(أَنْ يَكْبَرُوا) في موضع نصب ب (بِداراً)، أي لا تستغنم مال محجورك فتأكله وتقول أبادر كبره لئلا يرشد ويأخذ ماله، عن ابن عباس وغيره. الثانية عشرة- قوله تعالى: (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) الآية. بين الله تعالى ما يحل لهم من أموالهم، فأمر الغني بالإمساك وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال وليه بالمعروف. يقال: عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك. والاستعفاف عن الشيء تركه. ومنه قوله تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً «2»). والعفة: الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله. روى أبو داود من حديث حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني فقير ليس لي شي ولي يتيم. قال: فقال: (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مباذر ولا متأثل «3»). الثالثة عشرة- واختلف العلماء من المخاطب والمراد بهذه الآية؟ ففي صحيح مسلم عن عائشة في قوله تعالى: (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قالت: نزلت في ولي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا جاز أن يأكل منه. في رواية: بقدر ماله بالمعروف. وقال بعضهم: المراد اليتيم إن كان غنيا وسع عليه وأعف عن ماله، وإن كان فقيرا أنفق عليه بقدره، قاله ربيعة ويحيى بن سعيد. والأول قول الجمهور وهو الصحيح، لان اليتيم لا يخاطب بالتصرف في ماله لصغره ولسفهه. والله أعلم. الرابعة عشرة- واختلف الجمهور في الا كل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم: هو القرض إذا احتاج ويقضى إذا أيسر، قاله عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة وابن جبير والشعبي
__________
(1). راجع ج 7 ص 110.
(2). راجع ج 12 ص 243.
(3). متأثل: جامع، يقال: مال موثل أي مجموع ذو أصل.

ومجاهد وأبو العالية، وهو قول الأوزاعي. ولا يستسلف أكثر من حاجته. قال عمر: ألا انى أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. روى عبد الله بن المبارك عن عاصم عن أبي العالية (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قال: قرضا- ثم تلا (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ). وقول ثان- روي عن إبراهيم وعطاء والحسن البصري والنخعي وقتادة: لا قضاء على الوصي الفقير فيما يأكل بالمعروف، لان ذلك حق النظر، وعليه الفقهاء. قال الحسن: هو طعمة من الله له، وذلك أنه يأكل ما يسد جوعته، ويكتسي ما يستر عورته، ولا يلبس الرفيع من الكتان ولا الحلل. والدليل على صحة هذا القول إجماع الامة على أن الامام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف، لان الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله. فلا حجة لهم في قول عمر: فإذا أيسرت قضيت- أن لو صح. وقد روي عن ابن عباس وأبي العالية والشعبي أن الأكل بالمعروف هو كالانتفاع بألبان المواشي، واستخدام العبيد، وركوب الدواب إذا لم يضر بأصل المال، كما يهنأ «1» الجرباء، وينشد الضالة، ويلوط «2» الحوض، ويجذ التمر. فأما أعيان الأموال وأصولها فليس للوصي أخذها. وهذا كله يخرج مع قول الفقهاء: إنه يأخذ بقدر أجر عمله، وقالت به طائفة وأن ذلك هو المعروف، ولا قضاء عليه، والزيادة على ذلك محرمة. وفرق الحسن بن صالح بن حي- ويقال ابن حيان- بين وصي الأب والحاكم، فلوصي الأب أن يأكل بالمعروف، وأما وصي الحاكم فلا سبيل له إلى المال بوجه، وهو القول الثالث. وقول رابع روي عن مجاهد قال: ليس له أن يأخذ قرضا ولا غيره. وذهب إلى أن الآية منسوخة، نسخها قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ «3») وهذا ليس بتجارة. وقال زيد بن أسلم: إن الرخصة في هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) الآية. وحكى بشر بن الوليد عن أبى يوسف قال: لا أدري، لعل هذه الآية
__________
(1). هنأ الإبل: طلاها بالهناء، وهو ضرب من القران.
(2). لاط الحوض: طلاه بالطين وأصلحه.
(3). راجع ص 149 من هذا الجزء.

منسوخة بقوله عز وجل: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ). وقول خامس- وهو الفرق بين الحضر والسفر، فيمنع إذا كان مقيما معه في المصر. فإذا احتاج أن يسافر من أجله فله أن يأخذ ما يحتاج إليه، ولا يقتني شيئا، قاله أبو حنيفة وصاحباه أبو يوسف ومحمد. وقول سادس- قال أبو قلابة: فليأكل بالمعروف مما يجني من الغلة، فأما المال الناض «1» فليس له أن يأخذ منه شيئا قرضا ولا غيره. وقول سابع- روى عكرمة عن ابن عباس (وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) قال: إذا احتاج واضطر. وقال الشعبي: كذلك إذا كان منه بمنزلة الدم ولحم الخنزير أخذ منه، فإن وجد أو في. قال النحاس: وهذا لا معنى له لأنه إذا اضطر هذا الاضطرار كان له أخذ ما يقيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد. وقال ابن عباس أيضا والنخعي: المراد أن يأكل الوصي بالمعروف من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم، فيستعفف الغنى بغناه، والفقير يقتر «2» على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه. قال النحاس: وهذا من أحسن ما روي في تفسير الآية، لان أموال الناس محظورة لا يطلق شي منها إلا بحجة قاطعة. قلت: وقد اختار هذا القول الكيا الطبري في أحكام القرآن له، فقال: (توهم متوهمون من السلف بحكم الآية أن للوصي أن يأكل «3» من مال الصبي قدرا لا ينتهى إلى حد السرف، وذلك خلاف ما أمر الله تعالى به من قوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) ولا يتحقق ذلك في [مال «4» [اليتيم. فقوله: (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ) يرجع إلى [أكل «5» [مال نفسه دون مال اليتيم. فمعناه ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم، بل اقتصروا على أكل أموالكم. وقد دل عليه قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً). وبان بقوله تعالى: (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) الاقتصار على البلغة، حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم، فهذا تمام معنى الآية.
__________
(1). الناض: الدرهم والدينار عند أهل الحجاز ويسمى ناضا إذا تحول نقدا بعد أن كان متاعا.
(2). في ب وط وز: يقوت. ولا معنى له. وفي اللغة: أقات على الشيء: اقتدر عليه. [.....]
(3). في ب: يأخذ.
(4). زيادة عن أحكام القرآن للكيا الطبري.
(5). في ب: يأخذ.

فقد وجدنا آيات محكمات تمنع أكل مال الغير دون رضاه، سيما في حق اليتيم. وقد وجدنا هذه الآية محتملة للمعاني، فحملها على موجب الآيات المحكمات متعين. فإن قال من ينصر مذهب السلف: إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين، فهلا كان الوصي كذلك إذا عمل لليتيم، ولم لا يأخذ الأجرة بقدر عمله؟ قيل له: اعلم أن أحدا من السلف لم يجوز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى الوصي، بخلاف القاضي، فذلك فارق بين المسألتين. وأيضا فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء القائمون بأمور الإسلام لا يتعين له مالك. وقد جعل الله ذلك المال الضائع لأصناف بأوصاف، والقضاة من جملتهم، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه، وعمله مجهول وأجرته مجهولة وذلك بعيد عن الاستحقاق. قلت: وكان شيخنا الامام أبو العباس يقول: إن كان مال اليتيم كثيرا يحتاج إلى كبير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فرض له فيه أجر عمله، وإن كان تافها لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئا، غير أنه يستحب له شرب قليل اللبن واكل القليل من الطعام والسمن، غير مضر به ولا مستكثر له، بل على ما جرت العادة بالمسامحة فيه. قال شيخنا: وما ذكرته من الأجرة، ونيل اليسير من التمر «1» واللبن كل واحد منهما معروف، فصلح حمل الآية على ذلك. والله أعلم. قلت: والاحتراز عنه أفضل، إن شاء الله. [وأما ما يأخذه قاضي القسمة ويسميه رسما ونهب أتباعه فلا أدرى له وجها ولا حلا، وهم داخلون في عموم قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً «2»)]. الخامسة عشرة- قوله تعالى: (فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) أمر الله تعالى بالإشهاد تنبيها على التحصين وزوالا للتهم. وهذا الاشهاد مستحب عند طائفة من العلماء، فإن القول قول الوصي، لأنه أمين. وقالت طائفة: هو فرض، وهو ظاهر الآية، وليس
__________
(1). في ج: السن.
(2). هذه الزيادة لا توجد الا في أوح.

لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)

بأمين فيقبل قوله، كالوكيل إذا زعم أنه قد رد ما دفع إليه أو المودع، وإنما هو أمين للأب، ومتى ائتمنه الأب لا يقبل قوله على غير. ألا ترى أن الوكيل لو «1» أدعى أنه قد دفع لزيد ما أمره به بعدالته لم يقبل قوله إلا ببينة، فكذلك الوصي. وراي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن جبير أن هذا الاشهاد إنما هو على دفع الوصي في يسره ما استقرضه من مال يتيمه حالة فقره. قال عبيدة: هذه الآية دليل على وجوب القضاء على من أكل، المعنى: فإذا اقترضتم أو أكلتم فأشهدوا إذا غرمتم. والصحيح أن اللفظ يعم هذا وسواه. والظاهر أن المراد إذا أنفقتم شيئا على المولى عليه فأشهدوا، حتى لو وقع خلاف أمكن إقامة البينة، فإن كل مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بالإشهاد على دفعه، لقوله تعالى: (فَأَشْهِدُوا) فإذ دفع لمن دفع إليه بغير إشهاد فلا يحتاج في دفعها لاشهاد إن كان قبضها بغير إشهاد. والله أعلم. السادسة عشرة- كما على الوصي والكفيل حفظ مال يتيمه والتثمير له، كذلك عليه حفظ الصبي في بدنه. فالمال يحفظه بضبطه «2»، والبدن يحفظه بأدبه. وقد مضى هذا المعنى في (البقرة «3»). وروي أن رجلا قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن في حجري يتيما أآكل من ماله؟ قال: (نعم غير متأثل «4» مالا ولا واق مالك بماله). قال: يا رسول الله، أفأضربه؟ قال: (ما كنت ضاربا منه ولدك). قال ابن العربي: وإن لم يثبت مسندا فليس يجد أحد عنه ملتحدا «5». السابعة عشرة- قوله تعالى: (وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً) أي كفى الله حاسبا لأعمالكم ومجازيا بها. ففي هذا وعيد لكل جاحد حق. والباء زائدة، وهو في موضع رفع.

[سورة النساء (4): آية 7]
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7)
__________
(1). في ب وى وط وهـ: إذا أدعى أنه دفع إلى إلخ.
(2). في ب: فيما يضبطه.
(3). راجع ج 3 ص 62.
(4). متأثل: جامع.
(5). ملتحدا: منصرفا.

فيه خمس مسائل: الاولى- لما ذكر الله تعالى أمر اليتامى وصله بذكر المواريث. ونزلت الآية في أوس ابن ثابت الأنصاري، توفي وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه يقال لهما: سويد وعرفجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته وبناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، ويقولون: لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الحيل، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف، وحاز الغنيمة. فذكرت أم كحة ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فدعاهما، فقالا: يا رسول الله، ولدها لا يركب فرسا، ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا. فقال عليه السلام: (انصرفا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن). فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم، وإبطالا لقولهم وتصرفهم بجهلهم، فإن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار، لعدم تصرفهم والنظر في مصالحهم، فعكسوا الحكم، وأبطلوا الحكمة فضلوا بأهوائهم، وأخطئوا في آرائهم وتصرفاتهم. الثانية- قال علماؤنا: في هذه الآية فوائد ثلاث: إحداها- بيان علة الميراث وهي القرابة. الثانية- عموم القرابة كيفما تصرفت من قريب أو بعيد. الثالثة- إجمال النصيب المفروض. وذلك مبين في آية المواريث، فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي. الثالثة- ثبت أن أبا طلحة لما تصدق بماله- بئر حاء- وذكر ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: (اجعلها في فقراء أقاربك) فجعلها لحسان وأبي. قال أنس: وكانا أقرب إليه مني. قال أبو داود: بلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري أنه قال: أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان في الأب الثالث وهو حرام. وأبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار. قال الأنصاري: بين أبى طلحة وأبي ستة آباء. قال: وعمرو بن مالك يجمع حسان وأبي بن كعب

وأبا طلحة. قال أبو عمر: في هذا ما يقضي على القرابة أنها ما كانت في هذا القعدد ونحوه، وما كان دونه فهو أحرى أن يلحقه اسم القرابة. الرابعة- قوله تعالى: (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) أثبت الله تعالى للبنات نصيبا في الميراث ولم يبين كم هو، فأرسل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى سويد وعرفجة ألا يفرقا من مال أوس شيئا، فإن الله جعل لبناته نصيبا ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل ربنا. فنزلت (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) إلى قوله تعالى (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فأرسل إليهما (أن أعطيا أم كحة الثمن مما ترك أوس، ولبناته الثلثين، ولكما بقية المال). الخامسة- استدل علماؤنا بهذه الآية في قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله، كالحمام والبيت وبيدر «1» الزيتون والدار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها. فقال مالك: يقسم ذلك وإن لم يكن في نصيب أحدهم ما ينتفع به، لقوله تعالى: (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً). وهو قول ابن كنانة، وبه قال الشافعي، ونحوه قول أبي حنيفة. قال أبو حنيفة: في الدار الصغيرة بين اثنين فطلب أحدهما القسمة وأبى صاحبه قسمت له. وقال ابن أبي ليلى: إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا يقسم. وكل قسم يدخل فيه الضرر على أحدهما دون الأخر فإنه لا يقسم، وهو قول أبي ثور. قال ابن المنذر: وهو أصح القولين. ورواه ابن القاسم عن مالك فيما ذكر ابن العربي. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم، أن يباع ولا شفعة فيه، لقوله عليه السلام: (الشفعة في كل ما لا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة). فجعل عليه السلام الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلق الشفعة فيما لم يقسم مما يمكن إيقاع الحدود فيه. هذا دليل الحديث. قلت: ومن الحجة لهذا القول ما خرجه الدارقطني من حديث ابن جريج أخبرني صديق ابن موسى عن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (لا تعضية
__________
(1). كذا في ز. وهو الموضع الذي تداس فيه الحبوب، ويجمع فيه الطعام. وفي ح وى وا: بذ، لعله من قولهم: تمر بذ: متفرق. وفى د وج وووب وهـ وط: بد. وليس بظاهر المعنى.

وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)

على أهل الميراث الا ما حمل القسم (. قال أبو عبيد: هو أن يموت الرجل ويدع شيئا إن قسم بين ورثته كان في ذلك ضرر على جميعهم أو على بعضهم. يقول: فلا يقسم، وذلك مثل الجوهرة والحمام والطيلسان وما أشبه ذلك. والتعضية التفريق، يقال: عضيت الشيء إذا فرقته. ومنه قوله تعالى: (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) «1». وقال تعالى: (غَيْرَ مُضَارٍّ) فنفى المضارة. وكذلك قال عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار). وأيضا فإن الآية ليس فيها تعرض للقسمة، وإنما اقتضت الآية وجوب الحظ والنصيب للصغير والكبير قليلا كان أو كثيرا، ردا على الجاهلية فقال: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ) (وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ) وهذا ظاهر جدا. فأما إبراز ذلك النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر، وذلك بأن يقول الوارث: قد وجب لي نصيب بقول الله عز وجل فمكنوني منه، فيقول له شريكه: أما تمكينك على الاختصاص فلا يمكن، لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال، وتغيير الهيئة، وتنقيص القيمة، فيقع الترجيح. والأظهر سقوط القسمة فيما يبطل المنفعة وينقص المال مع ما ذكرناه من الدليل. والله الموفق. قال الفراء: (نصيبا مفروضا) هو كقولك: قسما واجبا، وحقا لازما، فهو اسم في معنى المصدر فلهذا انتصب. الزجاج: أنتصب على الحال. أي لهؤلاء أنصباء في حال الفرض. الأخفش: أي جعل الله ذلك لهم نصيبا. والمفروض: المقدر الواجب.

[سورة النساء (4): آية 8]
وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8)
فيه أربع مسائل: الاولى- بين الله تعالى أن من لم يستحق شيئا إرثا وحضر القسمة، وكان من الأقارب أو اليتامى والفقراء الذين لا يرثون أن يكرموا ولا يحرموا، إن كان المال كثيرا، والاعتذار إليهم إن كان عقارا أو قليلا لا يقبل الرضخ «2». وإن كان عطاء من القليل ففيه أجر عظيم،
__________
(1). راجع ج 10 ص 58.
(2). الرضخ هنا: العطاء القليل.

درهم يسبق مائة «1» ألف. فالآية على هذا القول محكمة، قاله ابن عباس. وامتثل ذلك جماعة من التابعين: عروة بن الزبير وغيره، وأمر به أبو موسى الأشعري. وروي عن ابن عباس أنها منسوخة نسخها قوله تعالى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ). وقال سعيد بن المسيب: نسخها آية الميراث والوصية. وممن قال إنها منسوخة أبو مالك وعكرمة والضحاك. والأول أصح، فإنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم. قال ابن جبير: ضيع الناس هذه الآية. قال الحسن: ولكن الناس شحوا. وفي البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ) قال: هي «2» محكمة وليست بمنسوخة. وفي رواية قال: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت، لا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون بها، هما وأليان: وال يرث وذلك الذي يرزق، ووال لا يرث وذلك الذي يقول بالمعروف، ويقول: لا أملك لك أن أعطيك. قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم، ويتاماهم ومساكينهم من الوصية، فإن لم تكن وصية وصل لهم من الميراث. قال النحاس: فهذا أحسن ما قيل في الآية، أن يكون على الندب والترغيب في فعل الخير، والشكر لله عز وجل. وقالت طائفة: هذا الرضخ «3» واجب على جهة الفرض، تعطي الورثة لهذه الأصناف ما طابت به نفوسهم، كالماعون والثوب الخلق وما خف. حكى هذا القول ابن عطية والقشيري. والصحيح أن هذا على الندب، لأنه لو كان فرضا لكان استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث، لاحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول. وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع. وذهبت فرقة إلى أن المخاطب والمراد في الآية المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية، لا الورثة. وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب وابن زيد. فإذا أراد المريض أن يفرق ماله بالوصايا وحضره من لا يرث ينبغي له ألا يحرمه. وهذا- والله أعلم-. يتنزل حيث كانت الوصية واجبة، ولم تنزل آية الميراث. والصحيح الأول وعليه المعول.
__________
(1). في ج: درهم سبعمائة ألف. [.....]
(2). في ى: بين أنها.
(3). الرضخ: العطية القليلة.

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)

الثانية- فإذا كان الوارث صغيرا لا يتصرف في ماله، فقالت طائفة يعطى ولى الوارث الصغير من مال محجوره بقدر ما يرى. وقيل: لا يعطى بل يقول لمن حضر القسمة «1»: ليس لي شي من هذا المال إنما هو لليتيم، فإذا بلغ عرفته حقكم. فهذا هو القول المعروف. وهذا إذا لم يوص الميت له بشيء، فإن أوصى يصرف له ما أوصى. وراي عبيدة ومحمد ابن سيرين أن الرزق في هذه الآية أن يصنع لهم طعاما يأكلونه، وفعلا ذلك، ذبحا شاة من التركة، وقال عبيدة: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي. وروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: ثلاث محكمات تركهن الناس: هذه الآية، وآية الاستئذان (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ «2»، وقوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى «3». الثالثة- قوله تعالى: (مِنْهُ) الضمير عائد على معنى القسمة، إذ هي بمعنى المال والميراث، لقوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ «4») أي السقاية، لان الصواع مذكر ومنه قوله عليه السلام: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه «5» وبين والله حجاب) فأعاد مذكرا على معنى الدعاء. وكذلك قوله لسويد بن طارق الجعفي حين سأله عن الخمر (إنه ليس بدواء ولكنه داء) فأعاد الضمير على معنى الشراب. ومثله كثير. يقال: قاسمه المال وتقاسماه واقتسماه، والاسم القسمة مؤنثة، والقسم مصدر قسمت الشيء فانقسم، والموضع مقسم مثل مجلس، وتقسمهم الدهر فتقسموا، أي فرقهم فتفرقوا. والتقسيم التفريق. والله أعلم. الرابعة- قوله تعالى: (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً) قال سعيد بن جبير: يقال لهم خذوا بورك لكم. وقيل: قولوا مع الرزق وددت أن لو كان أكثر من هذا. وقيل: لا حاجة مع الرزق إلى عذر، نعم إن لم يصرف إليهم شي فلا أقل من قول جميل ونوع اعتذار.

[سورة النساء (4): آية 9]
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9)
__________
(1). سقط من ب وج وز وط وى وهـ.
(2). راجع ج 12 ص 302.
(3). راجع ج 16 ص 340.
(4). راجع ج 9 ص 235.
(5). كذا في ب ود وز وط وهـ وى. والرواية يشبه أن تكون من حديث معاذ في الصحيحين وليس فيها تذكير الضمير. والله أعلم. وفي اوج وح: بينها.

فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ) حذفت الالف من (لْيَخْشَ) للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سيبويه إضمار لام الامر قياسا على حروف الجر إلا في ضرورة الشعر. وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم، وأنشد الجميع:
محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا «1»
أراد لتفد، ومفعول (لْيَخْشَ) محذوف لدلالة الكلام عليه. و(خافُوا) جواب (لَوْ). التقدير لو تركوا لخافوا. ويجوز حذف اللام في جواب (لَوْ). وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها، فقالت طائفة: هذا وعظ للأوصياء، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم، قاله ابن عباس. ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً). وقالت طائفة: المراد جميع الناس، أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس، وإن لم يكونوا في حجورهم. وأن يشددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده. ومن هذا ما حكاه الشيباني قال: كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبد الملك، فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي، فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان. فقلت له: يا أبا بشر «2»، ودي ألا يكون لي ولد. فقال لي: ما عليك! ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت، أحب أو كره، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم، ثم تلا الآية. وفي رواية: ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ فقلت: بلى! فتلا هذه الآية (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا) إلى آخرها. قلت: ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من احسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرملة أخلف «3» الله في تركته). وقول ثالث قاله جمع من المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت
__________
(1). البيت قيل لحسان. وقيل لابي طالب. وتبالا: سوء العاقبة وأصله: وبال أبدلت الواو تاء. الخزانة ج 3 ش 680.
(2). ب وهـ وط: أبا بسر، وكلاهما وارد كما في التهذيب. والقصة في تفسير هذه الآية في الطبري بأوضح.
(3). في ى: أخلفه.

فيقول له من بحضرته عند وصيته: إن الله سيرزق ولدك فأنظر لنفسك، وأوص بمالك في سبيل الله، وتصدق وأعتق. حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته، فنهوا عن ذلك. فكأن الآية تقول لهم: (كما تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على تبذير ماله)، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوص بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك، ولكن يقول قدم لنفسك واترك لولدك، فذلك قوله تعالى: (فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ). وقال مقسم وحضرمي: نزلت في عكس هذا، وهو أن يقول للمحتضر من يحضره: أمسك على ورثتك، وابق لولدك فليس أحد أحق بما لك من أولادك، وينهاه عن الوصية، فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى له، فقيل لهم: كما تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم، فكذلك سددوا القول في جهة المساكين واليتامى، واتقوا الله في ضررهم. وهذان القولان مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث، روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب. قال ابن عطية: وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس، بل الناس صنفان، يصلح لأحدهما القول الواحد، ولآخر القول الثاني. وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه. وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقلين «1» حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط، فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين، فالمراعاة إنما هو الضعف فيجب أن يمال معه. قلت: وهذا التفصيل صحيح، لقوله عليه السلام لسعد: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). فإن لم يكن للإنسان ولد، أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه، فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح، فيكون وزره عليه. الثانية- قوله تعالى: (وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً) السديد: العدل والصواب من القول، أي مروا المريض بأن يخرج من ما له ما عليه من الحقوق الواجبة، ثم يوصي لقرابته
__________
(1). في ط: مفلسين.

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)

بقدر [ما «1» [لا يضر بورثته الصغار. وقيل: المعنى قولوا «2» للميت قولا عدلا، وهو أن يلقنه بلا إله إلا الله، ولا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمع منه ويتلقن. هكذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) ولم يقل مروهم، لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد. وقيل: المراد اليتيم، أن لا ينهروه «3» ولا يستخفوا به.

[سورة النساء (4): آية 10]
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10)
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) روي أنها نزلت في رجل من غطفان يقال له: مرثد بن زيد، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية، قاله مقاتل بن حيان، ولهذا قال الجمهور: إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم. وقال ابن زيد: نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار. وسمي أخذ المال على كل وجوهه أكلا، لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر إتلاف الأشياء. وخص البطون بالذكر لتبيين نقصهم، والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخلاق. وسمي المأكول نارا بما يئول إليه، كقوله تعالى: (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً «4») أي عنبا. وقيل: نارا أي حراما، لان الحرام يوجب النار، فسماه الله تعالى باسمه. وروى أبو سعيد الخدري قال: حدثنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ليلة أسري به قال: (رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما (. فدل الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) اجتنبوا السبع الموبقات) وذكر فيها (وأكل مال اليتيم). الثانية- قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) وقرا ابن عامر وعاصم في رواية ابن عباس بضم الياء على اسم ما لم يسم فاعله، من أصلاه الله حر النار إصلاء. قال الله تعالى: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ «5» (قرأ أبو حيوة بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من التصلية لكثرة
__________
(1). من ج.
(2). في ى: قول الطيب.
(3). في ط وى وز: أي لا تتهروه ولا تستخفوا به. [.....]
(4). راجع ج 9 ص 188.
(5). راجع ج 19 ص 75

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)

الفعل مرة بعد أخرى. دليله قوله تعالى: (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ «1»). ومنه قولهم: صليته مرة بعد أخرى. وتصليت: استدفأت بالنار. قال:
وقد تصليت حر حربهم ... كما تصلى المقرور من قرس «2»
وقرأ الباقون بفتح الياء من صلي النار يصلاها صلى وصلاء. قال الله تعالى: (لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى «3»). والصلاء هو التسخن بقرب النار أو مباشرتها، ومنه قول الحارث بن عباد:
لم أكن من جناتها علم الله ... وإني لحرها اليوم صال
والسعير: الجمر المشتعل «4». الثالثة- وهذه آية من آيات الوعيد، ولا حجة فيها لمن يكفر بالذنوب. والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلى ثم يحترق ويموت، بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون، فكأن هذا جمع بين الكتاب والسنة، لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «5»). وهكذا القول في كل ما يرد عليك من هذا المعنى. روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أما أهل النار الذين هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم- أو قال بخطاياهم- فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجئ بهم ضبائر «6» ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة «7» في حميل «8» السيل (. فقال رجل من القوم كأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد كان [يرعى «9» [بالبادية.

[سورة النساء (4): الآيات 11 الى 14]
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14)
__________
(1). راجع ج 18 ص 272.
(2). القرص: شدة البرد، والمقرود: الذي أصيب أطرافه بشدة البرد حتى لا يستطيع عملا.
(3). راجع ج 20 ص 86.
(4). في ج: المستعر.
(5). راجع ص 245 من هذا الجزء.
(6). الضبائر: الجماعات في تفرقة.
(7). الحبة (بالكسر): واحدة الحبو وهو بزر ما لا يقتات كبزر الرياحين.
(8). حميل السيل: ما يحمل من الغثاء والطين.
(9). في ب وج وهـ وط وز وى.

فيه خمس وثلاثون مسألة: الاولى- قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) بين تعالى هذه الآية ما أجمله في قوله: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ) و(لِلنِّساءِ نَصِيبٌ) فدل هذا على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وام من أمهات الآيات، فإن الفرائض عظيمة القدر حتى أنها ثلث العلم، وروي نصف العلم. وهو أول

علم ينزع من الناس وينسى. رواه الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (تعلموا الفرائض وعلموه «1» الناس فإنه نصف العلم وهو أول شي ينسى وهو أول شي ينتزع من أمتي). وروي أيضا عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تعلموا القرآن وعلموه الناس وتعلموا الفرائض وعلموها الناس وتعلموا العلم وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان «2» من يفصل بينهما (. وإذا ثبت هذا فاعلم أن الفرائض كان جل علم الصحابة، وعظيم مناظرتهم، ولكن الخلق ضيعوه. وقد روى مطرف عن مالك، قال عبد الله ابن مسعود: من لم يتعلم الفرائض والطلاق والحج فبم يفضل أهل البادية؟ وقال ابن وهب عن مالك: كنت أسمع ربيعة يقول: من تعلم الفرائض من غير علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها. قال مالك: وصدق. الثانية- روى أبو داود والدارقطني عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة). قال الخطابي أبو سليمان: الآية المحكمة هي كتاب الله تعالى: واشترط فيها الأحكام، لان من الآي ما هو منسوخ لا يعمل به، وإنما يعمل بناسخه. والسنة القائمة هي الثابتة مما جا عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السنن الثابتة. وقوله: (أو فريضة عادلة) يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما- أن يكون من العدل في القسمة، فتكون معدلة على الأنصباء والسهام المذكورة في الكتاب والسنة. والوجه الآخر- أن تكون مستنبطة من الكتاب والسنة ومن معناهما، فتكون هذه الفريضة تعدل ما أخذ من الكتاب والسنة إذ كانت في معنى ما أخذ عنهما نصا. روى عكرمة قال: أرسل ابن عباس إلى زيد بن ثابت يسأله عن امرأة تركت زوجها وأبويها. قال: للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي. فقال: تجده في كتاب الله أو تقول برأي؟ قال: أقوله برأي، لا أفضل أما على أب. قال أبو سليمان: فهذا من باب تعديل الفريضة إذا لم يكن فيها نص، وذلك أنه اعتبرها بالمنصوص عليه،
__________
(1). كذا في الدارقطني.
(2). في كشف الخفا: فلا يجدان، وفى ى لا يوجد.

وهو قوله تعالى: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ). فلما وجد نصيب الام الثلث، وكان باقي المال هو الثلثان للأب، قاس النصف الفاضل من المال بعد نصيب الزوج على كل المال إذا لم يكن مع الوالدين ابن أو ذو سهم، فقسمه بينهما على ثلاثة، للأم سهم وللأب سهمان وهو الباقي. وكان هذا أعدل في القسمة من أن يعطي الام من النصف الباقي ثلث جميع المال، وللأب ما بقي وهو السدس، ففضلها عليه فيكون لها وهي مفضولة في أصل الموروث أكثر مما للأب وهو المقدم والمفضل في الأصل. وذلك أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من توفير الثلث على الام، وبخس الأب حقه برده إلى السدس، فترك قوله وصار عامة الفقهاء إلى زيد. قال أبو عمر: وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه في زوج وأبوين: للزوج النصف، وللأم ثلث جميع المال، وللأب ما بقي. وقال في امرأة وأبوين: للمرأة الربع، وللأم ثلث جميع المال، والباقي للأب. وبهذا قال شريح القاضي ومحمد بن سيرين وداود ابن علي، وفرقة منهم أبو الحسن محمد بن عبد الله الفرضي المصري المعروف بابن اللبان في المسألتين جميعا. وزعم أنه قياس قول علي في المشتركة. وقال في موضع آخر: إنه قد روي ذلك عن علي أيضا. قال أبو عمر: المعروف المشهور عن علي وزيد وعبد الله وسائر الصحابة وعامة العلماء ما رسمه مالك. ومن الحجة لهم على ابن عباس: أن الأبوين إذا اشتركا في الوراثة، ليس معهما غيرهما، كان للأم الثلث وللأب الثلثان. وكذلك إذا اشتركا في النصف الذي يفضل عن الزوج، كانا فيه كذلك على ثلث وثلثين. وهذا صحيح في النظر والقياس. الثالثة- واختلفت الروايات في سبب نزول آية المواريث، فروى الترمذي وأبو داود وابن ماجة والدارقطني عن جابر بن عبد الله أن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله، إن سعدا هلك وترك بنتين واخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن، فلم يجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءته فقالت: يا رسول الله، ابنتا سعد؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ادع لي أخاه) فجاء فقال [له «1»]: (ادفع إلى ابنته الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي). لفظ أبي داود. في روا الترمذي وغيره: فنزلت آية المواريث. قال: هذا حديث صحيح. وروى جابر أيضا قال: عادني رسول الله صلى الله
__________
(1). من ز. [.....]

عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة يمشيان، فوجداني لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ، ثم رش علي منه فأفقت. فقلت: كيف أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ). أخرجاه في الصحيحين. وأخرجه الترمذي وفية (فقلت يا نبي الله كيف أقسم مالي بين ولدي؟ فلم يرد علي شيئا فنزلت (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) الآية. قال: (حديث حسن صحيح). وفي البخاري عن ابن عباس أن نزول ذلك كان من أجل أن المال كان للولد، والوصية للوالدين، فنسخ ذلك بهذه الآيات. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة، وقد ذكرناها. السدي: نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان ابن ثابت. وقيل: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو، فنزلت الآية تبيينا «1» أن لكل صغير وكبير حظه. ولا يبعد أن يكون جوابا للجميع، ولذلك تأخر نزولها. والله أعلم. قال الكيا الطبري: وقد ورد «2» في بعض الآثار أن ما كانت الجاهلية تفعله من ترك توريث الصغير كان في صدر الإسلام إلى أن نسخته هذه الآية) ولم يثبت عندنا اشتمال الشريعة على ذلك، بل ثبت خلافه، فإن هذه الآية نزلت في ورثة سعد بن الربيع. وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس. والأول أصح عند أهل النقل. فاسترجع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الميراث من العم، ولو كان ذلك ثابتا من قبل في شرعنا ما استرجعه. ولم يثبت قط في شرعنا أن الصبي ما كان يعطى الميراث حتى يقاتل على الفرس ويذب عن الحريم. قلت: وكذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي قال: ودل نزول هذه الآية على نكتة بديعة، وهو أن ما كانت [عليه «3»] الجاهلية تفعله من أخذ المال لم يكن في صدر الإسلام شرعا مسكوتا مقرا عليه، لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عم الصبيتين برد ما أخذ من مالهما، لان الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما يؤثر في المستقبل فلا ينقض به ما تقدم وإنما كانت ظلامة رفعت «4». قاله ابن العربي.
__________
(1). في ب: تنبيها.
(2). في ب: روى.
(3). من ب وج وى وط وز.
(4). في ابن العربي: (وقعت)، وفي ى: طامة.

الرابعة- (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) قالت الشافعية: قوله تعالى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) حقيقة في أولاد الصلب، فأما يدخل فيه بطريق المجاز، فإذا حلف «1» أنلا ولد له وله ولد ابن لم يحنث، وإذا أوصى لولد فلان لم يدخل فيه ولد ولده. وأبو حنيفة يقول: انه يدخل فيه ان لم يكن له ولد صلب. ومعلوم أن الا لفاظ لا تتغير «2» بما قالوه. الخامسة- قال ابن المنذر: لما قال تعالى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) فكان الذي يجب على ظاهر الآية أن يكون الميراث لجميع الأولاد، المؤمن منهم والكافر، فلما ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (لا يرث المسلم الكافر علم أن الله أراد بعض الأولاد دون بعض، فلا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم على ظاهر الحديث «3». قلت: ولما قال تعالى: (فِي أَوْلادِكُمْ) دخل فيهم «4» الأسير في أيدي الكفار، فإنه يرث ما دام تعلم حياته على الإسلام. وبه قال كافة أهل العلم، إلا النخعي فإنه قال: لا يرث الأسير. فأما إذا لم تعلم حياته فحكمه حكم المفقود. ولم يدخل في عموم الآية ميراث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقوله: (لا نورث ما تركنا صدقة). وسيأتي بيانه في (مريم «5») ان شاء الله تعالى. وكذلك لم يدخل القاتل عمدا لأبيه أوجده أو أخيه أو عمه بالسنة وإجماع الامة، وأنه لا يرث من مال من قتله ولا من ديته شيئا، على ما تقدم بيانه في البقرة «6». فإن قتله خط فلا ميراث له من الدية، ويرث من المال في قول مالك، ولا يرث في قول الشافعي وأحمد وسفيان وأصحاب الرأي، من المال ولا من الدية شيئا، حسبما تقدم بيانه في البقرة «7». وقول مالك أصح، وبه قال إسحاق وأبو ثور. وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح ومجاهد والزهري والأوزاعي وابن المنذر، لان ميراث من ورثه الله تعالى في كتابه ثابت لا يستثنى منه إلا بسنة أو إجماع. وكل مختلف فيه فمردود إلى ظاهر الآيات التي فيها المواريث.
__________
(1). في ى: حلف له.
(2). في ز: لا تعتبر.
(3). هذا ما عليه الجمهور، وبعض يرى أن المسلم يرث الكافر وبه قضى معاذ ومعاوية حتى قال بعض: ما أحسن ما قضى به معاوية ترث أهل الكتاب ولا يرثونا كما تنكح منهم ولا ينكحون منا. راجع فتح الباري ج 12 ص 43 ط بولاق.
(4). في ب وى: فيهم. وفي غيرهما: فيه.
(5). راجع ج 11 ص 78.
(6). راجع ج 1 ص 456
(7). راجع ج 1 ص 456

السادسة- أعلم أن الميراث كان يستحق في أول الإسلام بأسباب: منها الحلف والهجرة والمعاقدة، ثم نسخ على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ «1») ان شاء الله تعالى. وأجمع العلماء على أن الأولاد إذا كان معهم من له فرض مسمى أعطيه، وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين، لقوله عليه السلام: (ألحقوا الفرائض بأهلها) رواه الأئمة. يعني الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى. وهي ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس. فالنصف فرض خمسة: ابنة الصلب، وابنة الابن، والأخت الشقيقة، والأخت للأب، والزوج. وكل ذلك إذا انفردوا عمن يحجبهم «2» عنه. والربع فرض الزوج مع الحاجب، وفرض الزوجة والزوجات مع عدمه. والثمن فرض الزوجة والزوجات مع الحاجب. والثلثان فرض أربع: الاثنتين «3» فصاعدا من بنات الصلب، وبنات الابن، والأخوات الأشقاء، أو للأب. وكل هؤلاء إذا انفردن عمن يحجبهن عنه. والثلث فرض صنفين: الام مع عدم الولد، وولد الابن، وعدم الاثنين فصاعدا من الاخوة والأخوات، وفرض الاثنين فصاعدا من ولد الام. وهذا هو ثلث كل المال. فأما ثلث ما يبقى فذلك للأم في مسألة زوج أو زوجة وأبوان، فللأم فيها ثلث ما يبقى. وقد تقدم بيانه. وفي مسائل الجد مع الاخوة إذا كان معهم ذو سهم وكان ثلث ما يبقى أحظى له. والسدس فرض سبعة: الأبوان والجد مع الولد وولد الابن، والجدة والجدات إذا اجتمعن، وبنات «4» الابن مع بنت الصلب، والأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، والواحد من ولد الام ذكرا كان أو أنثى. وهذه الفرائض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجدة والجدات فإنه مأخوذ من السنة. والأسباب الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثة أشياء: نسب ثابت، ونكاح منعقد، وولاء عتاقة. وقد تجتمع الثلاثة الأشياء فيكون الرجل زوج المرأة ومولاها وابن عمها. وقد يجتمع فيه منها شيئان لا أكثر، مثل أن يكون زوجها ومولاها، أو زوجها وابن عمها، فيرث بوجهين ويكون له جميع المال إذا انفرد: نصفه
__________
(1). ص 165 من هذا الجزء.
(2). من ى، وباقى الأصول: يحجبهن.
(3). في ب وج: لابنتين [.....]
(4). أي واحدة فصاعدا.

بالزوجية ونصفه بالولاء أو بالنسب. ومثل أن تكون المرأة ابنة الرجل ومولاته، فيكون لها أيضا جميع المال إذا انفردت: نصفه بالنسب ونصفه بالولاء. السابعة- ولا ميراث إلا بعد أداء الدين والوصية، فإذا مات المتوفى أخرج من تركته الحقوق المعينات، ثم ما يلزم من تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم يخرج من الثلث الوصايا، وما كان في معناها على مراتبها أيضا، ويكون الباقي ميراثا بين الورثة. وجملتهم سبعة عشر. عشرة من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل، والأب وأب الأب وهو الجد وإن علا، والأخ وابن الأخ، والعم وابن العم، والزوج ومولى النعمة. ويرث من النساء سبع: البنت وبنت الابن وان سفلت، والام والجدة وإن علت، والأخت والزوجة، ومولاة النعمة وهي المعتقة. وقد نظمهم بعض الفضلاء فقال:
والوارثون إن أردت جمعهم ... مع الإناث الوارثات معهم
عشرة من جملة الذكران ... وسبع أشخاص من النسوان
وهم، وقد حصرتهم في النظم ... الابن وابن الابن وابن العم
والأب منهم وهو في الترتيب ... والجد من قبل الأخ القريب
وابن الأخ الأدنى أجل والعم ... والزوج والسيد ثم الأم

وابنة الابن بعدها والبنت وزوجة وجدة وأخت

والمرأة المولاة أعني المعتقة ... خذها إليك عدة محققه
الثامنة- لما قال تعالى: (فِي أَوْلادِكُمْ) يتناول كل ولد كان موجودا أو جنينا في بطن أمه، دنيا «1» أو بعيدا، من الذكور أو الإناث ما عدا الكافر كما تقدم. قال بعضهم: ذلك حقيقة في الأذنين مجاز في الأبعدين. وقال بعضهم: هو حقيقة في الجميع، لأنه من التولد، غير أنهم يرثون على قدر القرب منه «2»، قال الله تعالى: (يا بَنِي آدَمَ «3»). وقال عليه السلام: (أنا سيد ولد آدم) قال: (يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا) إلا أنه غلب عرف الاستعمال في إطلاق ذلك على الأعيان الأدنين على تلك الحقيقة، فإن كان
__________
(1). كذا في ب وج وز، وفي ط وى: دنيا أو بعدا.
(2). في أوح: منهم.
(3). راجع ج 7 ص 182

في ولد الصلب ذكر لم يكن لولد الولد شي، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم. وإن لم يكن في ولد الصلب ذكر وكان في ولد الولد بدئ بالبنات للصلب، فأعطين إلى مبلغ الثلثين، ثم أعطي الثلث الباقي لولد الولد إذا استووا في القعدد، أو كان الذكر أسفل ممن فوقه من البنات، للذكر مثل حظ الأنثيين. هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وبه قال عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا ما يروى عن ابن مسعود أنه قال: إن كان الذكر من ولد الولد بإزاء الولد الأنثى رد عليها، وإن كان أسفل منها يرد عليها، مراعيا في ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) فلم يجعل للبنات وإن كثرن إلا الثلثين. قلت: هكذا ذكر ابن العربي هذا التفصيل عن ابن مسعود، والذي ذكره ابن المنذر والباجي عنه: أن ما فضل عن بنات الصلب لبني الابن دون بنات الابن، ولم يفصلا. وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور. ونحوه حكى أبو عمر، قال أبو عمر: وخالف في ذلك ابن مسعود فقال: وإذا استكمل البنات الثلثين فالباقي لبني الابن دون أخواتهم، ودون من فوقهم من بنات الابن، ومن تحتهم. وإلى هذا ذهب أبو ثور وداود بن علي. وروي مثله عن علقمة. وحجة من ذهب هذا المذهب حديث ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله فما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر) خرجه البخاري ومسلم وغيرهما. ومن حجة الجمهور قول الله عز وجل: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) لان ولد الولد ولد. ومن جهة النظر والقياس أن كل من يعصب من في درجته في جملة المال فواجب أن يعصبه في الفاضل من المال، كأولاد الصلب. فوجب بذلك أن يشرك ابن الابن أخته، كما يشرك الابن للصلب أخته. فإن احتج محتج لابي ثور وداود أن بنت الابن لما لم ترث شيئا من الفاضل بعد الثلثين منفردة لم يعصبها أخوها. فالجواب أنها إذا كان معها أخوها قويت به وصارت عصبة معه. وظاهر قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) وهي من الولد.

التاسعة- قوله تعالى: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) الآية. فرض الله تعالى للواحدة النصف، وفرض لما فوق الثنتين الثلثين، ولم يفرض للثنتين «1» فرضا منصوصا في كتابه، فتكلم العلماء في الذليل الذي يوجب لهما الثلثين ما هو؟ فقيل: الإجماع وهو مردود، لان الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنتين النصف، لان الله عز وجل قال: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) وهذا شرط وجزاء. قال: فلا أعطي البنتين الثلثين. وقيل: أعطيتا الثلثين بالقياس على الأختين، فإن الله سبحانه لما قال في آخر السورة: (وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ) وقال تعالى: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ «2») فألحقت الابنتان بالأختين في الاشتراك في الثلثين، وألحقت الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين. واعترض هذا بأن ذلك منصوص عليه في الأخوات، والإجماع منعقد عليه فهو مسلم بذلك. وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث إذا انفردت، علمنا أن للاثنتين «3» الثلثين. احتج بهذه الحجة، وقال هذه المقالة إسماعيل القاضي وأبو العباس المبرد. قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط، لان الاختلاف في البنتين وليس في الواحدة. فيقول مخالفه: إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف، فهذا دليل على أن هذا فرضهم. وقيل: (فَوْقَ) زائدة أي إن كن نساء اثنتين. كقوله تعالى: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ «4») أي الأعناق. ورد هذا القول النحاس وابن عطية وقالا: هو خطأ، لان الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى. قال ابن عطية: ولان قوله تعالى: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) هو الفصيح، وليست فوق زائدة بل هي محكمة للمعنى، لان ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ. كما قال دريد بن الصمة: أخفض «5» عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعنان الابطال. وأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين الحديث الصحيح المروي في سبب النزول. ولغة أهل الحجاز وبني أسد الثلث والربع إلى العشر.
__________
(1). في ب ود وز وط وى: فوق ابنتين، للبنتين.
(2). راجع ج 6 ص 28.
(3). في ى: للابنتين.
(4). راجع ج 7 ص 378.
(5). الذي في سيرة ابن هشام ج 2 ص 852 ط أوربا: وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فانى كذلك كنت أضرب الرجال.

ولغة بني تميم وربيعة الثلث بإسكان اللام إلى العشر. ويقال: ثلث القوم أثلثهم، وثلثت الدراهم أثلثها إذا تممتها ثلاثة، وأثلثت هي، إلا أنهم قالوا في المائة والألف: أمأيتها وآلفتها وأمات وآلفت. العاشرة- قوله تعالى: (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) قرأ نافع وأهل المدينة (واحدة) بالرفع على معنى وقعت وحدثت، فهي كانت التامة، كما قال الشاعر:
إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهرمه الشتاء
والباقون بالنصب. قال النحاس: وهذه قراءة حسنة. أي وإن كانت المتروكة أو المولودة (واحِدَةً) مثل (فَإِنْ كُنَّ نِساءً). فإذا كان مع بنات الصلب بنات ابن، وكان بنات الصلب اثنتين فصاعدا حجبن بنات الابن أن يرثن بالفرض، لأنه لا مدخل لبنات الابن أن يرثن بالفرض في غير الثلثين. فإن كانت بنت الصلب واحدة فإن ابنة الابن أو بنات الابن يرثن مع بنات الصلب تكملة الثلثين، لأنه فرض يرثه البنتان فما زاد. وبنات الابن يقمن مقام البنات عند عدمهن. وكذلك أبناء البنين يقومون مقام البنين في الحجب والميراث. فلما عدم من يستحق منهن السدس كان ذلك لبنت الابن، وهي أولى بالسدس من الأخت الشقيقة للمتوفى. على هذا جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين، إلا ما يروى عن أبي موسى وسليمان بن أبي ربيعة أن للبنت النصف، والنصف الثاني للأخت، ولا حق في ذلك لبنت الابن. وقد صح عن أبي موسى ما يقتضي أنه رجع عن ذلك، رواه البخاري: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا أبو قيس سمعت هزيل «1» بن شرحبيل يقول: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت. فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فإنه سيتابعني. فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين! أقضي فيها بما قضى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. فإن كان مع بنت الابن أو بنات الابن ابن في درجتها أو أسفل منها عصبها، فكان النصف الثاني بينهما، للذكر مثل حظ الأنثيين بالغا ما بلغ- خلافا لابن مسعود على
__________
(1). هكذا ضبطه في أسد الغابة وهامش التهذيب، وفي ج وى وط: هذيل بالذال ولا يثبت.

ما تقدم- إذا استوفى بنات الصلب، أو بنت الصلب وبنات الابن الثلثين. وكذلك يقول في الأخت لاب وام، وأخوات وإخوة لاب: للأخت من الأب والام النصف، والباقي للاخوة والأخوات، ما لم يصبهن من المقاسمة أكثر من السدس، فإن أصابهن أكثر من السدس أعطاهن السدس تكملة الثلثين، ولم يزدهن على ذلك. وبه قال أبو ثور. الحادية عشرة- إذا مات الرجل وترك زوجته حبلى فإن المال يوقف حتى يتبين ما تضع. وأجمع أهل العلم على أن الرجل إذا مات وزوجته حبلى أن الولد الذي في بطنها يرث ويورث إذا خرج حيا واستهل «1». وقالوا جميعا: إذا خرج ميتا لم يرث، فإن خرج حيا ولم يستهل فقالت طائفة: لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ما لم يستهل. هذا قول مالك والقاسم ابن محمد وابن سيرين والشعبي والزهري وقتادة. وقالت طائفة: إذا عرفت حياة المولود بتحريك أو صياح أو رضاع أو نفس فأحكامه أحكام الحي. هذا قول الشافعي وسفيان الثوري والأوزاعي. قال ابن المنذر: الذي قاله الشافعي يحتمل النظر، غير أن الخبر يمنع منه وهو قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان يستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه). وهذا خبر، ولا يقع على الخبر النسخ. الثانية- لما قال تعالى: (فِي أَوْلادِكُمْ) تناول الخنثى وهو الذي له فرجان. وأجمع العلماء «2» على أنه يورث من حيث يبول، إن بال من حيث يبول الرجل ورث ميراث رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة. قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن مالك فيه شيئا، بل قد ذكر ابن القاسم أنه هاب أن يسأل مالكا عنه. فإن بال منهما معا فالمعتبر سبق البول، قاله سعيد بن المسيب وأحمد وإسحاق. وحكي ذلك عن أصحاب الرأي. وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال في الخنثى: يورثه «3» من حيث يبول، فإن بال منهما جميعا فمن أيهما سبق، فإن بال منهما معا فنصف ذكر ونصف أنثى. وقال يعقوب ومحمد: من أيهما خرج أكثر ورث، وحكي عن الأوزاعي. وقال النعمان: إذا خرج
__________
(1). استهل الصبى: رفع صوته بالبكاء عند الولادة.
(2). في ب: أهل العلم.
(3). في د وى: نورثه.

منهما معا فهو مشكل، ولا أنظر إلى أيهما أكثر. وروي عنه أنه وقف عنه إذا كان هكذا. وحكي عنه قال: إذا أشكل يعطى أقل النصيبين. وقال يحيى بن آدم: إذا بال من حيث يبول الرجل ويحيض كما تحيض المرأة ورث من حيث يبول، لان في الأثر: يورث من مباله. وفي قول الشافعي: إذا خرج منهما جميعا ولم يسبق أحدهما الآخر يكون مشكلا، ويعطى من الميراث ميراث أنثى، ويوقف الباقي بينه وبين سائر الورثة حتى يتبين أمره أو يصطلحوا، وبه قال أبو ثور. وقال الشعبي: يعطي نصف ميراث الذكر، ونصف ميراث الأنثى، وبه قال الأوزاعي، وهو مذهب مالك. قال ابن شاس في جواهره الثمينة، على مذهب مالك عالم المدينة: الخنثى يعتبر إذا كان ذا فرجين فرج المرأة وفرج الرجل بالمبال منهما، فيعطى الحكم لما بال منه فإن بال منهما اعتبرت الكثرة من أيهما، فإن تساوى الحال اعتبر السبق، فإن كان ذلك منهما معا اعتبر نبات اللحية أو كبر الثديين ومشابهتهما لثدي النساء، فإن اجتمع الأمران اعتبر الحال عند البلوغ، فإن وجد الحيض حكم به، وإن وجد الاحتلام وحده حكم به، فإن اجتمعا فهو مشكل. وكذلك لو لم يكن فرج، لا المختص بالرجال ولا المختص بالنساء، بل كان له مكان يبول منه فقط انتظر به البلوغ، فإن ظهرت علامة مميزة وإلا فهو مشكل. ثم حيث حكمنا بالأشكال فميراثه نصف نصيبي ذكر وأنثى. قلت: هذا الذي ذكروه من العلامات في الخنثى المشكل. وقد أشرنا إلى علامة «1» في (البقرة «2») وصدر هذه السورة تلحقه بأحد النوعين، وهي اعتبار الأضلاع، وهي مروية عن علي رضي الله عنه وبها حكم. وقد نظم بعض [الفضلاء «3»] العلماء حكم الخنثى في أبيات كثيرة أولها «4»:
وأنه معتبر الأحوال ... بالثدي واللحية والمبال
وفيها يقول:
وإن يكن قد استوت حالاته ... ولم تبن وأشكلت آياته
فحظه من مورث القريب ... ستة أثمان من النصيب
هذا الذي استحق للاشكال ... فيه ما فيه من النكال
__________
(1). في ط: علامته. [.....]
(2). راجع ج 1 ص 302.
(3). من ج.
(4). هكذا في جميع الأصول، والمتبادر أن البيت معطوف على سابق.

وواجب في الحق ألا ينكحا ... ما عاش في الدنيا وألا ينكحا
إذ لم يكن من خالص العيال ... ولا اغتدى من جملة الرجال
وكل ما ذكرته في النظم ... قد قاله سراة أهل العلم
وقد أبى الكلام فيه قوم ... منهم ولم يجنح إليه لوم
لفرط ما يبدو من الشناعة ... في ذكره وظاهر البشاعة
وقد مضى في شأنه الخفي ... حكم الإمام المرتضى علي
بأنه إن نقصت أضلاعه ... فللرجال ينبغي إتباعه
في الإرث والنكاح والإحرام ... في الحج والصلاة والأحكام
وإن تزد ضلعا على الذكران ... فإنها من جملة النسوان
لان للنسوان ضلعا زائده ... على الرجال فاغتنمها فائده
إذ نقصت من آدم فيما سبق ... لخلق حواء وهذا القول حق
عليه مما قاله الرسول ... صلى عليه ربنا دليل
قال أبو الوليد بن رشد: ولا يكون الخنثى المشكل زوجا ولا زوجة، ولا أبا ولا أما. وقد قيل: إنه قد وجد من له ولد من بطنه وولد من ظهره. قال ابن رشد: فإن صح ورث من ابنه لصلبه ميراث الأب كاملا، ومن ابنه لبطنه ميراث الام كاملا. وهذا بعيد، والله أعلم. وفي سنن الدارقطني عن أبي هانئ عمر بن بشير قال: سئل عامر الشعبي عن مولود ليس بذكر ولا أنثى، ليس له ما للذكر ولا ما للأنثى، يخرج من سرته كهيئة البول والغائط، فسئل عامر عن ميراثه فقال عامر: نصف حظ الذكر ونصف حظ الأنثى. الثالثة عشرة- قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ) أي لأبوي الميت. وهذا كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه، كقوله: (حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ «1») و(إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) و«2» (السُّدُسُ) رفع بالابتداء، وما قبله خبره: وكذلك (الثُّلُثُ. والسُّدُسُ). وكذلك (نِصْفُ ما تَرَكَ) وكذلك (فَلَكُمُ الرُّبُعُ). وكذلك (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ). و(فَلَهُنَّ الثُّمُنُ) وكذلك
__________
(1). راجع ج 15 ص 192.
(2). راجع ج 20 ص 129.

(فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (. والأبوان تثنية الأب والابة. واستغني بلفظ الام عن أن يقال لها أبة. ومن العرب من يجري المختلفين مجرى المتفقين، فيغلب أحدهما على الآخر لخفته أو شهرته. جاء ذلك مسموعا في أسماء صالحة، كقولهم للأب والام: أبوان. وللشمس والقمر: القمران. ولليل والنهار: الملوان. وكذلك العمران لابي بكر وعمر رضي الله عنهما. غلبوا القمر على الشمس لخفة التذكير، وغلبوا عمر على أبي بكلان أيام عمر امتدت فاشتهرت. ومن زعم أنه أراد بالعمرين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز فليس قوله بشيء، لأنهم نطقوا بالعمرين قبل أن يروا عمر بن عبد العزيز، قال ابن الشجري. ولم يدخل في قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ) من علا من الآباء دخول من سفل من الأبناء في قوله (أَوْلادِكُمْ)، لان قوله: (وَلِأَبَوَيْهِ) لفظ مثنى لا يحتمل العموم والجمع أيضا، بخلاف قوله (أَوْلادِكُمْ). والدليل «1» على صحة هذا قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) والام العليا جدة ولا يفرض لها الثلث بإجماع، فخروج الجدة عن هذا اللفظ مقطوع به، وتناوله للجد مختلف فيه. فممن قال هو أب وحجب به الاخوة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولم يخالفه أحد من الصحابة في ذلك أيام حياته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته، فممن قال إنه أب ابن عباس وعبد الله ابن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة، كلهم يجعلون الجد عند عدم الأب كالأب سواء، يحجبون به الاخوة كلهم ولا يرثون معه شيئا. وقاله عطاء وطاوس والحسن وقتادة. وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو ثور وإسحاق. والحجة لهم قوله تعالى: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ «2») (يا بَنِي آدَمَ «3»)، وقوله عليه السلام: (يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا). وذهب علي بن أبي طالب وزيد وابن مسعود إلى توريث الجد مع الاخوة، ولا ينقص من الثلث مع الاخوة للأب والام أو للأب إلا مع ذوي الفروض، فإنه لا ينقص معهم من السدس شيئا في قول زيد. وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي وكان علي يشرك بين الاخوة والجد إلى السدس ولا ينقصه من السدس شيئا مع ذوي الفرائض وغيرهم. وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة. وأجمع العلماء على أن الجد لا يرث
__________
(1). في ى: يدل.
(2). راجع ج 12 ص 99.
(3). راجع ج 7 ص 182

مع الأب وأن الابن يحجب أباه. وأنزلوا الجد بمنزلة الأب في الحجب والميراث إذا لم يترك المتوفى أبا أقرب منه في جميع المواضع. وذهب الجمهور إلى أن الجد يسقط بني الاخوة من الميراث، إلا ما روي عن الشعبي عن علي أنه أجرى بني الاخوة في المقاسمة مجرى الاخوة. والحجة لقول الجمهور أن هذا ذكر لا يعصب أخته فلا يقاسم الجد كالعم وابن العم. قال الشعبي: أول جد ورث في الإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مات ابن لعاصم بن عمر وترك أخوين فأراد عمر أن يستأثر بمال فاستشار عليا وزيدا في ذلك فمثلا له مثلا فقال: لولا أن رأيكما اجتمع ما رأيت أن يكون ابني ولا أكون أباه. روى الدارقطني عن زيد ابن ثابت أن عمر بن الخطاب استأذن عليه يوما فأذن له، ورأسه في يد جارية له ترجله، فنزع رأسه، فقال له عمر: دعها ترجلك. فقال: يا أميرا لمؤمنين، لو أرسلت إلي جئتك. فقال عمر إنما الحاجة لي، إني جئتك لتنظر في أمر الجد. فقال زيد: لا والله «1»! ما تقول فيه. فقال عمر: ليس هو بوحي حتى نزيد فيه وننقص، إنما هو شي تراه «2»، فإن رأيته وافقني تبعته، وإلا لم يكن عليك فيه شي. فأبى زيد، فخرج مغضبا وقال: قد جئتك وأنا أظن ستفرغ من حاجتي. ثم أتاه مرة أخرى في الساعة التي أتاه في المرة الاولى، فلم يزل به حتى قال: فسأكتب لك فيه. فكتبه في قطعة قتب «3» وضرب له مثلا. إنما مثله مثل شجرة تنبت على ساق واحدة، فخرج فيها غصن ثم خرج في غصن غصن آخر، فالساق يسقي الغصن، فإن قطعت الغصن الأول رجع الماء إلى الغصن، وإن قطعت الثاني رجع الماء إلى الأول. فأتى به فخطب الناس عمر ثم قرأ قطعة القتب عليهم ثم قال: إن زيد بن ثابت قد قال في الجد قولا وقد أمضيته. قال: وكان عمر أول جد كان، فأراد أن يأخذ المال كله، مال ابن ابنه دون إخوته، فقسمه بعد ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
__________
(1). قوله: لا والله. أي ليس القول في هذه المسألة الذي ينبغي في هذه الواقعة كما تقول.
(2). قوله: ليس هو يوحى. أي ليس الذي جرى بيني وبينك فيه نص من القران حتى تحرم مخالفته والزيادة فيه أو النقصان عنه. وقوله: انما هو شي تراه. أي تقوله برأيك وأنا أقول برأيى. (عن شرح سنن الدارقطني).
(3). القتب (بكسر القاف وسكون التاء وشجريكهما): الأمعاء.

الرابعة عشرة- وأما الجدة فأجمع أهل العلم على أن للجدة السدس إذا لم يكن للميت أم. وأجمعوا على أن الام تحجب أمها وام الأب. وأجمعوا على أن الأب لا يحجب أم الام. واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي، فقالت طائفة: لا ترث الجدة وابنها حي. روي عن زيد بن ثابت وعثمان وعلي. وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: ترث الجدة مع ابنها. روي عن عمر وابن مسعود وعثمان وعلي وأبي موسى الأشعري، وقال به شريح وجابر بن زيد وعبيد الله بن الحسن وشريك وأحمد وإسحاق وابن المنذر. وقال: كما أن الجد لا يحجبه إلا الأب كذلك الجدة لا يحجبها إلا الام. وروى الترمذي عن عبد الله قال في الجدة مع ابنها: إنها أول جدة أطعمها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سدسا «1» مع ابنها وابنها حي. والله أعلم. الخامسة عشرة- واختلف العلماء في توريث الجدات، فقال مالك: لا يرث إلا جدتان، أم أم وام أب وأمهاتهما. وكذلك روى أبو ثور عن الشافعي، وقال به جماعة من التابعين. فإن انفردت إحداهما فالسدس لها، وإن اجتمعتا وقرابتهما سواء فالسدس بينهما. وكذلك إن كثرن إذا تساوين في القعدد، وهذا كله مجمع عليه. فإن قربت التي من قبل الام كان لها السدس دون غيرها، وإن قربت التي من قبل الأب كان بينها وبين التي من قبل الام وإن بعدت. ولا ترث إلا جدة واحدة من قبل الام. ولا ترث الجدة أم أب الام على حال. هذا مذهب زيد بن ثابت، وهو أثبت ما روي عنه في ذلك. وهو قول مالك وأهل المدينة. وقيل: إن الجدات أمهات، فإذا اجتمعن فالسدس لأقربهن، كما أن الآباء إذا اجتمعوا كان أحقهم بالميراث أقربهم و، فكذلك البنون والاخوة، وبنو الاخوة وبنو العم إذا اجتمعوا كان أحقهم بالميراث أقربهم، فكذلك الأمهات. قال ابن المنذر: وهذا أصح، وبه أقول. وكان الأوزاعي يورث ثلاث جدات: واحدة من قبل الام واثنتين من قبل الأب. وهو قول أحمد بن حنبل، رواه الدارقطني عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا. وروي عن زيد بن ثابت عكس هذا، أنه كان يورث ثلاث جدات: ثنتين من جهة الام
__________
(1). في ب وى: سدسها.

وواحدة من قبل الأب. وقول علي رضي الله عنه كقول زيد هذا. وكانا يجعلان السدس لأقربهما، من قبل الام كانت أو من قبل الأب. ولا يشركها فيه من ليس في قعددها، وبه يقول الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور. وأما عبد الله بن مسعود وابن عباس فكانا يورثان الجدات الأربع، وهو قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد. قال ابن المنذر: وكل جدة إذا نسبت إلى المتوفى وقع في نسبها أب بين أمين فليست ترث، في قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم. السادسة عشرة- قوله تعالى: (لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) فرض تعالى لكل واحد من الأبوين مع الولد السدس، وأبهم الولد فكان الذكر والأنثى فيه سواء. فإن مات رجل وترك ابنا وأبوين فلأبويه لكل واحد منهما السدس، وما بقي فللابن. فإن ترك ابنة وأبوين فللابنة النصف وللأبوين السدسان، وما بقي فلا قرب عصبة وهو الأب، لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما أبقت الفرائض فلأولي رجل ذكر). فاجتمع للأب الاستحقاق بجهتين: التعصيب والفرض. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) فأخبر جل ذكره أن الأبوين إذا ورثاه أن للأم الثلث. ودل بقوله: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ) وإخباره أن للأم الثلث، أن الباقي وهو الثلثان للأب. وهذا كما تقول لرجلين: هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما: أنت يا فلان لك منه ثلث، فإنك حددت للآخر منه الثلثين بنص كلامك، ولان قوة الكلام في قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ) يدل على أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من ولد وغيره، وليس في هذا اختلاف. قلت: وعلى هذا يكون الثلثان فرضا للأب مسمى لا يكون عصبة، وذكر ابن العربي أن المعنى في تفضيل الأب بالثلث عند عدم الولد الذكورية والنصرة، ووجوب المئونة عليه، وثبتت الام على سهم لأجل القرابة. قلت: وهذا منتقض، فإن ذلك موجود مع حياته فلم حرم السدس. والذي يظهر أنه أنما حرم السدس في حياته إرفاقا بالصبي وحياطة على ماله، إذ قد يكون إخراج جزء من ماله إجحافا به. أو أن ذلك تعبد، وهو أولى ما يقال. والله الموفق.

السابعة عشرة- إن قيل: ما فائدة زيادة الواو في قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ)، وكان ظاهر الكلام أن يقول: فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه. قيل له: أراد بزيادتها الاخبار ليبين أنه أمر مستقر ثابت فيخبر عن ثبوته واستقراره، فيكون حال الوالدين عند انفرادهما كحال الولدين، للذكر مثل حظ الأنثيين. ويجتمع للأب بذلك فرضان السهم والتعصيب إذ يحجب الاخوة كالولد. وهذا عدل في الحكم، ظاهر في الحكمة. والله أعلم. الثامنة عشرة- قوله تعالى: (فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) قرأ أهل الكوفة (فلامه الثلث) وهى لغة حكاها سيبويه. قال الكسائي: هي لغة كثير من هوازن وهذيل، ولان اللام لما كانت مكسورة وكانت متصلة بالحرف كرهوا ضمة بعد كسرة، فابدلوا من الضمة كسرة، لأنه ليس في الكلام فعل. ومن ضم جاء به على الأصل، ولان اللام تنفصل لأنها داخلة على الاسم. قال جميعه النحاس. التاسعة عشرة- قوله تعالى: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) الاخوة يحجبون الام عن الثلث إلى السدس، وهذا هو حجب النقصان، وسواء كان الاخوة أشقاء أو للأب أو للأم، ولا سهم لهم. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: السدس الذي حجب الاخوة الام عنه هو للاخوة. وروي عنه مثل قول الناس انه للأب. قال قتادة: وإنما أخذه الأب دونهم، لأنه يمونهم ويلي نكاحهم والنفقة عليهم. وأجمع أهل العلم على أن أخوين فصاعدا ذكرانا كانوا أو إناثا من أب وام، أو من أب أو من أم يحجبون الام عن الثلث إلى السدس، إلا ما روي عن ابن عباس أن الاثنين من الاخوة في حكم الواحد، ولا يحجب الام أقل من ثلاث. وقد صار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الام من الثلث إلى السدس، لان كتاب الله في الاخوة وليست قوة ميراث الإناث مثل قوة ميراث الذكور حتى تقتضي العبرة الإلحاق. قال الكيا الطبري: ومقتضى أقوالهم ألا يدخلن مع الاخوة، فإن لفظ الاخوة بمطلقه لا يتناول الأخوات، كما أن لفظ البنين لا يتناول البنات. وذلك يقتضي ألا تحجب الام بالأخ الواحد والأخت من الثلث إلى السدس، وهو خلاف إجماع

المسلمين. وإذا كن مرادات بالآية مع الاخوة كن مرادات على الانفراد. واستدل الجميع
بأن أقل الجمع اثنان، لان التثنية جمع شي إلى مثله، فالمعنى يقتضي أنها جمع. وقال عليه السلام: (الاثنان فما فوقهما جماعة). وحكي عن سيبويه أنه قال: سألت الحليل عن قوله (ما أحسن وجوههما)؟ فقال: الاثنان جماعة. وقد صح قول الشاعر:
ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين «1»
وأنشد الأخفش:
لما أتتنا المرأتان بالخبر ... فقلن إن الأمر فينا قد شهر
وقال آخر:
يحيى بالسلام غني قوم ... ويبخل بالسلام على الفقير
أليس الموت بينهما سواء ... إذا ماتوا وصاروا في القبور
ولما وقع الكلام في ذلك بين عثمان وابن عباس قال له عثمان: إن قومك حجبوها- يعني قريشا- وهم أهل الفصاحة والبلاغة. وممن قال: إن أقل الجمع ثلاثة- وإن لم يقل به هنا- ابن مسعود والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم. والله أعلم. الموفية عشرين- قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم «2») يوصى بفتح الصاد. الباقون بالكسر، وكذلك الآخر. واختلفت الرواية فيهما عن عاصم. والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا. قال الأخفش: وتصديق ذلك قوله تعالى (يُوصِينَ) و(تُوصُونَ). الحادية والعشرون- إن قيل: ما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين، والدين مقدم عليها بإجماع. وقد روى الترمذي عن الحارث عن علي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرون «3» الوصية قبل الدين. قال: والعمل على هذا عند عامة
__________
(1). هذا البيت من رجزا لخطام المجاشعي، وهو شاعر إسلامي. والمهمه.: القفر المخوف. والقذف (بفتحتين وبضمتين): البعيد من الأرض. وفى ج: (فدفدين) وهى رواية. والفدفد: الأرض المستوية. والمرت (بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثناة فوقية): الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات. والظهر: ما ارتفع من الأرض.
(2). في رواية أبى بكر. [.....]
(3). كذا في الترمذي وفى ب وى وز وط، وفي غيرها: تقرءون. ولا يصح.

أهل العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية. وروى الدارقطني من حديث عاصم بن ضمرة عن علي قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الدين قبل الوصية وليس لوارث وصية). رواه عنهما أبو إسحاق الهمداني. فالجواب من أوجه خمسة: الأول- إنما قصد تقديم هذين الفصلين على الميراث ولم يقصد ترتيبهما في أنفسهما، فلذلك تقدمت الوصية في اللفظ. جواب ثان- لما كانت الوصية أقل لزوما من الدين قدمها اهتماما بها، كما قال تعالى: (لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً «1»). جواب ثالث- قدمها لكثرة وجودها ووقوعها، فصارت كاللازم لكل ميت مع نص الشرع عليها، وأخر الدين لشذوذه، فإنه قد يكون وقد لا يكون. فبدأ بذكر الذي لا بد منه، وعطف بالذي قد يقع أحيانا. ويقوى هذا: العطف بأو، ولو كان الدين راتبا لكان العطف بالواو. جواب رابع- إنما قدمت الوصية إذ هي حظ مساكين وضعفاء، وأخر الدين إذ هو حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان وله فيه مقال. جواب خامس- لما كانت الوصية ينشئها «2» من قبل نفسه قدمها، والدين ثابت مؤدى ذكره أو لم يذكره. الثانية والعشرون- ولما ثبت هذا تعلق الشافعي بذلك في تقديم دين الزكاة والحج على الميراث فقال: ان الرجل إذا فرط في زكاته وجب أخذ ذلك من رأس ماله. وهذا ظاهر ببادئ الرأي، لأنه حق من الحقوق فيلزم أداؤه عنه بعد الموت كحقوق الآدميين لا سيما والزكاة مصرفها إلى الآدمي. وقال أبو حنيفة ومالك: إن أوصى بها أديت من ثلثه، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شي. قالوا: لان ذلك موجب لترك الورثة فقراء، إلا أنه قد يتعمد ترك الكل حتى إذا مات استغرق ذلك جميع ماله فلا يبقى للورثة حق. الثالثة والعشرون- قوله تعالى: (آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ) رفع بالابتداء والخبر مضمر، تقديره: هم المقسوم عليهم وهم المعطون. الرابعة والعشرون- قوله تعالى: (لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) قيل: في الدنيا بالدعاء والصدقة، كما جاء في الأثر (إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده). وفي الحديث الصحيح
__________
(1). راجع ج 10 ص 418.
(2). كذا في الأصول الإد: يثبتها، وز: ثبتها.

(إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث- فذكر- أو ولد صالح يدعو له «1»). وقيل: في الآخرة، فقد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه، عن ابن عباس والحسن. وقال بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فرفع إليه أباه، وكذلك الأب إذا كان أرفع من ابنه، وسيأتي في (الطور «2») بيانه. وقيل: في الدنيا والآخرة، قاله ابن زيد. واللفظ يقتضي ذلك. الخامسة- والعشرون- قوله تعالى: (فَرِيضَةً) (فَرِيضَةً) نصب على المصدر المؤكد، إذ معنى (يُوصِيكُمُ) يفرض عليكم. وقال مكي وغيره: هي حال مؤكدة، والعامل (يُوصِيكُمُ) وذلك ضعيف. والآية متعلقة بما تقدم، وذلك أنه عرف العباد أنهم كفوا مؤنة الاجتهاد في إيصاء القرابة مع اجتماعهم في القرابة، أي أن الآباء والأبناء ينفع بعضهم بعضا في الدنيا بالتناصر والمواساة، وفي الآخرة بالشفاعة. وإذا تقرر ذلك في الآباء والأبناء تقرر ذلك في جميع الأقارب، فلو كان القسمة موكولة إلى الاجتهاد لوجوب النظر في غنى كل واحد منهم. وعند ذلك يخرج الامر عن الضبط إذ قد يختلف الامر، فبين الرب تبارك وتعالى أن الأصلح للعبد ألا يوكل إلى اجتهاده في مقادير المواريث، بل بين المقادير شرعا. ثم قال: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً) أي بقسمة المواريث (حَكِيماً) حكم قسمتها وبينها لأهلها. وقال الزجاج: (عَلِيماً) أي بالأشياء قبل خلقها (حَكِيماً) فيما يقدره ويمضيه منها. وقال بعضهم: إن الله سبحانه لم يزل ولا يزال، والخبر منه بالماضي كالخبر منه «3» بالاستقبال. ومذهب سيبويه أنهم رأوا حكمة وعلما فقيل لهم: إن الله عز وجل كان كذلك لم يزل على ما رأيتم. السادسة والعشرون- قوله تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ) الآيتين. الخطاب للرجال. والولد هنا بنو الصلب وبنو بنيهم وإن سفلوا، ذكرانا وإناثا واحدا فما زاد بإجماع. وأجمع العلماء على أن للزوج النصف مع عدم الولد أو ولد الولد، وله مع وجوده الربع. وترث المرأة من زوجها الربع مع فقد الولد، والثمن مع وجوده. وأجمعوا على أن
__________
(1). الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).
(2). راجع ج 17 ص 66.
(3). في ب: عنه.

حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ولد، وفي الثمن إن كان له ولد واحد، وأنهن شركاء في ذلك، لان الله عز وجل لم يفرق بين حكم الواحدة منهن وبين حكم الجميع، كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهن. السابعة والعشرون- قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ) الكلالة مصدر، من تكلله النسب أي أحاط به. وبه سمي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر لإحاطتها بالقمر إذا احتل بها. ومنه الإكليل أيضا وهو التاج والعصابة المحيطة بالرأس. فإذا مات الرجل وليس له ولد ولا والد فورثته كلالة. هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم. وذكر يحيى بن آدم عن شريك وزهير وأبي الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن عبد قال: ما رأيتهم إلا وقد تواطئوا وأجمعوا على أن الكلالة من مات ليس له ولد ولا والد. وهكذا قال صاحب كتاب العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتبي وأبو عبيد وابن الأنباري. فالأب والابن طرفان للرجل، فإذا ذهبا تكلله النسب. ومنه قيل: روضة مكللة إذا حفت بالنور. وأنشدوا:
مسكنه روضة مكللة ... عم بها الأيهقان والذرق «1»
يعني نبتين. وقال امرؤ القيس:
أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبيّ مكلل «2»
فسموا القرابة كلالة، لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم ينتسبون «3» معه. كما قال أعرابي: مالى كثير ويرثنى كلالة متراخ نسبهم. وقال الفرزدق:
ورثتم قناة المجد لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
__________
(1). الأيهقان: الجرجير البرى. والذرق: بقلة وحشيشة كالقث الرطب. في اللسان: قال مرة: الذرق نبات مثل الكرات الجبلي الدقاق له في رأسه قماعل صغار فيها حب أغبر حلو يؤكل رطبا تحبه الرعاء ويأتون بها أهليهم وله نصال صغار لها قشرة سوداء تقشر عن بياض صادقة الحلاوة كثيرة الماء يأكلها الناس. قال المصحح: يسمى في المغرب أجيز يظهر في الخصب.
(2). ومض البرق: لمع. وكلمع اليدين: كاشارة اليدين. والحبى: السحاب المعترض. والمكلل: الذي في جوانبه البرق مثل الا كليل.
(3). من ج وب وى، وفى اوح وط: ينسبون.

وقال آخر:
وإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضب «1»
وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء. قال الأعشى:
فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجى «2» حتى تلاقي محمدا
وذكر أبو حاتم والأثرم عن أبى عبيدة قال: الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة. قال أبو عمر: ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره. وروي عن عمر بن الخطاب أن الكلالة من لا ولد له خاصة، وروي عن أبي بكر ثم رجعا عنه. وقال ابن زيد: الكلالة الحي والميت جميعا. وعن عطاء: الكلالة المال. قال ابن العربي: وهذا قول طريف لا وجه له. قلت: له وجه يتبين بالاعراب [آنفا «3»]. وروي عن ابن الاعرابي أن الكلالة بنو العم الأباعد. وعن السدي أن الكلالة الميت. وعنه مثل قول الجمهور. وهذه الأقوال تتبين وجوهها بالاعراب، فقرأ بعض الكوفيين (يورث كلالة) بكسر الراء وتشديدها. وقرا الحسن وأيوب (يورث) بكسر الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما. وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالة إلا الورثة أو المال. كذلك حكى أصحاب المعاني، فالأول من ورث، والثاني من أورث. و(كَلالَةً) مفعوله و(كانَ) بمعنى وقع. ومن قرأ (يُورَثُ) بفتح الراء احتمل أن تكون الكلالة المال، والتقدير: يورث وراثة كلالة فتكون نعتا لمصدر محذوف. ويجوز أن تكون الكلالة اسما للورثة وهي خبر كان، فالتقدير: ذا ورثة. ويجوز أن تكون تامة بمعنى وقع، و(يُورَثُ) نعت لرجل، و(رَجُلٌ) رفع بكان، و(كَلالَةً) نصب على التفسير أو الحال، على أن الكلالة هو الميت، التقدير: وإن كان رجل يورث متكلل النسب إلى الميت.
__________ (1). أراد أن أبا أغضب له أذا ظلم. وموالي الكلالة وهم الاخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب.
(2). الوجى: الحفي.
(3). في د وى وط وز، وفى ج وهـ أيضا.

الثامنة والعشرون- ذكر الله عز وجل في كتابه الكلالة في موضعين آخر السورة وهنا، ولم يذكر في الموضعين وارثا غير الاخوة. فأما هذه الآية فأجمع العلماء على أن الاخوة فيها عني بها الاخوة للأم، لقوله تعالى: (فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ). وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ (وله أخ أو أخت من أمه). ولا خلاف بين أهل العلم أن الاخوة للأب والام أو الأب ليس ميراثهم كهذا، فدل إجماعهم على أن الاخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة المتوفى لأبيه وأمه أو لأبيه، لقوله عز وجل (وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ «1»). ولم يختلفوا أن ميراث الاخوة للأم ليس هكذا، فدلت الآيتان أن الاخوة كلهم جميعا كلالة. وقال الشعبي: (الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة إخوة أو غيرهم من العصبة). كذلك قال علي وابن مسعود وزيد وابن عباس، وهو القول الأول الذي بدأنا به. قال الطبري: والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده، لصحة خبر جابر: فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة، أفأوصي بمالي كله؟ قال: (لا). التاسعة والعشرون- قال أهل اللغة: يقال رجل كلالة وامرأة كلالة. ولا يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر كالوكالة والدلالة والسماحة والشجاعة. وأعاد ضمير مفرد في قوله: (وَلَهُ أَخٌ) ولم يقل لهما. ومضى ذكر الرجل والمرأة على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما وكانا في الحكم سواء ربما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا، تقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه واليها وإليهما واليهم، قال الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ «2»). وقال تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما «3») ويجوز أولى بهم، عن الفراء وغيره. ويقال في امرأة: مرأة، وهو الأصل. واخ أصله أخو، يدل عليه أخوان، فحذف منه وغير على غير قياس. قال الفراء ضم أول أخت، لان المحذوف منها واو، وكسر أول بنت، لان المحذوف منها ياء. وهذا الحذف والتعليل على غير قياس أيضا.
__________
(1). راجع ج 6 ص 28.
(2). راجع ج 1 ص 371. [.....]
(3). راجع ص 410 من هذا الجزء.

الموفية ثلاثين- قوله تعالى: (فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) هذا التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى وإن كثروا. وإذا كانوا يأخذون بالأم فلا يفضل الذكر على الأنثى. وهذا إجماع من العلماء، وليس في الفرائض موضع يكون فيه الذكر والأنثى سواء إلا في ميراث الاخوة للأم. فإذا ماتت امرأة وتركت زوجها وأمها وأخاها لامها فللزوج النصف وللأم الثلث وللأخ من الام السدس. فإن تركت أخوين وأختين- والمسألة بحالها- فللزوج النصف وللأم السدس وللأخوين والأختين الثلث، وقد تمت الفريضة. وعلى هذا عامة الصحابة، لأنهم حجبوا الام بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس. وأما ابن عباس فإنه لم ير العول ولو جعل للأم الثلث لعالت المسألة، وهو لا يرى ذلك. والعول «1» مذكور في غير هذا الموضع، ليس هذا موضعه. فإن تركت زوجها وإخوة لام وأخا لاب وام، فللزوج النصف، ولإخوتها لامها الثلث، وما بقي فلأخيها لامها وأبيها. وهكذا من له فرض مسمى أعطيه، والباقي للعصبة إن فضل. فإن تركت ستة إخوة مفترقين فهذه الحمارية «2»، وتسمى أيضا المشتركة. قال قوم: للاخوة للأم الثلث، وللزوج النصف، وللأم السدس، وسقط الأخ والأخت من الأب والام، والأخ والأخت من الأب. روي عن علي وابن مسعود وأبي موسى والشعبي وشريك ويحيى بن آدم، وبه قال أحمد بن حنبل واختاره ابن المنذر، لان الزوج والام والأخوين للأم أصحاب فرائض مسماة ولم يبق للعصبة شي. وقال قوم: الام واحدة، وهب أن أباهم كان حمارا! وأشركوا بينهم في الثلث، ولهذا سميت المشتركة والحمارية. روي هذا عن عمر وعثمان وابن مسعود أيضا وزيد بن ثابت ومسروق وشريح، وبه قال مالك والشافعي وإسحاق. ولا تستقيم هذه المسألة أن لو كان الميت رجلا. فهذه جملة من علم الفرائض تضمنتها الآية، والله الموفق للهداية. وكانت الوراثة في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء، فأبطل الله عز وجل ذلك بقوله: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ) كما تقدم. وكانت الوراثة
__________
(1). عالت الفريضة: ارتفعت وزادت سهامها على أصل حسابها الموجب عن عدد وارثيها.
(2). من قولهم: هب أن أبانا كان حمارا، كما سيجيء.

أيضا في الجاهلية وبدء الإسلام بالمحالفة، قال الله عز وجل: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ) على ما يأتي بيانه «1». ثم صارت بعد المحالفة بالهجرة، قال الله تعالى: [والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شي حتى يهاجروا «2»] وسيأتي. وهناك يأتي القول في ذوي الأرحام وميراثهم، إن شاء الله تعالى. وسيأتي في سورة (النور «3») ميراث ابن «4» الملاعنة وولد الزنا والمكاتب بحول الله تعالى. والجمهور من العلماء على أن الأسير المعلوم حياته أن ميراثه ثابت، لأنه داخل في جملة المسلمين الذين أحكام الإسلام جارية عليهم. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال في الأسير في يد العدو: لا يرث. وقد تقدم ميراث المرتد في سورة (البقرة «5»
) والحمد لله. الحادية والثلاثون- قوله تعالى: (غَيْرَ مُضَارٍّ) نصب على الحال والعامل (يُوصِي). أي يوصي بها غير مضار، أي غير مدخل الضرر على الورثة. أي لا ينبغي أن يوصي بدين ليس عليه ليضر بالورثة، ولا يقر بدين. فالاضرار راجع إلى الوصية والدين، أما رجوعه إلى الوصية فبأن يزيد على الثلث أو يوصي لوارث، فإن زاد فإنه يرد، إلا أن يجيزه الورثة، لان المنع لحقوقهم لا لحق الله تعالى. وإن أوصى لوارث فإنه يرجع ميراثا. وأجمع العلماء على أن الوصية للوارث لا تجوز. وقد تقدم هذا في (البقرة «6»). وأما رجوعه إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز له فيها، كما لو أقر في مرضه لوارثه أو لصديق ملاطف، فإن ذلك لا يجوز عندنا. وروي عن الحسن أنه قرأ (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) على الإضافة. قال النحاس: وقد زعم بعض أهل اللغة أن هذا لحن، لان اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر. والقراءة حسنة على حذف، والمعنى: غير مضار ذي وصية، أي غير مضار بها ورثته في ميراثهم. وأجمع العلماء على أن إقراره بدين لغير وارث حال المرض جائز إذا لم يكن عليه دين في الصحة. الثانية والثلاثون- فإن كان عليه دين في الصحة ببينة وأقر لأجنبي بدين، فقالت طائفة: يبدأ بدين الصحة، هذا قول النخعي والكوفيين «7». قالوا: فإذا استوفاه صاحبه
__________
(1). راجع ص 165 من هذا الجزء.
(2). راجع ج 8 ص 55.
(3). راجع ج 12 ص 195.
(4). في أو ج: ولد. وفى ى وط وز: ميراث الملاعنة.
(5). راجع ج 3 ص 49.
(6). راجع ج 2 ص 257.
(7). في ط: والكوفيون.

فأصحاب الإقرار في «1» المرض يتحاصون. وقالت طائفة: هما سواء إذا كان لغير وارث. هذا قول الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد، وذكر أبو عبيد إنه قول أهل المدينة ورواه عن الحسن. الثالثة والثلاثون- قد مضى في (البقرة «2») الوعيد في الإضرار في الوصية ووجوهها. وقد روى أبو داود من حديث شهر بن حوشب (وهو مطعون فيه) عن أبى هريرة حدثه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنه ثم يحضرهما الموت فيضار ان في الوصية فتجب لهما النار (. قال: وقرا علي أبو هريرة من هاهنا (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) حتى بلغ (ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وقال ابن عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر، ورواه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلا أن مشهور مذهب مالك وابن القاسم أن الموصي لا يعد فعله مضارة في ثلثه، لان ذلك حقه فله التصرف فيه كيف شاء. وفي المذهب قوله: أن ذلك مضارة ترد. وبالله التوفيق. الرابعة والثلاثون- قوله تعالى: (وَصِيَّةٍ) (وَصِيَّةٍ) نصب على المصدر في موضع الحال والعامل (يُوصِيكُمُ) ويصح أن يعمل فيها (مُضَارٍّ) والمعنى أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزا، قاله ابن عطية، وذكر أن الحسن بن أبي الحسن قرأ (غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً) بالإضافة، كما تقول: شجاع حرب. وبضة «3» المتجرد، في قول طرفة بن العبد. والمعنى على ما ذكرناه من التجوز في اللفظ لصحة المعنى. ثم قال: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) يعني عليم بأهل «4» الميراث حليم على أهل الجهل منكم. وقرا بعض المتقدمين (والله عليم حكيم «5») يعنى حكيم بقسمة الميراث والوصية. الخامسة والثلاثون- قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) و(تِلْكَ) بمعنى هذه، أي هذه أحكام الله بينها لكم لتعرفوها وتعملوا بها. (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) في قسمة
__________
(1). في ج: على.
(2). راجع ج 2 ص 271.
(3). البضة: البيضاء الرخصة. والمتجرد: جسدها المتجرد من ثيابها. والبيت:
رحيب قطاب الجيب منها رفيقة ... بحبس الندامى بضة المتجرد

(4). في ب وط وج: عليما في أمر الميراث حليما. [.....]
(5). لم تقف على هذا في القراءات الشواذ فلا عبرة به.

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)

المواريث فيقر بها ويعمل بها كما أمره الله تعالى (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) جملة في موضع نصب على النعت لجنات. قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يريد في قسمة المواريث فلم يقسمها ولم يعمل بها (وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) أي يخالف أمره (يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها) والعصيان إن أريد به الكفر فالخلود على بابه، وإن أريد به الكبائر وتجاوز أوامر الله تعالى فالخلود مستعار لمدة ما. كما تقول: خلد الله ملكه. وقال زهير:
ولا خالدا إلا الجبال الرواسيا «1»

وقد تقدم هذا المعنى في غير موضع. وقرأ نافع وابن عامر (ندخله) بالنون في الموضعين، على معنى الإضافة إلى نفسه سبحانه. الباقون بالياء كلاهما، لأنه سبق ذكر اسم الله تعالى.

[سورة النساء (4): آية 15]
وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15)
فيه ثمان مسائل: الاولى- لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن، وانجر الامر إلى ذكر ميراثهن مع مواريث الرجال، ذكر أيضا التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة، لئلا تتوهم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفف. الثانية- قوله تعالى: (وَاللَّاتِي) (اللَّاتِي) جمع التي، وهو اسم مبهم للمؤنث، وهي معرفة ولا يجوز نزع الالف واللام منه للتنكير، ولا يتم إلا بصلته، وفية ثلاث لغات كما تقدم. ويجمع أيضا (اللات) بحذف الياء وإبقاء الكسرة، و(اللائي) بالهمزة وإثبات الياء، و(اللاء) بكسر الهمزة وحذف الياء، و(اللا) بحذف الهمزة. فإن
__________
(1). صدره:
ألا لا أرى على الحوادث باقيا

جمعت الجمع قلت في اللاتي: اللواتي، وفي اللاء: اللوائي. وقد روي عنهم (اللوات) بحذف الياء وإبقاء الكسرة، قاله ابن الشجري. قال الجوهري: أنشد أبو عبيد:
من اللواتي والتي واللات ... زعمن أن قد كبرت لدات
واللوا بإسقاط التاء. وتصغير التي اللتيا بالفتح والتشديد، قال الراجز:
بعد اللتيا واللتيا «1» والتي

وبعض الشعراء أدخل على (التي) حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الالف واللام إلا في قولنا: يا الله وحده، فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها. وقال:
من أجلك يا لتي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالود عنى
ويقال: وقع في اللتيا والتي، وهما اسمان من أسماء الداهية. الثالثة- قوله تعالى: (يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ) الفاحشة في هذا الموضع الزنا، والفاحشة الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعاقبة والعافية. وقرا ابن مسعود (بالفاحشة) بباء الجر. الرابعة- قوله تعالى: (مِنْ نِسائِكُمْ) إضافة في معنى الإسلام وبيان حال المؤمنات، كما قال: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ «2») لان الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها هذا الحكم. الخامسة- قوله تعالى: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) أي من المسلمين، فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعي وسترا على العباد. وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً «3») وقال هنا: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ). وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم [قد «4»] زنيا فقال: [النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «5»] (ائتوني بأعلم رجلين منكم) فأتوه بابني صوريا فنشدهما: (كيف تجدان أمر هذين في التوراة)؟ قالا: نجد في التوراة
__________
(1). هذا صدر بيت للعجاج، وعجزه: إذا علتها نفس تردت.
(2). راجع ج 3 ص 389.
(3). راجع ج 12 ص 171.
(4). من أبى داود كما في ابن العربي.
(5). من أبى داود كما في ابن العربي.

إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: (فما يمنعكما أن ترجموهما)، قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل، فدعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشهود، فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برجمهما. وقال قوم: إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق، إذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما، وهذا ضعيف، فإن اليمين تدخل في الأموال واللوث «1» في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا. السادسة- ولا بد أن يكون الشهود ذكورا، لقوله: (مِنْكُمْ) ولا خلاف فيه بين الامة. وأن يكونوا عدولا، لان الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة وهذا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل، على ما هو مذكور في أصول الفقه. ولا يكونون ذمة «2»، وإن كان الحكم على ذمية، وسيأتي ذلك في (المائدة «3») وتعلق أبو حنيفة بقوله: (أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن. وسيأتي بيانه في (النور «4») إن شاء الله تعالى. السابعة- قوله تعالى: (فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) هذه أول عقوبات «5» الزناة، وكان هذا في ابتداء الإسلام، قاله عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نسخ بالأذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بأية (النور) وبالرجم في الثيب. وقالت فرقة: بل كان الإيذاء هو الأول ثم نسخ بالإمساك، ولكن التلاوة أخرت وقدمت، ذكره ابن فورك، وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة، فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذ لهم سجن، قاله ابن العربي.
__________
(1). اللوث: هو أن يشهد شاهد واحد على اقرار المقتول قبل أن يموت: أن فلانا قتلني، أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما أو تهديد منه له، أو نحو ذلك. (النهاية).
(2). في ج: ولا يكون ذمية، وفى ط وى وز: ذمة. والمراد المعاهدون. وفي البحر: ولا يكونوا.
(3). راجع ج 6 ص 349 فما بعد.
(4). راجع ج 12 ص 182 فما بعد.
(5). كذا في ابن عطية، والعبارة له. وفي الأصول: عزمات.

وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)

الثامنة- واختلف العلماء هل كان هذا السجن حدا أو توعدا بالحد على قولين: أحدهما- أنه توعد بالحد، والثاني- أنه حد، قاله ابن عباس والحسن. زاد ابن زيد: وأنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه. وهذا يدل على أنه كان حدا بل أشد، غير أن ذلك الحكم كان ممدودا «1» إلى غاية وهو الأذى في الآية الأخرى، على اختلاف التأويلين في أيهما قبل، وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (. وهذا نحو قوله تعالى:) ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ «2» (فإذا جاء الليل ارتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه هذا قول المحققين المتأخرين من الأصوليين، فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللذين لا يمكن الجمع بينهما، والجمع ممكن بين الحبس والتعيير «3» والجلد والرجم، وقد قال بعض العلماء: أن الأذى والتعيير «4» باق مع الجلد، لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وإطلاق المتقدمين النسخ على مثل هذا تجوز. والله أعلم.

[سورة النساء (4): آية 16]
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16)
فيه سبع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَالَّذانِ) (الَّذانِ) تثنية الذي، وكان القياس أن يقال: اللذيان كرحيان ومصطفيان وشجيان. قال سيبويه: حذفت الياء ليفرق بين الأسماء المتمكنة والأسماء المبهمات. وقال أبو علي: حذفت الياء تخفيفا، إذ قد أمن اللبس في اللذان، لان النون لا تنحذف، ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين. وقرا ابن كثير (اللذان) بتشديد
__________
(1). كذا في ابن العربي. والأصول: كان محدودا. كلاهما ممدود.
(2). راجع ج 2 ص 321. [.....]
(3). في ج: التعزير.
(4). في ج: التعزير.

النون، وهي لغة قريش، وعلته أنه جعل التشديد عوضا من ألف (ذا) على ما يأتي بيانه في سورة (القصص) عند قوله تعالى: (فَذانِكَ بُرْهانانِ «1»). وفيها لغة أخرى (اللذا) بحذف النون «2». هذا قول الكوفيين. وقال البصريون: إنما حذفت النون لطول الاسم بالصلة. وكذلك قرأ (هذان) و(فذانك برهانان) بالتشديد فيهما. والباقون بالتخفيف. وشدد أبو عمرو (فذانك برهانان) وحدها. و(الَّذانِ) رفع بالابتداء. قال سيبويه: المعنى وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها، أي الفاحشة (مِنْكُمْ). ودخلت الفاء في (فَآذُوهُما) لان في الكلام معنى الامر، لأنه لما وصل الذي بالفعل تمكن فيه معنى الشرط، إذ لا يقع عليه شي بعينه، فلما تمكن الشرط والإبهام فيه جرى مجرى الشرط فدخلت الفاء، ولم يعمل فيه ما قبله من الإضمار كما لا يعمل في الشرط ما قبله، فلما لم يحسن إضمار الفعل قبلهما لينصبا رفعا بالابتداء، وهذا اختيار سيبويه. ويجوز النصب على تقدير إضمار فعل، وهو الاختيار إذا كان في الكلام معنى الامر والنهي نحو قولك: اللذين عندك فأكرمهما. الثانية- قوله تعالى: (فَآذُوهُما) قال قتادة والسدي: معناه التوبيخ والتعيير. وقالت فرقة: هو السب والجفاء دون تعيير. ابن عباس: النيل باللسان والضرب بالنعال. قال النحاس: وزعم قوم أنه منسوخ. قلت: رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ) و(الَّذانِ يَأْتِيانِها) كان في أول الامر فنسختهما الآية التي في (النور «3»). قاله النحاس: وقيل وهو أولى: إنه ليس بمنسوخ، وأنه واجب أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما: فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله عز وجل. الثالثة- واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: (وَاللَّاتِي) وقوله: (وَالَّذانِ) فقال مجاهد وغيره: الآية الاولى في النساء عامة محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الرجال خاصة. وبين لفظ «4» التثنية صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى. وهذا قول يقتضيه اللفظ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة. ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الاولى: (مِنْ نِسائِكُمْ) وفي الثانية
__________
(1). راجع ج 13 ص 285.
(2). في ز: اللذا بحذف النون اللذان بفتح النون. كذا.
(3). راجع ج 12 ص 195.
(4). في ج وط وى: بلفظ.

(مِنْكُمْ) واختاره النحاس ورواه عن ابن عباس. وقال السدي وقتادة وغيرهما: الاولى في النساء المحصنات. يريد: ودخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى، والثانية في الرجل والمرأة البكرين. قال ابن عطية: ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه. وقد رجحه الطبري، وأباه النحاس وقال: تغليب المؤنث على المذكر بعيد، لأنه لا يخرج الشيء إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة. وقيل: كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخصت المرأة بالذكر في الإمساك ثم جمعا في الإيذاء. قال قتادة: كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعا، وهذا لان الرجل يحتاج إلى السعي والاكتساب. الرابعة- واختلف العلماء أيضا في القول بمقتضى حديث عبادة الذي هو بيان لأحكام الزناة على ما بيناه، فقال بمقتضاه علي بن أبي طالب لا اختلاف عنه في ذلك، وأنه جلد شراحة الهمدانية مائة ورجمها بعد ذلك، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال بهذا القول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حي وإسحاق. وقال جماعة من العلماء: بل على الثيب الرجم بلا جلد. وهذا يروى عن عمر وهو قول الزهري والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور، متمسكين بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجم ماعزا والغامدية «1» ولم يجلدهما، وبقوله عليه السلام لانيس: (اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ولم يذكر الجلد، فلو كان مشروعا لما سكت عنه. قيل لهم: إنما سكت عنه، لأنه ثابت بكتاب الله تعالى، فليس يمتنع أن يسكت عنه لشهرته والتنصيص عليه في القرآن، لان قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) يعم جميع الزناة. والله أعلم. ويبين هذا فعل علي بأخذه عن الخلفاء رضي الله عنهم ولم ينكر عليه فقيل له: عملت بالمنسوخ وتركت الناسخ. وهذا واضح. الخامسة- واختلفوا في نفي البكر مع الجلد، فالذي عليه الجمهور أنه ينفى مع الجلد، قاله الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهو قول ابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين، وبه قال عطاء وطاوس وسفيان ومالك وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
__________
(1). الغامدية بالمعجمة: نسبة إلى غامد من جهينة.

وقال بتركه حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. والحجة للجمهور حديث عبادة المذكور، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، حديث العسيف «1» وفيه: فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك) وجلد ابنه مائة وغربه عاما. أخرجه الأئمة. احتج من لم ير نفيه بحديث أبي هريرة في الامة، ذكر فيه الجلد دون النفي. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: غرب عمر ربيعة بن أبي أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر، فقال عمر: لا أغرب مسلما بعد هذا. قالوا: ولو كان التغريب حدا لله تعالى ما تركه عمر بعد. ثم إن النص الذي في الكتاب إنما هو الجلد، والزيادة على النص نسخ، فيلزم عليه نسخ القاطع بخبر الواحد. والجواب: أما حديث أبي هريرة فإنما هو في الإماء لا في الأحرار. وقد صح عن عبد الله بن عمر أنه ضرب أمته في الزنا ونفاها. وأما حديث عمرو قوله: لا أغرب بعده مسلما، فيعني في الخمر- والله أعلم- لما رواه نافع عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب. أخرجه الترمذي في جامعه، والنسائي في سننه عن أبي كريب محمد بن العلا الهمداني عن عبد الله ابن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن»
نافع. قال الدارقطني: تفرد به عبد الله بن إدريس ولم يسنده عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، وقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النفي فلا كلام لاحد معه، ومن خالفته السنة خاصمته. وبالله التوفيق. وأما قولهم: الزيادة على النص نسخ، فليس بمسلم، بل زيادة حكم آخر مع الأصل. ثم هو قد زاد الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح على الماء، واشترط الفقر في القربى «3»، إلى غير ذلك مما ليس منصوصا عليه في القرآن. وقد مضى هذا المعنى في البقرة «4» ويأتي. السادسة- القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكر الحر، واختلفوا في تغريب العبد والامة، فممن رأى التغريب فيهما ابن عمر جلد مملوكة له في الزنا ونفاها إلى فدك «5»
__________
(1). العسيف (بالسين المهملة والفاء): الأجير.
(2). هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر، يروى عن نافع مولى ابن عمر.
(3). راجع ج 8 ص 12.
(4). راجع ج 2 ص 61.
(5). فدك (بالتحريك): قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة. (عن معجم البلدان).

وبه قال الشافعي وأبو ثور والثوري والطبري وداود. واختلف قول الشافعي في نفي العبد، فمرة قال: أستخير الله في نفي العبد، ومرة قال: ينفى نصف سنة، ومرة قال: ينفى سنة إلى غير بلده، وبه قال الطبري. واختلف أيضا قوله في نفي الامة على قولين. وقال مالك: ينفى الرجل ولا تنفى المرأة ولا العبد، ومن نفي حبس في الموضع الذي ينفى إليه. وينفى من مصر إلى الحجاز «1» وشغب وأسوان ونحوها، ومن المدينة إلى خيبر وفدك، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز. ونفى علي من الكوفة إلى البصرة. وقال الشافعي: أقل ذلك يوم وليلة. قال ابن العربي: كان أصل النفي أن نبي إسماعيل «2» أجمع رأيهم على أن من أحدث حدثا في الحرم غرب منه، فصارت سنة فيهم يدينون بها، فلأجل ذلك استن الناس إذا أحدث أحد حدثا غرب عن بلده، وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأقره في الزنا خاصة. احتج من لم ير النفي على العبد بحديث أبي هريرة في الامة، ولان تغريبه عقوبة لمالكه تمنعه من منافعه في مدة تغريبه، ولا يناسب ذلك تصرف الشرع، فلا يعاقب غير الجاني. وأيضا فقد سقط عنه الجمعة والحج والجهاد الذي هو حق لله تعالى لأجل السيد، فكذلك التغريب. والله أعلم. والمرأة إذا غربت ربما يكون ذلك سببا لوقوعها فيما أخرجت من سببه وهو الفاحشة، وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها، ولان الأصل منعها من الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أعروا النساء يلزمن الحجال) «3» فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار. وهو مختلف فيه عند الأصوليين والنظار. وشذت طائفة فقالت: يجمع الجلد والرجم على الشيخ، ويجلد الشاب، تمسكا بلفظ (الشيخ) في حديث زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) خرجه النسائي «4». وهذا فاسد، لأنه قد سماه في الحديث الآخر (الثيب).
__________
(1). كذا في الأصول. وشغب (بفتح فسكون): منهل بين مصر والشام. (عن القاموس).
(2). في الأصول بنى إسرائيل. والتصحيح من ابن العربي: وفية أجمع رأى خيار بنى إسماعيل. [.....]
(3). الحجال: جمع حجلة بالتحريك، والمراد البيت، أي جردوهن من ثياب الخروج يلزمن البيوت.
(4). كذا في الأصول. وهذه رواية البخاري، وفى هامش ب: نسخة: البخاري. وهو الصواب.

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)

السابعة- قوله تعالى: (فَإِنْ تابا) أي من الفاحشة. (وَأَصْلَحا) يعني العمل فيما بعد ذلك. (فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) أي اتركوا أذا هما وتعييرهما. وإنما كان هذا قبل نزول الحدود. فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية. وليس المراد بالاعراض الهجرة، ولكنها متاركة معرض، وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدمة، وبحسب الجهالة في الآية الأخرى. والله تواب أي راجع بعباده عن المعاصي.

[سورة النساء (4): الآيات 17 الى 18]
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18)
فيهما أربع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) قيل: هذه الآية عامة لكل من عمل ذنبا. وقيل: لمن جهل فقط، والتوبة لكل من عمل ذنبا في موضع آخر. واتفقت الامة على أن التوبة فرض على المؤمنين، لقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ «1»). وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه- خلافا للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائبا من أقام على ذنب. ولا فرق بين معصية ومعصية- هذا مذهب أهل السنة. وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها، وإن شاء لم يقبلها. وليس قبول التوبة واجبا على الله من طريق العقل كما قال المخالف، لان من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم، والمكلف لهم، فلا يصح أن يوصف بوجوب شي عليه، تعالى عن ذلك، غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ «2»).
__________
(1). راجع ج 12 ص 238.
(2). راجع ج 16 ص 25 فما بعد.

وقوله: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ «1»). وقوله: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ «2») فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء. والعقيدة أنه لا يجب عليه شي عقلا، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب. قال أبو المعالي وغيره: وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن، لا قطعا على الله تعالى بقبول التوبة. قال ابن عطية: وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى. فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط فقال أبو المعالي: يغلب على الظن قبول توبته. وقال غيره: يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه عز وجل. قال ابن عطية: وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه، وبه أقول، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ) وقوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ). وإذا تقرر هذا فأعلم أن في قوله (عَلَى اللَّهِ) حذفا وليس على ظاهره، وإنما المعنى على فضل الله ورحمته بعباده. وهذا نحو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ: (أتدري ما حق العباد على الله)؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: (أن يدخلهم الجنة). فهذا كله معناه: على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق. دليله قوله تعالى: (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ «3») أي وعد بها. وقيل: (عَلَى) ها هنا معناها (عند) والمعنى واحد، التقدير: عند الله، أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها، وهي أربعة: الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره، فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل من شروطها: الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار، وقد تقدم في (آل عمران) كثير من معاني التوبة وأحكامها «4». ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حدا «5»، ولهذا قال علماؤنا: إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود. وقيل: (عَلَى) بمعنى (من) أي إنما التوبة من الله للذين، قاله أبو بكر بن عبدوس، والله أعلم. وسيأتي في (التحريم «6») الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها.
__________
(1). راجع ج 8 ص 250.
(2). راجع ج 11 ص 231.
(3). راجع ج 6 ص 395.
(4). راجع ج 4 ص 130.
(5). راجع ج 6 ص 174 ففيها الخلاف في المسألة.
(6). راجع ج 18 ص 197 فما بعد.

الثانية- قوله تعالى (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ) السوء في هذه الآية، و(الانعام) (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ «1») يعم الكفر والمعاصي، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قال قتادة: أجمع أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن كل معصية فهي بجهالة، عمدا كانت أو جهلا، وقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي. وروي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا: الجهالة هنا العمد. وقال عكرمة: أمور الدنيا كلها جهالة، يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله. وهذا القول جار مع قوله تعالى: (إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا «2» لَعِبٌ وَلَهْوٌ). وقال الزجاج: يعني قوله (بِجَهالَةٍ) اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. وقيل: (بِجَهالَةٍ) أي لا يعلمون كنه العقوبة، ذكره ابن فورك. قال ابن عطية: وضعف قوله هذا ورد عليه. الثالثة- قوله تعالى: (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) قال ابن عباس والسدي: معناه قبل المرض والموت. وروي عن الضحاك أنه قال: كل ما كان قبل الموت فهو قريب. وقال أبو مجلز والضحاك أيضا وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قبل المعاينة للملائكة والسوق «3»، وأن يغلب المرء على نفسه. ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال:
قدم لنفسك توبة مرجوة ... قبل الممات وقبل حبس الألسن
بادر بها غلق «4» النفوس فإنها ... ذخر وغنم للمنيب المحسن
قال علماؤنا رحمهم الله: وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت، لان الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل. وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). قال: هذا حديث حسن غريب. ومعنى ما لم يغرغر: ما لم تبلغ روحه حلقومه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. قاله الهروي
__________
(1). راجع ج 6 ص 436.
(2). راجع ج 16 ص 257 وج 6 ص 414 وج 17 ص 254.
(3). السوق: النزع، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه.
(4). يقال: غلق الرهن إذا لم يقدر على افتكاكه. يريد: بادر بالتوبة قبل ضياع الفرصة. [.....]

وقيل: المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. والمبادر في الصحة أفضل، وألحق لامله من العمل الصالح. والبعد كل البعد الموت، كما قال:
وأين مكان البعد إلا مكانيا «1»

وروى صالح المري عن الحسن قال: من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به. وقال الحسن أيضا: إن إبليس لما هبط قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده. قال الله تعالى: (فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه). الرابعة- قوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ) نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الايمان، لان التوبة في ذلك الوقت لا تنفع، لأنها حال زوال التكليف. وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهور المفسرين. وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة، واليهم الإشارة بقوله تعالى: (أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) وهو الخلود. وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه، وهذا على أن السيئات ما دون الكفر، أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت، ولا لمن مات كافرا فتاب يوم القيامة. وقد قيل: إن السيئات هنا الكفر، فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت، ولا للذين يموتون وهم كفار. وقال أبو العالية: نزل أول الآية في المؤمنين (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ). والثانية في المنافقين. (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) يعني قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم. (حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) يعني الشرق «2» والنزع ومعاينة ملك الموت. (قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) فليس لهذا توبة. ثم ذكر توبة الكفار فقال تعالى: (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) أي وجيعا دائما. وقد تقدم «3».
__________
(1). هذا عجز بيت لمالك بن الريب المازني. وصدره:
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني

(2). كذا في أوب وج وز وج وط وى. وفى د: السوق. والشرق بفتح الراء: من شرق الميت بريقة إذا غض به.
(3). راجع ج 1 ص 198

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)

[سورة النساء (4): آية 19]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)
فيه ثمان مسائل: الاولى- قوله تعلى: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) هذا متصل بما تقدم ذكره من الزوجات. والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهن، والخطاب للأولياء. و(أَنْ) في موضع رفع ب (يَحِلُّ)، أي لا يحل لكم وراثة النساء. و(كَرْهاً) مصدر في موضع الحال. واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها، فروى البخاري عن ابن عباس (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ) قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك. وأخرجه أبو داود بمعناه. وقال الزهري وأبو مجلز: كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وان شاء زوجها من غيره واخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها، فأنزل الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً). فيكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن. وقيل: كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها، قال السدي. وقيل: كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرث مالها. فنزلت هذه الآية. وأمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا يمسكها كرها، فذلك قوله

تعالى: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً). والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال. و(كَرْهاً) بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي، الباقون بالفتح، وهما لغتان. وقال القتبي: الكره (بالفتح) بمعنى الإكراه، والكره (بالضم) المشقة. يقال: لتفعل ذلك طوعا أو كرها، يعني طائعا أو مكرها. والخطاب للأولياء. وقيل: لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية إرثها، أو يفتدين ببعض مهورهن، وهذا أصح. واختاره ابن عطية قال: ودليل ذلك قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ) وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الامة، وإنما ذلك للزوج، على ما يأتي بيانه في المسألة بعد هذا. الثانية- قوله تعالى: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ) قد تقدم معنى العضل وأنه المنع في (البقرة «1»). (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) اختلف الناس في معنى الفاحشة، فقال الحسن: هو الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وترد إلى زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه. وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. وقال ابن سيرين وأبو قلابة: لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها رجلا، قال الله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ). وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وقتادة: الفاحشة المبينة في هذه الآية البغض والنشوز، قالوا: فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها، وهذا هو مذهب مالك. قال ابن عطية: إلا أني لا أحفظ له لصا في الفاحشة في الآية. وقال قوم: الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا، وهذا في معنى النشوز. ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع، إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى: (لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ). وقال مالك وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. قال ابن عطية: والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال. قال أبو عمر: قول ابن سيرين وأبي قلابة
__________
(1). راجع ج 3 ص 159

عندي ليس بشيء، لان الفاحشة قد تكون البذاء والأذى، ومنه قيل للبذي: فاحش ومتفحش، وعلى أنه لو أطلع منها على الفاحشة كان له لعانها، وإن شاء طلقها، وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس له ذلك، ولا أعلم أحدا قال: له أن يضارها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة. والله أعلم. وقال الله عز وجل: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ) يعني في حسن العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ «1»). وقال الله عز وجل: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً «2») فهذه الآيات أصل هذا الباب. وقال عطاء الخراساني: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقول رابع (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت، فيكون هذا قبل النسخ، وهذا في معنى قول عطاء، وهو ضعيف. الثالثة- وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العضل الأولياء ففقهه أنه متى صح في ولى أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها، الا الأب في بناته، فانه ان كان في عضلة صلاح فلا يعترض، قولا واحد، وذلك بالخاطب والخاطبين وان صح عضلة ففيه قولان في مذهب مالك: أنه كسائر الأولياء، يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه. والقول الأخر- لا يعرض له: الرابعة- يجور أن يكون (تَعْضُلُوهُنَّ) جزما على النهى، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الاولى، ويجوز أن يكون نصبا عطفا على (أَنْ تَرِثُوا) فتكون الواو مشتركة: عطفت فعلا على فعل. وقرا ابن مسعود (ولا أن تعضلوهن) فهذه القراءة تقوى احتمال النصب، وأن العضل مما لا يجوز بالنص. الخامسة- قوله تعالى: (مُبَيِّنَةٍ) بكسر الياء قراءة نافع وأبي عمرو، والباقون بفتح الياء. وقرا ابن عباس (مبينة) بكسر الباء وسكون الياء، من أبان الشيء، يقال: أبان الامر بنفسه، وأبنته وبين وبينته، وهذه القراءات كلها لغات فصيحة.
__________
(1). راجع ج 3 ص 125.
(2). راجع ص 23 من هذا الجزء.

السادسة- قوله تعالى: (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة. والخطاب للجميع، إذ لكل أحد عشرة، زوجا كان أو وليا، ولكن المراد بهذا الامر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: (فَإِمْساكٌ «1» بِمَعْرُوفٍ) وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والعشرة: المخالطة والممازجة. ومنه قول طرفة:
فلئن شطت نواها مرة ... لعلى عهد حبيب معتشر
جعل الحبيب جمعا كالخليط والغريق. وعاشره معاشرة، وتعاشر القوم واعتشروا. فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة «2» ما بينهم وصحبتهم على الكمال، فإنه أهدأ للنفس واهنا للعيش. وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء. وقال بعضهم: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له. وقال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي: أتيت محمد ابن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية «3»، فقلت: ما هذا؟ قال: إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب، وإنهن يشتهين مناما نشتهيه منهن. وقال ابن عباس رضي الله عنه: إنى أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين [المرأة «4»] لي. وهذا داخل فيما ذكرناه. قال ابن عطية: وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فاستمتع بها وفيها عوج) أي لا يكن منك سوء عشرة مع اعوجاجها، فعنها تنشأ المخالفة وبها يقع الشقاق، وهو سبب الخلع. السابعة- استدل علماؤنا بقوله تعالى: (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها، كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف. وقال الشافعي
__________
(1). راجع ج 3 ص 127.
(2). الأدمة: الخلطة.
(3). الغالية: نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن.
(4). من ج، ط، ز، هـ

وأبو حنيفة: لا يلزمه إلا خادم واحد، وذلك يكفيها خدمة نفسها، وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها، وهذا كالمقاتل تكون له أفراس عدة فلا يسهم له إلا لفرس واحد، لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس [واحد «1»]. قال علماؤنا: وهذا غلط، لان مثل بنات الملوك اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد، لأنها تحتاج من غسل ثيابها وإصلاح مضجعها «2» وغير ذلك إلى ما لا يقوم به الواحد، وهذا بين. والله أعلم. الثامنة- قوله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فهذا يندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يول الامر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين. و(أَنْ) رفع ب (عسى) وأن والفعل مصدر. قلت: ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر) أو قال (غيره). المعنى: أي لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها. أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب. وقال مكحول: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له، فيسخط على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. وذكر ابن العربي قال أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية، عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبد الرحمن حيث قال: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة. وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها، فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها، فكان يقول: أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها. قال علماؤنا: في هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل وإن الله ليبغض المعى إذا امتلأ).
__________
(1). من ز.
(2). في ج، هـ، ط، ى: مطبخها.

وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)

[سورة النساء (4): الآيات 20 الى 21]
وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21)
فيه ست مسائل: الاولى- لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها عقب ذلك بذكر الفراق الذي سببه الزوج، وبين أنه إذا أراد الطلاق من غير نشوز وسوء عشرة فليس له أن يطلب منها مالا. الثانية- واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوز وسوء عشرة، فقال مالك رضي الله عنه: للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو. وقال جماعة من العلماء: لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك. الثالثة- قوله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً) الآية. دليل على جواز المغالاة في المهور، لان الله تعالى لا يمثل إلا بمباح. وخطب عمر رضي الله عنه فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته «1» فوق اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا! أليس الله سبحانه وتعالى يقول: (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً)؟ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر. وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر!. وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وترك الإنكار. أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال: خطب عمر الناس، فذكره إلى قوله: اثنتي عشرة أوقية، ولم يذكر:
__________
(1). في ابن ماجة: ولا أصدقت امرأة من بناته إلخ.

فقامت إليه امرأة. إلى آخره. وأخرجه ابن ماجة في سننه عن أبي العجفاء، وزاد بعد قوله: أوقية. وأن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه، ويقول: قد كلفت إليك علق القربة- أو عرق القربة، وكنت رجلا عربيا مولدا «1» ما أدري ما علق القربة أو عرق القربة. قال الجوهري: وعلق القربة لغة في عرق القربة. قال غيره: ويقال علق القربة عصامها الذي تعلق به. يقول كلفت إليك حتى عصام القربة. وعرق القربة ماؤها، يقول: جشمت إليك حتى سافرت واحتجت إلى عرق القربة، وهو ماؤها في السفر. ويقال: بل عرق القربة أن يقول: نصبت لك وتكلفت حتى عرقت عرق القربة، وهو سيلانها. وقيل: إنهم كانوا يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فيشق على الظهر، ففسر به اللفظان: العرق والعلق. وقال الأصمعي: عرق القربة كلمة معناها الشدة. قال: ولا أدري ما أصلها. قال الأصمعي: وسمعت ابن أبي طرفة وكان من أفصح من رأيت يقول: سمعت شيخاننا يقولون: لقيت من فولان عرق القربة، يعنون الشدة. وأنشدني لابن الأحمر:
ليست بمشتمة تعد وعفوها ... عرق السقاء على القعود اللاغب
قال أبو عبيد: أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها، وقد أبلغت إليه كعرق القربة، فقال: كعرق السقاء لما لم يمكنه الشعر، ثم قال: على القعود اللاغب، وكان معناه أن تعلق القربة على القعود في أسفارهم. وهذا المعنى شبيه بما كان الفراء يحكيه، زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه، فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر. وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام. وقال قوم: لا تعطى الآية جواز المغالاة بالمهور، لان التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. وهذا كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص «2» قطاة بنى الله له بيتا في الجنة). ومعلوم أنه لا يكون مسجد
__________
(1). في ج وى: مولدا لابي عبيد. وليس في ابن ماجة ذلك ويبدو أن لفظ أبى عبيد مقحم من سرح أبى عبيد ألفظه كما في التاج فليراجع في: عرق. [.....]
(2). مفحص القطاة: موضعها الذي تجثم فيه وتبيض.

كمفحص قطاة. وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابن أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره، فسأله عنه فقال: مائتين، فغضب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: (كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة «1» أو جبل). فاستقرا بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور، وهذا لا يلزم، وإنكار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والإكثار في المهور، وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال، وهذا مكروه باتفاق. وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم. وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لرجل: (أترضى أن أزوجك فلانة)؟ قال: نعم. وقال للمرأة: (أترضين أن أزوجك فلانا)؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما من صاحب، فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف. وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق، لقوله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً) واختلفوا في أقله، وسيأتي عند قوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ). ومضى القول في تحديد القنطار في (آل عمران «2»). وقرا ابن محيصن (وآتيتم إحداهن) بوصل ألف (إِحْداهُنَّ) وهي لغة، ومنه قول الشاعر:
وتسمع من تحت العجاج لها ازملا «3»

وقول الآخر:
إن لم أقاتل فألبسوني برقعا

الرابعة- قوله تعالى: (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) قال بكر بن عبد الله المزني: لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئا، لقول الله تعالى: (فَلا تَأْخُذُوا)، وجعلها ناسخة لآية (البقرة). وقال ابن زيد وغيره: هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة
__________
(1). الحرة: أرض ذات حجارة نخرة سود.
(2). راجع ج 4 ص 30.
(3). الازمل: الصوت.

(وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً «1» (. والصحيح أن هذه الآيات محكمة وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وكلها يبنى بعضها على بعض. قال الطبري: هي محكمة، ولا معنى لقول بكر: إن أرادت هي العطاء، فقد جوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها. (بُهْتاناً) مصدر في موضع الحال (وَإِثْماً) معطوف عليه (مُبِيناً) من نعته. الخامسة- قوله تعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ) الآية. تعليل لمنع الأخذ مع الخلوة. وقال بعضهم: الإفضاء إذا كان معها في لحاف واحد جامع أو لم يجامع، حكاه الهروي وهو قول الكلبي. وقال الفراء: الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة وأن يجامعها. وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: الإفضاء في هذه الآية الجماع. قال ابن عباس: ولكن الله كريم يكنى. واصل الإفضاء في اللغة المخالطة، ويقال للشيء المختلط: فضا. قال الشاعر:
فقلت لها يا عمتي لك ناقتي ... وتمر فضا في عيبتي وزبيب «2»
ويقال: القوم فوضى فضا، أي مختلطون لا أمير عليهم. وعلى أن معنى (أفضى) خلا وإن لم يكن جامع، هل يتقرر المهر بوجود الخلوة أم لا؟ اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة أقوال: يستقر بمجرد الخلوة. لا يستقر إلا بالوطي. يستقر بالخلوة في بيت الإهداء. التفرقة بين بيته وبيتها. والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، قالوا: إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة دخل بها أو لم يدخل بها، لما رواه الدارقطني عن ثوبان قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق). وقال عمر: إذا أغلق بابا وأرخى سترا وراي عورة فقد وجب الصداق وعليها العدة ولها الميراث. وعن علي: إذا أغلق بابا وأرخى سترا وراي عورة فقد وجب الصداق. وقال مالك: إذا طال مكثه معها مثل السنة ونحوها، واتفقا على ألا مسيس وطلبت المهر كله كان لها. وقال الشافعي: لا عدة عليها ولها نصف المهر. وقد مضى في (البقرة «3»).
__________
(1). راجع ج 3 ص 136.
(2). العيبة: زبيل من أدم ينقل فيه الزرع المحصود إلى الجرين. وما يجعل فيه الثياب.
(3). راجع ج 3 ص 205

وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22)

السادسة- قوله تعالى: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) فيه ثلاثة أقوال. قيل: هو قوله عليه السلام: (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله). قاله عكرمة والربيع. الثاني- قوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) قاله الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي. الثالث- عقدة النكاح قول الرجل: نكحت وملكت [عقدة «1»] النكاح، قال مجاهد وابن زيد. وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد. والله أعلم.

[سورة النساء (4): آية 22]
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (22)
فيه أربع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) يقال: كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) حتى نزلت هذه الآية: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ) فصار حراما في الأحوال كلها، لان النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. الثانية- قوله تعالى: (ما نَكَحَ) قيل: المراد بها النساء. وقيل: العقد، أي نكاح آبائكم الفاسد المخالف لدين الله، إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصل شروطه. وهو اختيار الطبري. ف (مِنَ) متعلقة ب (تَنْكِحُوا) و(ما نَكَحَ) مصدر. قال: ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللاتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع (ما) (من). فالنهي على هذا إنما وقع على ألا ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد. والأول أصح، وتكون (ما) بمعنى (الذي) و(من). والدليل عليه أن الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى، ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء. وقد كان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه،
__________
(1). من ج وى وط وز وهـ.

وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. ألا ترى أن عمرو بن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما. ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكان أمية قتل عنها. ومن ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت تحت أبيه زبان بن سيار. ومن ذلك حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن. والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن سوار: توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إني أعدك ولدا، ولكني آتي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أستأمره، فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية. وقد كان في العرب من تزوج ابنته، وهو حاجب بن زرارة تمجس وفعل هذه الفعلة، ذكر ذلك النضر بن شميل في كتاب المثالب. فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة. الثالثة- قوله تعالى: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) أي تقدم ومضى. والسلف، من تقدم من آبائك وذوي قرابتك. وهذا استثناء منقطع، أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه. وقيل: (إِلَّا) بمعنى بعد، أي بعد ما سلف، كما قال تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى ) أي بعد الموتة «1» الاولى. وقيل: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) أي ولا ما سلف، كقوله تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً «2») يعني ولا خطأ. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، معناه: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا ما قد سلف. وقيل: في الآية إضمار لقوله (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف. الرابعة- قوله تعالى: (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا) عقب بالذم البالغ المتتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية. قال أبو العباس: سألت ابن الاعرابي عن نكاح المقت فقال: هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات
__________
(1). راجع ج 16 ص 154.
(2). راجع ص 311 من هذا الجزء.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23)

عنها، ويقال لهذا الرجل: الضيزن «1»، وقال ابن عرفة: كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها قيل للولد المقتي. وأصل المقت البغض، من مقته يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت. فكانت العرب تقول للرجل من امرأة أبيه: مقيت، فسمى تعالى هذا النكاح (مَقْتاً) إذ هو ذا مقت يلحق فاعله. وقيل: المراد بالآية النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء، إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهن. وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى، قال ابن زيد. وعليه فيكون الاستثناء متصلا، ويكون أصلا في أن الزنى لا يحرم على ما يأتي بيانه. والله أعلم.

[سورة النساء (4): آية 23]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23)
فيه احدى وعشرون مسألة: الاولى- قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ) الآية. أي نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم، فذكر الله تعالى في هذه الآية ما يحل من النساء وما يحرم، كما ذكر تحريم حليلة الأب. فحرم الله سبعا من النسب وستا «2» من رضاع وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ونص عليه الإجماع. وثبتت الرواية عن ابن عباس قال: حرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، وتلا هذه الآية. وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك، وقال: السابعة قوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ). فالسبع المحرمات من النسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت.
__________
(1). الضيزن: الذي يزاحم أباه في امرأته.
(2). في ج: من بين رضاع.

والسبع المحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء والربائب «1» وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، والسابعة (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ). قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن بإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن، فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الام تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم، وبهذا قول جمعي أئمة الفتوى بالأمصار. وقالت طائفة من السلف: الام والربيبة سواء، لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى. قالوا: ومعنى قوله: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) أي اللاتي دخلتم بهن. (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ). وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعا، رواه خلاس «2» عن علي بن أبي طالب. وروي عن ابن عباس وجابر وزيد ابن ثابت، وهو قول ابن الزبير ومجاهد. قال مجاهد: الدخول مراد في النازلتين، وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيه حتى قالوا: لو وطئها بزنى أو قبلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا وعند الشافعي إنما تحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال على ما يأتي. وحديث خلاس عن علي لا تقوم به حجة، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة. قال ابن جريج: قلت لعطاء الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أو تحل له أمها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: أكان ابن عباس يقرأ: (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن)؟ قال: لا لا. وروى سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) قال: هي مبهمة لا تحل بالعقد على الابنة، وكذلك روى مالك في موطئة عن زيد بن ثابت، وفية: (فقال زيد لا، الام مبهمة [ليس فيها شرط «3»] وإنما الشرط في الربائب). قال ابن المنذر: وهذا هو الصحيح، لدخول جميع أمهات النساء في قوله تعالى: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ). ويؤيد هذا القول من جهة الاعراب
__________
(1). الربائب: واحدتها ربيبة، وربيبة الرجل: بنت امرأته من غيره.
(2). خلاس (بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام). ابن عمرو الهجري. [.....]
(3). زيادة عن الموطأ.

أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحدا، فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون (الظريفات) نعتا لنسائك ونساء زيد، فكذلك الآية لا يجوز أن يكون (اللاتي) من نعتهما جميعا، لان الخبرين مختلفان، ولكنه يجوز على معنى أعني. وأنشد الخليل وسيبويه:
ان بها أكتل أو رزاما ... خويربين ينفقان إلهاما «1»
خويربين يعني لصين، بمعنى أعني. وينقفان: يكسران، نقفت رأسه كسرته. وقد جاء صريحا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الام فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت) أخرجه «2» في الصحيحين الثانية- وإذا تقرر هذا وثبت فاعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان، والأعيان ليست موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا، وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلفين من حركة وسكون، لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف الامر والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازا على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحل به. الثالثة- قوله تعالى: (أُمَّهاتُكُمْ) تحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه، ولهذا يسميه أهل العلم المبهم، أي لا باب فيه ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرمات. والأمهات جمع أمهة، يقال: أم وأمهة بمعنى واحد، وجاء القرآن بهما. وقد تقدم في الفاتحة «3» بيانه. وقيل: إن أصل أم أمهة على وزن فعلة مثل قبرة وحمرة لطيرين، فسقطت وعادت في الجمع. قال الشاعر:
أمهتي خندف والدوس «4» أبي

وقيل: أصل الام أمة، وأنشدوا:
تقبلتها عن أمة لك طالما ... تثوب إليها في النوائب أجمعا
__________
(1). أكل ورزام: رجلان وخويربان أي خاربان، وهما أكل ورزام.
(2). في ى: أخرجه مسلم.
(3). راجع ج 1 ص 112.
(4). كذا في الأصول. في اللسان والسمين: وإلياس أبى. والبيت لقصي. وخندف أصل قريش.

ويكون جمعها أمات. قال الراعي:
كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا
فالام اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الام دنية «1»، وأمهاتها وجداتها وام الأب وجداته وإن علون. والبنت اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، وإن شئت قلت: كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات، فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نزلن. والأخت اسم لكل أنثى جاورتك في أصليك أو في أحدهما. والبنات جمع بنت، والأصل بنية، والمستعمل ابنة وبنت. قال الفراء: كسرت الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء، وضمت الالف من أخت لتدل على حذف الواو، فإن أصل أخت أخوة، والجمع أخوات. والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل ذكر رجع نسبه إليك فأخته عمتك. وقد تكون العمة من جهة الام، وهي أخت أب أمك. والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك. وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك. وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة، وكذلك بنت الأخت. فهذه السبع المحرمات من النسب. وقرا نافع- في رواية أبي بكر بن أبي أويس- بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه الالف واللام مع نقل الحركة. الرابعة قوله تعالى: (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) وهي في التحريم مثل من ذكرنا، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). وقرا عبد الله (وأمهاتكم اللائي) بغير تاء، كقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ «2»). قال الشاعر:
من اللاء لم يحججن يبغين حسبة «3» ... ولكن ليقتلن البرئ المغفلا
__________
(1). يقال: هو ابن عمى دنية ودنيا، منون وغير منون، ودنيا بضم وقصر إذا كان ابن عمه لحا، أي لاصق النسب.
(2). راجع ج 18 ص 162.
(3). في ج: خشية.

(أَرْضَعْنَكُمْ) فإذا أرضعت المرأة طفلا حرمت عليه لأنها أمه، وبنتها لأنها أخته، وأختها لأنها خالته، وأمها لأنها جدته، وبنت زوجها صاحب اللبن لأنها أخته، وأخته لأنها عمته، وأمه لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها لأنهن بنات إخوته وأخواته. الخامسة- قال أبو نعيم عبيد الله بن هشام الحلبي: سئل مالك عن المرأة أيحج معها أخوها من الرضاعة؟ قال: نعم. قال أبو نعيم: وسيل مالك عن امرأة تزوجت فدخل بها زوجها. ثم جاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما، قال: يفرق بينهما، وما أخذت من شي له فهو لها، وما بقي عليه فلا شي عليه. ثم قال مالك: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن مثل هذا فأمر بذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنها امرأة ضعيفة، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أليس يقال إن فلانا تزوج أخته)؟. السادسة- التحريم بالرضاع إنما يحصل إذا اتفق الإرضاع في الحولين، كما تقدم في (البقرة «1»). ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء ولو مصة واحدة. واعتبر الشافعي في الإرضاع شرطين: أحدهما خمس رضعات، لحديث عائشة قالت: كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهن مما «2» يقرأ من القرآن. موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس، فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخا للخمس. ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس، لأنه لا ينسخ بهما. وفي حديث سهلة «3» (أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن). الشرط الثاني: أن يكون في الحولين، فإن كان خارجا عنهما لم يحرم، لقوله تعالى: (حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ «4»). وليس بعد التمام والكمال شي. واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ستة أشهر. ومالك الشهر ونحوه. وقال زفر: ما دام يجتزئ باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين. وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع. وانفرد الليث بن سعد
__________
(1). راجع ج 3 ص 161.
(2). في ج وط: فيما.
(3). هي سهلة بنت سهيل، امرأة أبى حذيفة بن عتبة. تبنى (سالما) مولى أبى حذيفة، فجاءت إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله، كنا نرى سالما ولدا، وكان يدخل على وأنا فضل (أي في ثوب واحد وبعض جسدها منكشف) وليس لنا الا بيت واحد. فقال لها الرسول صلوات الله عليه: (أرضعيه ... إلخ). راجع الموطأ.
(4). راجع ج 3 ص 160.

من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم، وهو قول عائشة رضي الله عنها، وروي عن أبي موسى الأشعري، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك، وهو ما رواه أبو حصين عن أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت وتورم ثديها، فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه، فسأل أبا موسى فقال: بانت منك، وأت ابن مسعود فأخبره، ففعل، فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال: أرضيعا ترى هذا الأشمط «1»! إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم. فقال الأشعري: لا تسألوني عن شي وهذا الحبر بين أظهركم. فقوله: (لا تسألوني) يدل على أنه رجع عن ذلك. واحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلا. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسهلة بنت سهيل: (أرضعيه) خرجه الموطأ وغيره. وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات، تمسكا بأنه كان فيما أنزل: عشر رضعات. وكأنهم لم يبلغهم الناسخ. وقال داود: لا يحرم إلا بثلاث رضعات، واحتج بقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لا تحرم الاملاجة والاملاجتان «2»). خرجه مسلم. وهو مروي عن عائشة وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، وهو تمسك بدليل الخطاب، وهو مختلف فيه. وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تحرم إذا تحققت كما ذكرنا، متمسكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرضاع وعضد هذا بما وجد من العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر، بعلة أنه معنى طارئ يقتضي تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر. وقال الليث بن سعد: وأجمع المسلمون على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم. قال أبو عمر. لم يقف الليث على الخلاف في ذلك. قلت: وأنص ما في هذا الباب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تحرم المصة ولا المصتان) أخرجه مسلم في صحيحه. وهو يفسر معنى قوله تعالى: (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر، غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع، لقوله: (عشر رضعات معلومات. وخمس رضعات معلومات). فوصفها
__________
(1). الشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده. وقيل: اللحية.
(2). الاملاجة: المرة من الإرضاع. يعنى أن المصة والمصتان لا يحرمان ما يحرمه الرضاع الكامل. [.....]

بالمعلومات إنما هو تحرز مما يتوهم أو يشك في وصوله إلى الجوف. ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرم. والله أعلم. وذكر الطحاوي أن حديث الاملاجة والاملاجتين لا يثبت، لأنه مرة يرويه ابن الزبير عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومرة يرويه عن عائشة، ومرة يرويه عن أبيه، ومثل هذا الاضطراب يسقطه. وروي عن عائشة أنه لا يحرم إلا سبع رضعات. وروي عنها أنها أمرت أختها (أم كلثوم) أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات. وروي عن حفصة مثله، وروي عنها ثلاث، وروي عنها خمس، كما قال الشافعي رضي الله عنه، وحكي عن إسحاق. السابعة- قوله تعالى: (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) استدل به من نفى لبن الفحل، وهو سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقالوا: لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجل. وقال الجمهور: قوله تعالى: (وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) يدل على أن الفحل أب، لان اللبن منسوب إليه فإنه در بسبب ولده. وهذا ضعيف، فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعا، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل، وما كان من الرجل إلا وطئ هو سبب لنزول الماء منه، وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافا إلى الرجل بوجه ما، ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنما اللبن لها، فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء. وقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها. نعم، الأصل فيه حديث الزهري وهشام بن عروة عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن أفلح أخا القعيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب. قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبرته فقال: (ليلج عليك فإنه عمك تربت يمينك). وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها، وهذا أيضا خبر واحد. ويحتمل أن يكون (أفلح) مع أبي بكر رضيعي لبان فلذلك قال: (ليلج عليك فإنه عمك).

وبالجملة فالقول فيه مشكل والعلم عند الله، ولكن العمل عليه، والاحتياط في التحريم أولى، مع أن قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) يقوي قول المخالف. الثامنة- قوله تعالى: (وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ) وهي الأخت لاب وام، وهي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك أو ولدت قبلك أو بعدك. والأخت من الأب دون الام، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك. والأخت من الام دون الأب، وهي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر. ثم ذكر التحريم بالمصاهرة فقال تعالى: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) والصهر أربع: أم المرأة وابنتها وزوجة الأب وزوجة الابن. فأم المرأة تحرم بمجرد العقد الصحيح على ابنتها على ما تقدم التاسعة- قوله تعالى: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) هذا مستقل بنفسه. ولا يرجع قوله: (مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) إلى الفريق الأول، بل هو راجع إلى الربائب، إذ هو أقرب مذكور كما تقدم. والربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة، فعيلة بمعنى مفعولة. واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره. وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج بأمها، فلو كانت في بلد آخر وفارق الام بعد الدخول فله أن يتزوج بها، واحتجوا بالآية فقالوا: حرم الله تعالى الربيبة بشرطين: أحدهما: أن تكون في حجر المتزوج بأمها. والثاني- الدخول بالأم، فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم. واحتجوا بقوله عليه السلام: (لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة) فشرط الحجر. ورووا عن علي بن أبي طالب إجازة ذلك. قال ابن المنذر والطحاوي: أما الحديث عن علي فلا يثبت، لان راويه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي، وإبراهيم هذا يعرف، وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف. قال أبو عبيد: ويدفعه قوله: (فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن) فعم. ولم يقل: اللائي في حجري، ولكنه سوى
بينهن في التحريم. قال الطحاوي: وإضافتهن إلى الحجور إنما ذلك على الأغلب مما يكون عليه الربائب، لا أنهن لا يحرمن إذا لم يكن كذلك.

العاشرة- قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) يعني بالأمهات. (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) يعني في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها. واختلفوا في معنى الدخول بالأمهات الذي يقع به تحريم الربائب، فروي عن ابن عباس أنه قال: الدخول الجماع، وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما. واتفق مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث على أنه إذا مسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها وحرمت على الأب والابن، وهو أحد قولي الشافعي. واختلفوا في النظر، فقال مالك: إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شي من محاسنها للذة حرمت عليه أمها وابنتها. وقال الكوفيون: إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة. وقال الثوري: [يحرم «1» [إذا نظر إلى فرجها متعمدا أو لمسها، ولم يذكر الشهوة. وقال ابن أبي ليلى: لا تحرم بالنظر حتى يلمس، وهو قول الشافعي. والدليل على أن بالنظر يقع التحريم أن فيه نوع استمتاع فجرى مجرى النكاح، إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ. وقد يحتمل أن يقال: إنه نوع من الاجتماع بالاستمتاع، فإن النظر اجتماع ولقاء، وفية بين المحبين استمتاع، وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا:
أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك بنا تدان
نعم، وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني
فكيف بالنظر والمجالسة [والمحادثة «2»] واللذة. الحادية عشرة- قوله تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ) الحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة. سميت حليلة لأنها تحل مع الزوج حيث حل،. فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال، فهي حليلة بمعنى محللة. وقيل: لان كل واحد منهما يحل إزار صاحبه. الثانية عشرة- أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد وطئ أو لم يكن، لقوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ)
__________
(1). الزيادة عن البحر لابي حيان.
(2). من د.

وقوله تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ)، فإن نكح أحدهما نكاحا فاسدا حرم على الآخر العقد عليها كما يحرم بالصحيح، لان النكاح الفاسد لا يخلو: إما أن يكون متفقا على فساده أو مختلفا فيه. فإن كان متفقا على فساده لم يوجب حكما وكان وجوده كعدمه. وإن كان مختلفا فيه فيتعلق به من الحرمة ما يتعلق بالصحيح، لاحتمال أن يكون نكاحا فيدخل تحت مطلق اللفظ. والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غلب التحريم. والله أعلم. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من علما «1»، الأمصار على أن الرجل إذا وطئ امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده وولد ولده. وأجمع العلماء وهي المسألة: الثالثة عشرة- على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه، فإذا اشترى الرجل جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وابنه، لا أعلمهم يختلفون فيه، فوجب تحريم ذلك تسليما لهم. ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم. قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلاف ما قلناه. وقال يعقوب ومحمد: إذا نظر رجل في فرج امرأة من شهوة حرمت على أبيه وابنه، وتحرم عليه أمها وابنتها. وقال مالك: إذا وطئ الامة أو قعد منها مقعدا لذلك وإن لم يفض إليها، أو قبلها أو باشرها أو غمزها تلذذا فلا تحل لابنه. وقال الشافعي: إنما تحرم باللمس ولا تحرم بالنظر دون اللمس، وهو قول الأوزاعي: الرابعة عشرة- واختلفوا في الوطي بالزنى هل يحرم أم لا، فقال أكثر أهل العلم: لو أصاب رجل امرأة بزنى لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد، ثم يدخل «2» بامرأته. ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أو ابنتها لم تحرما عليه بذلك. وقالت طائفة: تحرم عليه. روي هذا القول عن عمران بن حصين، وبه قال الشعبي وعطاء والحسن وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي عن مالك، وأن الزنى يحرم الام والابنة وأنه بمنزلة الحلال، وهو قول
__________
(1). في ج: فقهاء.
(2). قوله: يدخل بامرأته. كذا في كل الأصول. الظاهر أنه عقد ولم يدخل.

أهل العراق. والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز: أن الزنى لا حكم له، لان الله سبحانه وتعالى قال: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) وليست التي زنى بها من أمهات نسائه، ولا ابنتها من ربائبه. وهو قول الشافعي وأبي ثور. لأنه لما ارتفع الصداق في الزنى ووجوب العدة والميراث ولحقوق الولد ووجوب الحد ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز. وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: (لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح). ومن الحجة للقول الآخر إخبار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن جريج «1» وقوله: (يا غلام من أبوك) قال: فلان الراعي. فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرم الوطي الحلال، فلا تحل أم المزني بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده، وهي رواية ابن القاسم في المدونة. ويستدل به أيضا على أن المخلوقة من ماء الزنى لا تحل للزاني بأمها، وهو المشهور. قال عليه السلام: (لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها) ولم يفصل بين الحلال والحرام. وقال عليه السلام: (لا ينظر الله إلى من كشف قناع امرأة وابنتها). قال ابن خويز منداد: ولهذا قلنا إن القبلة وسائر وجوه الاستمتاع ينشر الحرمة. وقال عبد الملك الماجشون: إنها تحل، وهو الصحيح لقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) يعني بالنكاح الصحيح، على ما يأتي في (الفرقان «2») بيانه. ووجه التمسك من الحديث على تلك المسألتين أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك، وأخبر بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن جريج في معرض المدح وإظهار كرامته، فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالى وبإخبار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك، فثبتت البنوة وأحكامها. فإن قيل: فيلزم على هذا أن تجري أحكام البنوة والأبوة من التوارث والولايات وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما فلم تصح تلك النسبة؟
__________
(1). جريح أحد عباد بنى إسرائيل اتهموه بالزنى فيراه الله بكلام ابن الزنى أنه ابن الراعي الذي زنى بأمه. راجع ج 2 من تاريخ ابن كثير ص 134 فما بعد.
(2). راجع ج 13 ص 59

فالجواب- إن ذلك موجب ما ذكرناه. وما انعقد عليه الإجماع من الأحكام استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل، والله أعلم. الخامسة عشرة- واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في مسألة اللائط، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: لا يحرم النكاح باللواط. وقال الثوري: إذا لعب بالصبي حرمت عليه أمه، وهو قول أحمد بن حنبل. قال: إذا تلوط بابن امرأته «1» أو أبيها أو أخيها حرمت عليه امرأته. وقال الأوزاعي: إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها، لأنها بنت من قد دخل به. وهو قول أحمد بن حنبل. السادسة عشرة- قوله تعالى: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب. ولما تزوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امرأة زيد ابن حارثة قال المشركون: تزوج امرأة ابنه! وكان عليه السلام تبناه، على ما يأتي بيانه في (الأحزاب «2»). وحرمت حليلة الابن من الرضاع- وإن لم يكن للصلب- بالإجماع المستند إلى قوله عليه السلام: (يحرم الرضاع ما يحرم من النسب). السابعة عشرة- قوله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) موضع (فَإِنْ) رفع على العطف على (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ). والأختان لفظ يعم الجميع بنكاح وبملك يمين. وأجمعت الامة على منع جمعهما في عقد واحد من النكاح لهذه الآية، وقوله عليه السلام: (لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن). واختلفوا في الأختين بملك اليمين، فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما بالملك في الوطي، وإن كان يجوز الجمع بينهما في الملك بإجماع، وكذلك المرأة وابنتها صفقة واحدة. واختلفوا في عقد النكاح على أخت الجارية التي وطئها «3»، فقال الأوزاعي: إذا وطئ جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها. وقال الشافعي: ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت. قال أبو عمر: من جعل عقد النكاح كالشراء أجازه، ومن جعله كالوطء لم يجزه. وقد أجمعوا على أنه لا يجوز العقد على أخت
__________
(1). في ب: بابن امرأة.
(2). راجع ج 14 ص 188.
(3). في ب: يطؤها.

الزوجة، لقول الله تعالى: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) يعني الزوجتين بعقد النكاح. فقف على ما اجتمعوا عليه وما اختلفوا فيه يتبين لك الصواب [إن شاء «1» الله ]. والله أعلم. الثامنة عشرة- شذ أهل الظاهر فقالوا: يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطي، كما يجوز الجمع بينهما في الملك. واحتجوا بما روي عن عثمان في الأختين من ملك اليمين: (حرمتهما آية وأحلتهما آية). ذكره عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن عثمان بن عفان سئل عن الأختين مما ملكت اليمين فقال: لا آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرمتهما آية. فخرج السائل فلقي رجلا من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال معمر: أحسبه قال علي- قال: وما سألت عنه عثمان؟ فأخبره بما سأل وبما أفتاه، فقال له: لكني أنهاك، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت لجعلتك نكالا. وذكر الطحاوي والدارقطني عن علي وابن عباس مثل قول عثمان. والآية التي أحلتهما قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ). ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول، لأنهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافه، ولا يجوز عليهم تحريف التأويل. وممن قال ذلك من الصحابة: عمر وعلي وابن مسعود [وعثمان «2»] وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير، وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله، فمن خالفهم فهو متعسف في التأويل. وذكر ابن المنذر أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما بالوطي، وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك، وجعل مالكا فيمن كرهه. ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك، وكذلك الام وابنتها. قال ابن عطية: ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطي، وتستقرأ الكراهية من قول مالك: إنه إذا وطئ واحدة ثم وطئ الأخرى وقف عنهما حتى يحرم إحداهما، فلم يلزمه حدا. قال أبو عمر: (أما قول علي لجعلته نكالا) ولم يقل لحددته حد الزاني، فلان من تأول آية أو سنة ولم يطأ عند نفسه حراما فليس [بزان «3»] بإجماع وإن كان مخطئا، إلا أن يدعي من ذلك ما لا يعذر بجهله. وقول بعض السلف في الجمع بين الأختين بملك اليمين: (أحلتهما آية وحرمتهما
__________
(1). من ب وج وط وهـ.
(2). من ط.
(3). عن كتاب الاستذكار لابي عمر.

آية) معلوم محفوظ، فكيف يحد حد الزاني من فعل ما فيه مثل هذا من الشبهة القوية؟ وبالله التوفيق. التاسعة عشرة- واختلف العلماء إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى، فقال علي وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز له وطئ الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق، أو بأن يزوجها. قال ابن المنذر: وفية قول ثان لقتادة، وهو أنه إذا كان يطأ واحدة وأراد وطئ الأخرى فإنه ينوي تحريم الاولى على نفسه وألا يقربها، ثم يمسك عنهما حتى يستبرئ الاولى المحرمة، ثم يغشى الثانية. وفية قول ثالث: وهو إذا كان عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما. هكذا قال الحكم وحماد، وروي معنى ذلك عن النخعي. ومذهب مالك: إذا كان أختان عند رجل بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته. فإن أراد وطئ الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الاولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك: إما بتزويج أو بيع أو عتق إلى أجل أو كتابة أو إخدام طويل. فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الاولى وقف عنهما، ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى، ولم يوكل ذلك إلى أمانته، لأنه متهم فيمن قد وطئ، ولم يكن قبل متهما إذ كان لم يطأ إلا الواحدة. ومذهب الكوفيين في هذا الباب: الثوري وأبي حنيفة وأصحابه أنه إن وطئ إحدى أمتيه لم يطأ الأخرى، فإن باع الاولى أو زوجها ثم رجعت إليه أمسك عن الأخرى، وله أن يطأها ما دامت أختها في العدة من طلاق أو وفاة: فأما بعد انقضاء العدة فلا، حتى يملك فرج التي يطأ غيره، وروي معنى ذلك عن علي رضي الله عنه. قالوا: لان الملك الذي منع وطئ الجارية «1» في الابتداء موجود، فلا فرق بين عودتها إليه وبين بقائها في ملكه. وقول مالك حسن، لأنه تحريم صحيح في الحال ولا يلزم مراعاة المال، وحسبه إذا حرم فرجها عليه ببيع أو بتزويج أنها حرمت عليه في الحال. ولم يختلفوا في العتق، لأنه لا يتصرف فيه بحال، وأما المكاتبة فقد تعجز فترجع إلى ملكه. فإن كان عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها ففيها في المذهب ثلاثة أقوال في النكاح. الثالث- في المدونة أنه يوقف عنهما إذا وقع
__________
(1). في ب وج وهـ وط وز: الزوجة.

عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهية لهذا النكاح، إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطي. وفي هذا ما يدل على أن ملك اليمين لا يمنع النكاح، كما تقدم عن الشافعي. وفي الباب بعينه قول آخر: أن النكاح لا ينعقد، وهو معنى قول الأوزاعي. وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة. الموفية عشرين- وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها أو أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة. واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها، فقالت طائفة: ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلق، وروي عن علي وزيد بن ثابت، وهو مذهب مجاهد وعطاء بن أبي رباح والنخعي، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: له أن ينكح أختها وأربعا «1» سواها، وروي عن عطاء، وهي أثبت الروايتين عنه، وروي عن زيد بن ثابت أيضا، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد. قال ابن المنذر: ولا أحسبه إلا قول مالك وبه نقول. الحادية وعشرون- قوله تعالى: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) يحتمل أن يكون معناه معنى قوله: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) في قوله: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ). ويحتمل معنى زائدا وهو جواز ما سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا، وإذا جرى في الإسلام خير بين الأختين، على ما قاله مالك والشافعي، من غير إجراء عقود الكفار على موجب الإسلام ومقتضى الشرع، وسواء عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما أو جمع بينهما في عقدين. وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد. وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين، إحداهما نكاح امرأة الأب، والثانية، الجمع بين الأختين، ألا ترى أنه قال: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ). (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ولم يذكر في سائر المحرمات (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ). والله أعلم.
__________
(1). كذا في الأصول، والواو بمعنى أو كما تقدم. [.....]

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)

[سورة النساء (4): آية 24]
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24)
فيه أربع عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ) عطف على المحرمات والمذكورات قبل. والتحصن: التمنع، ومنه الحصن لأنه يمتنع فيه، ومنه قوله تعالى: (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ «1») أي لتمنعكم، ومنه الحصان للفرس (بكسر الحاء) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك. والحصان (بفتح الحاء): المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك. وحصنت المرأة تحصن فهي حصان، مثل جبنت فهي جبان. وقال حسان في عائشة رضي الله عنها:
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل «2»
والمصدر الحصانة (بفتح الحاء) والحصن كالعلم «3». فالمراد بالمحصنات ها هنا ذوات الأزواج، يقال: امرأة محصنة أي متزوجة، ومحصنة أي حرة، ومنه (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ «4»). ومحصنة أي عفيفة، قال الله تعالى: (مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ) وقال: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ). ومحصنة ومحصنة وحصان أي عفيفة، أي ممتنعة من الفسق، والحرية تمنع الحرة مما يتعاطاه العبيد. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ «5») أي الحرائر، وكان عرف الإماء في الجاهلية الزنى، ألا ترى إلى قول هند بنت عتبة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين بايعته: (وهل تزني الحرة)؟ والزوج أيضا يمنع زوجه من أن تزوج غيره، فبناء (ح ص ن) معناه المنع كما بينا. وستعمل الإحصان في الإسلام،
__________
(1). راجع ج 11 ص 320.
(2). تزن: تتهم. غرني: جائعة. والمراد أنها لا تغتاب غيرها.
(3). في كتب اللغة أنه مثلث الحاء.
(4). راجع ج 6 ص 75.
(5). راجع ج 12 ص 209

لأنه حافظ ومانع، ولم يرد في الكتاب وورد في السنة، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الايمان قيد الفتك «1»). ومنه قول الهذلي:
فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
وقال الشاعر:
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام
ومنه قول سحيم:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا «2»

الثانية- إذا ثبت هذا فقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقال ابن عباس وأبو قلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبو سعيد الخدري: المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع العصمة، وقال ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وقال به أشهب. يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس «3» فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل [في ذلك «4»] (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ). أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن. وهذا نص [صحيح «5»] صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن وطئ المسبيات ذوات الأزواج، فأنزل الله تعالى في جوابهم (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ). وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. واختلفوا في استبرائها بما ذا يكون، فقال
__________
(1). الفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل فيشد عليه فيقتله. النهاية.
(2). صدره في الديوان: عميرة ودع ان تجهزت غاديا وسيأتي في ج 15 ص 52: عن أبى بكر: هريرة ودع.
(3). أو طاس: واد بديار هوازن.
(4). من ب ود وط وز.
(5). من ب وى.

الحسن: كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستبرءون المسبية بحيضة، وقد روي ذلك من حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس (لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض). ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا حتى يقال أن المسبية مملوكة ولكنها كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدة الإماء، على ما نقل عن الحسن بن صالح قال: عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب. وكافه العلماء رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحدا في أن الجميع بحيضة واحدة. والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يسبى الزوجان مجتمعين أو متفرقين. وروى عنه ابن بكير أنهما إن سبيا جميعا واستبقي الرجل أقرا علي نكاحهما، فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه، لأنه قد صار له عهد وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينه وبينها، وهو قول أبي حنيفة والثوري، وبه قال ابن القاسم ورواه عن مالك. والصحيح الأول، لما ذكرناه، ولان الله تعالى قال: (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) فأحال على ملك اليمين وجعله هو المؤثر فيتعلق الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعا، إلا ما خصه الدليل. وفي الآية قول ثان قاله عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس في رواية عكرمة: أن المراد بالآية ذوات الأزواج، أي فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الامة ذات الزوج فإن بيعها طلاقها والصدقة بها طلاقها وأن تورث طلاقها وتطليق الزوج طلاقها. قال ابن مسعود: فإذا بيعت الامة ولها زوج فالمشتري أحق ببضعها وكذلك المسبية، كل ذلك موجب للفرقة بينها وبين زوجها. قالوا: وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون بيع الامة طلاقا لها، لان الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين. قلت: وهذا يرده حديث بريرة، لان عائشة رضى الله عنها اشترت بريرة وأعتقتها ثم خيرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانت ذات زوج، وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها مغيث بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها لدليل «1» على أن بيع الامة ليس طلاقها «2»، وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث، وألا طلاق لها إلا الطلاق. وقد
__________
(1). كذا في د.
(2). كذا في ب.

احتج بعضهم بعموم قوله: (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) وقياسا على المسبيات. وما ذكرناه من حديث بريرة يخصه ويرده، وأن ذلك إنما هو خاص بالمسبيات على حديث أبي سعيد، وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالى. وفي الآية قول ثالث- روى الثوري «1» عن مجاهد عن إبراهيم قال ابن مسعود في قوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) قال: ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين. وقال علي بن أبي طالب: ذوات الأزواج من المشركين. وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ) هن ذوات الأزواج، ويرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنى. وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية يراد به العفائف، أي كل النساء حرام. وألبسهن اسم الإحصان من كان منهن ذات زوج أو غير ذات زوج، إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك. (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) قالوا: معناه بنكاح أو شراء. هذا قول أبي العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء، ورواه عبيدة عن عمر، فأدخلوا النكاح تحت ملك اليمين، ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالى: (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) يعني تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء، فكأنهن كلهن ملك يمين وما عدا ذلك فزنى، وهذا قول حسن. وقد قال ابن عباس: (الْمُحْصَناتُ) العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب. قال ابن عطية: وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنى، وأسند الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا؟ فقال سعيد: كان ابن عباس لا يعلمها. وأسند أيضا عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل: قوله (وَالْمُحْصَناتُ) إلى قوله (حَكِيماً). قال ابن عطية: ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف انتهى مجاهد إلى هذا القول؟ الثالثة- قوله تعالى: (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) نصب على المصدر المؤكد، أي حرمت هذه النساء كتابا من الله عليكم. ومعنى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) كتب الله عليكم. وقال الزجاج
__________
(1). كذا في أوى وح وز. وفى ب وج ود وط: الترمذي عن مجاهد إلخ وكلاهما يجانب الصواب إذ مجاهد يروى عن عبد الله لاعن ابراهيم وليست في الترمذي في الآية رواية مجاهد. في الطبري وابن كثير: الأعمش عن ابراهيم عن عبد الله. وفى الطبري أيضا: حماد عن ابراهيم عن عبد الله.

والكوفيون: هو نصب على الإغراء، أي الزموا كتاب الله، أو عليكم كتاب الله. وفية نظر على ما ذكره أبو علي، فإن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، فلا يقال: زيدا عليك، أو زيدا دونك، بل يقال: عليك زيدا ودونك عمرا، وهذا الذي قاله صحيح على أن يكون منصوبا ب (عَلَيْكُمْ)، وأما على تقدير حذف الفعل فيجوز. ويجوز الرفع على معنى هذا كتاب الله وفرضة: وقرا أبو حيوة ومحمد بن السميقع (كتب الله عليكم) على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالى، والمعنى كتب الله عليكم ما قصه من التحريم. وقال عبيدة السلماني وغيره: قوله (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله تعالى: (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) وفي هذا بعد، والأظهر أن قوله: (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله. الرابعة- قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص (وَأُحِلَّ لَكُمْ) ردا على (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ). الباقون بالفتح ردا على قوله تعالى: (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ). وهذا يقتضي ألا يحرم من النساء إلا من ذكر، وليس كذلك، فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم يذكر في الآية فيضم إليها، قال الله تعالى: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «1»). روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها). وقال ابن شهاب: فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة، وقد قيل: إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها، لان الله تعالى حرم الجمع بين الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين، أو لان الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى الوالد. والصحيح الأول، لان الكتاب والسنة كالشيء الواحد، فكأنه قال: أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب، وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام. وقول ابن شهاب: (فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة) إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتم له ذلك، لان العمة اسم لكل أنثى شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيناه.
__________
(1). راجع ج 18 ص 10 [.....]

وفي مصنف أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى (. وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين. الرواية (لا يجمع) برفع العين على الخبر على المشروعية فيتضمن النهي عن ذلك، وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح. وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها «1»، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة. وقوله: (لا يجمع بين العمتين والخالتين) فقد أشكل على بعض أهل العلم وتحير في معناه حتى حمله على ما يبعد أو لا يجوز، فقال: معنى بين العمتين على المجاز، أي بين العمة وبنت أخيها، فقيل لهما: عمتان، كما قيل: سنة العمرين أبي بكر وعمر، قال: وبين الخالتين مثله. قال النحاس: وهذا من التعسف الذي لا يكاد يسمع بمثله، وفية أيضا مع التعسف أنه يكون كلاما مكررا لغير فائدة، لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار الكلام مكرر الغير فائدة، وأيضا فلو كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة، وليس كذلك الحديث، لان الحديث (نهى أن يجمع بين العمة والخالة). فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى. قال النحاس: وهذا يخرج على معنى صحيح، يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها، تزوج الرجل البنت وتزوج الابن الام فولد لكل واحد منهما ابنة من هاتين الزوجتين، فابنة الأب عمة ابنة الابن، وابنة الابن خالة ابنة الأب. وأما الجمع بين الخالتين فهذا يوجب أن يكونا امرأتين كل واحدة منهما خالة الأخرى، وذلك أن يكون رجل تزوج ابنة رجل وتزوج الآخر ابنته، فولد لكل واحد منهما ابنة، فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى. وأما الجمع بين العمتين فيوجب ألا يجمع بين امرأتين كل واحدة منهما عمة الأخرى، وذلك أن
__________
(1). لا يصح هذا عنهم لأنه رد للمنصوص وهو كفر، ان عنى الإباضية على عادته في ادماجهم في الخوارج وهم برءاء. فالقاعدة عندهم سلفا وخلفا: كل امرأتين لو كانت إحداهما ذكرا لا تحل له الأخرى يحرم الجمع بينهما في العصمة. كما في (كتاب النبل وشرحه)، والحديث الأصل في هذا صحيح واصل عندهم والله يقول: (فَتَبَيَّنُوا). راجع الجصاص ج 2 ص 134 ففيه خلاف هذا.

يتزوج رجل أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر، فيولد لكل واحد منهما ابنة فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى، فهذا ما حرم الله على لسان رسوله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مما ليس في القرآن. الخامسة- وإذا تقرر هذا فقد عقد العلماء فيمن يحرم الجمع بينهن عقدا حسنا، فروى معتمر بن سليمان عن فضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبي قال: كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى فالجمع بينهما باطل. فقلت له: عمن هذا؟ قال: عن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال سفيان الثوري: تفسيره عندنا أن يكون من النسب، ولا يكون بمنزلة امرأة وابنة زوجها يجمع بينهما إن شاء. قال أبو عمر: وهذا على مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت لا يختلفون في هذا الأصل. وقد كره قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ابنة رجل وامرأته من أجل أن أحدهما لو كان ذكرا لم يحل له نكاح الأخرى. والذي عليه العلماء أنه لا بأس بذلك، وأن المراعى النسب دون غيره من المصاهرة، ثم ورد في بعض الاخبار التنبيه على العلة في منع الجمع بين من ذكر، وذلك ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع بين الضرائر من الشنآن والشرور بسبب الغيرة، فروى ابن عباس قال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة، وقال: (إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) ذكره أبو محمد الاصيلي في فوائده وابن عبد البر وغيرهما. ومن مراسيل أبي داود عن حسين بن طلحة قال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة، وقد طرد بعض السلف هذه العلة فمنع الجمع بين المرأة وقريبتها، وسواء كانت بنت عم أو بنت عمة أو بنت خال أو بنت خالة، روي ذلك عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وعطاء في رواية ابن أبي نجيح، وروى عنه ابن جريج أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح. وقد نكح حسن بن حسين بن علي في ليلة واحدة ابنة محمد بن علي وابنة عمر بن علي فجمع بين ابنتي عم، ذكره عبد الرزاق. زاد ابن عيينة: فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتهما يذهبن، وقد كره مالك هذا، وليس بحرام عنده «1».
__________
(1). في ط: عندهم.

وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن ابنتي العم أيجمع بينهما؟ فقال: ما أعلمه حراما. قيل له: أفتكرهه؟ قال: إن ناسا ليتقونه، قال ابن القاسم: وهو حلال لا بأس به. قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح. وهما داخلتان في جملة ما أبيح بالنكاح غير خارجتين منه بكتاب ولا سنة ولا إجماع، وكذلك الجمع بين ابنتي عمة وابنتي خالة. وقال السدي في قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ): يعني النكاح فيما دون الفرج. وقيل: المعنى وأحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقربائكم. قتادة: يعنى بذلك ملك اليمين خاصة. السادسة- قوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ) لفظ يجمع «1» التزوج والشراء. و(أَنْ) في موضع نصب بدل من (ما)، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع، ويحتمل أن يكون المعنى لان، أو بأن، فتحذف اللام أو الباء فيكون في موضع نصب. و(مُحْصِنِينَ) نصب على الحال، ومعناه متعففين عن الزنى. (غَيْرَ مُسافِحِينَ) أي غير زانين. والسفاح الزنى، وهو مأخوذ من سفح الماء، أي صبه وسيلانه، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين سمع الدفاف «2» في عرس: (هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر). وقد قيل: إن قوله (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) يحتمل وجهين: أحدهما- ما ذكرناه وهو الإحصان بعقد النكاح، تقديره اطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح لا على وجه السفاح، فيكون للآية «3» على هذا الوجه عموم. ويحتمل أن يقال: (مُحْصِنِينَ) أي الإحصان صفة لهن، ومعناه لتزوجوهن على شرط الإحصان فيهن، والوجه الأول أولى، لأنه متى أمكن جري الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أولى، ولان مقتضى الوجه الثاني أن المسافحات لا يحل التزوج بهن، وذلك خلاف الإجماع. السابعة- قوله تعالى: (بِأَمْوالِكُمْ) أباح الله تعالى الفروج بالأموال ولم يفصل، فوجب إذا حصل بغير المال ألا تقع الإباحة به، لأنها على غير الشرط المأذون فيه، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملكه. ويرد على أحمد قوله في أن العتق يكون صداقا، لأنه
__________
(1). في ب: يعم.
(2). كذا في الأصول الا ط: الزفاف. والدفاف صاحب الدف وجمع الدف الدفوف. في الحديث (فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف).
(3). في ج: للآية. وفى الأصول الأخرى: فتكون الآية على هذا الوجه عموم!

ليس فيه تسليم مال وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال إليها، فإن الذي كان يملكه المولى من عنده لم ينتقل إليها وإنما سقط. فإذا لم يسلم الزوج إليها شيئا ولم تستحق عليه شيئا، وإنما أتلف به ملكه، لم يكن مهرا. وهذا بين مع قوله تعالى: (وَآتُوا النِّساءَ) وذلك أمر يقتضي الإيجاب، وإعطاء العتق لا يصح. وقوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ) وذلك محال في العتق، فلم يبق أن يكون الصداق إلا مالا، لقوله تعالى: (بِأَمْوالِكُمْ) اختلف من قال بذلك في قدر ذلك، فتعلق الشافعي بعموم قوله تعالى: (بِأَمْوالِكُمْ) في جواز الصداق بقليل وكثير، وهو الصحيح، ويعضده قوله عليه السلام في حديث الموهوبة (ولو خاتما من حديد). وقوله عليه السلام: (أَنْكِحُوا الْأَيامى )، ثلاثا. قيل: ما العلائق بينهم يا رسول الله؟ قال: (ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك). وقال: أبو سعيد الخدري: سألنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صداق النساء فقال: (هو ما اصطلح عليه أهلوهم). وروى جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لو أن رجلا أعطى امرأة ملء يديه طعاما كانت به حلالا). أخرجهما الدارقطني في سننه. قال الشافعي: كل ما جاز أن يكون ثمنا لشيء، أو جاز أن يكون أجرة جاز أن يكون صداقا، وهذا قول جمهور أهل العلم. وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها، كلهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره، وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك، واختاره ابن المنذر وغيره. قال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطا حلت به، وأنكح ابنته من عبد الله بن وداعة بدرهمين. وقال ربيعة: يجوز النكاح بدرهم. وقال أبو الزناد: ما تراضى به الأهلون. وقال مالك: لا يكون الصداق أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا. قال بعض أصحابنا في تعليل له: وكان أشبه الأشياء بذلك قطع اليد، لان البضع عضو واليد عضو يستباح بمقدر من المال، وذلك ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا، فرد مالك البضع إليه قياسا على اليد. قال أبو عمر: قد تقدمه إلى هذا أبو حنيفة، فقاس الصداق على قطع اليد، واليد عنده لا تقطع إلا في دينار ذهبا أو عشرة دراهم كيلا، ولا صداق عنده أقل من ذلك، وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه، وهو قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق. وقد قال الدراوردي لمالك إذ قال لا صداق

أقل من ربع دينار: تعرقت فيها يا أبا عبد الله. أي سلكت فيها سبيل أهل العراق. وقد احتج أبو حنيفة بما رواه جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا صداق دون عشرة دراهم) أخرجه الدارقطني. وفي سنده مبشر بن عبيد متروك. وروي عن داود الأودي عن الشعبي عن علي عليه السلام: لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم. قال أحمد بن حنبل: لقن غياث بن إبراهيم داود الأودي عن الشعبي عن علي: لا مهر أقل من عشرة دراهم. فصار حديثا. وقال النخعي: أقله أربعون درهما. سعيد بن جبير: خمسون درهما. ابن شبرمة: خمسة دراهم. ورواه الدارقطني عن ابن عباس عن علي رضي الله عنه: لا مهر أقل من خمسة دراهم. الثامنة- قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) الاستمتاع التلذذ. والأجور المهور، وسمي المهر أجرا لأنه أجر الاستمتاع، وهذا نص على «1» أن المهر يسمى أجرا، و[ذلك «2»] دليل على أنه في مقابلة البضع، لان ما يقابل المنفعة يسمى أجرا. وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو: بدن المرأة أو منفعة البضع أو الحل «3»، ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع، فإن العقد يقتضي كل ذلك. والله أعلم. التاسعة- واختلف العلماء في معنى الآية، فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي مهورهن، فإذا جامعها مرة واحدة فقد وجب المهر كاملا إن كان مسمى، أو مهر مثلها إن لم يسم. فإن كان النكاح فاسدا فقد اختلفت الرواية عن مالك في النكاح الفاسد، هل تستحق به مهر المثل، أو المسمى إذا كان مهرا صحيحا؟ فقال مرة: المهر المسمى، وهو ظاهر مذهبه، وذلك أن ما تراضوا عليه يقين، ومهر المثل اجتهاد، فيجب أن يرجع إلى ما تيقناه، لان الأموال لا تستحق بالشك. ووجه قوله: (مهر المثل) أن النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها «4»). قال ابن خويز منداد: ولا يجوز أن تحمل الآية على جواز المتعة، لان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1). من ج.
(2). من ج.
(3). كذا في الأصول. وفى البحر: أو الكل. وهو الظاهر.
(4). هكذا متن الحديث في كل الأصول. وهو عند أحمد وأبى داود وابن ماجة والترمذي وابن حبان والدارقطني والشافعي، ونصه عند الترمذي (أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل- ثلاثا- فان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها ... (الحديث. وراجع الدارقطني وتعليقه ط الهند.

نهى عن نكاح المتعة وحرمه، ولان الله تعالى قال: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين، ونكاح المتعة ليس كذلك. وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام. وقرا ابن عباس وأبي وابن جبير (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن) ثم نهى عنها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال سعيد بن المسيب: نسختها آية الميراث، إذ كانت المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة والقاسم بن محمد: تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ «1» (وليست المتعة نكاحا ولا ملك يمين. وروى الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المتعة، قال: وإنما كانت لمن لم يجد، فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت. وروى عن علي رضى الله عنه أنه قال: نسخ صوم رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة، ونسخت الأضحية كل ذبح. وعن ابن مسعود قال: المتعة منسوخة نسخها الطلاق والعدة والميراث. وروى عطاء عن ابن عباس قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي. العاشرة- واختلف العلماء كم مرة أبيحت ونسخت، ففي صحيح مسلم عن عبد الله قال: كنا نغزو مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل. قال أبو حاتم البستي في صحيحه: قولهم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ألا نستخصي) دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظوره لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى، ثم رخص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى عنها عام خيبر، ثم أذن فيها عام الفتح، ثم حرمها بعد ثلاث، فهي محرمة إلى يوم القيامة. وقال ابن العربي: وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة، لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت في غزوة
__________
(1). راجع ج 12 ص 105

أو طاس، ثم حرمت بعد ذلك واستقر الامر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة، لان النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك. وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها: إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات، فروى ابن أبي عمرة أنها كانت في صدر الإسلام. وروى سلمة بن الأكوع أنها كانت عام أو طاس. ومن رواية علي تحريمها يوم خيبر. ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح. قلت: وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم، وفي غيره عن علي نهيه عنها في غزوة تبوك، رواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي، ولم يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن ابن شهاب، قاله أبو عمر رحمه الله. وفي مصنف أبي داود من حديث الربيع بن سبرة النهي عنها في حجة الوداع، وذهب أبو داود إلى أن هذا أصح ما روي في ذلك. وقال عمرو «1» عن الحسن ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها. وروي هذا عن سبرة أيضا، فهذه سبعة مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت. قال أبو جعفر الطحاوي: كل هؤلاء الذين رووا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر، وأن النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك، فمنع منها، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر، وكذلك روي عن ابن مسعود. فأما حديث سبرة الذي فيه إباحة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها في حجة الوداع فخارج عن معانيها كلها، وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة، وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكوا إليه العزبة «2» فرخص لهم فيها، ومحال أن يشكوا إليه العزبة في حجة الوداع، لأنهم كانوا حجوا بالنساء، وكان تزويج النساء بمكة يمكنهم، ولم يكونوا حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدمة. ويحتمل أنه لما كانت عادة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تكرير مثل هذا في مغازيه
__________
(1). المتبادر أنه عمرو بن ميمون عن الحسن البصري.
(2). العزبة (بضم عين مهملة وزاي معجمة) التجرد عن النساء. ويحتمل أن يكون بغين معجمة وراء مهملة أي الفراق عن الأوطان لما فيه من فراق الأهل (عن ابن ماجة).

وفي المواضع الجامعة، ذكر تحريمها في حجة الوداع، لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبه لاحد يدعي تحليلها، ولان أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا. الحادية عشرة- روى الليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن عمار مولى الشريد قال: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله تعالى. قلت: هل عليها عدة؟ قال: نعم حيضة. قلت: يتوارثان، قال: لا. قال أبو عمر: لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق. وقال ابن عطية: (وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعطيها ما اتفقا عليه، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل ويستبرئ رحمها: لان الولد لا حق فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلت لغيره. وفي كتاب النحاس: في هذا خطأ وأن الولد لا يلحق في نكاح المتعة (. قلت: هذا هو المفهوم من عبارة النحاس، فإنه قال: وإنما المتعة أن يقول لها: أتزوجك يوما- أو ما أشبه ذلك- على أنه لا عدة عليك ولا ميراث بيننا ولا طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك، وهذا هو الزنى بعينه ولم يبح قط في الإسلام، ولذلك قال عمر: لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة. الثانية عشرة- وقد اختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يحد ولا يلحق به الولد أو يدفع الحد للشبهة ويلحق به الولد على قولين، ولكن يعذر «1» ويعاقب. وإذا لحق اليوم الولد في نكاح المتعة في قول بعض العلماء مع القول بتحريمه، فكيف لا يلحق في ذلك الوقت الذي أبيح، فدل على أن نكاح المتعة كان على حكم النكاح الصحيح ويفارقه في الأجل والميراث. وحكى المهدوي عن ابن عباس أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود. وفيما حكاه ضعف، لما ذكرنا. قال ابن العربي: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه
__________ (1). في ب وج ود: (يعزر).

عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها، فإذا فعلها أحد رجم في مشهور المذهب. وفي رواية أخرى عن مالك: لا يرجم، لان نكاح المتعة ليس بحرام، ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريب انفردوا به دون سائر العلماء، وهو أن ما حرم بالسنة هل هو مثل ما حرم بالقرآن أم لا؟ فمن رواية بعض المدنيين عن مالك أنهما ليسا بسواء، وهذا ضعيف. وقال أبو بكر الطرطوسي: ولم يرخص في نكاح المتعة إلا عمران بن حصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت. وفي قول ابن عباس يقول الشاعر:
أقول للركب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
في بضة رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس
وسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة، وأن المتعة حرام. وقال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلا لا على مذهب ابن عباس وحرمها سائر الناس. وقال معمر: قال الزهري: ازداد الناس لها مقتا حتى قال الشاعر:
قال المحدث لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
كما تقدم. الثالثة عشرة- قوله تعالى: (أُجُورَهُنَّ) يعم المال وغيره، فيجوز أن يكون الصداق منافع أعيان. وقد اختلف في هذا العلماء، فمنعه مالك والمزني والليث وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه، إلا أن أبا حنيفة قال: إذا تزوج على ذلك فالنكاح جائز وهو في حكم من لم يسم لها، ولها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة. وكرهه ابن القاسم في كتاب محمد وأجازه أصبغ. قال ابن شاس: فإن وقع مضى في قول أكثر الأصحاب. وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم. وقال الشافعي: النكاح ثابت وعليه أن يعلمها ما شرط لها. فإن طلقها قبل الدخول ففيها للشافعي قولان: أحدهما أن لها نصف أجر تعليم تلك السورة، والآخر أن لها نصف مهر مثلها. وقال إسحاق: النكاح جائز. قال أبو الحسن اللخمي: والقول بجواز جميع ذلك أحسن. والإجارة والحج كغير هما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى. وإنما كره

ذلك مالك لأنه يستحب أن يكون الصداق معجلا، والإجارة والحج في معنى المؤجل. احتج أهل القول الأول بأن الله تعالى قال: (بِأَمْوالِكُمْ) وتحقيق المال ما تتعلق به الاطماع، ويعد للانتفاع، ومنفعة الرقبة في الإجارة ومنفعة التعليم للعلم كله ليس بمال. قال الطحاوي: والأصل المجتمع عليه أن رجلا لو استأجر رجلا على أن يعلمه سورة القرآن سماها، بدرهم لم يجز، لان الإجارات لا تجوز إلا لاحد معنيين، إما على عمل بعينه كخياطة ثوب وما أشبهه، وإما على وقت معلوم، وكان إذا استأجره على تعليم سورة فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا على عمل معلوم، وإنما استأجره على أن يعلم، وقد يفهم بقليل التعليم وكثيره في قليل الأوقات وكثيرها. وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يجز للمعاني التي ذكرناها في الإجارات. وإذا كان التعليم لا يملك به المنافع ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر أنه لا تملك به الابضاع. والله الموفق. احتج من أجاز ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة، وفية فقال: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن). في رواية قال: (انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن). قالوا: فقئ هذا دليل على انعقاد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم، وهذا على الظاهر من قوله: (بما معك من القرآن) فإن الباء للعوض، كما تقول: خذ هذا بهذا، أي عوضا منه. وقوله في الرواية الأخرى: (فعلمها) نص في الامر بالتعليم، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، ولا يلتفت لقول من قال إن ذلك كان إكراما للرجل بما حفظه من القرآن، أي لما حفظه، فتكون الباء بمعنى اللام، فإن الحديث الثاني يصرح بخلافه في قوله: (فعلمها من القرآن). ولا حجة فيما روي عن أبي طلحة أنه خطب أم سليم فقالت: إن أسلم تزوجته فأسلم فتزوجها، فلا يعلم مهر كان أكرم من مهرها، كان مهرها الإسلام فإن ذلك خاص به. وأيضا فإنه لا يصل إليها منه شي بخلاف التعليم وغيره من المنافع. وقد زوج شعيب عليه السلام ابنته من موسى عليه السلام على أن يرعى له غنما في صداقها، على ما يأتي بيانه في سورة (القصص) «1». وقد روي من حديث ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لرجل من أصحابه: (يا فلان هل
__________
(1). راجع ج 13 ص 271 فمن بعد. [.....]

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)

تزوجت (؟ قال: لا، وليس معي ما أتزوج به. قال: أليس معك (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؟ قال: بلى! قال: (ثلث القرآن، أليس معك آية الكرسي)؟ قال: بلى! قال: (ربع القرآن، أليس معك (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)؟ قال: بلى! قال: (ربع القرآن)، أليس معك (إِذا زُلْزِلَتِ) (؟ قال: بلى! قال:) ربع القرآن. تزوج تزوج (. قلت: وقد أخرج الدارقطني حديث سهل من حديث ابن مسعود، وفية زيادة تبين، ما احتج به مالك وغيره، وفية فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من ينكح هذه)؟ فقام ذلك الرجل فقال: أنا يا رسول الله، فقال: (ألك مال)؟ قال: لا، يا رسول الله، قال: (فهل تقرأ من القرآن شيئا)؟. قال: نعم، سورة البقرة، وسورة المفصل «1». فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها وإذا رزقك الله عوضتها). فتزوجها الرجل على ذلك. وهذا نص- لو صح- في أن التعليم لا يكون صداقا. قال الدارقطني: تفرد به عتبة بن السكن وهو متروك الحديث. و(فريضة) نصب على المصدر في موضع الحال، أي مفروضة. الرابعة عشرة- قوله تعالى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) أي من زيادة ونقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة. والمراد إبراء المرأة عن المهر، أو توفية الرجل كل المهر إن طلق قبل الدخول. وقال القائلون بأن الآية في المتعة: هذا إشارة إلى ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة في أول الإسلام، فإنه كان يتزوج الرجل المرأة شهرا على دينار مثلا، فإذا انقضى الشهر فربما كان يقول: زيديني في الأجل أزدك في المهر. فبين أن ذلك كان جائزا عند التراضي.

[سورة النساء (4): آية 25]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)
__________
(1). الإضافة في سورة المفضل بمعنى من.

فيه احدى وعشرون مسألة: الاولى- قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا) الآية. نبه تعالى على تخفيف في النكاح «1» وهو نكاح الامة لمن لم يجد الطول. واختلف العلماء. في معنى الطول على ثلاثة أقوال: الأول- السعة والغنى، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد ومالك في المدونة. يقال: طال يطول طولا في الإفضال والقدرة. وفلان ذو طول أي ذو قدرة في مال (بفتح الطاء). وطولا (بضم الطاء) في ضد القصر. والمراد هاهنا القدرة على المهر فقول أكثر أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال أحمد بن المعذل: قال عبد الملك: الطول كل ما يقدر به على النكاح من نقد أو عرض أو دين على ملي. قال: وكل ما يمكن بيعه وإجارته فهو طول. قال: وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثة طولا. وقال: وقد سمعت ذلك من مالك رضي الله عنه. قال عبد الملك: لان الزوجة لا ينكح بها ولا يصل بها إلى غيرها إذ ليست بمال. وقد سئل مالك عن رجل يتزوج أمة وهو ممن يجد الطول، فقال: أرى أن يفرق بينهما. قيل له: إنه يخاف العنت. قال: السوط يضرب به. ثم خففه بعد ذلك. القول الثاني: الطول الحرة. وقد اختلف قول مالك في الحرة هل هي طول أم لا، فقال في المدونة: ليست الحرة بطول تمنع من نكاح الامة، إذا لم يجد سعة لأخرى وخاف العنت. وقال في كتاب محمد ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول. قال اللخمي: وهو ظاهر القرآن. وروي نحو هذا عن ابن حبيب، وقاله أبو حنيفة. فيقتضي هذا أن من عنده حرة فلا يجوز له نكاح الامة وأن عدم السعة وخاف العنت، لأنه طالب شهوة وعنده امرأة، وقال به الطبري واحتج له. قال أبو يوسف: الطول هو وجود الحرة
__________
(1). في ب ود وط وز وى: المناكح. وهو جمع كمقعد ومقاعد. وفى ج وا وج. النكاح.

تحته، فإذا كانت تحته حرة فهو ذو طول، فلا يجوز له نكاح الامة. القول الثالث: الطول الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لذلك لا يستطع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الامة إذا لم يملك هواها وخاف أن يبغي بها وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة، هذا قول قتادة والنخعي وعطاء وسفيان الثوري. فيكون قوله تعالى: (لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ) على هذا التأويل في صفة عدم الجلد. وعلى التأويل الأول يكون تزويج الامة معلقا بشرطين: عدم السعة في المال، وخوف العنت، فلا يصح إلا باجتماعهما. وهذا هو نص مذهب مالك في المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد. قال مطرف وابن الماجشون: لا يحل للرجل أن ينكح أمة، ولا يقران إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى. وقال أصبغ. وروي هذا القول عن جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وطاوس والزهري ومكحول، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، واختاره ابن المنذر وغيره. فإن وجد المهر وعدم النفقة فقال مالك في كتاب محمد: لا يجوز له أن يتزوج أمة. وقال أصبغ: ذلك جائز، إذ نفقة الامة على أهلها إذا لم يضمها إليه. وفي الآية قول رابع: قال مجاهد: مما وسع الله على هذه الامة نكاح الامة والنصرانية، وإن كان موسرا. وقال بذلك أبو حنيفة أيضا، ولم يشترط خوف العنت، إذا لم تكن تحته حرة. قالوا: لان كل مال يمكن أن يتزوج به الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة، فالآية على هذا أصل في جواز نكاح الامة مطلقا. قال مجاهد: وبه يأخذ سفيان، وذلك أني سألته عن نكاح الامة فحدثني. عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن عباد بن عبد الله عن علي رضي الله عنه قال: إذا نكحت الحرة على الامة كان للحرة يومان وللأمة يوم. قال: ولم ير علي به بأسا. وحجة هذا القول عموم قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ). وقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا) إلى قوله: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ)، لقوله عز وجل: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً). وقد اتفق الجميع على أن للحر أن يتزوج أربعا وإن خاف ألا يعدل. قالوا: وكذلك له تزوج الامة وإن كان واجدا للطول غير خائف للعنت. وقد

روي عن مالك في الذي يجد طولا لحرة أنه يتزوج أمة مع قدرته على طول الحرة، وذلك ضعيف من قول. وقد قال مرة أخرى: ما هو بالحرام البين، وأجوزه. والصحيح أنه لا يجوز للحر المسلم أن ينكح أمة غير مسلمة بحال، ولا له أن يتزوج بالأمة المسلمة إلا بالشرطين المنصوص عليهما كما بينا. والعنت الزنى، فإن عدم الطول ولم يخش العنت لم يجز له نكاح الامة، وكذلك إن وجد الطول وخشي العنت. فإن قدر على طول حرة كتابية وهى المسألة: الثانية- فهل يتزوج الامة، اختلف علماؤنا في ذلك، فقيل: يتزوج الامة فإن الامة المسلمة لا تلحق بالكافرة، فأمة مؤمنة خير من حرة مشركة. واختاره ابن العربي. وقيل: يتزوج الكتابية، لان الامة وإن كانت تفضلها بالايمان فالكافرة تفضلها بالحرية وهي زوجة. وأيضا فإن ولدها يكون حرا لا يسترق، وولد الامة يكون رقيقا، وهذا هو الذي يتمشى على أصل المذهب. الثالثة- واختلف العلماء في الرجل يتزوج الحرة على الامة ولم تعلم بها، فقالت طائفة: النكاح ثابت. كذلك قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبرباح والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروي عن علي. وقيل: للحرة الخيار إذا علمت. ثم في أي شي يكون لها الخيار، فقال الزهري وسعيد بن المسيب ومالك وأحمد وإسحاق في أن تقيم معه أو تفارقه. وقال عبد الملك: في أن تقر نكاح الامة أو تفسخه. وقال النخعي: إذا تزوج الحرة على الامة فارق الامة إلا أن يكون له منها ولد، فإن كان لم يفرق بينهما. وقال مسروق: يفسخ نكاح الامة، لأنه أمر أبيح للضرورة كالميتة، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة. الرابعة- فإن كانت تحته أمتان علمت الحرة بواحدة منهما ولم تعلم بالأخرى فإنه يكون لها الخيار. ألا ترى لو أن حرة تزوج عليها أمة فرضيت، ثم تزوج عليها أمة فرضيت، ثم تزوج
عليها أخرى فأنكرت كان ذلك لها، فكذلك هذه إذا لم تعلم بالأمتين وعلمت بواحدة. قال ابن القاسم: قال مالك: وإنما جعلنا الخيار للحرة في هذه المسائل لما قالت العلماء قبلي.

يريد سعيد بن المسيب وابن شهاب وغيرهما. قال مالك: ولولا ما قالوه لرأيته حلالا، لأنه في كتاب الله حلال. فإن لم تكفه الحرة واحتاج إلى أخرى ولم يقدر على صداقها جاز له أن يتزوج الامة حتى ينتهي إلى أربع بالتزويج بظاهر القرآن. رواه ابن وهب عن مالك. وروى ابن القاسم عنه: يرد نكاحه. قال ابن العربي: والأول أصح في الدليل، وكذلك هو في القرآن، فإن من رضي بالسبب المحقق رضي بالمسبب المرتب عليه، وألا يكون لها خيار، لأنها قد علمت أن له نكاح الأربع، وعلمت أنه إن لم يقدر على نكاح حرة تزوج أمة، وما شرط الله سبحانه عليها كما شرطت على نفسها، ولا يعتبر في شروط الله سبحانه وتعالى علمها. وهذا غاية التحقيق في الباب والانصاف فيه. الخامسة- قوله تعالى: (الْمُحْصَناتِ) يريد الحرائر، يدل عليه التقسيم بينهن وبين الإماء في قوله: (مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ). وقالت فرقة: معناه العفائف. وهو ضعيف، لان الإماء يقعن تحته فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب، وحرموا البغايا من المؤمنات والكتابيات. وهو قول ابن ميسرة والسدي. وقد اختلف العلماء فيما يجوز للحر الذي لا يجد الطول ويخشى العنت من نكاح الإماء، فقال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب الزهري والحارث العكلي «1»: له أن يتزوج أربعا. وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من اثنتين. وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق: ليس له أن ينكح من الإماء إلا واحدة. وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة، واحتجوا بقوله تعالى: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) وهذا المعنى يزول بنكاح واحدة. السادسة- قوله تعالى: (فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي فليتزوج بأمة الغير. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوج أمة نفسه، لتعارض الحقوق واختلافها. السابعة- قوله تعالى: (مِنْ فَتَياتِكُمُ) أي المملوكات، وهي جمع فتاة. والعرب تقول للمملوك: فتى، وللمملوكة فتاة. وفي الحديث الصحيح: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي
__________
(1). العكلي: بالضم والسكون نسبة الى عكل بطن من تميم.

ولكن ليقل فتاي وفتأتي) وسيأتي. ولفظ الفتى والفتاة يطلق أيضا على «1» الأحرار في ابتداء الشباب، فأما في المماليك فيطلق في الشباب وفي الكبر. الثامنة- قوله تعالى: (الْمُؤْمِناتِ) بين بهذا أنه لا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، فهذه الصفة مشترطة عند مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، والثوري والأوزاعي والحسن البصري والزهري ومكحول ومجاهد. وقالت طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي: نكاح الامة الكتابية جائز. قال أبو عمر: ولا أعلم لهم سلفا في قولهم، إلا أبا ميسرة عمرو بن شرحبيل فإنه قال: إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهن. قالوا: وقوله (الْمُؤْمِناتِ) على جهة الوصف الفاضل وليس بشرط ألا يجوز غيرها، وهذا بمنزلة قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) فإن خاف ألا يعدل فتزوج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل ألا يتزوج، فكذلك هنا الأفضل ألا يتزوج إلا مؤمنة، ولو تزوج غير المؤمنة جاز. واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله: (الْمُؤْمِناتِ) في الحرائر من نكاح الكتابيات فكذلك لا يمنع قوله: (الْمُؤْمِناتِ) في الإماء من نكاح إماء الكتابيات. وقال أشهب في المدونة: جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية. فالمنع عده أن يفضل الزوج في الحرية والدين معا. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز لمسلم نكاح مجوسية ولا وثنية، وإذا كان حراما بإجماع نكاحهما فكذلك وطؤهما بملك اليمين قياسا ونظرا. وقد روي عن طاوس ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم قالوا: لا بأس بنكاح الامة المجوسية بملك اليمين. وهو قول شاذ مهجور لم يلتفت إليه أحد من فقهاء «2» الأمصار. وقالوا: لا يحل أن يطأها حتى تسلم. وقد تقدم القول في هذه المسألة في (البقرة «3») مستوفى. والحمد لله. التاسعة- قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ) المعنى أن الله عليم ببواطن الأمور ولكم ظواهرها، وكلكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفوا من التزوج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثة عهد بسباء أو كانت خرساء وما أشبه ذلك. ففي اللفظ تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض الحرائر.
__________
(1). في ج وط وى: في الأحرار.
(2). في ج وط: من الفقهاء في الأمصار.
(3). راجع ج 3 ص 69

العاشرة- قوله تعالى: (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) ابتداء وخبر، كقولك زيد في الدار. والمعنى أنتم بنو آدم. وقيل: أنتم مؤمنون. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، المعنى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضكم من بعض: هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا. فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح. والمقصود بهذا الكلام توطئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الامة وتعيره وتسميه الهجين «1»، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الامة فلم يجز للحر التزوج بها إلا عند الضرورة، لأنه تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الامة لا تفرغ للزوج على الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المولى. الحادية عشرة- قوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) أي بولاية أربابهن المالكين وإذنهم. وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيده، لان العبد مملوك لا أمر له، وبدنه كله مستغرق، لكن الفرق بينهما أن العبد إذا تزوج بغير إذن سيده فإن أجاز السيد جاز، هذا مذهب مالك وأصحاب الرأي، وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبن رباح وسعيد ابن المسيب وشريح والشعبي. والامة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ ولم يجز بإجازة السيد، لان نقصان الأنوثة في الامة يمنع من انعقاد النكاح البتة وقالت طائفة: إذا نكح العبد بغير إذن سيده فسخ نكاحه، هذا قول الشافعي والأوزاعي وداود بن علي، قالوا: لا تجوز إجازة المولى إن لم يحضره، لان العقد الفاسد لا تصح إجازته، فإن أراد النكاح استقبله على سنته. وقد أجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده. وقد كان ابن عمر يعد العبد بذلك زانيا ويحده، وهو قول أبي ثور. وذكر عبد الرزاق عن عبد الله «2» بن عمر عن نافع عن ابن عمر، وعن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أخذ عبد اله نكح بغير إذنه فضربه الحد وفرق بينهما وأبطل صداقها. قال: وأخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة أنه أخبره عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى نكاح العبد بغير إذن وليه زنى، ويرى عليه الحد،
__________
(1). الهجين: الذي أبوه عربي وأمه غير محصنة، المبرد: ولد العربي، من غير العربية.
(2). هو: ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.

ويعاقب الذين أنكحوهما. قال: وأخبرنا ابن جريج عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أيما عبد نكح بغير إذن سيده فهو عاهر). وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو نكاح حرام، فإن نكح بإذن سيده فالطلاق بيد من يستحل الفرج. قال أبو عمر: على هذا مذهب جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق، ولم يختلف عن ابن عباس أن الطلاق بيد السيد، وتابعه على ذلك جابر بن زيد وفرقة. وهو عند العلماء شذوذ لا يعرج عليه، وأظن ابن عباس تأول في ذلك قول الله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ «1»). وأجمع أهل العلم على أن نكاح العبد جائز بإذن مولاه، فإن نكح نكاحا فاسدا فقال الشافعي: إن لم يكن دخل فلا شي لها، أن كان دخل فعليه المهر إذا عتق، هذا هو الصحيح من مذهبه، وهو قول أبي يوسف ومحمد لا مهر عليه حتى يعتق. وقال أبو حنيفة: إن دخل عليها فلها المهر. وقال مالك والشافعي: إذا كان عبد بين رجلين فأذن له أحدهما في النكاح فنكح فالنكاح باطل، فأما الامة إذا آذنت أهلها في النكاح فأذنوا جاز، وإن لم تباشر العقد لكن تولي من يعقده عليها. الثانية عشرة- قوله تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) دليل على وجوب المهر في النكاح، وأنه للامة. (بِالْمَعْرُوفِ) معناه بالشرع والسنة، وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة، وهو مذهب مالك. قال في كتاب الرهون: ليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز. وقال الشافعي: الصداق للسيد، لأنه عوض فلا يكون للامة. أصله إجازة المنفعة في الرقبة، وإنما ذكرت لان المهر وجب بسببها. وذكر القاضي إسماعيل في أحكامه: زعم بعض العراقيين إذا زوج أمته من عبده فلا مهر. وهذا خلاف الكتاب والسنة وأطنب فيه. الثالثة عشرة- قوله تعالى: (الْمُحْصَناتِ) أي عفائف. وقرا الكسائي (محصنات) بكسر الصاد في جميع القرآن، إلا في قوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ). وقرا الباقون بالنصب في جميع القرآن. ثم قال: (غَيْرَ مُسافِحاتٍ) أي غير زوان، أي معلنات بالزنى، لان أهل الجاهلية كان فيهم الزواني في العلانية، ولهن رايات منصوبات كراية البيطار.
__________
(1). راجع ج 10 ص 146

(وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) أصدقاء على الفاحشة، واحدهم خدن وخدين، وهو الذي يخادنك، ورجل خدنة، إذا اتخذ أخذ انا أي أصحابا، عن أبي زيد. وقيل: المسافحة المجاهرة بالزنى، أي التي تكري نفسها لذلك. وذات الخدن هي التي تزني سرا. وقيل: المسافحة المبذولة، وذات الخدن التي تزني بواحد. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنى، ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك، وفي ذلك نزل قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ «1»)، عن ابن عباس وغيره. الرابعة عشرة- قوله تعالى: (فَإِذا أُحْصِنَّ) قراءة عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة. الباقون بضمها. فبالفتح معناه أسلمن، وبالضم زوجن. فإذا زنت الامة المسلمة جلدت نصف جلد الحرة، وإسلامها هو إحصانها في قول الجمهور: ابن مسعود والشعبي والزهري وغيرهم. وعليه فلا تحد كافرة إذا زنت، وهو قول الشافعي فيما ذكر ابن المنذر. وقال آخرون: إحصانها التزوج بحر. فإذا زنت الامة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وروي عن ابن عباس وأبي الدرداء، وبه قال أبو عبيد. قال: وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن حد الامة فقال: إن الامة ألقت فروة رأسها من وراء الدار. قال الأصمعي: الفروة جلدة الرأس. قال أبو عبيد: وهو لم يرد الفروة بعينها، وكيف تلقى جلدة رأسها من وراء الدار، ولكن هذا مثل! إنما أراد بالفروة القناع، يقول ليس عليها قناع ولا حجاب، وأنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه، لا تقدر على الامتناع من ذلك، فتصير حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور، مثل رعاية الغنم وأداء الضريبة ونحو ذلك، فكأنه رأى أن لا حد عليها إذا فجرت، لهذا المعنى. وقالت فرقة: إحصانها التزوج، إلا أن الحد واجب على الامة المسلمة غير المتزوجة بالسنة، كما في صحيح البخاري ومسلم أنه قيل: يا رسول الله، الامة إذا زنت ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحد. قال الزهري: فالمتزوجة محدوده بالقرآن، والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. قال القاضي إسماعيل في قول من قال (فَإِذا أُحْصِنَّ) أسلمن: بعد، لان ذكر
__________
(1). راجع ج 7 ص 133 وص 200

الايمان قد تقدم لهن في قوله تعالى: (مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ). وأما من قال: (فَإِذا أُحْصِنَّ) تزوجن، وأنه لا حد على الامة حتى تتزوج، فإنهم ذهبوا إلى ظاهر القرآن وأحسبهم لم يعلموا هذا الحديث. والامر عندنا أن الامة إذا. زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله، وإذا زنت ولم تحصن مجلودة بحديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا رجم عليها، لان الرجم لا يتنصف. قال أبو عمر: ظاهر قول الله عز وجل يقتضي ألا حد على أمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن، فكان ذلك زيادة بيان. قلت: ظهر المؤمن حمى لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، لولا ما جاء في صحيح السنة من الجلد في ذلك. والله أعلم. وقال أبو ثور فيما ذكر ابن المنذر: وإن كانوا اختلفوا في رجمهما فإنهما يرجمان إذا كانا محصنين، وإن كان إجماع فالإجماع أولى. الخامسة عشرة- واختلف العلماء فيمن يقيم الحد عليهما، فقال ابن شهاب: مضت السنة أن يحد العبد والامة أهلوهم في الزنى، إلا أن يرفع أمرهم إلى السلطان فليس لاحد أن يفتات عليه، وهو مقتضى قوله عليه السلام: (إذا زنت أمة أحدكم فليحدها الحد). وقال علي رضي الله عنه في خطبته: يا أيها الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (أحسنت). أخرجه مسلم موقوفا عن علي. وأسنده النسائي وقال فيه: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ومن لم يحصن) وهذا نص في إقامة السادة الحدود على المماليك من أحصن منهم ومن لم يحصن. قال مالك رضي الله عنه: يحد المولى عبده في الزنى وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود بذلك، ولا يقطعه في السرقة، وإنما يقطعه الامام، وهو قول الليث. وروي عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم، منهم ابن عمر وأنس، ولا مخالف لهم من الصحابة. وروي عن ابن أبي ليلى أنه قال: أدركت بقايا الأنصار يضربون الوليدة من ولائدهم إذا

زنت، في مجالسهم. وقال أبو حنيفة: يقيم الحدود على العبيد والإماء السلطان دون المولى في الزنى وسائر الحدود، وهو قول الحسن بن حي. وقال الشافعي: يحده المولى في كل حد ويقطعه، واحتج بالأحاديث التي ذكرنا. وقال الثوري والأوزاعي: يحده في الزنى، وهو مقتضى الأحاديث، والله أعلم. وقد مضى القول في تغريب العبيد في هذه السورة. السادسة عشرة- فإن زنت الامة ثم عتقت قبل أن يحدها سيدها لم يكن له سبيل إلى حدها، والسلطان يجلدها إذا ثبت ذلك عنده، فإن زنت ثم تزوجت لم يكن لسيدها أن يجلدها أيضا لحق الزوج، إذ قد يضره ذلك. وهذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج ملكا للسيد، فلو كان، جاز للسيد ذلك لان حقهما حقه. السابعة عشرة- فإن أقر العبد بالزنى وأنكره المولى فإن الحد يجب على العبد لإقراره، ولا التفات لما أنكره المولى، وهذا مجمع عليه بين العلماء. وكذلك المدبر «1» وام الولد والمكاتب والمعتق بعضه. وأجمعوا أيضا على أن الامة إذا زنت ثم أعتقت حدت حد الإماء، وإذا زنت وهي لا تعلم بالعتق ثم علمت وقد حدت أقيم عليها تمام حد الحرة، ذكره ابن المنذر. الثامنة عشرة واختلفوا في عفو السيد عن عبده وأمته إذا زنيا، فكان الحسن البصري يقول: له أن يعفو. وقال غير الحسن: لا يسعه إلا إقامة الحد، كما لا يسع السلطان أن يعفو عن حد إذا علمه، لم يسع السيد كذلك أن يعفو عن أمته إذا وجب عليها الحد، وهذا [على «2»] مذهب أبي ثور. قال ابن المنذر: وبه نقول. التاسعة عشرة- قوله تعالى: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) أي الجلد ويعني بالمحصنات ها هنا الأبكار الحرائر، لان الثيب عليها الرجم والرجم لا يتبعض، وإنما قيل للبكر محصنة وإن لم تكن متزوجة، لان الإحصان يكون بها، كما يقال: أضحية قبل أن يضحي بها، وكما يقال للبقرة: مثيرة قبل أن تثير. وقيل: (المحصنات) المتزوجات، لان عليها الضرب والرجم في الحديث، والرجم لا يتبعض
فصار عليهن نصف الضرب. والفائدة في نقصان حدهن أنهن أضعف من الحرائر. ويقال: إنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر. وقيل «3»:
__________
(1). في ج وط وز: المدبرة.
(2). من ب وط.
(3). في ب وج وط: ويقال.

لان العقوبة تجب على قدر النعمة، ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ «1») فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد، وكذلك الإماء «2» لما كانت نعمتهن أقل فعقوبتهن أقل. وذكر «3» في الآية حد الإماء خاصة، ولم يذكر حد العبيد، ولكن حد العبيد والإماء سواء: خمسون جلدة في الزنى، وفي القذف وشرب الخمر أربعون، لان حد الامة إنما نقص «4» لنقصان الرق فدخل الذكور من العبيد في ذلك بعلة المملوكية، كما دخل الإماء تحت قوله عليه السلام: (من أعتق شركا «5» له في عبد). وهذا الذي يسميه العلماء القياس في معنى الأصل، ومنه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
«6») الآية. فدخل في ذلك المحصنين قطعا، على ما يأتي بيانه في سورة (النور «7») إن شاء الله تعالى. الموفية عشرين- وأجمع العلماء على أن بيع الامة الزانية ليس [بيعها «8»] بواجب لازم على ربها، وإن اختاروا له ذلك، لقوله عليه السلام: (إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب «9» عليها ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر). أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها في الرابعة. منهم داود وغيره، لقوله: (فليبعها) وقوله: (ثم بيعوها ولو بضفير). قال ابن شهاب: فلا أدري بعد الثالثة أو الرابعة، والضفير الحبل. فإذا باعها عرف بزناها، لأنه عيب فلا يحل أن يكتم. فإن يكتم. فإن قيل: إذا كان مقصود الحديث أبعاد الزانية ووجب على بائعها التعريف بزناها فلا ينبغي لاحد أن يشتريها، لأنها مما قد أمرنا بإبعادها. فالجواب أنها مال ولا تضاع، للنهي عن إضاعة المال، ولا تسيب، لان ذلك إغراء لها بالزنى وتمكين منه، ولا تحبس دائما، فإن فيه تعطيل منفعتها على سيدها فلم يبق إلا بيعها. ولعل السيد الثاني يعفها بالوطي أو يبالغ في التحرز فيمنعها من ذلك. وعلى الجملة فعند تبدل الملاك تختلف عليها الأحوال. والله أعلم.
__________
(1). راجع ج 14 ص 173. [.....]
(2). في ب وط: الامة، نعمتها: فعقوبتها.
(3). في ج: ولذلك ذكر.
(4). في ب: تعين.
(5). أي حصة ونصيبا.
(6). راجع ج 12 ص 171.
(7). راجع ج 12 ص 171.
(8). من ب وج وط.
(9). لا يثرب: لا يوبخها ولا يقرعها بالزنى بعد الضرب.

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)

الحادية والعشرون- قوله تعالى: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي الصبر على العزبة خير من نكاح الامة، لأنه يفضي إلى إرقاق الولد، والغض من النفس والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة «1». وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه. يعني يصير ولده رقيقا، فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق الولد. وقال سعيد بن جبير: ما نكاح الامة من الزنى إلا قريب «2»، قال الله تعالى: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ)، أي عن نكاح الإماء. وفي سنن ابن ماجة عن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر). ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مرداس، وكان خادما لأنس، وزاد: فقال أبو هريرة سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت- أو قال- فساد البيت).

[سورة النساء (4): آية 26]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26)
أي ليبين لكم أمر دينكم ومصالح أمركم، وما يحل لكم وما يحرم عليكم. وذلك يدل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى، ومنه قوله تعالى: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «3») على ما يأتي. وقال بعد هذا: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) فجاء هذا (بأن) والأول باللام. فقال الفراء: العرب تعاقب بين لام كي وأن، فتأتي باللام التي على معنى (كي) في موضع (أن) في أردت وأمرت، فيقولون: أردت أن تفعل، وأردت لتفعل، لأنهما يطلبان المستقبل. ولا يجوز ظننت لتفعل، لأنك تقول ظننت أن قد قمت. وفي التنزيل (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ «4»). (وأمرنا لنسلم لرب العالمين «5»). (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ «6»). (يريدون أن يطفئوا نور الله «7»). قال الشاعر «8»:
__________
(1). في ب ود: النذالة.
(2). عبارة سعيد بن جبير كما في تفسير الطبري: (ما ازلحف نا كح الامة عن الزنى الا قليلا). أي ما تنحى وما تباعد.
(3). راجع ج 6 ص 420 وج 7 ص 19.
(4). راجع ج 16 ص 13.
(5). راجع ج 6 ص 420 وج 7 ص 19.
(6). راجع ج 18 ص 85. [.....]
(7). راجع ج 8 ص 121.
(8). هو كثير عزة.

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)

أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل
يريد أن أنسى. قال النحاس: وخطأ الزجاج هذا القول وقال: لو كانت اللام بمعنى (أن) لدخلت عليها لام أخرى، كما تقول: جئت كي تكرمني، ثم تقول جئت لكي تكرمني. وأنشدنا:
أردت لكيما يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود «1»
قال: والتقدير إرادته ليبين لكم. قال النحاس: وزاد الامر على هذا حتى سماها بعض القراء لام أن، وقيل: المعنى يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم. (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من أهل الحق. وقيل: معنى (يَهْدِيَكُمْ) يبين لكم طرق الذين من قبلكم من أهل الحق وأهل الباطل. وقال بعض أهل النظر: في هذا دليل على أن كل ما حرم الله قبل هذه الآية علينا فقد حرم على من كان قبلنا. قال النحاس: وهذا غلط، لأنه يكون المعنى ويبين لكم أمر من كان قبلكم ممن كان يجتنب ما نهي عنه، وقد يكون ويبين لكم كما بين لمن كان قبلكم من الأنبياء فلا يومى به إلى هذا بعينه. ويقال: إن قوله (يُرِيدُ اللَّهُ) ابتداء القصة، أي يريد الله أن يبين لكم كيفية طاعته. (وَيَهْدِيَكُمْ) يعرفكم (سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أنهم لما تركوا أمري كيف عاقبتهم، وأنتم إذا فعلتم ذلك لا «2» أعاقبكم ولكني أتوب عليكم. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بمن تاب (حَكِيمٌ) بقبول التوبة.

[سورة النساء (4): الآيات 27 الى 28]
وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28)
قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) ابتداء وخبر. و(أَنْ) في موضع نصب ب (يُرِيدُ) وكذلك (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)، ف (أَنْ يُخَفِّفَ) في موضع نصب ب (يُرِيدُ)
__________
(1). البيت لقيس بن عبادة، وبعده:
وألا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل عادى نمته ثمود
قال ابن سيده: بلغنا أن قيسا طاول روميا بين يدي معاوية أو غيره من الأمراء فتجرد قيس من سراويله وألقاها إلى الرومي ففضلت عنه، فقال هذين البيتين يعتذر من إلقاء سراويله في المشهد المجموع. (عن اللسان مادة سرل).
(2). في ج: إذ فعلتم ذلك أعاقبكم. وفى ى: لا أكافيكم.) (

والمعنى: يريد توبتكم، أي يقبلها فيتجاوز عن ذنوبكم ويريد التخفيف عنكم. قيل: هذا في جميع أحكام الشرع، وهو الصحيح. وقيل: المراد بالتخفيف نكاح الامة، أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء، قاله مجاهد وابن زيد وطاوس. قال طاوس: ليس يكون الإنسان في شي أضعف منه في أمر النساء. واختلف في تعيين المتبعين للشهوات، فقال مجاهد: هم الزناة. السدي: هم اليهود والنصارى. وقالت فرقة: هم اليهود خاصة، لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب. وقال ابن زيد: ذلك على العموم، وهو الأصح. والميل: العدول عن طريق الاستواء، فمن كان عليها أحب أن يكون أمثاله عليها حتى لا تلحقه معرة «1». قوله تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) نصب على الحال، والمعنى أن هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشد الضعف فأحتاج إلى التخفيف. وقال طاوس: ذلك في أمر النساء خاصة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ (وخلق الإنسان ضعيفا) أي وخلق الله الإنسان ضعيفا، أي لا يصبر عن النساء. قال ابن المسيب: لقد أتى علي ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو «2» بالأخرى وصاحبي أعمى أصم- يعني ذكره- وإني أخاف من فتنة النساء. ونحوه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال عبادة: ألا تروني لا أقوم إلا رفدا «3» ولا آكل إلا ما لوق لي- قال يحيى: يعني لين وسخن- وقد مات صاحبي منذ زمان- قال يحيى: يعني ذكره- وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي، وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه علي، إنه لا سمع له ولا بصر!. قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)
__________
(1). في ط وى: وفى معناه قيل: ثم بياض في ى. ولم يأت بمقول القول، ولعله أراد أن يقول: (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ) الآية جملة حالية.
(2). في البحر: وأنا أعشق.
(3). أي الا أن أعان على القيام.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)

[سورة النساء (4): آية 29]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)
فيه تسع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (بِالْباطِلِ) أي بغير حق. ووجوه ذلك تكثر على ما بيناه، وقد قدمنا في البقرة «1». ومن أكل المال [بالباطل «2»] بيع العربان، وهو أن يأخذ منك السلعة أو يكتري منك الدابة ويعطيك درهما فما فوقه، على أنه إن اشتراها أو ركب الدابة فهو من ثمن السلعة أو كراء الدابة، وإن ترك ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطاك فهو لك. فهذا لا يصلح ولا يجوز عند جماعة فقهاء الأمصار من الحجازيين والعراقيين، لأنه من باب بيع القمار والغرر والمخاطرة، واكل المال بالباطل بغير عوض ولا هبة، وذلك باطل بإجماع. وبيع العربان مفسوخ «3» إذا وقع على هذا الوجه قبل القبض وبعده، وترد السلعة إن كانت قائمة، فإن فاتت رد قيمتها يوم قبضها. وقد روي عن قوم منهم ابن سيرين ومجاهد ونافع ابن عبد الحارث وزيد بن أسلم أنهم أجازوا بيع العربان على ما وصفنا. وكان زيد بن أسلم يقول: أجازه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال أبو عمر: هذا لا يعرف عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وجه يصح، وإنما ذكره عبد الرزاق عن الأسلمي عن زيد بن أسلم مرسلا، وهذا ومثله ليس حجة. ويحتمل أن يكون بيع العربان الجائز على ما تأوله مالك والفقهاء معه، وذلك أن يعربنه ثم يحسب عربانه من الثمن إذا أختار تمام البيع. وهذا لا خلاف في جوازه عن مالك وغيره، وفي موطأ مالك عن الثقة عنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نهى عن بيع العربان). قال أبو عمر: قد تكلم الناس في الثقة عنده في هذا الموضع، وأشبه ما قيل فيه: أنه أخذه عن ابن لهيعة أو عن ابن وهب عن ابن لهيعة، لان ابن لهيعة سمعه من عمرو بن شعيب ورواه عنه. حدث به عن ابن لهيعة ابن وهب وغيره، وابن لهيعة أحد العلماء إلا أنه يقال: إنه احترقت كتبه فكان إذا حدث بعد ذلك من حفظه غلط. وما رواه عنه ابن المبارك وابن وهب فهو عند بعضهم صحيح. ومنهم من يضعف حديثه كله.، وكان عنده علم واسع وكان كثير الحديث، إلا أن حال عندهم كما وصفنا.
__________
(1). راجع ج 2 ص 338.
(2). من ب وط وج ود.
(3). كذا في ى وفي غيرها: منسوخ.

الثانية- قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) هذا استثناء منقطع، أي ولكن تجارة عن تراض. والتجارة هي البيع والشراء، وهذا مثل قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) على ما تقدم «1». وقرئ (تجارة)، بالرفع أي إلا أن تقع تجارة، وعليه أنشد سيبويه:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب
وتسمى هذه كان التامة، لأنها تمت بفاعلها ولم تحتج إلى مفعول. وقرى (تِجارَةً) بالنصب، فتكون كان ناقصة، لأنها لا تتم بالاسم دون الخبر، فاسمها مضمر فيها، وإن شدت قدرته، أي إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد تقدم هذا، ومنه قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ «2»). الثالثة- قوله تعالى: (تِجارَةً) التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه الأجر الذي يعطيه البارئ سبحانه العبد عوضا عن الأعمال الصالحة التي هي بعض من فعله، قال الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ «3») وقال تعالى: (يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ «4»). وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ «5») الآية. فسمى ذلك كله بيعا وشراء على وجه المجاز، تشبيها بعقود الأشرية والبياعات التي تحصل بها الأغراض، وهي نوعان: تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر، وهذا تربص واحتكار قد رغب عنه أولو الاقدار، وزهد فيه ذوو الاخطار. والثاني تقلب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة، وأعم جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطرا وأعظم غررا. وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (إن المسافر وماله لعلى قلت «6» إلا ما وقى الله). يعني على خطر. وقيل: في التوراة يا ابن آدم، أحدث سفرا أحدث لك رزقا. الطبري: وهذه الآية أدل دليل على فساد قول «7» ......
__________
(1). راجع ج 3 ص 356 وص 371.
(2). راجع ج 3 ص 356 وص 371.
(3). راجع ج 18 ص 86.
(4). راجع ج 14 ص 345. [.....]
(5). راجع ج 8 ص 266.
(6). نسب صاحب اللسان هذه العبارة إلى أعرابي. راجع مادة (قلت). والقلت بالتحريك الهلاك.
(7). بياض بالأصول. وفى الطبري: (ففي هذه الآية ابانة من الله تعالى ذكره عن تكذيب قول المتصوفة المنكرين طلب الأقوات بالتجارات والصناعات والله تعالى يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) اكتسابا أحل ذلك لها. راجع الطبري في تفسير الآية وسيأتي في ص 156

الرابعة- اعلم أن كل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا أن قوله (بِالْباطِلِ) أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير وغير ذلك. وخرج منها أيضا كل عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض والصدقة والهبة لا للثواب. وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى مذكورة في مواضعها. فهذان طرفان متفق عليهما. وخرج منها أيضا دعاء أخيك إياك إلى طعامه. روى أبو داود عن ابن عباس في قوله تعالى: (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) فكان الرجل يحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية الأخرى التي في (النور)، فقال: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) إلى قوله (أَشْتاتاً «1»)، فكان الرجل الغني يدعو الرجل من أهله إلى طعامه فيقول: إني لا جنح أن آكل منه- والتجنح الحرج- ويقول: المسكين أحق به مني. فأحل في ذلك أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وأحل طعام أهل الكتاب. الخامسة- لو اشتريت من السوق شيئا، فقال لك صاحبه قبل الشراء: ذقه وأنت في حل، فلا تأكل منه، لان إذنه بالأكل لأجل الشراء، فربما لا يقع بينكما شراء «2» فيكون ذلك الا كل شبهو، ولكن لو وصف لك صفة فاشتريته فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيار. السادسة- والجمهور على جواز الغبن في التجارة، مثل أن يبيع رجل ياقوتة بدرهم وهي تساوى مائة فذلك جائز، وأن المالك الصحيح الملك جائز له أن يبيع ماله الكثير بالتافه اليسير، وهذا ما لا اختلاف فيه بين العلماء إذا عرف قدر ذلك، كما تجوز الهبة لو وهب. واختلفوا فيه إذا لم يعرف قدر ذلك، فقال قوم: عرف قدر ذلك أو لم يعرف فهو جائز إذا كان رشيدا حرا بالغا. وقالت فرقة: الغبن إذا تجاوز الثلث مردود، وإنما أبيح منه المتقارب المتعارف في التجارات، وأما المتفاحش الفادح فلا، وقال ابن وهب من أصحاب
__________
(1). راجع ج 12 ص 311.
(2). في ط وج: بيع.

مالك رحمه الله. والأول أصح، لقوله عليه السلام في حديث الامة الزانية. (فليبعها ولو بضفير) وقوله عليه السلام لعمر: (لا تبتعه- يعني الفرس- ولو أعطاكه بدرهم واحد) وقوله عليه السلام: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) وقوله عليه السلام: (لا يبغ حاضر لباد «1») وليس فيها تفصيل «2» بين القليل والكثير من ثلث ولا غيره. السابعة- قوله تعالى: (عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) أي عن رضى، إلا أنها جاءت من المفاعلة إذ التجارة من اثنين. واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة: تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضا فينجزم أيضا وإن لم يتفرقا، قاله جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم. قال الأوزاعي: هما بالخيار ما لم يتفرقا، إلا بيوعا ثلاثة: بيع السلطان المغانم، والشركة في الميراث، والشركة في التجارة، فإذا صافقه في هذه الثلاثة فقد وجب البيع وليسا فيه بالخيار. وقال: وحد التفرقة أن يتوارى كل واحد منهما عن صاحبه، وهو قول أهل الشام. وقال الليث: التفرق أن يقوم أحدهما. وكان أحمد بن حنبل يقول: هما بالخيار أبدا ما لم يتفرقا بأبدانهما، وسواء قالا: اخترنا أو لم يقولاه حتى يفترقا بأبدانهما من مكانهما، وقال الشافعي أيضا. وهو الصحيح في هذا الباب للأحاديث الواردة في ذلك. وهو مروي عن ابن عمر وأبي برزة وجماعة من العلماء. وقال مالك وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن يعقد البيع بالالسنة فينجزم العقد بذلك ويرتفع الخيار. قال محمد بن الحسن: معنى قوله في الحديث (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) أن البائع إذا قال: قد بعتك، فله أن يرجع ما لم يقل المشتري قد قبلت. وهو قول أبي حنيفة، ونص مذهب مالك أيضا، حكاه ابن خويز منداد. وقيل: ليس له أن يرجع. وقد مضى في (البقرة «3»). واحتج
__________
(1). الحاضر: المقيم في المدن والقرى. والبادي: القيم بالبادية. والمنهي عنه أن يأتي البدوي البلدة ومعه قوت يبغى التسارع إلى بيعة رخيصا، فيقول له الحضري: اتركه عندي لاغالى في بيعه. فهذا الصنيع محرم لما فيه من الإضرار بالغير. والبيع إذا جرى مع المغالاة منعقد. وسل ابن عباس عن معنى الحديث فقال: لا يكون له سمسارا. (عن ابن الأثير).
(2). في ط وى وب: تفضيل.
(3). راجع ج 3 ص 357

الأولون بما ثبت من حديث سمرة بن جندب وأبي برزة وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وحكيم بن حزام وغيرهم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه أختر). رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر، فقوله عليه السلام في هذه الرواية: (أو يقول أحدهما لصاحبه اختر) هو معنى الرواية الأخرى (إلا بيع الخيار) وقوله: (إلا أن يكون بيعهما عن خيار) ونحوه. أي يقول أحدهما بعد تمام البيع لصاحبه: اختر إنفاذ البيع أو فسخه، فإن اختار إمضاء البيع تم البيع بينها وإن لم يتفرقا. وكان ابن عمر وهو راوي الحديث إذا بايع أحدا وأحب أن ينفذ البيع مشى قليلا ثم رجع. وفي الأصول: إن من روى حديثا فهو أعلم بتأويله، لا سيما الصحابة إذ هم أعلم بالمقال وأقعد بالحال. وروى أبو داود والدارقطني عن أبي الوضي «1» قال: كنا في سفر في عسكر فأتى رجل معه فرس فقال له رجل منا: أتبيع هذا الفرس بهذا الغلام؟ قال: نعم، فباعه ثم بات معنا، فلما أصبح قام إلى فرسه، فقال له صاحبنا: مالك والفرس! أليس قد بعتنيها؟ فقال: ما لي في هذا البيع من حاجة. فقال: مالك ذلك، لقد بعتني. فقال لهما القوم: هذا أبو برزة صاحب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتياه، فقال لهما: أترضيان بقضاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقالا: نعم. فقال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) وإني لا أراكما افترقتما. فهذان صحابيان قد علما مخرج الحديث وعملا بمقتضاه، بل هذا كان عمل الصحابة. قال سالم قال ابن عمر: كنا إذا تبايعنا كان كل واحد منا بالخيار ما لم يفرق المتبايعان. قال: فتبايعت أنا وعثمان فبعته مالي بالوادي بمال له بخيبر، قال: فلما بعته طفقت أنكص القهقرى، خشية أن يرادني عثمان البيع قبل أن أفارقه. أخرجه الدارقطني ثم قال: إن أهل اللغة فرقوا بين فرقت مخففا وفرقت مثقلا، فجعلوه بالتخفيف في الكلام وبالتثقيل في الأبدان. قال أحمد ابن يحيى ثعلب: أخبرني ابن الاعرابي عن المفضل قال: يقال فرقت بين الكلامين مخففا فافترقا وفرقت بين اثنين مشدد افترقا، فجعل الافتراق في القول، والتفرق في الأبدان.
__________
(1). أبو الوضي. (بفتح الواو وكسر المعجمة المخففة مهموز): عباد بن نسيب. (عن التهذيب).

احتجت المالكية بما تقدم بيانه في آية الدين، وبقوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «1») وهذان قد تعاقدا. وفي هذا الحديث إبطال الوفاء بالعقود. قالوا: وقد يكون التفرق بالقول كعقد النكاح ووقوع الطلاق الذي قد سماه الله فراقا، قال الله تعالى: (وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ «2») وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا «3») وقال عليه السلام: (تفترق أمتي) ولم يقل بأبدانها. وقد روى الدارقطني وغيره عن عمرو بن شعيب قال: سمعت شعيبا يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله (. قالوا: فهذا يدل على أنه قد تم البيع بينهما قبل الافتراق، لان الإقالة لا تصح إلا فيما قد تم من البيوع. قالوا: ومعنى قوله (المتبايعان بالخيار) أي المتساومان بالخيار ما لم يعقدا فإذا عقدا بطل الخيار فيه. والجواب- أماما اعتلوا به من الافتراق بالكلام فإنما المراد بذلك الأديان كما بيناه في (آل عمران)، وإن كان صحيحا في بعض المواضع فهو في هذا الموضع غير صحيح. وبيانه أن يقال: خبرونا عن الكلام الذي وقع به الاجتماع وتم به البيع، أهو الكلام الذي أريد به الافتراق أم غيره؟ فإن قالوا: هو غيره فقد أحالوا وجاءوا بما لا يعقل، لأنه ليس ثم كلام غير ذلك. وإن قالوا: هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم: كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا وتم به بيعهما، به افترقا، هذا عين المحال والفاسد من القول. وأما قوله: (ولا يحل «4» له أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله) فمعناه- إن صح- على الندب، بدليل قوله عليه السلام. (من أقال مسلما أقاله الله عثرته) وبإجماع المسلمين على أن ذلك يحل لفاعله على خلاف ظاهر الحديث، ولإجماعهم أنه جائز له أن يفارقه لينفذ بيعه ولا يقيله إلا أن يشاء. وفيما أجمعوا عليه من ذلك رد لرواية من روى (لا يحل) فإن لم يكن وجه هذا الخبر الندب، وإلا فهو باطل بالإجماع. وأما تأويل (المتبايعان) بالمتساومين فعدول عن ظاهر اللفظ، وإنما
__________
(1). راجع ج 6 ص 31.
(2). راجع ص 408 من هذا الجزء.
(3). راجع ج 4 ص 166.
(4). كذا في كل الأصول.

معناه المتبايعان بعد عقدهما مخيران ما داما في مجلسهما، إلا بيعا يقول أحدهما لصاحبه فيه: اختر فيختار، فإن الخيار ينقطع بينهما وإن لم يتفرقا، فإن فرض خيار فالمعنى: إلا بيع الخيار فإنه يبقى الخيار بعد التفرق بالأبدان. وتتميم هذا الباب في كتب الخلاف. وفي قول عمرو ابن شعيب (سمعت أبي يقول) دليل على صحة حديثه، فسن الدارقطني قال حدثنا أبو بكر النيسابوري حدثنا محمد بن علي الوراق قال: قلت لأحمد بن حنبل: شعيب سمع من أبيه شيئا؟ قال: يقول حدثني أبي. قال: فقلت: فأبوه سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم، أراه قد سمع منه. قال الدارقطني سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: هو عمرو بن شعيب بن محمد ابن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب وسماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو. الثامنة- روى الدارقطني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (التاجر الصدوق الأمين المسلم مع النبي والصديقين والشهداء يوم القيامة). ويكره للتاجر أن يحلف لأجل ترويج السلعة وتزيينها، أو يصلي على الني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عرض سلعته، وهو أن يقول: صلى الله على محمد! ما أجود هذا. ويستحب للتاجر ألا تشغله تجارته عن أداء الفرائض، فإذا جاء وقت الصلاة ينبغي أن يترك تجارته حتى يكون من أهل هذه الآية: (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) وسيأتي «1». التاسعة- وفي هذه الآية مع الأحاديث التي ذكرناها ما يرد قول من ينكر طلب الأقوات بالتجارات والصناعات من المتصوفة الجهلة، لان الله تعالى حرم أكلها بالباطل وأحلها بالتجارة، وهذا بين. قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) فيه مسألة واحدة- قرأ الحسن (تقتلوا) على التكثير. وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهى أن يقتل بعض الناس بعضا. ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا وطلب المال
__________
(1). راجع ج 12 ص 264 [.....]

وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)

بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناول النهي. وقد أحتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين أمتنع من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل خوفا على نفسه منه، فقرر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتجاجه وضحك عنده ولم يقل شيئا. خرجه أبو داود وغيره، وسيأتي.

[سورة النساء (4): آية 30]
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)
(ذلِكَ) إشارة إلى القتل، لأنه أقرب مذكور، قاله عطاء. وقيل: هو عائد إلى أكل المال بالباطل وقتل النفس، لان النهي عنهما جاء متسقا مسرودا، ثم ورد الوعيد حسب النهي. وقيل: هو عام على كل ما نهى عنه من القضايا، من أول السورة إلى قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ). وقال الطبري: (ذلِكَ) عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) لان كل ما نهى عنه من أول السورة قرن به وعيد، إلا من قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ) فإنه لا وعيد بعده إلا قوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً). والعدوان تجاوز الحد. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدم «1». وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط، وذكر العدوان والظلم مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، وحسن ذلك في الكلام كما قال:
وألفى قولها كذبا ومينا «2»

وحسن العطف لاختلاف اللفظين، يقال: بعدا وسحقا، ومنه قول يعقوب:ِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
«3» فحسن ذلك لاختلاف اللفظ. و(نُصْلِيهِ) معناه نمسه حرها. وقد بينا
__________
(1). راجع المسألة الثالثة عشرة ج 1 ص 309.
(2). هذا عجز بيت لعدي بن زيد، وصدره:
فقددت الأديم لراهشيه

(3). راجع ج 9 ص 249

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)

معنى الجمع بين هذه الآي وحديث أبى سعيد الخدري في العصاة وأهل الكبائر لمن أنفذ عليه الوعيد، فلا معنى لاعادة ذلك وقرا الأعمش والنخعي (نصليه) بفتح النون، على أنه منقول من صلي نارا، أي أصليته، وفي الخبر (شاة مصلية). ومن ضم النون منقول بالهمزة، مثل طعمت وأطعمت.

[سورة النساء (4): آية 31]
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31)
فيه مسألتان: الاولى- لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر، وعد على اجتنابها التخفيف من الصغائر، ودل هذا على أن في الذنوب كبائر وصغائر. وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللمسة والنظرة تكفر باجتناب الكبائر قطعا بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه يجب عليه ذلك. ونظير الكلام في هذا ما تقدم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ)، فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض. روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر. وروى أبو حاتم البستي إلى صحيح مسنده عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جلس على المنبر ثم قال: (والذي نفسي بيده) ثلاث مرات، ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزينا ليمين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم قال: (ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفق) ثم تلا (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ). فقد تعاضد الكتاب وصحيح السنة بتكفير الصغائر قطعا كالنظر وشبهه. وبينت السنة أن المراد ب (تَجْتَنِبُوا) ليس كل الاجتناب لجميع الكبائر. والله أعلم. وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن وقوه الرجاء والمشيئة ثابتة. ودل على ذلك أنه لو قطعنا

لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفير صغائره قطعا لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بألا تباعة فيه، وذلك نقض لعرى الشريعة. ولا صغيرة عندنا. قال القشيري عبد الرحيم: والصحيح أنها كبائر ولكن بعضهما أعظم وقعا من بعض، والحكمة في عدم التمييز أن يجتنب العبد جميع المعاصي. قلت: وأيضا فإن من نظر إلى نفس المخالفة كما قال بعضهم:- لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر من عصيت- كانت الذنوب بهذه النسبة كلها كبائر، وعلى هذا النحو يخرج كلام القاضي أبي بكر بن الطيب والأستاذ أبى إسحاق الاسفراييني وأبي المعالي وأبي نصر عبد الرحيم القشيري وغيرهم، قالوا: وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال الزنى صغيرة بإضافته إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنى، ولا ذنب عندنا يغفر باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة ومرتكبه في المشيئة غير الكفر، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) واحتجوا بقراءة من قرأ (إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه) على التوحيد، وكبير الإثم الشرك. قالوا: وعلى الجمع فالمراد أجناس الكفر. والآية التي قيدت الحكم فترد إليها هذه المطلقات كلها قوله تعالى: (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ). واحتجوا بما رواه مسلم وغيره عن أبي أمامة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة) فقال له رجل: يا رسول الله، وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: (وإن كان قضيبا من أراك). فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير كما جاء على الكثير. وقال ابن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب «1» أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية، وتصديقه قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ). وقال طاوس: قيل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار وروي عن ابن مسعود أنه قال:
__________
(1). في ط: أو غضبه أو لعنته.

الكبائر أربعة: اليأس من روج الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والشرك بالله، دل عليها القرآن. وروي عن ابن عمر: هي تسع: قتل النفس، واكل الربا، واكل مال اليتيم، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، والسحر، والإلحاد في البيت الحرام. ومن الكبائر عند العلماء: القمار والسرقة وشرب الخمر وسب السلف الصالح وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى واليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله وسب الإنسان أبويه- بأن يسب رجلا «1» فيسب ذلك الرجل أبويه- والسعي في الأرض فسادا-، إلى غير ذلك مما يكثر تعداده حسب ما جاء بيانها في القرآن، وفي أحاديث خرجها الأئمة، وقد ذكر مسلم في كتاب الايمان منها جملة وافرة. وقد أختلف الناس في تعدادها وحصرها لاختلاف الآثار فيها، والذي أقول: إنه قد جاءت فيها أحاديث كثيرة صحاح وحسان لم يقصد بها الحصر، ولكن بعضها أكبر من بعض بالنسبة إلى ما يكثر ضرره، فالشرك أكبر ذلك كله، وهو الذي لا يغفر لنص الله تعالى على ذلك، وبعده اليأس من رحمة الله، لان فيه تكذيب القرآن، إذ يقول وقوله الحق: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ «2») وهو يقول: لا يغفر له، فقد حجر واسعا. هذا إذا كان معتقدا لذلك، ولذلك قال الله تعالى: (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ «3»). وبعده القنوط، قال الله تعالى: [ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون «4» [. وبعده الأمن من مكر الله فيسترسل في المعاصي ويتكل على رحمة الله من غير عمل، قال الله تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ «5»). وقال تعالى: (وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ «6»). وبعده القتل، لان فيه إذهاب النفوس وإعدام الوجود، واللواط فيه قطع النسل، والزنى فيه اختلاط الأنساب بالمياه والخمر فيه ذهاب العقل الذي هو مناط التكليف، وترك الصلاة والأذان فيه ترك إظهار شعائر الإسلام، وشهادة الزور فيها استباحة الدماء والفروج والأموال، إلى غير ذلك مما هو بين الضرر، فكل ذنب عظم الشرع التوعد عليه
__________
(1). كذا في الأصول. وتحقيقه: أن يسب أبوي رجل. كما في الحديث والبحر.
(2). راجع ج 7 ص 296 وص 254.
(3). راجع ج 9 ص 251.
(4). راجع ج 10 ص 36.
(5). راجع ج 7 ص 296 وص 254.
(6). راجع ج 15 ص 353

بالعقاب وشدده، أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة. فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه، والله أعلم. الثانية- قوله تعالى: (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً) قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين (مُدْخَلًا) بضم الميم، فيحتمل أن يكون مصدرا، أي إدخالا، والمفعول محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا. ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون مفعولا. وقرا أهل المدينة بفتح الميم، فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب بإضمار فعل، التقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا، ودل الكلام عليه. ويجوز أن يكون اسم مكان فينتصب على أنه مفعول [به «1»]، أي وندخلكم مكانا كريما وهو الجنة. وقال أبو سعيد بن الاعرابي: سمعت أبا داود السجستاني يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: المسلمون كلهم في الجنة، فقلت له: وكيف؟ قال: يقول الله عز وجل: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ، عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً) يعني الجنة. وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي). فإذا كان الله عز وجل يغفر ما دون الكبائر والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين. وقال علماؤنا: الكبائر عند أهل السنة تغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب ما تقدم. وقد يغفر لمن مات عليها من المسلمين كما قال تعالى: (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) والمراد بذلك من مات على الذنوب، فلو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الاشراك وغيره معنى، إذ التائب من الشرك أيضا مغفور له. وروي عن ابن مسعود أنه قال: خمس آيات من سورة النساء هي أحب الي من الدنيا جميعا، قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) وقوله (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ «2») الآية، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ)
الآية، وقوله تعالى: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها)، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ «3») وقال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء، هن خير لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس وغربت: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)، (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)، (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
__________
(1). من ب وج وط ود.
(2). راجع ص 245 من هذا الجزء وص 379 و195.
(3). راجع ج 6 ص 6

وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)

(، الآية،) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ (،) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ (،) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ (،)
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ «1» (الآية.

[سورة النساء (4): آية 32]
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32)
فيه أربع مسائل: الاولى- روى الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله تعالى (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ). قال مجاهد: وأنزل فيها (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ «2») وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة. قال أبو عيسى: هذا حديث مرسل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، مرسل «3» أن أم سلمة قالت كذا «4». وقال قتادة: كان الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان، فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال. وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فنزلت، (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ). الثانية- قوله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا) التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي، فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني، لان فيه تعلق البال ونسيان الأجل. وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغبطة، وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمن زوال حاله. والجمهور على إجازة ذلك: مالك وغيره، وهي المراد عند بعضهم في قوله عليه السلام (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء
__________
(1). راجع ص 426 من هذا الجزء. [.....]
(2). راجع ج 14 ص 185.
(3). كذا ورد بالرفع في جميع نسخ الأصل وصحيح الترمذي.
(4). في الترمذي: قالت كذا وكذا.

النهار (. فمعنى قوله:) لا حسد) أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين. وقد نبه البخاري على هذا المعنى حيث بوب على هذا الحديث (باب الاغتباط في العلم والحكمة) قال المهلب: بين الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيه، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها. قال ابن عطية: وأما التمني في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشيء مما قدمنا ذكره فذلك جائز، وذلك موجود في حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: (وددت أن أحيا ثم أقتل). قلت: هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه، وهو يدل على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها، وفية فضل الشهادة على سائر أعمال البر، لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها، وذلك لرفيع منزلتها وكرامة أهلها، فرزقه الله إياها، لقوله: (ما زالت أكلة خيبر تعادني الآن أو ان قطعت أبهري «1»). وفي الصحيح: (إن الشهيد يقال له تمن فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك مرة أخرى). وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتمنى إيمان أبي طالب و[إيمان «2»] أبي لهب وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون، وكان يقول: (وا شوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني). وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية إلى الحسد والتباغض، والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل، فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وسواء تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أولا. وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمه الله تعالى بقوله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ «3») ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه، لأنه داعية الحسد والمقت. وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي، والصحيح جوازها على ما بينا، وبالله توفيقنا. وقال الضحاك: لا يحل لاحد أن يتمنى مال أحد، ألم تسمع الذين قالوا: (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون «4») إلى أن
__________
(1). الأكلة (بالضم): اللقمة. وتعادني: تراجعني ويعاودني ألم سمها في أوقات معلومة. والأبهر: عرق مستبطن في الصلب والقلب متصل به، فإذا نقطع لم تكن معه حياة. وحديث الشاة المسمومة وأكله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها مذكور في غزوة خيبر، فليراجع.
(2). من ج.
(3). راجع ص 250 من هذا الجزء.
(4). راجع ج 13 ص 316

قال: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس) حين خسف به وبداره وبأمواله (لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا) وقال الكلبي: لا يتمن الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله. وهو كذلك في التوراة، وكذلك قوله في القرآن (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ). وقال ابن عباس: نهى الله سبحانه أن يتمنى الرجل مال فلان وأهله، وأمر عباده المؤمنين أن يسألوه من فضله. ومن الحجة للجمهور قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء) الحديث ... وقد تقدم. خرجه الترمذي وصححه. وقال الحسن: لا يتمن أحدكم المال وما يدريه لعل هلاكه فيه، وهذا إنما يصح إذا تمناه للدنيا، وأما إذا تمناه للخير فقد جوزه الشرع، فيتمناه العبد ليصل به إلى الرب، ويفعل الله ما يشاء. الثالثة- قوله تعالى: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) يريد من الثواب والعقاب (وَلِلنِّساءِ) كذلك، قاله قتادة. فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال. وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث. والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة، للذكر مثل حظ الأنثيين، فنهى الله عز وجل عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد، ولان الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم، فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم. الرابعة- قوله تعالى: (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) روى الترمذي عن عبد الله قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج) وخرج أيضا ابن ماجة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من لم يسأل الله يغضب عليه). وهذا يدل على أن الامر بالسؤال لله تعالى واجب، وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال:
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)

وقال أحمد بن المعذل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن:
التمس الأرزاق عند الذي ... ما دونه إن سيل من حاجب
من يبغض التارك تسأله ... جودا ومن يرضى عن الطالب
ومن إذا قال جرى قوله ... بغير توقيع إلى كاتب
وقد أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب (قمع الحرص بالزهد والقناعة). وقال سعيد ابن جبير: (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) العبادة، ليس من أمر الدنيا. وقيل: سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سلوا ربكم حتى الشبع، فإنه إن لم ييسره الله عز وجل لم يتيسر. وقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي. وقرا الكسائي وابن كثير: (وسلوا الله من فضله" بغير همز في جميع القرآن. الباقون بالهمز.) واسألوا الله (. وأصله بالهمز إلا أنه حذفت الهمزة للتخفيف. والله أعلم.

[سورة النساء (4): آية 33]
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33)
فيه خمس مسائل: الاولى- بين تعالى أن لكل إنسان ورثة وموالي، فلينتفع كل واحد بما قسم الله له من الميراث، ولا يتمن مال غيره. وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت «1» أيمانكم) قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجري دون ذوي رحمه، للاخوة التي آخى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهم، فلما نزلت (ولكل جعلنا موالي) قال: نسختها (والذين عاقدت أيمانكم). قال أبو الحسن بن بطال: وقع في جميع النسخ (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ) قال: نسختها (والذين عاقدت أيمانكم). والصواب أن الآية الناسخة (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ) والمنسوخة (والذين عاقدت أيمانكم)، وكذا رواه الطبري في روايته.
__________
(1). (عاقدت) قراءة نافع كما هو رسم الأصول، وستأتي قراءة غيره.

وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله: (والذين عاقدت أيمانكم) قوله تعالى في (الأنفال): (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «1») روي هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري، وهو الذي أثبته أبو عبيد في كتاب (الناسخ والمنسوخ) له. وفيها قول آخر رواه الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله عز وجل الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعلوا لهم نصيبا في الوصية ورد الميراث إلى ذوي الرحم والعصبة. وقالت طائفة: قوله تعالى (والذين عاقدت أيمانكم) محكم وليس بمنسوخ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، ذكره الطبري عن ابن عباس. (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصرة والنصيحة والرفادة «2» ويوصي لهم وقد ذهب الميراث، وهو قول مجاهد والسدي. قلت- واختاره النحاس، ورواه عن سعيد بن جبير، ولا يصح النسخ، فإن الجمع ممكن كما بينه ابن عباس فيما ذكره الطبري، ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير. وسيأتي ميراث (ذوي الأرحام) في (الأنفال) 1 إن شاء الله تعالى. الثانية- (كل) في كلام العرب معناها الإحاطة والعموم. فإذا جاءت مفردة فلا بد أن يكون في الكلام حذف عند جميع النحويين، حتى أن بعضهم أجاز مررت بكل، مثل قبل وبعد. وتقدير الحذف: ولكل أحد جعلنا موالي، يعني ورثة. (والذين عاقدت أيمانكم) يعني بالحلف، عن قتادة. وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك «3»، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك وترثني وارثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف ثم نسخ. الثالثة- قوله تعالى: (مَوالِيَ) أعلم أن المولى لفظ مشترك يطلق على وجوه، فيسمى المعتق مولى والمعتق مولى. ويقال «4»: المولى الأسفل والأعلى أيضا. ويسمى
__________
(1). راجع ج 8 ص 58.
(2). الرفد (بكسر الراء): العطاء والصلة.
(3). قوله: هدمي هدمك، أي نحن شي واحد في النصرة، تغضبون لنا ونغضب لكم.
(4). في وو ج وز: كمثل ويقال. وفي ط: كمثل المولى الأسفل.

الناصر المولى، ومنه قوله تعالى: (وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى «1» لَهُمْ). ويسمى ابن العم مولى والجار مولى. فأما قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ) يريد عصبة، لقوله عليه السلام: (ما أبقت السهام فلأولي عصبة ذكر). ومن العصبات المولى الأعلى لا الأسفل، على قول أكثر العلماء، لان المفهوم في حق المعتق أنه المنعم على المعتق، كالموجد له، فاستحق ميراثه لهذا المعنى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أن المولى الأسفل يرث من الأعلى، واحتج فيه بما روي أن رجلا أعتق عبد اله فمات المعتق ولم يترك الا المعتق فجعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ميراثه للغلام المعتق. قال الطحاوي: ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به، ولأنه إذا أمكن إثبات الميراث للمعتق على تقدير أنه كان كالموجد له، فهو شبيه بالأب، والمولى الأسفل شبيه بالابن، وذلك يقتضي التسوية بينهما في الميراث، والأصل أن الاتصال يعم. وفي الخبر (مولى القوم منهم). والذين خالفوا هذا وهم الجمهور قالوا: الميراث يستدعي القرابة ولا قرابة، غير أنا أثبتنا للمعتق الميراث بحكم الانعام على المعتق، فيقتضي مقابلة الانعام بالمجازاة، وذلك لا ينعكس في المولى الأسفل. وأما الابن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائما مقامه، وليس المعتق صالحا لان يقوم مقام معتقه، وإنما المعتق قد أنعم عليه فقابله الشرع بأن جعله أحق بمولاه المعتق، ولا يوجد هذا في المولى الأسفل، فظهر الفرق بينهما والله أعلم. الرابعة- قوله تعالى: (والذين عاقدت أيمانكم) روى علي بن كبشة «2» عن حمزة (عقدت) بتشديد القاف على التكثير. والمشهور عن حمزة (عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ) مخففة القاف، وهي قراءة عاصم والكسائي، وهي قراءة بعيدة، لان المعاقدة لا تكون إلا من اثنين فصاعدا، فبابها فاعل. قال أبو جعفر النحاس: وقراءة حمزة تجوز على غموض في العربية، يكون التقدير فيها والذين عقدتهم أيمانكم الحلف، وتعدى إلى مفعولين، وتقديره: عقدت لهم أيمانكم الحلف، ثم حذفت اللام مثل قوله تعالى: (وَإِذا كالُوهُمْ «3») أي كالوا لهم. وحذف المفعول الثاني، كما يقال: كلتك أي كلت لك برا. وحذف المفعول الأول لأنه متصل في الصلة.
__________
(1). راجع ج 16 ص 234.
(2). كذا في ابن عطية والبحر والأصول الا: د. فابن كيسة وهو على ابن يزيد بن كيسة. ولعله الصواب كما في طبقات القراء والتاج. [.....]
(3). راجع ج 19 ص 250

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)

الخامسة- قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) أي قد شهد معاقدتكم إياهم، وهو عز وجل يحب الوفاء.

[سورة النساء (4): آية 34]
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34)
فيه احدى عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) ابتداء وخبر، أي يقومون بالنفقة عليهن والذب عنهن، وأيضا فإن فيهم الحكام والأمراء ومن يغزو، وليس ذلك في النساء. يقال: قوام وقيم. والآية نزلت في سعد بن الربيع «1» نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد ابن خارجة بن أبي زهير فلطمها، فقال أبوها: يا رسول الله، أفرشته كريمتي فلطمها! فقال عليه السلام: (لتقتص من زوجها). فانصرفت مع أبيها لتقتص منه، فقال عليه السلام: (ارجعوا هذا جبريل أتاني) فأنزل الله هذه الآية، فقال عليه السلام: (أردنا أمرا وأراد الله غيره). وفي رواية أخرى: (أردت شيئا وما أراد الله خير). ونقض الحكم الأول. وقد قيل: إن في هذا الحكم المردود نزل (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ «2»). ذكر إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا حجاج بن المنهال وعارم بن الفضل- واللفظ. لحجاج- قال حدثنا جرير بن حازم قال سمعت الحسن يقول: إن امرأة أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: إن زوجي لطم وجهي. فقال: (بينكما القصاص)، فأنزل الله تعالى: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ). وأمسك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نزل:
__________
(1). هو سعد بن الربيع بن عمرو بن أبى زهير بن مالك بن امرئ القيس الخزرجي عقبى يدرى وكان أحد فقهاء. الأنصار وكان له زوجتان. (عن أسد الغاية).
(2). راجع ج 11 ص 250

(الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ). وقال أبو روق: نزلت في جميلة بنت «1» أبي وفي زوجها ثابت ابن قيس بن شماس. وقال الكلبي: نزلت في عميرة بنت محمد بن مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع. وقيل: سببها قول أم سلمة المتقدم. ووجه النظم أنهن تكلمن في تفضيل الرجال على النساء في الإرث، فنزلت (وَلا تَتَمَنَّوْا) الآية. ثم بين تعالى أن تفضيلهم عليهن في الإرث لما على الرجال من المهر والإنفاق، ثم فائدة تفضيلهم عائدة إليهن. ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير، فجعل لهم حق القيام عليهن لذلك. وقيل: للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لان طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك، وبقوله تعالى: (وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ). الثانية- ودلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسئ الرجل عشرتها. و(قوام) فعال للمبالغة، من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد. فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوة في أمر الجهاد والميراث والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد راعى بعضهم في التفضيل اللحية وليس بشيء، فإن اللحية قد تكون وليس معها شي مما ذكرنا. وقد مضى الرد على هذا في (البقرة «2»). الثالثة- فهم العلماء من قوله تعالى: (وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح. وفية دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة، وهو مذهب مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يفسخ، لقوله تعالى: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ «3») وقد تقدم القول في هذا في هذه السورة.
__________
(1). في ب وج وز وط: جميلة بنت عبد الله بن أبى. قال في أسد الغابة: وقيل كانت ابنة عبد الله وهو وهم.
(2). راجع ج 3 ص 124.
(3). راجع ج 3 ص 371

الرابعة- قوله تعالى: (فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ) هذا كله خبر، ومقصوده الامر بطاعة الزوج والقيام بحقه في ماله وفي نفسها في حال غيبة الزوج. وفي مسند أبى داود الطيالسي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها إطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك) قال: وتلا هذه الآية (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) إلى آخر الآية. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر: (ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته) أخرجه أبو داود. وفي مصحف ابن مسعود (فالصوالح قوانت حوافظ «1»). وهذا بناء يختص بالمؤنث. قال ابن جني: والتكسير أشبه لفظا بالمعنى، إذ هو يعطي الكثرة وهي المقصود هاهنا. و(بِما) في قوله: (بِما حَفِظَ اللَّهُ) مصدرية، أي بحفظ الله لهن. ويصح أن تكون بمعنى الذي ويكون العائد في (حَفِظَ) ضمير نصب. وفي قراءة أبي جعفر (بما حفظ الله) بالنصب. قال النحاس: الرفع أبين، أي حافظات لمغيب أزواجهن بحفظ الله ومعونته وتسديده «2». وقيل: بما حفظهن الله في مهورهن «3» وعشرتهن. وقيل: بما استحفظهن الله إياه من أداء الأمانات إلى أزواجهن. ومعنى قراءة النصب: بحفظهن الله، أي بحفظهن أمره أو دينه. وقيل في التقدير: بما حفظن الله، ثم وحد الفعل، كما قيل:
فإن الحوادث أودى «4» بها

وقيل: المعنى بحفظ الله، مثل حفظت الله. الخامسة- قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ) اللاتي جمع التي وقد تقدم. قال ابن عباس: تخافون بمعنى تعلمون وتتيقنون. وقيل هو على بابه. والنشوز العصيان، مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض. يقال: نشز الرجل ينشز وينشز إذا كان قاعدا فنهض قائما، ومنه قوله عز وجل: (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا «5») أي ارتفعوا وانهضوا إلى حرب أو أمر من أمور الله تعالى. فالمعنى: أي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب
__________
(1). وفى الشواذ لابن خلويه هي قراءة طلحة بن مصرف.
(2). تسديده في ج وب وز ود. من السداد.
(3). كذا في الأصول جميعها، وهو ما ذهب إليه الزجاج كما في الألوسي. وفى النحاس: في أمورهن.
(4). يريد أو دين بها. البحر.
(5). راجع ج 17 ص 299

الله عليهن من طاعة الأزواج. وقال أبو منصور اللغوي: النشوز كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه، يقال: نشزت تنشز فهي ناشز بغير هاء. ونشصت تنشص، وهي السيئة للعشرة. وقال ابن فارس: ونشزت المرأة استصعبت على بعلها، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها. قال ابن دريد: نشزت المرأة ونشست ونشصت بمعنى واحد. السادسة- قوله تعالى: (فَعِظُوهُنَّ) أي بكتاب الله، أي ذكروهن ما أوجب الله عليهن من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، ويقول: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لو أمرت أحد أن يسجد لاحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). وقال: (لا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب «1»). وقال: (أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) في رواية (حتى تراجع وتضع يدها في يده). وما كان مثل هذا. السابعة- قوله تعالى: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ) وقرا ابن مسعود والنخعي وغيرهما (في المضجع) على الافراد، كأنه اسم جنس يؤدي عن الجمع. والهجر في المضاجع هو أن يضاجعها ويوليها ظهره ولا يجامعها، عن ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: جنبوا مضاجعهن، فيتقدر «2» على هذا الكلام حذف، ويعضده (اهْجُرُوهُنَّ) من الهجران، وهو البعد، يقال: هجره أي تباعد ونأى عنه. ولا يمكن بعدها إلا بترك مضاجعتها. وقال معناه إبراهيم النخعي والشعبي وقتادة والحسن البصري، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك، واختاره ابن العربي وقال: حملوا الامر على الأكثر الموفي. ويكون هذا القول كما تقول: اهجره في الله. وهذا أصل مالك. قلت: هذا قول حسن، فإن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج فذلك يشق عليها فترجع للصلاح، وإن كانت مبغضة فيظهر النشوز منها، فيتبين أن النشوز من قبلها. وقيل: (اهْجُرُوهُنَّ) من الهجر وهو القبيح من الكلام، أي غلظوا «3» عليهن في القول
__________
(1). القتب (محركة) للبعير كالا كاف- برذعة- لغيره. ومعناه الحث لهن على مطاوعة أزواجهن، وأنه لا يسعهن الامتناع في الحال فكيف في غيرها.
(2). في ج وز وى: فيتقرر.
(3). كذا في الأصول. [.....]

وضاجعوهن للجماع وغيره، قال معناه سفيان، وروي عن ابن عباس. وقيل: أي شدوهن وثاقا في بيوتهن، من قولهم: هجر البعير أي ربطه بالهجار، وهو حبل يشد به البعير، وهو اختيار الطبري وقدح في سائر الأقوال. وفي كلامه في هذا الموضع نظر. وقد رد عليه القاضي أبو بكر بن العربي في أحكامه فقال: يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة! والذي حمله على هذا التأويل حديث غريب رواه ابن وهب عن مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام كانت تخرج حتى عوتب في ذلك. قال: وعتب عليها وعلى ضرتها، فعقد شعر واحدة بالأخرى ثم ضربهما ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن اتقاء، وكانت أسماء لا تتقي فكان الضرب بها أكثر، فشكت إلى أبيها أبي بكر رضي الله عنه فقال لها: أي بنية اصبري فإن الزبير رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الجنة، ولقد بلغني أن الرجل إذا ابتكر بامرأة تزوجها في الجنة. فرأى الربط والعقد مع احتمال اللفظ مع فعل الزبير فأقدم على هذا التفسير. وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر، كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين أسر إلى حفصة فأفشته إلى عائشة، وتظاهرتا عليه. ولا يبلغ به الاربعة الأشهر التي ضرب الله أجلا عذرا للمولي. الثامنة- قوله تعالى: وَاضْرِبُوهُنَّ أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير. فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب غلامه لتعليم القرآن والأدب. وفي صحيح مسلم: (اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح) الحديث. أخرجه من حديث جابر الطويل في الحج، أي لا يدخلن منازلكم أحدا ممن تكرهونه من الأقارب والنساء الأجانب «1». وعلى هذا يحمل ما رواه الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة
__________
(1). في اوح وز: والأجانب.

الوداع مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ فقال: (ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان «1» عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن (. قال: هذا حديث حسن صحيح. فقوله: (بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) يريد لا يدخلن من يكرهه أزواجهن ولا يغضبنهم. وليس المراد بذلك الزنى، فإن ذلك محرم ويلزم عليه الحد. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أضربوا النساء إذا عصينكم في معروف ضربا غير مبرح). قال عطاء: قلت لابن عباس ما الضرب غير المبرح؟ قال بالسواك ونحوه. وروي أن عمر رضي الله عنه ضرب امرأته فعذل في ذلك فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (لا يسأل الرجل فيم ضرب أهله). التاسعة- قوله تعالى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) أي تركوا النشوز. (فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) أي لا تجنوا عليهن بقول أو فعل. وهذا نهى عن ظلمهن بعد تقرير الفضل عليهن والتمكين من أدبهن. وقيل: المعنى لا تكلفوهن الحب لكم فانه ليس إليهن. العاشرة- قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) اشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب، أي ان كنتم تقذرون عليهن فتذكروا قدرة الله، فيده بالقدرة فوق كل يد. فلا يستعلى أحد على امرأته فالله بالمرصاد، فلذلك حسن الاتصاف هنا بالعلو والكبر. الحادية عشرة- وإذا ثبت هذا فاعلم أن الله عز وجل لم يأمر في شي من كتابه بالضرب صراحا إلا هنا وفي الحدود العظام، فساوى معصيتهن بأزواجهن «2» بمعصية الكبائر، وولى الأزواج ذلك دون الأئمة، وجعله لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتمانا من الله تعالى للأزواج على النساء. قال المهلب: إنما جوز ضرب النساء من أجل امتناعهن على أزواجهن
__________
(1). واحدة العوانى: الاسيرات. أي انما هن عندكم بمنزلة الأسرى.
(2). كذا في الأصول: يصح أن تكون الباء سببية.

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)

في المباضعة. واختلف في وجوب ضربها في الخدمة، والقياس يوجب أنه إذا جاز ضربها في المباضعة جاز [ضربها «1»] في الخدمة الواجبة للزوج عليها بالمعروف. وقال ابن خويز منداد: والنشوز يسقط النفقة وجميع الحقوق الزوجية، ويجوز معه أن يضربها الزوج ضرب الأدب غير المبرح، والوعظ والهجر حتى ترجع عن نشوزها، فإذا رجعت عادت حقوقها، وكذلك كل ما اقتضى الأدب فجائز للزوج تأديبها. ويختلف الحال في أدب الرفيعة والدنيئة، فأدب الرفيعة العذل، وأدب الدنيئة السوط. وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (رحم الله امرأ علق سوطه وأدب أهله). وقال: (إن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه). وقال بشار:
الحر يلحى والعصا للعبد

يلحى أي يلام، وقال ابن دريد:
واللوم للحر مقيم رادع ... والعبد لا يردعه إلا العصا
قال ابن المنذر: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعا بالغين إلا الناشز منهن الممتنعة. وقال أبو عمر: من نشزت عنه امرأته بعد دخوله سقطت عنه نفقتها إلا أن تكون حاملا. وخالف ابن القاسم جماعة الفقهاء في نفقة الناشز فأوجبها. وإذا عادت الناشز إلى زوجها وجب في المستقبل نفقتها. ولا تسقط نفقة المرأة عن زوجها لشيء غير النشوز، لا من مرض ولا حيض ولا نفاس ولا صوم ولا حج ولا مغيب زوجها ولا حبسه عنها في حق أو جور غير ما ذكرنا. والله أعلم.

[سورة النساء (4): آية 35]
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35)
فيه خمس مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما) قد تقدم معنى الشقاق في (البقرة «2»). فكان كل واحد من الزوجين يأخذ شقا غير شق صاحبه، أي ناحية غير ناحية صاحبه.
__________
(1). من ج.
(2). راجع ج 1 ص 464 وج 2 ص 341

والمراد إن خفتم شقاقا بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف كقولك: يعجبني سير الليلة المقمرة، وصوم يوم عرفة. وفي التنزيل: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ «1»). وقيل: إن (بين) أجري مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية، إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما، أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبهما (فَابْعَثُوا). و(خِفْتُمْ) على الخلاف المتقدم «2». قال سعيد بن جبير: الحكم أن يعظها أولا، فإن قبلت وإلا هجرها، فإن هي قبلت وإلا ضربها، فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها، فينظران ممن الضرر، وعند ذلك يكون الخلع. وقد قيل: له أن يضرب قبل الوعظ. والأول أصح لترتيب ذلك في الآية. الثانية- والجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ) الحكام والأمراء. وأن قوله: (إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما) يعني الحكمين، في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. أي إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين. وقيل: المراد الزوجان، أي إن يرد الزوجان إصلاحا وصدقا فيما أخبرا به الحكمين (يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما). وقيل: الخطاب للأولياء. يقول: (إِنْ خِفْتُمْ) أي علمتم خلافا بين الزوجين (فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها) والحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة، إذ هما أقعد بأحوال الزوجين، ويكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه «3». فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل «4» من غيرهما عدلين عالمين، وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يدر ممن الإساءة منهما. فأما إن عرف الظالم فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويجبر على إزالة الضرر. ويقال: أن الحكم من أهل الزوج يخلو به ويقول له: أخبرني بما في نفسك أتهواها أم لا حتى أعلم مرادك؟ فإن قال: لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها، فيعرف أن من قبله النشوز. وإن قال: إني أهواها فأرضها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعلم أنه ليس بناشز. ويخلو [الحكم من جهتها «5»] بالمرأة ويقول لها: أتهوى زوجك أم لا، فإن قالت: فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد، فيعلم أن النشوز من قبلها. إن قالت:
__________
(1). راجع ج 14 ص 301.
(2). في ص 11 من هذا الجزء.
(3). في ط: والفقه.
(4). كذا في الأصول فالضمير للحاكم، أو الولي.
(5). زيادة من البحر لازمة.

لا تفرق بيننا ولكن حثه على أن يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهى، فذلك قوله تعالى: (فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها). الثالثة- قال العلماء: قسمت هذه الآية النساء تقسيما عقليا، لأنهن إما طائعة وإما ناشز، والنشوز إما أن يرجع إلى الطواعية أو لا. فإن كان الأول تركا، لما رواه النسائي أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فكان إذا دخل عليها تقول: يا بني هاشم، والله لا يحبكم قلبي أبدا! أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة! ترد أنوفهم قبل شفاههم، أين عتبة بن ربيعة، أين شيبة بن ربيعة، فيسكت عنها، حتى دخل عليها يوما وهو برم فقالت له: أين عتبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فنشرت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لا فرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لا فرق بين شيخين من بني عبد مناف. فأتياهما فوجدا هما قد سدا عليهما أبوابهما وأصلحا أمرهما. فإن وجداهما قد اختلفا ولم يصطلحا وتفاقم أمرهما سعيا في الالفة جهدهما، وذكرا بالله وبالصحبة. فإن أنابا ورجعا تركاهما، وإن كانا غير ذلك ورأيا الفرقة فرقا بينهما. وتفريقهما جائز على الزوجين، وسواء وافق حكم قاضي البلد أو خالفه، وكلهما الزوجان بذلك أو لم يوكلاهما. والفراق في ذلك طلاق بائن. وقال قوم: ليس لهما الطلاق ما لم يوكلهما الزوج في ذلك، وليعرفا الامام، وهذا بناء على أنهما رسولان شاهدان. ثم الامام يفرق إن أراد ويأمر الحكم بالتفريق. وهذا أحد قولي الشافعي، وبه قال الكوفيون، وهو قول عطاء وابن زيد والحسن، وبه قال أبو ثور. والصحيح الأول، وأن للحكمين التطليق دون توكيل، وهو قول مالك والأوزاعي وإسحاق وروي عن عثمان وعلي وابن عباس، وعن الشعبي والنخعي، وهو قول الشافعي، لان الله تعالى قال: (فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها) وهذا نص من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة

ومعنى، فإذا بين الله كل واحد منهما فلا ينبغي لشاذ- فكيف لعالم- أن يركب معنى أحدهما على الآخر!. وقد روى الدارقطني من حديث محمد بن سيرين عن عبيدة في هذه الآية (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها) قال: جاء رجل وامرأة إلى علي مع كل واحد منهما فئام «1» من الناس فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، وقال للحكمين: هل تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي. وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال علي: كذبت، والله لا تبرح حتى تقر بمثل الذي أقرت به. وهذا إسناد صحيح ثابت روي عن علي من وجوه ثابتة عن ابن سيرين عن عبيدة، قال أبو عمر. فلو كانا وكيلين أو شاهدين لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما؟ إنما كان يقول: أتدريان بما وكلتما؟ وهذا بين. احتج أبو حنيفة بقول علي رضي الله عنه للزوج: لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به. فدل على أن مذهبه أنهما لا يفرقان إلا برضا الزوج، وبأن الأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه. وجعله مالك ومن تابعه من باب طلاق السلطان على المولى والعنين. الرابعة- فإن اختلف الحكمان لم ينفذ قولهما ولم يلزم من ذلك شي إلا ما اجتمعا عليه. وكذلك كل حكمين حكما في أمر، فإن حكم أحدهما بالفرقة ولم يحكم بها الآخر، أو حكم أحدهما بمال وأبى الآخر فليسا بشيء حتى يتفقا. وقال مالك في الحكمين يطلقان ثلاثا قال: تلزم «2» واحدة وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة، وهو قول ابن القاسم. وقال ابن القاسم أيضا: تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليها، وقال المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ. وقال ابن المواز: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة. وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن ذلك ليس بشيء. الخامسة- ويجزئ إرسال الواحد، لان الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود، ثم قد أرسل النبي
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المرأة الزانية أنيسا وحده وقال له: (إن اعترفت فارجمها) وكذلك قال عبد الملك في المدونة.
__________
(1). الفئام: الجماعة.
(2). في ط وج وى: تكون.

قلت: وإذا جاز إرسال الواحد فلو حكم الزوجان واحدا لأجزأ، وهو بالجواز أولى إذا رضيا بذلك، وإنما خاطب الله بالإرسال الحكام دون الزوجين. فإن أرسل الزوجان حكمين وحكما نفذ حكمهما، لان التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعل الحكم في كل مسألة. هذا إذا كان كل واحد منهما عدلا، ولو كان غير عدل قال عبد الملك: حكمه منقوض، لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغرر. قال ابن العربي: والصحيح نفوذه، لأنه إن كان توكيلا ففعل الوكيل نافذ، وإن كان تحكيما فقد قدماه على أنفسهما وليس الغرر بمؤثر فيه كما لم يؤثر في باب التوكيل، وباب القضاء مبني على الغرر كله، وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يئول إليه الحكم. قال ابن العربي: مسألة الحكمين نص الله عليها وحكم بها عند ظهور الشقاق بين الزوجين، واختلاف ما بينهما. وهي مسألة عظيمة اجتمعت الامة على أصلها في البعث، وإن اختلفوا في تفاصيل ما ترتب عليه. وعجبا لأهل بلدنا حيث غفلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك وقالوا: يجعلان على يدي أمين، وفي هذا من معاندة النص ما لا يخفى عليكم، فلا بكتاب الله ائتمروا ولا بالأقيسة اجتزءوا. وقد ندبت إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحكمين عند الشقاق إلا قاض واحد، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخر، فلما ملكني الله الامر أجريت السنة كما ينبغي. ولا تعجب لأهل بلدنا لما غمرهم «1» من الجهالة، ولكن أعجب لابي حنيفة ليس للحكمين عنده خبر، بل اعجب مرتين للشافعي فإنه قال: الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما. قال: وذلك أني وجدت الله عز وجل أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة. وحظر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين دل على أن حكمهما غير حكم الأزواج، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك. وذلك يدل على أن
__________
(1). كذا في ابن العربي. وفى الأصول: لما عندهم.

وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36)

الحكمين وكيلان للزوجين. قال ابن العربي: هذا منتهى كلام الشافعي، وأصحابه يفرحون به وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم، وقد تولى الرد عليه القاضي أبو إسحاق ولم ينصفه في الأكثر. أما قوله: (الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم الزوجين) فليس بصحيح بل هو نصه، وهي من أبين آيات القرآن وأوضحها جلاء، فإن الله تعالى قال: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ). ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها، فإن أنابت وإلا هجرها في المضجع، فإن ارعوت وإلا ضربها، فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما. وهذا إن لم يكن نصا فليس في القرآن بيان. ودعه لا يكون نصا، يكون ظاهرا، فأما أن يقول الشافعي: يشبه الظاهر فلا ندري ما الذي «1» أشبه الظاهر؟. ثم قال: (وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع وذلك يشبه أن يكون برضا المرأة، بل يجب أن يكون كذلك وهو نصه. ثم قال:) فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج، ويجب أن يكون غيره بأن ينفذ عليهما من غير اختيارهما فتتحقق الغيرية. فأما إذا أنفذا عليهما ما وكلاهما به فلم يحكما بخلاف أمرهما فلم تتحقق الغيرية. وأما قوله (برضى الزوجين وتوكيلهما) فخطأ صراح، فإن الله سبحانه خاطب غير الزوجين إذا خاف الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين، وإذا كان المخاطب غيرهما كيف يكون ذلك بتوكيلهما، ولا يصح لهما حكم إلا بما اجتمعا عليه. هذا وجه الانصاف والتحقيق في الرد عليه. وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما تقول الخوارج إنه ليس التحكيم لاحد سوى الله تعالى. وهذه كلمة حق [ولكن «2»] يريدون بها الباطل.

[سورة النساء (4): آية 36]
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36)
__________
(1). في د: ما الذي ما أشبه الظاهر. [.....]
(2). من ج وط، ز، د. يريدون ما حكم الا فيه لأغير.

فيه ثمان عشرة مسألة: الاولى أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شي منسوخ. وكذلك هي في جميع الكتب. ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب. وقد مضى معنى العبودية وهي التذلل والافتقار، لمن له الحكم والاختيار، فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه، فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره، قال الله تعالى (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً «1») حتى لقد قال بعض علمائنا: إنه من تطهر تبردا أو صام محما لمعدته ونوى مع ذلك التقرب لم يجزه، لأنه مزج في نية التقرب نية دنياوية وليس لله إلا العمل الخالص، كما قال تعالى: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ «2») وقال تعالى: (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «3»). وكذلك إذا أحس الرجل بداخل في الركوع وهو إمام لم ينتظره، لأنه يخرج ركوعه بانتظاره عن كونه خالصا لله تعالى. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). وروى الدارقطني عن أنس ابن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يجاء يوم القيامة بصحف مختمة فتنصب بين يدي الله تعالى فيقول الله تعالى للملائكة القوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا إلا خيرا فيقول الله عز وجل- وهو أعلم- إن هذا كان لغيري ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما كان ابتغي به وجهي (. وروي أيضا عن الضحاك بن قيس الفهري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:) إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شي ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شي).
__________
(1). راجع ج 11 ص 64.
(2). راجع ج 15 ص 232.
(3). راجع ج 20 ص 144

مسألة- إذا ثبت هذا فاعلم أن علماءنا رضي الله عنهم قالوا: الشرك على ثلاث مراتب وكله محرم. وأصله اعتقاد شريك لله في ألوهيته، وهو الشرك الأعظم وهو شرك الجاهلية، وهو المراد بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ). ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن لم يعتقد كونه إلها كالقدرية مجوس هذه الامة، وقد تبرأ منهم ابن عمر كما في حديث جبريل عليه السلام. ويلي هذه الرتبة الاشراك في العبادة وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئا من العبادات التي أمر الله بفعلها له لغيره. وهذا هو الذي سيقت الآيات والأحاديث لبيان تحريمه، وهو مبطل للأعمال وهو خفي لا يعرفه كل جاهل غبي. ورضي الله عن المحاسبي فقد أوضحه في كتابه (الرعاية) وبين إفساده للأعمال. وفي سنن ابن ماجة عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك (. وفية عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحن نتذاكر المسيخ الدجال فقال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيخ الدجال؟) قال: فقلنا بلى يا رسول الله، فقال: (الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). وفية عن شداد بن أوس قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن أخوف ما أتخوف على أمتي الاشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمسا ولا قمرا ولا وثنا ولكن أعمالا لغير الله وشهوة خفية) خرجه الترمذي الحكيم. وسيأتي في آخر الكهف «1»، وفية بيان الشهوة الخفية. وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال: سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الشهوة الخفية فقال: (هو الرجل يتعلم العلم يحب أن يجلس إليه). قال سهل ابن عبد الله التستري رضي الله عنه: الرياء على ثلاثة وجوه، أحدها- أن يعقد في أصل فعله لغير الله ويريد به أن يعرف أنه لله، فهذا صنف من النفاق وتشكك في الايمان. والآخر-
__________
(1). راجع ج 11 ص 69

يدخل في الشيء لله فإذا اطلع عليه غير الله نشط، فهذا إذا تاب يزيد أن يعيد جميع ما عمل. والثالث- دخل في العمل بالإخلاص وخرج به لله فعرف بذلك ومدح عليه وسكن إلى مدحهم، فهذا الرياء الذي نهى الله عنه. قال سهل قال لقمان لابنه: الرياء أن تطلب ثواب عملك في دار الدنيا، وإنما عمل القوم للآخرة. قيل له: فما دواء الرياء؟ قال كتمان العمل، قيل له: فكيف يكتم العمل؟ قال: ما كلفت إظهاره من العمل فلا تدخل فيه إلا بالإخلاص، وما لم تكلف إظهاره أحب ألا يطلع عليه إلا الله. قال: وكل عمل اطلع عليه الخلق فلا تعده من العمل. وقال أيوب السختياني: ما هو بعاقل من أحب أن يعرف مكانه من عمله. قلت: قول سهل (والثالث دخل في العمل بالإخلاص) إلى آخره، إن كان سكونه وسروره إليهم لتحصل منزلته في قلوبهم فيحمدوه ويجلوه ويبرؤه وينال ما يريده منهم من مال أو غيره فهذا مذموم، لان قلبه مغمور فرحا باطلاعهم عليه، وإن كانوا قد اطلعوا عليه بعد الفراغ. فأما من أطلع الله عليه خلقه وهو لا يحب اطلاعهم عليه فيسر بصنع الله وبفضله عليه فسروره بفضل الله طاعة، كما قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «1»). وبسط هذا وتتميمه في كتاب (الرعاية للمحاسبي)، فمن أراده فليقف عليه هناك. وقد سئل سهل عن حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أني أسر العمل فيطلع عليه فيعجبني) قال: يعجبه من جهة الشكر لله الذي أظهره الله عليه أو نحو هذا. فهذه جملة كافية في الرياء وخلوص الأعمال. وقد مضى في (البقرة «2»). حقيقة الإخلاص. والحمد لله. الثانية- قوله تعالى: (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) قد تقدم في صدر هذه السورة أن من الإحسان إليهما عتقهما، ويأتي في (سبحان «3») حكم برهما مستوفى. وقرا ابن أبي عبلة (احسان) بالرفع أي واجب الإحسان إليهما. الباقون بالنصب، على معنى أحسنوا إليهما إحسانا. قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له
__________
(1). راجع ج 8 ص 353.
(2). راجع ج 2 ص 146.
(3). راجع ج 10 ص 236

والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان، فقال تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ «1»). وروى شعبة وهشيم الواسطيان عن يعلي بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (رضى الرب في رضى الوالدين وسخطه في سخط الوالدين). الثالثة- قوله تعالى: (وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ) وقد مضى الكلام فيه في (البقرة «2»). الرابعة- قوله تعالى: (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ) أما الجار فقد أمر الله تعالى بحفظه والقيام بحقه والوصاة برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه. الا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين فقال تعالى: (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى ) أي القريب. (وَالْجارِ الْجُنُبِ) أي الغريب، قاله ابن عباس، وكذلك هو في اللغة. ومنه فلان أجنبي، وكذلك الجنابة البعد. وأنشد أهل اللغة:
فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب «3»
وقال الأعشى:
أتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث عن «4» عطائي جامدا
وقرأ الأعمش والمفضل (والجار الجنب) بفتح الجيم وسكون النون وهما لغتان، يقال: جنب وجنب وأجنب وأجنبي إذا لم يكن بينهما قرابة، وجمعه أجانب. وقيل: على تقدير حذف المضاف، أي والجار ذي الجنب أي ذي الناحية. وقال نوف الشامي: (الْجارِ ذِي الْقُرْبى ) المسلم (وَالْجارِ الْجُنُبِ) اليهودي والنصراني.
__________
(1). راجع ج 14 ص 63.
(2). راجع ج 2 ص 14.
(3). البيت لعلقمة بن عبدة يخاطب به الحارث بن جبلة يمدحه، وكان قد أسر أخاه شأسا. وأراد بالنائل إطلاق أخيه شأسا من سجنه فأطلقه ومن أسر معه من بنى تميم. (عن اللسان).
(4). كذا في ز، وديوان الأعشى ط أو ربا ص 49، وفى تفسير الطبري:
فكان حريث في عطائي جاهدا

وفي باقى الأصول: عن عطائي حامدا.

قلت: وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلما كان أو كافرا، وهو الصحيح. والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه. روى البخاري عن عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). وروي عن أبي شريح أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن) قيل: يا رسول الله ومن؟ قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه) وهذا عام في كل جار. وقد أكد عليه السلام ترك إذ ايته بقسمه ثلاث مرات، وأنه لا يؤمن الايمان الكامل من آذى جاره. فينبغي للمؤمن أن يحذر أذى جاره، وينتهي عما نهى الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه حضا العباد عليه. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار (. الخامسة- روى البخاري عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، قال: (إلى أقربهما منك بابا). فذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الحديث يفسر المراد من قوله تعالى: (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى ) وأنه القريب المسكن منك. (وَالْجارِ الْجُنُبِ) هو البعيد المسكن منك. واحتجوا بهذا على إيجاب الشفعة للجار، وعضدوه وبقوله عليه السلام: (الجار أحق بصقبه «1»). ولا حجة في ذلك، فإن عائشة رضي الله عنها إنما سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية فأخبرها أن من قرب بابه فإنه أولى بها من غيره. قال ابن المنذر: فدل هذا الحديث على أن الجار يقع على غير اللصيق. وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر هذا الحديث فقال: إن الجار اللصيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي يليه وليس له جدار إلى الدار ولا طريق لا شفعة فيه له. وعوام العلماء
__________
(1). الصقب: الملاصقة والقرب، والمراد به الشفعة.

يقولون: إن أوصى الرجل لجيرانه اعطي اللصيق وغيره، إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء وقال: لا يعطى إلا اللصيق وحده. السادسة- واختلف الناس في حد الجيرة، فكان الأوزاعي يقول: أربعون دارا من كل ناحية، وقال ابن شهاب. وروي أن رجلا جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أدى، فبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد: ألا إن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه «1». وقال علي بن أبي طالب: من سمع النداء فهو جار. وقالت فرقة: من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد. وقالت فرقة: من ساكن رجلا في محلة أو مدينة فهو جار. قال الله تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ) إلى قوله: (ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا «2») فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جوارا. والجيرة مراتب بعضها الصق من بعض، أدناها الزوجة، كما قال:
أيا جارتا بيني فإنك طالقة «3»

السابعة- ومن إكرام الجار ما رواه مسلم عن أبي ذر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك). فحض عليه السلام على مكارم الأخلاق، لما رتب عليها من المحبة وحسن العشرة ودفع الحاجة والمفسدة، فإن الجار قد يتأذى بقتار «4» قدر جاره، وربما تكون له ذرية فتهيج من ضعفائهم الشهوة، ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة، لا سيما إن كان القائم ضعيفا أو أرملة فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة. وهذه كانت عقوبة يعقوب في فراق يوسف عليهما السلام فيما قيل. وكل هذا يندفع بتشريكهم في شي من الطبيخ يدفع إليهم، ولهذا المعنى حض عليه السلام الجار القريب بالهدية، لأنه ينظر إلى ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحب
__________
(1). بواثقه: أي غوائله وشروره، واحدها باثقة، وهى الداهية. [.....]
(2). راجع ج 14 ص 245.
(3). هذا صدر بيت للأعشى، وعجزه:
كذاك أمور الناس غاد وطارقة

(4). القتار (بضم القاف): ريح القدر والشواء ونحوهما.

أن يشارك فيه، وأيضا فإنه أسرع إجابة لجاره عند ما ينويه من حاجة في أوقات الغفلة والغرة، فلذلك بدأ به على من بعد بابه وإن كانت داره أقرب. والله أعلم. الثامنة- قال العلماء: لما قال عليه السلام (فأكثر ماءها) نبه بذلك على تيسير الامر على البخيل تنبيها لطيفا، وجعل الزيادة فيما ليس له ثمن وهو الماء، ولذلك لم يقل: إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها، إذ لا يسهل ذلك على كل أحد. ولقد أحسن القائل:
قدري وقدر الجار واحدة ... وإليه قبلي ترفع القدر
ولا يهدى النزر اليسير المحتقر، لقوله عليه السلام: (ثم أنظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منها بمعروف) أي بشيء يهدى عرفا، فإن القليل وإن كان مما يهدى فقد لا يقع ذلك الموقع، فلو لم يتيسر إلا القليل فليهده ولا يحتقر، وعلى المهدى إليه قبوله، لقوله عليه السلام: (يا نساء المؤمنات لا تحتقرن أحدا كن لجارتها ولو كراع «1» شاة محرقا) أخرجه مالك في موطئة. وكذا قيدناه (يا نساء المؤمنات) بالرفع على غير الإضافة، والتقدير: يا أيها النساء المؤمنات، كما تقول يا رجال الكرام، فالمنادي محذوف وهو يا أيها، والنساء في التقدير النعت لأيها، والمؤمنات نعت للنساء. قد قيل: فيه: يا نساء المؤمنات بالإضافة، والأول أكثر. التاسعة- من إكرام الجار ألا يمنع من غرز خشبة له إرفاقا به، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره). ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكنافكم. روي (خشبة وخشبة) على الجمع والافراد. وروي (أكتافهم) بالتاء و(أكنافهم) بالنون. ومعنى (لأرمين بها) أي بالكلمة والقصة. وهل يقضى بهذا على الوجوب أو الندب؟ فيه خلاف بين العلماء. فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن معناه الندب إلى بر الجار والتجاوز له والإحسان إليه، وليس ذلك على الوجوب، بدليل قوله عليه السلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن
__________
(1). الكراع من البقر والغنم: بمنزلة الوظيف من الخيل والإبل والحمر، وهو مستدق الساق العاري من اللحم، يذكر ويؤنث، والجمع أكرع ثم أكارع.

طيب نفس منه (. قالوا: ومعنى قوله (لا يمنع أحدكم جاره) هو مثل معنى قوله عليه السلام: (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها). وهذا معناه عند الجميع الندب، على ما يراه الرجل من الصلاح والخير في ذلك. وقال «1» الشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود بن علي وجماعة أهل الحديث: إلى أن ذلك على الوجوب. قالوا: ولولا أن أبا هريرة فهم فيما سمع من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معنى الوجوب ما كان ليوجب عليهم غير واجب. وهو مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه قضى على محمد بن مسلمة للضحاك بن خليفة في الخليج أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فقال محمد بن مسلمة: لا والله. فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك. فأمره عمر أن يمر به ففعل الضحاك رواه مالك في الموطأ. وزعم الشافعي في كتاب (الرد) أن مالكا لم يرو عن أحد من الصحابة خلاف عمر في هذا الباب، وأنكر على مالك أنه رواه وأدخله في كتابه ولم يأخذ به ورده برأيه. قال أبو عمر: ليس كما زعم الشافعي، لان محمد بن مسلمة كان رأيه في ذلك خلاف رأي عمر، وراي الأنصار أيضا كان خلافا لرأي عمر، وعبد الرحمن بن عوف في قصة الربيع «2» وتحويله- والربيع الساقية- وإذا اختلفت الصحابة وجب الرجوع إلى النظر، والنظر، يدل على أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم بعضهم على بعض حرام إلا ما تطيب به النفس خاصة، فهذا هو الثابت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويدل على الخلاف في ذلك قول أبي هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين والله لارمينكم بها، هذا أو نحوه. أجاب الأولون فقالوا: القضاء بالمرفق خارج بالسنة عن معنى قوله عليه السلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) لان هذا معناه التمليك والاستهلاك وليس المرفق من ذلك، لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد فرق بينهما في الحكم. فغير واجب أن يجمع بين ما فرق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وحكى مالك أنه كان بالمدينة قاض يقضي به يسمى أبو المطلب «3». واحتجوا من الأثر بحديث الأعمش عن أنس قال:
__________
(1). كذا في الأصول: قال. إلى. ضمنه معنى ذهب.
(2). راجع الموطأ باب (القضاء في المرافق).
(3). في الأصول: (يسمى المطلب) والتصويب عن شرح الموطأ.

استشهد منا غلام يوم أحد فجعلت أمه تمسح التراب عن وجهه وتقول: أبشر هنيئا لك الجنة، فقال لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره). والأعمش لا يصح له سماع من أنس، والله أعلم. قاله أبو عمر. العاشرة- ورد حديث جمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه مرافق الجار، وهو حديث معاذ بن جبل قال: قلنا يا رسول الله، ما محق الجار؟ قال: (إن استقرضك أقرضته وإن استعانك أعنته وإن احتاج أعطيته وإن مرض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير سرك وهنيته وإن أصابته مصيبة ساءتك وعزيته ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تعرف له منها ولا تستطل عليه بالبناء لتشرف عليه وتسد عليه الريح إلا بإذنه وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها وإلا فأدخلها سرا لا يخرج ولدك بشيء منه يغيظون به ولده وهل تفقهون ما أقول لكم لن يؤدي حق الجار إلا القليل ممن رحم الله) أو كلمة نحوها. هذا حديث جامع وهو حديث حسن، في إسناده أبو الفضل عثمان بن مطر الشيباني غير مرضي. الحادية عشرة- قال العلماء: الأحاديث في إكرام الجار جاءت مطلقة غير مقيدة حتى الكافر كما بينا. وفي الخبر قالوا: يا رسول الله أنطعمهم من لحوم النسك؟ قال: (لا تطعموا المشركين من نسك المسلمين). ونهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عن إطعام المشركين من نسك المسلمين يحتمل النسك الواجب في الذمة الذي لا يجوز للناسك أن يأكل منه ولا أن يطعمه الأغنياء، فأما غير الواجب الذي يجزيه إطعام الأغنياء فجائز أن يطعمه أهل الذمة. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة عند تفريق لحم الأضحية: (ابدئي بجارنا اليهودي). وروي أن شاة ذبحت في أهل عبد الله بن عمرو فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟- ثلاث مرات- سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه). الثانية عشرة- قوله تعالى: (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) أي الرفيق في السفر. وأسند الطبري أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين،

فدخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غيضة «1»، فقطع قضيبين أحدهما معوج، فخرج وأعطى لصاحبه القويم، فقال: كنت يا رسول الله أحق بهذا! فقال: (كلا «2» يا فلان إن كل صاحب يصحب آخر فإنه مسئول عن صحابته ولو ساعة من نهار). وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: للسفر مروءة وللحضر مروءة، فأما المروءة في السفر فبذل الزاد، وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاج في غير مساخط الله. وأما المروءة في الحضر فالادمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن وكثرة الاخوان في الله عز وجل. ولبعض بني أسد- وقيل إنها لحاتم الطائي:
إذا ما رفيقي لم يكن خلف ناقتي ... له مركب فضلا فلا حملت رجلي
ولم يك من زادي له شطر مزودي ... فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا فضل
شريكان فيما نحن فيه وقد أرى ... علي له فضلا بما نال من فضلي
وقال علي وابن مسعود وابن أبي ليلى: (الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) الزوجة. ابن جريج: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك. والأول أصح، وهو قول ابن عباس وابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك. وقد تتناول الآية الجميع بالعموم. والله أعلم. الثالثة عشرة- قوله تعالى: (وَابْنِ السَّبِيلِ) قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارا. والسبيل الطريق، فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه. ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده. الرابعة عشرة- قوله تعالى: (وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أمر الله تعالى بالإحسان إلى المماليك، وبين ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فروى مسلم وغيره عن المعرور بن سويد قال: مررنا بأبي ذر بالربذة «3» وعليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة، فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلقيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (يا أبا ذر إنك امرؤ
__________
(1). الغيضة (بالفتح): الأجمة ومجتمع الشجر في مغيض ماء.
(2). في الطبري (كلا) وسقطت من الأصول وابن عطية.
(3). الربذة (بالتحريك). من قرى المدينة على ثلاثة أميال، بها مدفن أبى ذر الغفاري رضى الله عنه.

فيك جاهلية) قلت: يا رسول الله، من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال: (يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم (. وروي عن أبي هريرة أنه ركب بغلة ذات يوم فأردف غلامه خلفه، فقال له قائل: لو أنزلته يسعى خلف دابتك، فقال أبو هريرة: لان يسعى معي ضغثان «1» من نار يحرقان مني ما أحرقا أحب إلي من أن يسعى غلامي خلفي. وخرج أبو داود عن أبي ذر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من لايمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون ومن لا يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله (. لايمكم وافقكم. والملائمة الموافقة. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:) للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق) وقال عليه السلام: (لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل فتاي وفتأتي) وسيأتي بيانه في سورة يوسف «2» عليه السلام. فندب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السادة إلى مكارم الأخلاق وحضهم عليها وأرشدهم إلى الإحسان وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يرو الا نفسهم مزية على عبيدهم، إذ الكل عبيد الله والمال مال الله، لكن سخر بعضهم لبعض، وملك بعضهم بعضا إتماما للنعمة وتنفيذا للحكمة، فإن أطعموهم أقل مما يأكلون، وألبسوهم أقل مما يلبسون صفه ومقدارا جاز إذا قام بواجبه عليه. ولا خلاف في ذلك والله أعلم. وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان «3» له فدخل فقال: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال لا. قال: فأنطلق فأعطهم، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم). الخامسة عشرة- ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (من ضرب عبده حدا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه «4»). ومعناه أن يضربه قدر الحد ولم يكن عليه حد. وجاء عن نفر من الصحابة أنهم اقتصوا للخادم من الولد في الضرب وأعتقوا الخادم لما لم يرد
__________
(1). ضغثان: خرمتان من حطب فاستعار هما للنار، يعنى أنهما قد اشتعلتا وصارتا نارا.
(2). راجع ج 9 ص 176، 188، 222.
(3). القهرمان (بفتح القاف وتضم) كالخازن والوكيل، والحافظ. لما تحت يده والقائم بأمور الرجل، بلغة الفرس.
(4). الحديث في مسلم: (ضرب غلاما له- فان كفارته). [.....]

القصاص. وقال عليه السلام: (من قذف مملوكه بالزنى أقام عليه الحد يوم القيامة ثمانين). وقال عليه السلام: (لا يدخل الجنة سيئ الملكة «1»). وقال عليه السلام: (سوء الخلق شوم وحسن الملكة نماء وصلة الرحم تزيد في العمر والصدقة تدفع ميتة السوء). السادسة عشرة- واختلف العلماء من هذا الباب أيهما أفضل الحر أو العبد، فروى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (للعبد المملوك المصلح أجران) والذي نفس أبي هريرة بيد لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. وروي عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين). فاستدل بهذا وما كان مثله من فضل العبد، لأنه مخاطب من جهتين: مطالب بعبادة الله، مطالب بخدمة سيده. وإلى هذا ذهب أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري وأبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد العامري البغدادي الحافظ. استدل من فضل الحر بأن قال: الاستقلال بأمور الدين والدنيا وإنما يحصل بالأحرار والعبد كالمفقود لعدم استقلاله، وكالآلة المصرفة بالقهر، وكالبهيمة المسخرة بالجبر، ولذلك سلب مناصب الشهادات ومعظم الولايات، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار إشعارا بخسة المقدار، والحر وإن طولب من جهة واحدة فوظائفه فيها أكثر، وعناؤه أعظم فثوابه أكثر. وقد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله: لولا الجهاد والحج، أي لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور. والله أعلم. السابعة عشرة- روى أنس بن مالك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه، وما زال يوصيني بالنساء حتى ظننت أنه سيحرم طلاقهن، وما زال يوصيني بالمماليك حتى ظننت أنه سيجعل لهم مدة إذا انتهوا إليها عتقوا، وما زال يوصيني بالسواك حتى خشيت أن يحفي فمي- وروي حتى كاد-
__________
(1). أي الذي يسئ صحبة المماليك.

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37)

وما زال يوصيني بقيام الليل حتى ظننت أن خيار أمتي لا ينامون ليلا (. ذكره أبو الليث السمرقندي في تفسيره. الثامنة عشرة- قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ) أي لا يرضى. (مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً) فنفى سبحانه محبته ورضاه عمن هذه صفته، أي لا يظهر عليه آثار نعمه في الآخرة. وفي هذا ضرب من التوعد. والمختال ذو الخيلاء أي الكبر. والفخور: الذي يعدد مناقبه كبرا. والفخر: البذخ «1» والتطاول. وخص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهم ممن ذكر في الآية فيضيع أمر الله بالإحسان إليهم. وقرا عاصم فيما ذكر المفضل عنه والجار الجنب بفتح الجيم وسكون النون. قال المهدوي: هو على تقدير حذف المضاف، أي والجار ذى الجنب أي ذى الناحية. وأنشد الأخفش:
الناس جنب والأمير جنب «2»

والجنب الناحية، أي المتنحي عن القرابة. والله أعلم.

[سورة النساء (4): آية 37]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37)
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) (الَّذِينَ) في موضع نصب على البدل من (مَنْ) في قوله: (مَنْ كانَ) ولا يكون صفة، لان (من) و(ما) لا يوصفان ولا يوصف بهما. ويجوز أن يكون في موضع رفع بدلا من المضمر الذي في فخور. ويجوز أن يكون في موضع رفع فيعطف عليه «3». ويجوز أن يكون ابتداء والخبر محذوف، أي الذين يبخلون، لهم كذا، أو يكون الخبر (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ). ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار
__________
(1). في ط: المدح.
(2). كأنه عدل بجميع الناس.
(3). أي فيعطف عليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ) كما في اعراب القرآن للنحاس.

وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38)

أعني، فتكون الآية في المؤمنين، فتجيء الآية على هذا التأويل أن الباخلين منفية عنهم محبة الله، فأحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمي فإن الله لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان. الثانية- قوله تعالى: (يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) البخل المذموم في الشرع هو الامتناع من أداء ما أوجب الله تعالى عليه. وهو مثل قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الآية. وقد مضى في (آل عمران) القول في البخل وحقيقته، والفرق بينه وبين الشح مستوفى «1». والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس وغيره اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: المراد المنافقون الذين كان إنفاقهم وإيمانهم تقية، والمعنى إن الله لا يحب كل مختال فخور، ولا الذين يبخلون، على ما ذكرنا من إعرابه. قوله تعالى: (وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) فصل تعالى توعد المؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأول عدم المحبة والثاني عذابا مهينا.

[سورة النساء (4): آية 38]
وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38)
فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ) الآية. عطف تعالى على (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ): (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ). وقيل: هو عطف على الكافرين، فيكون في موضع خفض. ومن رأى زيادة الواو أجاز أن يكون الثاني عنده خبرا للأول. قال الجمهور نزلت في المنافقين: لقوله تعالى: (رِئاءَ النَّاسِ)
والرئاء من النفاق. مجاهد: في اليهود. وضعفه الطبري، لأنه تعالى نفى عن هذه الصنفة «2» الايمان بالله واليوم الآخر، واليهود
__________
(1). راجع ج 4 ص 290.
(2). الصنفة (بكسر الصاد وسكون النون): طائفة من القبيلة. وقيل: طائفة من كل شي.

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)

ليس كذلك. قال ابن عطية: وقول مجاهد متجه على المبالغة والإلزام، إذ إيمانهم باليوم الآخر كلا إيمان من حيث لا ينفعهم. وقيل: نزلت في مطعمي يوم بدر، وهم رؤساء مكة، أنفقوا على الناس ليخرجوا إلى بدر. قال ابن العربي: ونفقة الرئاء تدخل في الأحكام من حيث إنها لا تجزئ. قلت: ويدل على ذلك من الكتاب قول تعالى: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ) وسيأتي «1». الثانية- قوله تعالى: (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً) في الكلام إضمار تقديره (وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) فقرينهم الشيطان (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً). والقرين: المقارن، أي الصاحب والخليل وهو فعيل من الاقران، قال عدي ابن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي «2»
والمعنى: من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه. ويجوز أن يكون المعنى من قرن به الشيطان في النار (فَساءَ قَرِيناً) أي فبئس الشيطان قرينا، وهو نصب على التمييز.

[سورة النساء (4): آية 39]
وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39)
(ما) في موضع رفع بالابتداء و(ذا) خبره، وذا بمعنى الذي. ويجوز أن يكون ما وذا اسما واحدا. فعلى الأول تقديره وما الذي عليهم، وعلى الثاني تقديره وأى شي عليهم (لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، أي صدقوا بواجب الوجود، وبما جاء به الرسول من تفاصيل الآخرة، (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ). (وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً) تقدم معناه في غير موضع.

[سورة النساء (4): آية 40]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40)
__________
(1). راجع ج 8 ص 161.
(2). في ب وج وز وط: فان القرين. وفى د وط: وأبصر قرينه. وهي رواية. وروى هذا البيت لطرفة.

قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها. والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً «1»). والذرة: النملة الحمراء، عن ابن عباس وغيره، وهي أصغر النمل. وعنه أيضا رأس النملة. وقال يزيد بن هارون: زعموا أن الذرة ليس لها وزن. ويحكى أن رجلا وضع خبزا حتى علاه الذر مقدار ما يستره ثم وزنه فلم يزد على وزن الخبز شيئا. قلت: والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزنا، كما أن للدينار ونصفه وزنا. والله أعلم. وقيل: الذرة الخردلة، كما قال تعالى: (فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها «2»). وقيل غير هذا، وهي في الجملة عبارة عن أقل الأشياء وأصغرها. وفي صحيح مسلم عن أنس قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الله لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل لله بها في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها (. قوله تعالى: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها) أي يكثر ثوابها. وقرا أهل الحجاز (حسنة) بالرفع، والعامة بالنصب، فعلى الأول (تَكُ) بمعنى تحدث، فهي تامة. وعلى الثاني هي الناقصة، أي إن تك فعلته حسنة. وقرا الحسن (نضاعفها) بنون العظمة. والباقون بالياء، وهي أصح، لقوله (وَيُؤْتِ). وقرا أبو رجاء (يضعفها)، والباقون (يُضاعِفْها) وهما لغتان معناهما التكثير. وقال أبو عبيدة: (يُضاعِفْها) معناه يجعله أضعافا كثيرة، (ويضعفها) بالتشديد يجعلها ضعفين. (مِنْ لَدُنْهُ) من عنده. وفية أربع لغات «3»: لدن ولدن ولد ولدي، فإذا أضافوه إلى أنفسهم شددوا النون، ودخلت عليه (من) حيث كانت (من) الداخلة لابتداء الغاية و(لدن) كذلك، فلما تشاكلا حسن دخول (من) عليها، ولذلك قال سيبويه في لدن: إنه الموضع الذي هو أول الغاية. (أَجْراً عَظِيماً) يعني الجنة. وفي صحيح مسلم من حديث
__________
(1). راجع ج 8 ص 346.
(2). راجع ج 11 ص 293.
(3). في كتب اللغة أكثر من أربع، منها مع المذكور: لدن ولدن.

أبي سعيد الخدري الطويل- حديث الشفاعة- وفية: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون فيقال لهم أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به فيقول عز وجل أرجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا (. وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) وذكر الحديث. وروي عن ابن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف وينادي مناد على رءوس الخلائق هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقول آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين لي وقد ذهبت الدنيا عني فيقول الله تعالى للملائكة انظروا إلى أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا رب- وهو أعلم بذلك منهم- قد أعطي لكل ذي حق حقه وبقي مثقال ذرة من حسنة فيقول الله تعالى للملائكة ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداقه (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها)- وإن كان عبدا شقيا قالت الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته وبقي طالبون كثير فيقول تعالى خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكا إلى النار (. فالآية على هذا التأويل في الخصوم، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له، فذلك قوله تعالى: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها). وروى أبو هريرة قال سمعت رسول

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)

الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إن الله سبحانه يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة) وتلا (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً). قال عبيدة قال أبو هريرة: وإذا قال الله (أَجْراً عَظِيماً) فمن الذي يقدر قدره! وقد تقدم عن ابن عباس وابن مسعود: أن هذه الآية إحدى الآيات التي هي خير مما طلعت عليه الشمس.

[سورة النساء (4): آية 41]
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41)
فتحت الفاء لالتقاء الساكنين، و(إِذا) ظرف زمان والعامل فيه (جِئْنا). ذكر أبو الليث السمرقندي: حدثنا الخليل بن أحمد «1» قال حدثنا ابن منيع قال: حدثنا أبو «2» كامل قال حدثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاهم في بني ظفر «3» فجلس على الصخرة التي في بني ظفر ومعه ابن مسعود ومعاذ وناس من أصحابه فأمر قارئا يقرأ حتى إذا أتى على هذه الآية (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) بكى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى اخضلت وجنتاه، فقال: (يا رب هذا على من أنا بين ظهرانيهم فكيف من «4» لم أرهم). وروى البخاري عن عبد الله قال. قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اقرأ علي) قلت: أقرا عليك وعليك أنزل؟ قال: (انى أحب أن أسمعه من غيرى) فقرأت عليه سورة (النساء) حتى بلغت (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) قال: (أمسك) فإذا عيناه تذرفان. وأخرجه مسلم وقال بدل قوله (أمسك): فرفعت رأسي- أو غمزني رجل إلى جنبي- فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل. قال علماؤنا: بكاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الامر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم القيامة شهيدا. والإشارة بقوله
__________
(1). الخليل بن أحمد لعله الأصبهاني.
(2). من ز وط وى. وفى غيرها: ابن كامل.
(3). بنو ظفر (محركة) بطن في الأنصار، وبطن في بنى سليم. [.....]
(4). في ابن كثير: (هذا شهدت على من أنا بين ظهرانيهم فكيف بمن لم أرهم).

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)

(عَلى هؤُلاءِ) إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خص كفار قريش بالذكر لان وظيفة العذاب أشد عليهم منها على غيرهم، لعنادهم عند رؤية المعجزات، وما أظهره الله على يديه من خوارق العادات. والمعنى فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة (إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) أمعذبين أم منعمين؟ وهذا استفهام معناه التوبيخ. وقيل: الإشارة إلى جميع أمته. ذكر ابن المبارك أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال ابن عمرو حدثه أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم، يقول الله تبارك وتعالى (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) يعني بنبيها (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً). وموضع (فَكَيْفَ) نصب بفعل مضمر، التقدير فكيف يكون حالهم، كما ذكرنا. والفعل المضمر قد يسد مسد (إِذا)، والعامل في (إِذا) (جِئْنا). و(شَهِيداً) حال. وفي الحديث من الفقه جواز قراءة الطالب على الشيخ والعرض عليه، ويجوز عكسه. وسيأتي بيانه في حديث أبي في سورة (لم يكن «1»)، إن شاء الله تعالى. [و (شَهِيداً) نصب على الحال «2» [.

[سورة النساء (4): آية 42]
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42)
ضمت الواو في (عَصَوُا) لالتقاء الساكنين، ويجوز كسرها. وقرا نافع وابن عامر (تسوى) بفتح التاء والتشديد في السين. وحمزة والكسائي كذلك إلا أنهما خففا السين. والباقون ضموا التاء وخففوا السين، مبنيا للمفعول والفاعل غير مسمى. والمعنى لو يسوي الله بهم الأرض. أي يجعلهم والأرض سواء. ومعنى آخر: تمنوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم، لأنهم من التراب نقلوا. وعلى القراءة الاولى والثانية فالأرض فاعلة، والمعنى تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها، قاله قتادة. وقيل: الباء بمعنى على، أي لو تسوى عليهم أي تنشق فتسوى عليهم، عن الحسن. فقراءة التشديد على الإدغام، والتخفيف على
__________
(1). راجع ج 20 ص 142 ولم يأت بشيء.
(2). هذه الزيادة من ج ود وى.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

حذف التاء. وقيل: إنما تمنوا هذا حين رأوا البهائم تصير ترابا وعلموا أنهم مخلدون في النار، وهذا معنى قوله تعالى:َ- يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
«1»وقيل: إنما تمنوا هذا حين شهدت هذه الامة للأنبياء على ما تقدم في (البقرة) عند قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «2») الآية. فتقول الأمم الخالية: إن فيهم الزناة والسراق فلا تقبل شهادتهم فيزكيهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقول المشركون: (وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ «3») فيختم على أفواههم وتشهد أرجلهم وأيديهم بما كانوا يكسبون، فذلك قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) يعني تخسف بهم. والله أعلم. قاله تعالى: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) قال الزجاج: قال بعضهم: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) مستأنف، لان ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم: هو معطوف، والمعنى يود لو أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا، لأنه ظهر كذبهم. وسيل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: (وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) فقال: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: (وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثا. وقال الحسن وقتادة: الآخرة مواطن يكون هذا في بعضها وهذا في بعضها. ومعناه أنهم لما تبين لهم وحوسبوا لم يكتموا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في (الانعام «4») إن شاء الله تعالى.

[سورة النساء (4): آية 43]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43)
__________
(1). راجع ج 19 ص 183.
(2). راجع ج 2 ص 153.
(3). راجع ج 6 ص 401
(4). راجع ج 6 ص 401

فيه أربع وأربعون مسألة: الأولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) خص الله سبحانه وتعالى بهذا الخطاب المؤمنين، لأنهم كانوا يقيمون الصلاة وقد أخذوا من الخمر وأتلفت عليهم أذهانهم فخصوا بهذا الخطاب، إذ كان الكفار لا يفعلونها صحاة ولا سكارى. روى أبو داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في البقرة (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ «1» قال: فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في النساء (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) فكان منادي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا [في الخمر «2»] بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «3») قال عمر: انتهينا. وقال سعيد بن جبير: كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا، فكانوا يشربونها أول الإسلام حتى نزلت: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ). قالوا: نشربها للمنفعة لا للإثم، فشربها رجل فتقدم يصلي بهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، فنزلت: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ). فقالوا: في غير عين الصلاة. فقال عمر: اللهم أنزل علينا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت: (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ) الآية. فقال عمر: انتهينا، انتهينا. ثم طاف منادي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا إن «4» الخمر قد حرمت، على ما يأتي بيانه في (المائدة) إن شاء الله تعالى: وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) ونحن نعبد ما تعبدون. قال: فأنزل الله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ووجه الاتصال والنظم بما قبله أنه قال سبحانه وتعالى:
__________
(1). راجع ج 3 ص 51.
(2). من ج.
(3). راجع ج 6 ص 275.
(4). كذا في ج، وفي ط وز وى: الا انما.

(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (. ثم ذكر بعد الايمان الصلاة التي هي رأس العبادات، ولذلك يقتل تاركها ولا يسقط فرضها، وانجر الكلام إلى ذكر شروطها التي لا تصح إلا بها. الثانية- والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد بالسكر سكر الخمر، إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم، لقوله عليه السلام: (إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه). وقال عبيدة السلماني: (وَأَنْتُمْ سُكارى ) يعني إذا كنت حاقنا «1»، لقوله عليه السلام: (لا يصلين أحدكم وهو حاقن) في رواية (وهو ضام بين فخذيه). قلت: وقول الضحاك وعبيدة صحيح المعنى، فإن المطلوب من المصلي الإقبال على الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره، والخلو عن كل ما يشوش عليه من نوم وحقنه وجوع، وكل ما يشغل البال ويغير الحال. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة «2» فابدءوا بالعشاء). فراعى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوال كل مشوش يتعلق به الخاطر، حتى يقبل على عبادة ربه بفراغ قلبه وخالص لبه، فيخشع في صلاته. ويدخل في هذه الآية: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ «3») على ما يأتي بيانه. وقال ابن عباس: إن قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى ) منسوخ بآية المائدة: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) الآية. فأمروا على هذا القول بألا يصلوا سكارى، ثم أمروا بأن يصلوا على كل حال، وهذا قبل التحريم. وقال مجاهد: نسخت بتحريم الخمر. وكذلك قال عكرمة وقتادة، وهو الصحيح في الباب لحديث علي المذكور. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أقيمت الصلاة فنادى منادي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يقربن الصلاة سكران، ذكره النحاس. وعلى قول الضحاك وعبيدة الآية محكمة لا نسخ فيها. الثالثة- قوله تعالى: (لا تَقْرَبُوا) إذا قيل: لا تقرب «4» بفتح الراء كان معناه لا تلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه. والخطاب لجماعة الامة
__________
(1). الحاقن: المجتمع بوله كثيرا.
(2). في ج وط وى: العشاء. وهو رواية. راجع كشف الخفاء. ج 1 ص 87. ففيه بسط.
(3). راجع ج 12 ص 102. [.....]
(4). في ج: تقربوا، تلبسوا، تنوا.

الصاحين. وأما السكران إذا عدم الميز لسكره فليس بمخاطب في ذلك الوقت لذهاب عقله، وإنما هو مخاطب بامتثال ما يجب عليه، وبتكفير ما ضيع في وقت سكره من الأحكام التي تقرر تكليفه إياها قبل السكر. الرابعة- قوله تعالى: (الصَّلاةَ) اختلف العلماء في المراد بالصلاة هنا، فقالت طائفة: هي العبادة المعروفة نفسها، وهو قول أبي حنيفة، ولذلك قال (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ). وقالت طائفة: المراد مواضع الصلاة، وهو قول الشافعي، فحذف المضاف. وقد قال تعالى (لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ «1») فسمى مواضع الصلاة صلاة. ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) هذا يقتضي جواز العبور للجنب في المسجد لا الصلاة فيه. وقال أبو حنيفة: المراد بقوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، وسيأتي بيانه. وقالت طائفة: المراد الموضع والصلاة معا، لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين. الخامسة- قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ سُكارى ) ابتداء وخبر، جملة في موضع الحال من (تَقْرَبُوا). و(سُكارى ) جمع سكران، مثل كسلان وكسالى. وقرا النخعي (سكرى) بفتح السين على مثال فعلى، وهو تكسير سكران، وإنما كسر على سكرى لان السكر آفة تلحق العقل فجرى مجرى صرعى وبابه. وقرا الأعمش (سكرى) كحبلى فهو صفة مفردة، وجاز الاخبار بالصفة المفردة عن الجماعة على ما يستعملونه من الاخبار عن الجماعة بالواحد. والسكر: نقيض الصحو، يقال: سكر يسكر سكرا، من باب حمد يحمد. وسكرت عينه تسكر أي تحيرت، ومنه قوله تعالى: (إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا «2»). وسكرت الشق «3» سددته. فالسكران قد انقطع عما كان عليه من العقل. السادسة- وفي هذه الآية دليل بل نص على أن الشرب كان مباحا في أول الإسلام حتى ينتهي بصاحبه إلى السكر. وقال قوم السكر محرم في العقل وما أبيح في شي من
__________
(1). راجع ج 12 ص 68.
(2). راجع ج 10 ص 8.
(3). في الأصول: سكرت السد سددته، وفى ابن عطية: سكرت الماء سددته.

الأديان، وحملوا السكر في هذه الآية على النوم. وقال القفال: يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية. قلت: وهذا المعنى موجود في أشعارهم، وقد قال حسان:
ونشربها فتتركنا ملوكا

وقد أشبعنا هذا المعنى في (البقرة «1»). قال القفال: فأما ما يزيل العقل حتى يصير صاحبه في حد الجنون والإغماء فما أبيح قصده، بل لو اتفق من غير قصد فيكون مرفوعا عن صاحبه. قلت: هذا صحيح، وسيأتي بيانه في (المائدة) إن شاء الله تعالى في قصة حمزة «2». وكان المسلمون لما نزلت هذه الآية يجتنبون الشرب أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلم يزالوا على ذلك حتى نزل تحريمها في (المائدة) في قوله تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «3»). السابعة- قوله تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ) أي حتى تعلموه متيقنين فيه من غير غلط. والسكران لا يعلم ما يقول، ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن السكران لا يلزمه طلاقه. وروي عن ابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة، وهو قول الليث ابن سعد وإسحاق وأبي ثور والمزني، واختاره الطحاوي وقال: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز، والسكران معتوه كالموسوس معتوه بالوسواس. ولا يختلفون أن من شرب البنج فذهب عقله أن طلاقه غير جائز، فكذلك من سكر من الشراب. وأجازت طائفة طلاقه، وروي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي، واختلف فيه قول الشافعي. والزمه مالك الطلاق والقود في الجراح والقتل، ولم يلزمه النكاح والبيع. وقال أبو حنيفة: أفعال السكران وعقوده كلها ثابتة كأفعال الصاحي، إلا الردة فإنه إذا ارتد [فإنه «4»] لا تبين منه امرأته إلا استحسانا. وقال أبو يوسف: يكون مرتدا في حال سكره، وهو قول الشافعي إلا أنه لا يقتله في حال سكره ولا يستتيبه.
__________
(1). راجع ج 3 ص 55 فما بعدها.
(2). راجع ج 6 ص 287.
(3). راجع ج 6 ص 287.
(4). من ج وط وى.

وقال الامام أبو عبد الله المازري: وقد رويت عندنا «1» رواية شاذة أنه لا يلزم طلاق السكران. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاق ولا عتاق. قال ابن شاس: ونزل الشيخ أبو الوليد الخلاف على المخلط الذي معه بقية من عقله إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه فيخطئ ويصيب. قال: فأما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعال وأحواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى أيضا، إلا فيما ذهب وقته من الصلوات، فقيل: إنها لا تسقط عنه بخلاف المجنون، من أجل أنه بإدخاله السكر على نفسه كالمتعمد لتركها حتى خرج وقتها. وقال سفيان الثوري: حد السكر «2» اختلال العقل، فإذا استقرئ فخلط في قراءته وتكلم بما لا يعرف جلد. وقال أحمد: إذا تغير عقله عن حال الصحة فهو سكران، وحكي عن مالك نحوه. قال ابن المنذر: إذا خلط في قراءته فهو سكران، استدلا لا بقول الله تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ). فإذا كان بحيث لا يعلم ما يقول تجنب «3» المسجد مخافة التلويث، ولا تصح صلاته وإن صلى قضى. وإن كان بحيث يعلم ما يقول فأتى بالصلاة فحكمه حكم الصاحي. الثامنة- قوله تعالى: (وَلا جُنُباً) عطف على موضع الجملة المنصوبة في قوله: (حَتَّى تَعْلَمُوا) أي لا تصلوا وقد أجنبتم. ويقال: تجنبتم وأجنبتم وجنبتم بمعنى. ولفظ الجنب لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، لأنه على وزن المصدر كالبعد والقرب. وربما خففوه فقالوا: جنب، وقد قرأه كذلك قوم. وقال الفراء: يقال جنب الرجل وأجنب من الجنابة. وقيل: يجمع الجنب في لغة على أجناب، مثل عنق وأعناق، وطنب وأطناب. ومن قال للواحد جانب قال في الجمع: جناب، كقولك: راكب وركاب. والأصل البعد، كأن الجنب بعد بخروج الماء الدافق عن حال الصلاة، قال:
فلا تحرمي نائلا عن جنابة ... فإنى امرؤ وسط القباب غريب «4»
ورجل جنب: غريب. والجنابة «5» مخالطة الرجل المرأة.
__________
(1). عندنا ساقط في ط.
(2). في ط وى: السكران.
(3). في ز: يجنب. في ى: يجتنب.
(4). راجع ص 183 من هذا الجزء.
(5). في ى: المجانبة. وهو المتبادر.

التاسعة- والجمهور من الامة على أن الجنب هو غير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان. وروي عن بعض الصحابة ألا غسل إلا من إنزال، لقوله عليه السلام: (إنما الماء من الماء) أخرجه مسلم. وفي البخاري عن أبي بن كعب أنه قال: يا رسول الله، إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟ قال: (يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي). قال أبو عبد الله «1»: الغسل أحوط، وذلك الآخر «2» إنما بيناه لاختلافهم. وأخرجه مسلم في صحيحه بمعناه، وقال في آخره: قال أبو العلاء بن الشخير كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينسخ حديثه بعضه بعضا كما ينسخ القرآن بعضه بعضا. قال أبو إسحاق: هذا منسوخ. وقال الترمذي: كان هذا الحكم في أول الإسلام ثم نسخ. قلت: على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وأن الغسل يجب بنفس التقاء الختانين. وقد كان فيه خلاف بين الصحابة ثم رجعوا فيه إلى رواية عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل). أخرجه مسلم. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم جهدها «3» فقد وجب عليه الغسل). زاد مسلم (وإن لم ينزل). قال ابن القصار: وأجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من قبلهم على الأخذ بحديث (إذا التقى الختانان) وإذا صح الإجماع بعد الخلاف كان مسقطا للخلاف. قال القاضي عياض: لا نعلم أحدا قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حكي عن الأعمش ثم بعده داود الأصبهاني. وقد روي أن عمر رضي الله عنه حمل الناس على ترك الأخذ بحديث (الماء من الماء) لما اختلفوا. وتأوله ابن عباس على الاحتلام أي إنما يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء في الاحتلام. ومتى لم يكن إنزال وإن رأى أنه يجامع فلا غسل. وهذا ما لا خلاف فيه بين كافة العلماء.
__________
(1). أبو عبد الله: كنية البخاري. [.....]
(2). قوله: (وذلك الأخر) أي ذلك الوجه الأخر، أو الحديث الأخر الدال على عدم الغسل.
(3). جهدها: دفعها وحفزها. وقيل: الجهد من أسماء النكاح.

العاشرة- قوله تعالى: (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) يقال: عبرت الطريق أي قطعته من جانب إلى جانب. وعبرت النهر عبورا، وهذا عبر النهر أي شطه، ويقال: [عبر «1» بالضم [. والمعبر ما يعبر عليه من سفينة أو قنطرة. وهذا عابر السبيل أي مار الطريق. وناقة عبر أسفار: لا تزال يسافر عليها ويقطع بها الفلاة والهاجرة لسرعة مشيها. قال الشاعر:
عيرانة سرح اليدين شملة ... عبر الهواجر كالهزف الخاضب «2»
وعبر القوم ماتوا. وأنشد:
قضاء الله يغلب كل شي ... ويلعب بالجزوع وبالصبور
فإن نعبر فإن لنا لمات ... وإن نغبر فنحن على نذور
يقول: إن متنا فلنا أقران، وإن بقينا فلا بد لنا من الموت، حتى كأن علينا في إتيانه نذورا. الحادية عشرة- واختلف العلماء في قوله: (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) فقال علي رضي الله عنه وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم: عابر السبيل المسافر. ولا يصح لاحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال، إلا المسافر فإنه يتيمم، وهذا قول أبي حنيفة، لان الغالب في الماء لا يعدم في الحضر، فالحاضر يغتسل لوجود الماء، والمسافر يتيمم إذا لم يجده. قال ابن المنذر: وقال أصحاب الرأي في الجنب المسافر يمر على مسجد فيه عين ماء يتيمم الصعيد ويدخل المسجد ويستقي منها ثم يخرج الماء من المسجد. ورخصت طائفة في دخول الجنب المسجد. واحتج بعضهم بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (المؤمن ليس بنجس). قال ابن المنذر: وبه نقول. وقال ابن عباس أيضا وابن مسعود وعكرمة والنخعي: عابر السبيل الخاطر المجتاز، وهو قول عمرو بن دينار ومالك والشافعي. وقالت طائفة: لا يمر الجنب في المسجد إلا ألا يجد بدا فيتيمم ويمر فيه، هكذا قال الثوري وإسحاق ابن راهويه. وقال أحمد وإسحاق في الجنب: إذا توضأ لا بأس أن يجلس في المسجد،
__________
(1). من ج وط وى. وفى ز، وا وح. عبر.
(2). العيرانة من الإبل: الناجية في نشاط والسرح: السريعة المشي. وشملة: خفيفة سريعة مشمرة. الهزف: الجافي من الظلمان. أو: الطويل الريش. والخاضب: الظليم إذا أكل الربيع فاحمرت ساقاه وقوادمه.

حكاه ابن المنذر. وروى بعضهم في سبب الآية أن قوما من الأنصار كانت أبواب دورهم شارعة في المسجد، فإذا أصاب أحدهم الجنابة أضطر إلى المرور في المسجد. قلت: وهذا صحيح، يعضده ما رواه أبو داود عن جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: جاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد). ثم دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن تنزل لهم «1» رخصة فخرج إليهم فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب). وفي صحيح مسلم: (لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة «2» أبي بكر). فأمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسد الأبواب لما كان يؤدي [ذلك «3»] إلى اتخاذا المسجد طريقا والعبور فيه. واستثنى خوخة أبي بكر إكراما له وخصوصية، لأنهما كانا لا يفترقان غالبا. وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لم يكن أذن لاحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه إلا علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ورواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما ينبغي لمسلم ولا يصلح أن يجنب في المسجد إلا أنا وعلي). قال علماؤنا وهذا يجوز أن يكون ذلك، لان بيت علي كان في المسجد، كما كان بيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد، وإن كان البيتان لم يكونا في المسجد ولكن كانا متصلين بالمسجد وأبوابهما كانت في المسجد فجعلهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المسجد فقال: (ما ينبغي لمسلم) الحديث. والذي يدل على أن بيت علي كان في المسجد ما رواه ابن شهاب عن سالم بن عبد الله قال: سأل رجل أبي عن علي وعثمان رضي الله عنهما أيهما كان خيرا؟ فقال له عبد الله بن عمر: هذا بيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وأشار إلى بيت علي إلى جنبه، لم يكن في المسجد غيرهما، وذكر الحديث. فلم يكونا يجنبان في المسجد وإنما كانا يجنبان في بيوتهما، وبيوتهما من المسجد إذ كان أبوابهما فيه، فكانا يستطرقانه في حال الجنابة إذا خرجا من بيوتهما. ويجوز أن
__________
(1). في هامش أبى داود ط الهند: فيهم. إليهم بعد.
(2). الخوخة (بفتح الخاء): الباب الصغير بين البيتين أو الدارين.
(3). من ج وط وى.

يكون ذلك تخصيصا لهما، وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خص بأشياء، فيكون هذا مما خص به، ثم خص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليا عليه السلام فرخص له في ما لم يرخص فيه لغيره. وإن كانت أبواب بيوتهم في المسجد، فإنه كان في المسجد أبواب بيوت غير بيتيهما، حتى أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسدها إلا باب علي. وروى عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سدوا الأبواب إلا باب علي) فخصه عليه السلام بأن ترك بابه في المسجد، وكان يجنب في بيته وبيته في المسجد. وأما قوله: (لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر) فإن ذلك كانت- والله أعلم- أبوابا تطلع إلى المسجد خوخات، وأبواب البيوت خارجة من المسجد، فأمر عليه السلام بسد تلك الخوخات وترك خوخة أبي بكر إكراما له. والخوخات كالكوى والمشاكي، وباب علي كان باب البيت الذي كان يدخل منه ويخرج. وقد فسر ابن عمر ذلك بقوله: ولم يكن في المسجد غيرهما. فإن قيل: فقد ثبت عن عطاء بن يسار أنه قال: كان رجال من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصيبهم الجنابة فيتوضئون ويأتون المسجد فيتحدثون فيه. وهذا يدل على أن اللبث في المسجد للجنب جائز إذا توضأ، وهو مذهب أحمد وإسحاق كما ذكرنا. فالجواب أن الوضوء لا يرفع حدث الجنابة، وكل موضع وضع للعبادة وأكرم عن النجاسة الظاهرة ينبغي ألا يدخله من لا يرضى لتلك العبادة، ولا يصح له أن يتلبس بها. والغالب من أحوالهم المنقولة أنهم كانوا يغتسلون في بيوتهم. فإن قيل: يبطل بالمحدث. قلنا: ذلك يكثر وقوعه فيشق الوضوء منه، وفي قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ) ما يغني ويكفي. وإذا كان لا يجوز له اللبث في المسجد فأحرى ألا يجوز له مس المصحف ولا القراءة فيه، إذ هو أعظم حرمة. وسيأتي بيانه في (الواقعة «1») إن شاء الله تعالى. الثانية عشرة- ويمنع الجنب عند علمائنا من قراءة القرآن غالبا إلا الآيات اليسيرة للتعوذ. وقد روى موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه
__________
(1). راجع ج 17 ص 223

وسلم: (لا يقرأ الجنب والحائض شيئا من القرآن) أخرجه ابن ماجة. وأخرج الدارقطني من حديث سفيان عن مسعر، وشعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن علي قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يحجبه عن قراءة القرآن شي إلا أن يكون جنبا. قال سفيان: قال لي شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه. وأخرجه ابن ماجة قال: حدثنا محمد ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، فذكره بمعناه، وهذا إسناد صحيح. وعن ابن عباس، عن عبد الله بن رواحة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب، أخرجه الدارقطني. وروى عن عكرمة قال: كان ابن رواحة مضطجعا إلى جنب امرأته فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع عليها، وفزعت امرأته فلم تجده في مضجعه، فقامت فخرجت فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت فأخذت الشفرة ثم خرجت، وفرغ فقام فلقيها تحمل الشفرة فقال مهيم «1»؟ قالت: مهيم! لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت «2» بين كتفيك بهذه الشفرة. قال: وأين رأيتني؟ قالت: رأيتك على الجارية، فقال: ما رأيتني، وقد نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب. قالت: فأقرأ، [وكانت «3» لا تقرأ القرآن، [فقال:
أتانا رسول الله يتلوا كتابه ... كما لاح مشهور من الفجر ساطع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر. ثم غدا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره، فضحك حتى بدت نواجذه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الثالثة عشرة- قوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) نهى الله سبحانه وتعالى عن الصلاة إلا بعد الاغتسال، والاغتسال معنى معقول، ولفظه عند العرب معلوم، يعبر به عن إمرار اليد مع الماء على المغسول، ولذلك فرقت العرب بين قولهم: غسلت الثوب، وبين قولهم:
__________
(1). مهيم: كلمة يمانية يستفهم بها، معناها: ما وراءك وما شأنك، وما هذا الذي أرى بك، ونحو هذا من الكلام.
(2). الوجه: الضرب بالسكين ونحوه.
(3). من ج.

أفضت عليه الماء وغمسته في الماء. إذا تقرر هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في الجنب يصب على جسده الماء أو ينغمس فيه ولا يتدلك، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا بجزية حتى يتدلك، لان الله سبحانه وتعالى أمر الجنب بالاغتسال، كما أمر المتوضئ بغسل وجهه ويديه، [ولم يكن للمتوضئ بد من إمرار يديه مع الماء على وجهه ويديه، فكذلك جميع جسد الجنب ورأسه في حكم وجه المتوضئ ويديه «1». [وهذا قول المزني واختياره. قال أبو الفرج عمرو بن محمد المالكي: وهذا هو المعقول من لفظ الغسل، لان الاغتسال في اللغة هو الافتعال، ومن لم يمر يديه فلم يفعل غير صب الماء لا يسميه أهل اللسان غاسلا، بل يسمونه صابا للماء ومنغمسا فيه. قال: وعلى نحو هذا جاءت الآثار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وانقوا البشرة) قال: وإنقاؤه والله أعلم- لا يكون إلا بتتبعه، على حد ما ذكرنا. قلت: لا حجة فيما استدل به من الحديث لوجهين: أحدهما- أنه قد خولف في تأويله، قال سفيان بن عيينة: المراد بقوله عليه السلام (وانقوا البشرة) أراد غسل الفرج وتنظيفه، وأنه كنى بالبشرة عن الفرج. قال ابن وهب: ما رأيت ] أحدا «2» [أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة. الثاني: إن الحديث أخرجه أبو داود في سننه وقال فيه: وهذا الحديث ضعيف، كذا في رواية ابن داسة «3». وفي رواية اللؤلؤي عنه: الحارث بن وجيه ضعيف، حديثه منكر، فسقط الاستدلال بالحديث، وبقي المعول على اللسان كما بينا. ويعضده ما ثبت في صحيح الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتي بصبي فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله، روته عائشة، ونحوه عن أم قيس بنت محصن، أخرجهما مسلم. وقال الجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء: يجزئ الجنب صب الماء والانغماس فيه إذا أسبغ وعم وإن لم يتدلك، على مقتضى حديث ميمونة وعائشة في غسل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواهما الأئمة، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفيض الماء على جسده، وبه قال محمد بن عبد الحكم،
__________
(1). الزيادة من ط وج وى.
(2). من ى.
(3). ابن داسة: هو أبو بكر محمد بن بكر البصري الداسى راوي سنن أبى داود. [.....]

واليه رجع أبو الفرج ورواه عن مالك، قال: وإنما أمر بإمرار اليدين في الغسل لأنه لا يكاد من لم يمر يديه عليه يسلم من تنكب الماء عن بعض ما يجب عليه من جسده. وقال ابن العربي: وأعجب لابي الفرج الذي روى وحكى عن صاحب المذهب أن الغسل دون ذلك يجزئ! وما قاله قط مالك نصا ولا تخريجا، وإنما هي من أوهامه. قلت: قد روي هذا عن مالك نصا، قال مروان بن محمد الظاهري وهو ثقة من ثقات الشاميين: سألت مالك بن أنس عن رجل انغمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ، قال: مضت صلاته. قال أبو عمر: فهذه الرواية فيها لم يتدلك ولا توضأ، وقد أجزأه عند مالك. والمشهور من مذهبه أنه لا يجزئه حتى يتدلك، قياسا على غسل الوجه واليدين. وحجة الجماعة أن كل من صب عليه الماء فقد اغتسل. والعرب تقول: غسلتني السماء. وقد حكت عائشة وميمونة صفة غسل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يذكرا تدلكا، ولو كان واجبا ما تركه، لأنه المبين عن الله مراده، ولو فعله لنقل عنه، كما نقل تخليل أصول شعره بالماء وغرفه على رأسه، وغير ذلك من صفة غسله ووضوئه عليه السلام. قال أبو عمر: وغير نكير أن يكون الغسل في لسان العرب مرة بالعرك «1» ومرة بالصب والإفاضة، وإذا كان هذا فلا يمتنع أن يكون الله عز وجل تعبد عباده في الوضوء بإمرار أيديهم على وجوههم مع الماء ويكون ذلك غسلا، وأن يفيضوا الماء على أنفسهم في غسل الجنابة والحيض، ويكون ذلك غسلا موافقا للسنة غير خارج من اللغة ويكون كل واحد من الأمرين أصلا في نفسه، لا يجب أن يرد أحدهما إلى صاحبه، لان الأصول لا يرد بعضها إلى بعض قياسا- وهذا ما لا خلاف فيه بين علماء الامة. وإنما ترد الفروع قياسا على الأصول. وبالله التوفيق. الرابعة عشرة- حديث ميمونة وعائشة يرد ما رواه شعبة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه سبعا وفرجه سبعا. وقد روي عن ابن عمر قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرار، وغسل البول من الثوب سبع مرار،
__________
(1). العرك: الدلك.

فلم يزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا، والغسل من الجنابة مرة «1»، والغسل من البول مرة. قال ابن عبد البر، وإسناد هذا الحديث عن ابن عمر فيه ضعف ولين، وإن كان أبو داود قد خرجه والذي قبله عن شعبة مولى ابن عباس، وشعبة هذا ليس بالقوي، ويرد هما حديث عائشة وميمونة. الخامسة عشرة- ومن لم يستطع إمرار يده على جسده فقد قال سحنون: يجعل من يلي ذلك منه، أو يعالجه بخرقه. وفي الواضحة: يمر يديه على ما يدركه من جسده، ثم يفيض الماء حتى يعم ما لم تبلغه يداه. السادسة- واختلف قول مالك في تخليل الجنب لحيته، فروى ابن القاسم عنه أنه قال: ليس عليه ذلك. وروى أشهب عنه أن عليه ذلك. قال ابن عبد الحكم: ذلك هو أحب إلينا، لان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخلل شعره في غسل الجنابة، وذلك عام وإن كان الأظهر فيه شعر رأسه، وعلى هذين القولين العلماء. ومن جهة المعنى أن استيعاب جميع الجسد في الغسل واجب، والبشرة التي تحت اللحية من جملته، فوجب إيصال الماء إليها ومباشرتها باليد. وإنما انتقل الفرض إلى الشعر في الطهارة الصغرى لأنها مبنية على التخفيف، ونيابة «2» الابدال فيها من غير ضرورة، ولذلك جاز فيها المسح على الخفين ولم يجز في الغسل. قلت: ويعضد هذا قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (تحت كل شعرة جنابة). السابعة عشرة- وقد بالغ قوم فأوجبوا المضمضة والاستنشاق، لقوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) منهم أبو حنيفة، ولأنهما من جملة الوجه وحكمهما حكم ظاهر الوجه كالخد والجبين، فمن تركهما وصلي الله عليه وسلم أعاد كمن ترك لمعة «3»، ومن تركهما في وضوئه فلا إعادة عليه. وقال مالك: ليستا بفرض لا في الجنابة ولا في الوضوء، لأنهما باطنان [فلا يجب «4»] كداخل الجسد. وبذلك قال محمد بن جرير الطبري والليث بن سعد والأوزاعي وجماعة من التابعين. وقال ابن أبي ليلى وحماد بن أبي سليمان: هما فرض في الوضوء والغسل جميعا، وهو قول إسحاق
__________
(1). في ج: ثلاث مرات.
(2). في اوج وح وو: وبيانه ألا يدلك، وفى ط وز: وبيانه الا بدال.
(3). اللمعة: الموضع لا يصيبه الماء في الوضوء أو الغسل.
(4). من ج.

وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب داود. وروي عن الزهري وعطاء مثل هذا القول. وروي عن أحمد أيضا أن المضمضة سنة والاستنشاق فرض، وقال به بعض أصحاب داود. وحجة من لم يوجبهما أن الله سبحانه لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما رسوله، ولا اتفق الجميع عليه، والفرائض لا تثبت إلا بهذه الوجوه. احتج من أوجبهما بالآية، وقوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فما وجب في الواحد من الغسل وجب في الآخر، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يحفظ عنه أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في غسله من الجنابة، وهو المبين عن الله مراده قولا وعملا. احتج من فرق بينهما بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل المضمضة ولم يأمر بها وأفعاله مندوب إليها ليست بواجبة إلا بدليل، وفعل الاستنشاق وأمر به، وأمره على الوجوب أبدا. الثامنة عشرة- قال علماؤنا: ولا بد في غسل الجنابة من النية، لقوله تعالى: (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) وذلك يقتضي النية، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وكذلك الوضوء والتيمم. وعضدوا هذا وبقوله تعالى: (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ «1» الدِّينَ) والإخلاص النية في التقرب إلى الله تعالى، والقصد له بأداء ما افترض على عباده المؤمنين، وقال عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات) وهذا عمل. وقال الأوزاعي والحسن: يجزئ الوضوء والتيمم بغير نية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: كل طهارة بالماء فإنها تجزئ بغير نية، ولا يجزئ التيمم إلا بنية، قياسا على إزالة النجاسة بالإجماع من الأبدان والثياب بغير نية. ورواه الوليد بن مسلم عن مالك. التاسعة عشرة- وأما قدر الماء الذي يغتسل به، فروى مالك عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عائشة [أم المؤمنين «2»] رضي الله عنها أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة. (الفرق) تحرك رأوه وتسكن. قال ابن وهب: (الفرق) مكيال من الخشب، كان ابن شهاب يقول: إنه يسع خمسة أقساط بأقساط بني أمية. وقد فسر محمد بن عيسى الأعشى (الفرق) فقال: ثلاثة آصع، قال: وهي خمسة أقساط، قال:
__________
(1). راجع ج 20 ص 144.
(2). من ج وط.

وفي الخمسة أقساط اثنا عشر مدا بمد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي صحيح مسلم قال سفيان: (الفرق) ثلاثة آصع. وعن أنس قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد. وفي رواية: يغتسل بخمسة مكاكيك ويتوضأ بمكوك «1». وهذه الأحاديث تدل على استحباب تقليل الماء من غير كيل ولا وزن، يأخذ منه الإنسان بقدر ما يكفي ولا يكثر منه، فإن الإكثار منه سرف والسرف مذموم. ومذهب الإباضية الإكثار من الماء «2»، وذلك من الشيطان. الموفية عشرين- قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) هذه آية التيمم، نزلت في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح، فرخص له في أن يتيمم، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس. وقيل: نزلت بسبب عدم الصحابة الماء في غزوة (المريسيع «3») حين انقطع العقد لعائشة. أخرج الحديث مالك من رواية عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة. وترجم البخاري هذه الآية في كتاب التفسير: حدثنا محمد قال: أخبرنا عبدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: هلكت قلادة لأسماء فبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طلبها رجالا، فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم يجدوا ماء فصلوا وهم على غير وضوء