روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
/////////

 حمل المصحف

دعائي

فسبحان الله وبحمده  عدد خلقه وزنة عرشه  ورضا نفسه ومداد كلماته} أقولها ما حييت وبعد موتي  والي يوم الحساب وارحم  واغفر اللهم لوالديَّ ومن مات من اخوتي واهلي والمؤمنين منذ خَلَقْتَ الخلق الي يوم الحساب آمين وفرِّجِ كربي وردَّ اليَّ عافيتي وارضي عني في الدارين  واعِنِّي علي أن اُنْفِقها في سبيلك يا ربي اللهم فرِّج كربي واكفني همي واكشف البأساء والضراء عني وعنا.. وردَّ إليَّ عافيتي وثبتني علي دينك الحق ولا تُزِغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب اللهم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وتوفنا مع الأبرار وألِّفْ بين قلوبنا اجمعين.يا عزيز يا غفار ... اللهم واشفني شفاءاً لا يُغَادر سقما واعفو عني وعافني وارحمني وفرج كربي واكفني همي واعتقني مما أصابني من مكروه أنت تعلمه واعتقني من النار وقني عذاب القبر وعذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم ومن غلبة الدين وقهر الرجال اللهم آمين *اللهم ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عُقَد لساني واغنني بك عمن سواك يارب

الثلاثاء، 14 يونيو 2022

مجلد 19.و20..الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي

 مجلد 19.و20..الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي

19.  مجلد 19..الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)


على أن المراد باللزام هنا ما نزل بهم يوم بدر، وهو قول عبد الله ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي مالك ومجاهد ومقاتل وغيرهم. وفي صحيح مسلم عن عبد الله: وقد مضت البطشة والدخان واللزام. وسيأتي مبينا في سورة" الدخان" إن شاء الله تعالى. وقالت فرقة: هو توعد بعذاب الآخرة. وعن ابن مسعود أيضا: اللزام التكذيب نفسه، أي لا يعطون التوبة منه، ذكره الزهراوي، فدخل في هذا يوم بدر وغيره من العذاب الذي يلزمونه. وقال أبو عبيدة: لزاما فيصلا [أي ] فسوف يكون فيصلا بينكم وبين المؤمنين. والجمهور من القراء على كسر اللام، وأنشد أبو عبيدة لصخر: فإما ينجوا من خسف أرض فقد لقيا حتوفهما لزاما ولزاما وملازمة واحد. وقال الطبري:" لِزاماً" يعني عذابا دائما لازما، وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض، كقول أبي ذؤيب: ففاجأه بعادية «1» لزام كما يتفجر الحوض اللقيف يعني باللزام الذي يتبع بعضه بعضا، وباللقيف المتساقط الحجارة المتهدم. النحاس: وحكى أبو حاتم عن أبي زيد قال سمعت قعنبا أبا السمال يقرأ:" لزاما" بفتح اللام. قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم والكسر أولى، يكون مثل قتال ومقاتلة، كما أجمعوا على الكسر في قوله عز وجل:" وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى". قال غيره: اللزام بالكسر مصدر لازم لزاما مثل خاصم خصاما، واللزام بالفتح مصدر لزم مثل سلم سلاما أي سلامة، فاللزام بالفتح اللزوم، واللزام الملازمة، والمصدر في القراءتين وقع موقع اسم الفاعل، فاللزام وقع موقع ملازم، واللزام وقع موقع لازم. كما قال تعالى:" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً" أي غائرا. قال النحاس: وللفراء قول في اسم يكون، قال: يكون مجهولا وهذا غلط، لان المجهول لا يكون خبره إلا جملة، كما قال تعالى:" إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ" وكما حكى النحويون كان زيد منطلق ويكون المبتدأ وخبره خبر المجهول، والتقدير: كان الحديث، فأما أن يقال كان منطلقا، ويكون في كان مجهول فلا يجوز عند أحد
علمناه. وبالله التوفيق وهو المستعان والحمد لله رب العالمين.
__________
(1). العادية: القوم يعدون على أرجلهم، أي فحملتهم لزام كأنهم لزموه لا يفارقون ما هم فيه. وشبه حملتهم بتهدم الحوض إذا تهدم. ويروي:
فلم ير غير عادية لزاما

طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)

سورة الشعراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هي مكية في قول الجمهور. وقال مقاتل: منها مدني، الآية التي يذكر فيها الشعراء، وقوله:" أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ". وقال ابن عباس وقتادة: مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله:" وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ" إلى آخرها. وهي مائتان وسبع وعشرون آية. وفي رواية: ست وعشرون. وعن ابن عباس قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أعطيت السورة التي تذكر فيها البقرة من الذكر الأول وأعطيت طه وطسم من ألواح موسى وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش وأعطيت المفصل نافلة". وعن البراء بن عازب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة وأعطاني المبين مكان الإنجيل وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهن نبي قبلي".

[سورة الشعراء (26): الآيات 1 الى 9]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4)
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)

قوله تعالى: (طسم) قرأ الأعمش ويحيى وأبو بكر والمفضل وحمزة والكسائي وخلف بإمالة الطاء مشبعا في هذه السورة وفي أختيها. وقرا نافع وأبو جعفر وشيبة والزهري بين اللفظين، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقرا الباقون بالفتح مشبعا. قال الثعلبي: وهي كلها لغات فصيحة. وقد مضى في" طه" «1» قول النحاس في هذا. قال النحاس: وقرا المدنيون وأبو عمرو وعاصم والكسائي:" طسم" بإدغام النون في الميم، والفراء يقول بإخفاء النون. وقرا الأعمش: وحمزة:" طسين ميم" بإظهار النون. قال النحاس: النون الساكنة والتنوين أربعة أقسام عند سيبويه: يبينان عند حروف الحلق، ويدغمان عند الراء واللام والميم والواو والياء، ويقلبان ميما عند الباء ويكونان من الخياشيم، أي لا يبينان، فعلى هذه الاربعة الأقسام التي نصها سيبويه لا تجوز هذه القراءة، لأنه ليس هاهنا حرف من حروف الحلق فتبين النون عنده، ولكن في ذلك وجيه: وهو أن حروف المعجم حكمها أن يوقف عليها، فإذا وقف عليها تبينت النون. قال الثعلبي: الإدغام اختيار أبي عبيد وأبي حاتم قياسا على كل القرآن، وإنما أظهرها أولئك للتبيين والتمكين، وأدغمها هؤلاء لمجاورتها حروف الفم. قال النحاس: وحكى أبو إسحاق في كتابه" فيما يجرى وفيما لا يجرى" أنه يجوز أن يقال:" طسين ميم" بفتح النون وضم الميم، كما يقال هذا معدي كرب. وقال أبو حاتم: قرأ خالد:" طسين ميم". ابن عباس:" طسم" قسم وهو اسم من أسماء الله تعالى، والمقسم عليه" إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً". وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن أقسم الله به. مجاهد: هو اسم السورة، ويحسن افتتاح السورة. الربيع: حساب مدة قوم. وقيل: قارعة تحل بقوم." طسم" و" طس" واحد. قال «2»:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمة ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
__________
(1). راجع ج 11 ص 168 طبعه أولى أو ثانية.
(2). هو المتنبي، والبيت مطلع قصيدة له مدح بها أبا الحسن علي بن عبد الله العدوي. وأشجاه: أحزنه. والطاسم: الدارس. والساجم: السائل. والمعنى: طلب وفاءهما بالاسعاد وهو الإعانة على البكاء والموافقة، ولذلك قال: (والدمع أشفاه ساجمه) والمعنى ابكيا معي بدمع في غاية السجوم فهو أشفى للوجد، فإن الربع في غاية الطسوم وهو أشجى للمحب. وأراد بالوفاء هنا البكاء لأنهما عاهداه على الإسعاد." شرح التبيان ج 2 للعكبري".

وقال القرظي: أقسم الله بطوله وسنائه وملكه. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: الطاء طور سيناء والسين إسكندرية والميم مكة. وقال جعفر بن محمد بن علي: الطاء شجرة طوبى، والسين سدرة المنتهى، والميم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: الطاء من الطاهر والسين من القدوس- وقيل: من السميع وقيل: من السلام- والميم من المجيد. وقيل: من الرحيم. وقيل: من الملك. وقد مضى هذا المعنى في أول سورة" البقرة" «1». والطواسيم والطواسين سور في القرآن جمعت على غير قياس. وأنشد أبو عبيدة:
وبالطواسيم التي قد ثلثت ... وبالحواميم التي قد سبعت
قال الجوهري: والصواب أن تجمع بذوات وتضاف إلى واحد، فيقال: ذوات طسم وذوات حم. قوله تعالى: (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) رفع على إضمار مبتدإ أي هذه" تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ" التي كنتم وعدتم بها، لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن. وقيل:" تِلْكَ" بمعنى هذه. (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) أي قاتل نفسك ومهلكها. وقد مضى في" الكهف" «2» بيانه. (أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) أي لتركهم الايمان. قال الفراء:" أن" في موضع نصب، لأنها جزاء. قال النحاس: وإنما يقال: بإن مكسورة لأنها جزاء، كذا المتعارف. والقول في هذا ما قاله أبو إسحاق في كتابه في القرآن، قال:" أن" في موضع نصب مفعول من أجله، والمعنى لعلك قاتل نفسك لتركهم الايمان. (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً) أس معجزة ظاهرة وقدرة باهرة فتصير معارفهم ضرورية، ولكن سبق القضاء بأن تكون المعارف نظرية وقال أبو حمزة الثمالي في هذه الآية: صوت يسمع من السماء في النصف من شهر رمضان، تخرج به العواتق من البيوت وتضج له الأرض. وهذا فيه بعد، لان المراد قريش لا غيرهم. (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ) أي فتظل أعناقهم (لَها خاضِعِينَ) قال مجاهد: أعناقهم كبراؤهم، وقال النحاس: ومعروف في اللغة، يقال: جاءني عنق من الناس أي رؤساء منهم. أبو زيد والأخفش:" أَعْناقُهُمْ" جماعاتهم،
__________
(1). راجع ج 1 ص 154.
(2). راجع ج 10 ص 348.

يقال: جاءني عنق من الناس أي جماعة. وقيل: إنما أراد أصحاب الأعناق، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قتادة: المعنى لو شاء لأنزل آية يذلون بها فلا يلوى أحد منهم عنقه إلى معصية. ابن عباس: نزلت فينا وفي بني أمية ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد معاوية، ذكره الثعلبي والغزنوي. وخاضعين وخاضعة هنا سواء، قاله عيسى بن عمر واختاره المبرد. والمعنى: إنهم إذا ذلت رقابهم ذلوا، فالأخبار عن الرقاب إخبار عن أصحابها. ويسوغ في كلام العرب أن تترك الخبر عن الأول وتخبر عن الثاني، قال الراجز:
طول الليالي أسرعت في نقضي ... طوين طولى وطوين عرضي
فأخبر عن الليالي وترك الطول. وقال جرير «1»:
أرى مر السنين أخذن منى ... كما أخذ السرار من الهلال
وإنما جاز ذلك لأنه لو أسقط مر وطول من الكلام لم يفسد معناه، فكذلك رد الفعل إلى، الكناية في قوله:" فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ" لأنه لو أسقط الأعناق لما فسد الكلام، ولأدى ما بقي من الكلام عنه حتى يقول: فظلوا لها خاضعين. وعلى هذا اعتمد الفراء وأبو عبيدة. والكسائي يذهب إلى أن المعنى خاضعيها هم، وهذا خطأ عند البصريين والفراء. ومثل هذا الحذف لا يقع في شي من الكلام، قاله النحاس. قوله تعالى: (وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) تقدم في" الأنبياء «2»". (فَقَدْ كَذَّبُوا) أي أعرضوا ومن أعرض عن شي ولم يقبله فهو تكذيب له. (فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) وعيد لهم، أي فسوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا والذي استهزءوا به. قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) نبه على عظمته وقدرته وأنهم لو رأوا بقلوبهم ونظروا ببصائرهم لعلموا أنه الذي يستحق أن يعبد، إذ هو القادر على كل شي. والزوج هو اللون، قال الفراء. و" حسن شريف، واصل
__________
(1). تقدم البيت في ج 7 ص 264.
(2). راجع ج 11 ص 268.

وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15)

الكرم في اللغة الشرف والفضل، فنخلة كريمة أي فاضلة كثيرة الثمر، «1» ورجل كريم شريف، فاضل صفوح. ونبتت الأرض وأنبتت بمعنى. وقد تقدم في سور" البقرة" والله سبحانه المخرج والمنبت له. وروى عن الشعبي أنه قال: الناس من نبات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أي فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالته على أن الله قادر، لا يعجزه شي. (وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) أي مصدقين لما سبق من علمي فيهم. و" كانَ" هنا صلة في قول سيبويه، تقديره: وما أكثرهم مؤمنين (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) يريد المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه.

[سورة الشعراء (26): الآيات 10 الى 15]
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)
قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15)
قوله تعالى: (وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى )" إِذْ" في موضع نصب، المعنى: واتل عليهم" إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى " ويدل على هذا بعده." وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ" ذكره النحاس. وقيل: المعنى، واذكر إذا نادى كما صرح به في قوله:" وَاذْكُرْ أَخا عادٍ" وقوله:" وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ" وقوله:" وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ
". وقيل: المعنى،" وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى " كان كذا وكذا. والنداء الدعاء بيا فلان، أي قال ربك يا موسى: (أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ثم أخبر من هم فقال: (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ) ف" قَوْمَ" بدل، ومعنى" أَلا يَتَّقُونَ" ألا يخافون عقاب الله؟ وقيل: هذا من الإيماء إلى الشيء لأنه أمره أن يأتي القوم الظالمين، ودل قوله:" يَتَّقُونَ" على أنهم لا يتقون، وعلى أنه أمرهم بالتقوى. وقيل: المعنى، قل لهم" ألا تتقون" وجاء بالياء لأنهم غيب وقت الخطاب، ولو جاء بالتاء
__________
(1). في نسخة: كثيرة التثمير.

لجاز. ومثله" قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ" بالتاء والياء. وقد قرأ عبيد بن عمير وأبو حازم" ألا تتقون" بتاءين أي قل لهم" ألا تتقون". (قالَ رَبِّ) أي قال موسى (رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) أي في الرسالة والنبوة. (وَيَضِيقُ صَدْرِي) لتكذيبهم إياي. وقراءة العامة" وَيَضِيقُ" وَلا يَنْطَلِقُ" بالرفع على الاستئناف. وقرا يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حيوة:" ويضيق- ولا ينطلق" بالنصب فيهما ردا على قوله:" أَنْ يُكَذِّبُونِ" قال الكسائي: القراءة بالرفع، يعني في" يَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي" يعني نفسا على" إِنِّي أَخافُ". قال الفراء: ويقرأ بالنصب. حكي ذلك عن الأعرج وطلحة وعيسى ابن عمر وكلاهما له وجه. قال النحاس: الوجه لرفع، لان النصب عطف على" يُكَذِّبُونِ" وهذا بعيد يدل على ذلك قوله عز وجل:" وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي" فهذا يدل على أن هذه كذا. ومعنى" وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي" في المحاجة على ما أحب، وكان في لسانه عقدة على ما تقدم في" طه" «1». (فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ) أرسل إليه جبريل بالوحي، واجعله رسولا معي ليؤازرني ويظاهرني ويعاونني. ولم يذكر هنا ليعينني، لان المعنى كان معلوما، وقد صرح به في سورة" طه":" وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً" وفي القصص:" فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي" وكان موسى أذن له في هذا السؤال، ولم يكن ذلك استعفاء من الرسالة بل طلب من يعينه. ففي هذا دليل على أن من لا يستقل بأمر، ويخاف من نفسه تقصيرا، أن يأخذ من يستعين به عليه، ولا يلحقه في ذلك لوم. (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) الذنب هنا قتل القبطي واسمه فاثور على ما يأتي في" القصص" بيانه، وقد مضى في" طه" ذكره. وخاف موسى أن يقتلوه به، ودل على أن الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله وأن لا فاعل إلا هو، إذ قد يسلط من شاء على من شاء. (قالَ كَلَّا) أي كلا لن يقتلوك. فهو ردع وزجر عن هذا الظن، وأمر بالثقة بالله تعالى، أي ثق بالله وانزجر عن خوفك منهم، فإنهم لا يقدرون على قتلك،
__________
(1). راجع ج 11 ص 192 طبعه أولى أو ثانية.

فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)

ولا يقوون عليه. (فَاذْهَبا) أي أنت وأخوك فقد جعلته رسولا معك. (بِآياتِنا) أي ببراهيننا وبالمعجزات. وقيل آياتنا. (إِنَّا مَعَكُمْ) يريد نفسه سبحانه وتعالى. (مُسْتَمِعُونَ) أي سامعون ما يقولون وما يجاوبون. وإنما أراد بذلك تقوية قلبيهما وأنه يعينهما ويحفظهما. والاستماع إنما يكون بالإصغاء، ولا يوصف الباري سبحانه بذلك. وقد وصف سبحانه نفسه بأنه السميع البصير. وقال في" طه" «1»:" أَسْمَعُ وَأَرى " وقال:" مَعَكُمْ" فأجراهما مجرى الجمع، لان الاثنين جماعة. ويجوز أن يكون لهما ولمن أرسلا إليه. ويجوز أن يكون لجميع بني إسرائيل.

[سورة الشعراء (26): الآيات 16 الى 22]
فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (17) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22)
قوله تعالى:َأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ)
قال أبو عبيدة: رسول بمعنى رسالة والتقدير على هذا، إنا ذوو رسالة رب العالمين. قال الهذلي:
الكنى إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر
الكنى إليها معناه أرسلني. وقال آخر «2»:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول
__________
(1). راجع ج 11 ص 201 فما بعد. [.....]
(2). هو كثير. ويروى أيضا في اللسان مادة" رسل":
بليلى ولا أرسلتهم برسيل

آخر «1»:
ألا أبلغ بني عمرو رسولا ... بأني عن فتاحتكم غني
«2» وقال العباس بن مرداس:
ألا من مبلغ عنى خفافا ... رسولا بيت أهلك منتهاها

يعني رسالة فلذلك أنثها. قال أبو عبيد: ويجوز أن يكون الرسول في معنى الاثنين والجمع، فتقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ووكيلي. ومنه قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي). وقيل: معناه إن كل واحد منا رسول رب العالمين. (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ) أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يسيروا معنا إلى فلسطين ولا تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا. فانطلقا إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب على فرعون فقال: ها هنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه واديا الرسالة. وروى وهب وغيره: أنهما لما دخلا على فرعون وجداه وقد أخرج سباعا من أسد ونمور وفهود يتفرج عليها، فخاف سواسها أن تبطش بموسى وهرون، فأسرعوا إليها، وأسرعت السباع إلى موسى وهرون، فأقبلت تلحس أقدامهما، وتبصبص إليهما بأذنابها، وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ذلك فقال: ما أنتما؟ قالا:"نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ
" فعرف موسى لأنه نشأ في بيته، ف (قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً) على جهة المن عليه والاحتقار. أي ربيناك صغيرا ولم نقتلك في جملة من قتلنا (وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) فمتى كان هذا الذي تدعيه. ثم قرره بقتل القبطي بقوله: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) والفعلة بفتح الفاء المرة من الفعل. وقرا الشعبي:" فعلتك" بكسر الفاء والفتح أولى، لأنها المرة الواحدة، والكسر بمعنى الهيئة والحال، أي فعلتك التي تعرف فكيف تدعي مع علمنا أحوالك بأن الله أرسلك. وقال الشاعر:
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل
__________
(1). هو الاسعر الجعفي.
(2). عن فتاحتكم: أي عن حكمكم.

ويقال: كان ذلك أيام الردة والردة. وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) قال الضحاك أي في قتلك القبطي إذ هو نفس لا يحل قتله. وقيل: أي بنعمتي التي كانت لنا عليك من التربية والإحسان إليك، قاله ابن زيد. الحسن:" مِنَ الْكافِرِينَ" في أني إلهك. السدي:" مِنَ الْكافِرِينَ" بالله لأنك كنت معنا على ديننا هذا الذي تعيبه. وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نبيا أحد عشر عاما غير أشهر. ف (قالَ فَعَلْتُها إِذاً) أي فعلت تلك الفعلة يريد قتل القبطي (وَأَنَا) إذ ذاك (مِنَ الضَّالِّينَ) أي من الجاهلين، فنفى عن نفسه الكفر، وأخبر أنه فعل ذلك على الجهل. وكذا قال مجاهد،" مِنَ الضَّالِّينَ" من الجاهلين. ابن زيد: من الجاهلين بأن الوكزة تبلغ القتل. وفي مصحف عبد الله" من الجاهلين" ويقال لمن جهل شيئا ضل عنه. وقيل:" وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ" من الناسين، قاله أبو عبيدة. وقيل:" وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ" عن النبوة ولم يأتني عن الله فيه شي، فليس علي فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ. وبين بهذا أن التربية فيهم لا تنافي النبوة والحلم على الناس، وأن القتل خطأ أو في وقت لم يكن فيه شرع لا ينافي النبوة. قوله تعالى: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) أي خرجت من بينكم إلى مدين كما في سورة" القصص":" فخرج منها خائفا يترقب" وذلك حين القتل. (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً) يعني النبوة، عن السدي وغيره. الزجاج: تعليم التوراة التي فيها حكم الله. وقيل: علما وفهما. (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ). قوله تعالى: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) اختلف الناس في معنى هذا الكلام، فقال السدي والطبري والفراء: هذا الكلام من موسى عليه السلام على جهة الإقرار بالنعمة، كأنه يقول: نعم! وتربيتك نعمة علي من حيث عبدت غيري وتركتني، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي. وقيل: هو من موسى عليه السلام على جهة الإنكار، أي أتمن علي بأن ربيتني وليدا وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم؟! أي ليست بنعمة؟ لان الواجب كان ألا تقتلهم ولا تستعبدهم فإنهم قومي، فكيف تذكر إحسانك إلى على

الخصوص؟! قال معناه قتادة وغيره. وقيل: فيه تقدير استفهام، أي أو تلك نعمة؟ قاله الأخفش والفراء أيضا وأنكره النحاس وغيره. قال النحاس: وهذا لا يجوز لان ألف الاستفهام تحدث معنى، وحذفها محال إلا أن يكون في الكلام أم، كما قال الشاعر:
تروح من الحي أم تبتكر

ولا أعلم بين النحويين اختلافا في هذا إلا شيئا قاله الفراء. قال: يجوز ألف الاستفهام في أفعال الشك، وحكي ترى زيدا منطلقا؟ بمعنى أترى. وكان علي بن سليمان يقول في هذا: إنما أخذه من ألفاظ العامة. قال الثعلبي: قال الفراء ومن قال إنها إنكار قال معناه أو تلك نعمة؟ على طريق الاستفهام، كقوله:" هذا رَبِّي"" فَهُمُ الْخالِدُونَ". قال الشاعر «1»:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
وأنشد الغزنوي شاهدا على ترك الالف قولهم:
لم أنس يوم الرحيل وقفتها ... وجفنها من دموعها شرق

وقولها والركاب واقفة ... تركتني هكذا وتنطلق
قلت: ففي هذا حذف ألف الاستفهام مع عدم أم خلاف قول النحاس. وقال الضحاك: إن الكلام خرج مخرج التبكيت والتبكيت يكون، باستفهام وبغير استفهام، والمعنى: لو لم تقتل بني إسرائيل لرباني أبواي، فأي نعمة لك علي! فأنت تمن علي بما لا يجب أن تمن به. وقيل: معناه كيف تمن بالتربية وقد أهنت قومي؟ ومن أهين قومه ذل. و" أَنْ عَبَّدْتَ" في موضع رفع على البدل من" نِعْمَةٌ" ويجوز أن تكون في موضع نصب بمعنى: لان عبدت بني إسرائيل، أي اتخذتهم عبيدا. يقال: عبدته وأعبدته بمعنى، قال الفراء وأنشد:
علا م يعبدني قومي وقد كثرت ... فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان
__________
(1). هو أبو خراش الهذلي، وقد تقدم شرح البيت في ج 11 ص 287 طبعه أولى أو ثانية.

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)

[سورة الشعراء (26): الآيات 23 الى 51]
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ ءٍ مُبِينٍ (30) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32)
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (35) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (41) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)
قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47)
رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (48) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي

عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)
قوله تعالى: (قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) لما غلب موسى فرعون بالحجة ولم يجد اللعين من تقريره على التربية وغير ذلك حجة رجع إلى معارضة موسى في قوله: رسول رب العالمين، فاستفهمه استفهاما عن مجهول من الأشياء. قال مكي وغيره: كما يستفهم عن الأجناس فلذلك استفهم ب" ما". قال مكي: وقد ورد له استفهام ب" من" في موضع آخر ويشبه أنها مواطن، فأتى موسى بالصفات الدالة على الله من مخلوقاته التي لا يشاركه فيها مخلوق، وقد سأل فرعون عن الجنس ولا جنس لله تعالى، لان الأجناس محدثة، فعلم موسى جهله فأضرب عن سؤاله وأعلمه بعظيم قدرة الله التي تبين للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها. فقال فرعون: (أَلا تَسْتَمِعُونَ) على معنى الإغراء والتعجب من سفه المقالة إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك. فزاد موسى في البيان بقوله: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) فجاء بدليل يفهمونه عنه، لأنهم يعلمون أنه قد كان لهم آباء وأنهم قد فنوا وأنه لا بد لهم من مغير، وأنهم قد كانوا بعد أن لم يكونوا، وأنهم لا بد لهم من مكون. فقال فرعون حينئذ على جهة الاستخفاف: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) أي ليس يجيبني عما أسأل، فأجابه موسى عليه السلام عن هذا بأن قال: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) أي ليس ملكه كملكك، لأنك إنما تملك بلد واحدا لا يجوز أمرك في غيره، ويموت من لا تحب أن يموت، والذي أرسلني يملك المشرق والمغرب (وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ). وقيل: علم موسى عليه السلام أن قصده في السؤال معرفة من سأل عنه، فأجاب بما هو الطريق إلى معرفة الرب اليوم. ثم لما انقطع فرعون لعنه الله في باب الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فتوعد موسى بالسجن، ولم يقل ما دليلك على أن هذا الاله أرسلك، لان فيه الاعتراف بأن ثم إلها غيره. وفي توعده بالسجن ضعف. وكان فيما يروى

أنه يفزع منه فزعا شديدا حتى كان اللعين لا يمسك بوله. وروي أن سجنه كان أشد من القتل وكان إذا سجن أحدا لم يخرجه من سجنه حتى يموت، فكان مخوفا. ثم لما كان عند موسى عليه السلام من أمر الله تعالى ما لا يرعه توعد فرعون (قالَ) له على جهة اللطف به والطمع في إيمانه: (أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ ءٍ مُبِينٍ) فيتضح لك به صدقي، فلما سمع فرعون ذلك طمع في أن يجد أثناءه موضع معارضة (فقال) له (فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). ولم يحتج الشرط إلى جواب عند سيبويه، لان ما تقدم يكفي منه. (فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ) من يده فكان ما أخبر الله من قصته. وقد تقدم بيان ذلك وشرحه في" الأعراف" «1» إلى آخر القصة. وقال السحرة لما توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل (لا ضَيْرَ) أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عذاب الدنيا، أي إنما عذابك ساعة فنصبر لها وقد لقينا الله مؤمنين. وهذا يدل على شدة استبصارهم وقوه إيمانهم. قال مالك: دعا موسى عليه السلام فرعون أربعين سنة إلى الإسلام، وأن السحرة آمنوا به في يوم واحد. يقال: لا ضير ولا ضور ولا ضر ولا ضرر ولا ضارورة بمعنى واحد، قال الهروي. وأنشد أبو عبيده «2»:
فإنك لا يضورك بعد حول ... أظبي كان أمك أم حمار

وقال الجوهري: ضاره يضوره ويضيره ضيرا وضورا أي ضره. قال الكسائي: سمعت بعضهم يقول لا ينفعني ذلك ولا يضورني. والتضور الصياح والتلوي عند الضرب أو الجوع. والضورة بالضم الرجل الحقير الصغير الشأن. (إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) يريد ننقلب إلى رب كريم رحيم (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ)." أَنْ" في موضع نصب، أي لان كنا. وأجاز الفراء كسرها على أن تكون مجازاة. ومعنى" أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ" أي عند ظهور الآية ممن كان في جانب فرعون. الفراء: أول مؤمني زماننا. وأنكره الزجاج وقال: قد روي أنه آمن معه ستمائة ألف وسبعون ألفا، وهم الشرذمة القليلون الذين قال فيهم فرعون:" إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ" روي ذلك عن ابن مسعود وغيره.
__________
(1). راجع ج 7 ص 256 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(2). البيت لخداش بن زهير، واستشهد به سيبويه في كتابه على جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة ضرورة. والمعنى: لا تبالي بعد قيامك بنفسك واستغنائك عن أبويك من انتسبت إليه من شريف أو وضيع، وضرب المثل بالظبي أو الحمار.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)

[سورة الشعراء (26): الآيات 52 الى 68]
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (53) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56)
فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (58) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)
قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66)
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)
قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) لما كان من سنته تعالى في عباده إنجاء المؤمنين المصدقين من أوليائه، لمعترفين برسالة رسله وأنبيائه، وإهلاك الكافرين المكذبين لهم من أعدائه، أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلا وسماهم عباده، لأنهم آمنوا بموسى. ومعنى" إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ" أي يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم. وفي ضمن هذا الكلام تعريفهم أن الله ينجيهم منهم، فخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سحرا، فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر، فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق فيقول: هكذا أمرت. فلما أصبح فرعون وعلم بسري موسى ببني إسرائيل، خرج في أثرهم، وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر، فروي أنه لحقه ومعه مائة ألف أدهم من الخيل سوى سائر الألوان. وروي أن بني إسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا. والله أعلم بصحته. وإنما اللازم من الآية الذي يقطع به أن موسى عليه السلام خرج بجمع عظيم من

بني إسرائيل وأن فرعون تبعه بأضعاف ذلك. قال ابن عباس: كان مع فرعون ألف جبار كلهم عليه تاج وكلهم أمير خيل. والشرذمة الجمع القليل المحتقر والجمع الشراذم. قال الجوهري: الشرذمة الطائفة من الناس والقطعة من الشيء. وثوب شراذم أي قطع. وأنشد الثعلبي قول الراجز:
جاء الشتاء وثيابي أخلاق ... شراذم يضحك منها النواق
النواق من الرجال الذي يروض الأمور ويصلحها، قاله في الصحاح «1». واللام في قوله:" لَشِرْذِمَةٌ" لام توكيد وكثيرا ما تدخل في خبر إن، إلا أن الكوفيين لا يجيزون إن زيدا لسوف يقوم. والدليل على أنه جائز قوله تعالى:" فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" وهذه لام التوكيد بعينها وقد دخلت على سوف، قاله النحاس. (وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ) أي أعداء لنا لمخالفتهم ديننا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها على ما تقدم. وماتت أبكارهم تلك الليلة. وقد مضى هذا في" الأعراف" و" طه" مستوفي. يقال: غاظني كذا وأغاظني. والغيظ الغضب ومنه التغيظ والاغتياظ. أي غاظونا بخروجهم من غير إذن. (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) أي مجتمع أخذنا حذرنا وأسلحتنا. وقرى" حاذرون" ومعناه معنى" حاذِرُونَ" أي فرقون خائفون. قال الجوهري: وقرى" وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ" و" حاذِرُونَ" و" حاذرون" بضم الذال حكاه الأخفش، ومعنى" حاذِرُونَ" متأهبون، ومعنى" حاذِرُونَ" خائفون. قال النحاس:" حذرون" قراءة المدنيين وأبي عمرو، وقراءة أهل الكوفة:" حاذرون" وهي معروفة عن عبد الله بن مسعود وابن عباس، و" حادرون" بالدال غير المعجمة قراءة أبي عباد وحكاها المهدوي عن ابن أبي عمار، والماوردي والثعلبي عن سميط بن عجلان. قال النحاس: أبو عبيدة يذهب إلى أن معنى" حذرون" و" حاذرون" واحد. وهو قول سيبويه وأجاز: هو حذر زيدا، كما يقال: حاذر زيدا، وأنشد:
حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس منجيه من الاقدار
__________
(1). ويقال هو اسم ابنه. ويروى (التواق) بالتاء.

وزعم أبو عمر الجرمي أنه يجوز هو حذر زيدا على حذف من. فأما أكثر النحويين فيفرقون بين حذر وحاذر، منهم الكسائي والفراء ومحمد بن يزيد، فيذهبون إلى أن معنى حذر في خلقته الحذر، أي متيقظ متنبه، فإذا كان هكذا لم يتعد، ومعنى حاذر مستعد وبهذا جاء التفسير عن المتقدمين. قال عبد الله بن مسعود في قول الله عز وجل:" وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ" قال: مؤدون في السلاح والكراع مقوون، فهذا ذاك بعينه. وقوله: مؤدون معهم أداة. وقد قيل: إن المعنى: معنا سلاح وليس معهم سلاح يحرضهم على القتال، فأما" حادرون" بالدال المهملة فمشتق من قولهم عين حدرة أي ممتلئة، أي نحن ممتلئون غيظا عليهم، ومنه قول الشاعر «1»:
وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيهما من أخر
وحكى أهل اللغة أنه يقال: رجل حادر إذا كان ممتلئ اللحم، فيجوز أن يكون المعنى الامتلاء من السلاح. المهدوي: الحادر القوي الشديد. قوله تعالى: (فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) يعني من أرض مصر. وعن عبد الله بن عمرو قال: كانت الجنات بحافتي النيل في الشقتين جميعا من أسوان إلى رشيد، وبين الجنات زروع. والنيل سبعة خلجان: خليج الإسكندرية، وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهي «2» متصلة لا ينقطع منها شي عن شي، والزروع ما بين الخلجان كلها. وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا بما دبروا وقدروا من قناطرها وجسورها وخلجانها، ولذلك سمي النيل إذا غلق ستة عشر ذراعا نيل السلطان، ويخلع على ابن أبي الرداد «3»، وهذه الحال مستمرة إلى الآن. وإنما قيل نيل السلطان لأنه حينئذ يجب الخراج على الناس. وكانت أرض مصر جميعها تروى
__________
(1). هو امرؤ القيس.
(2). وهو بحر يوسف عليه السلام.
(3). هو عبد الله بن السلام ابن عبد الله بن أبي الرداد المؤذن، قدم مصر من البصرة وحدث بها، وجعل على قياس النيل في ولاية يزيد بن عبد الله التركي- وكانت النصارى تتولى قياسه- وأجرى عليه سبعة دنانير في كل شهر، واستقر قياسه في بنيه زمانا طويلا. وتوفى أبو الرداد سنة 266 هـ. عن خطط المقريزي ج 1 ص 58

من إصبع واحدة من سبعة عشر ذراعا، وكانت إذا غلق النيل سبعة عشر ذراعا ونودي عليه إصبع واحد من ثمانية عشر ذراعا، ازداد في خراجها ألف ألف دينار. فإذا خرج. عن ذلك ونودي عليه إصبعا واحدا من تسعة عشر ذراعا نقص خراجها ألف ألف دينار. وسبب هذا ما كان ينصرف في المصالح والخلجان والجسور والاهتمام بعمارتها. فأما الآن فإن أكثرها لا يروى حتى ينادى إصبع من تسعة عشر ذراعا بمقياس مصر. وأما أعمال الصعيد الأعلى، فإن بها ما لا يتكامل ريه إلا بعد دخول الماء في الذراع الثاني والعشرين بالصعيد الأعلى. قلت: أما أرض مصر فلا تروى جميعها الآن إلا من عشرين ذراعا وأصابع، لعلو الأرض وعدم الاهتمام بعمارة جسورها، وهو من عجائب الدنيا، وذلك أنه يزيد إذا انصبت المياه في جميع الأرض حتى يسيح على جميع أرض مصر، وتبقى البلاد كالأعلام لا يوصل إليها إلا بالمراكب والقياسات. وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلل الله له الأنهار، فإذا أراد الله أن يجرى نيل مصر أمر كل نهر أن يمده، فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له عيونا، فإذا انتهى إلى ما أراد الله عز وجل، أوحى الله تبارك وتعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. وقال قيس بن الحجاج: لما افتتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بئونة من أشهر القبط فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ فقالوا: إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، أرضينا أبويها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: هذا لا يكون في الإسلام، وإن الإسلام ليهدم ما قبله. فأقاموا أبيب ومسري لا يجرى قليل ولا كثير، وهموا بالجلاء. فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، فأعلمه بالقصة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وأن الإسلام يهدم ما قبله ولا يكون هذا. وبعث إليه ببطاقة في داخل كتابه. وكتب إلى عمرو: إنى قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل

إذا أتاك كتابي. فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله أمير المؤمنين عمر إلى نيل مصر- أما بعد- فإن كنت إنما تجرى من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها، لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل. فلما ألقى البطاقة في النيل، أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله في ليلة واحدة ستة عشر ذراعا، وقطع الله تلك السيرة عن أهل مصر من تلك السنة. قال كعب الأحبار: أربعة أنهار من الجنة وضعها الله في الدنيا سيحان وجيحان والنيل والفرات، فسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة، والنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. وقال ابن لهيعة: الدجلة نهر اللبن في الجنة. قلت: الذي في الصحيح من هذا حديث أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة" لفظ مسلم وفى حديث الاسراء من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رجل من قومه قال:" وحدث نبى الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت يا جبريل ما هذه الأنهار قال أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات" لفظ مسلم. وقال البخاري من طريق شريك عن أنس" فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان «1» فقال ما هذان النهران يا جبريل قال هذا النيل والفرات عنصرهما ثم مضى في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا هو الكوثر الذي خبأ لك ربك." وذكر الحديث. والجمهور على أن المراد بالعيون عيون الماء. وقال سعيد بن جبير: المراد عيون الذهب. وفي الدخان" كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ". قيل
: إنهم كانوا يزرعون ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها. وليس في الدخان" وكنوز" جمع كنز، وقد مضى هذا
__________
(1). يطردان: أي يجريان، وهما يفتعلان من الطرد.

في سورة" براءة" «1». والمراد بها ها هنا الخزائن. وقيل: الدفائن. وقال الضحاك: الأنهار، وفية نظر، لان العيون تشملها. (وَمَقامٍ كَرِيمٍ) قال ابن عمر ابن عباس ومجاهد: المقام الكريم المنابر، وكانت ألف منبر لألف جبار يعظمون عليها فرعون وملكه. وقيل: مجالس الرؤساء والأمراء، حكاه ابن عيسى وهو قريب من الأول. وقال سعيد بن جبير: المساكن الحسان. وقال ابن لهيعة: سمعت أن المقام الكريم الفيوم. وقيل: كان يوسف عليه السلام قد كتب على مجلس من مجالسه (لا إله إلا الله إبراهيم خليل الله) فسماها الله كريمة بهذا. وقيل: مرابط الخيل لتفرد الزعماء بارتباطها عدة وزينة، فصار مقامها أكرم منزل بهذا، ذكره الماوردي. والأظهر أنها المساكن الحسان كانت تكرم عليهم. والمقام في اللغة يكون الموضع ويكون مصدرا. قال النحاس: المقام في اللغة الموضع، من قولك قام يقوم، وكذا المقامات واحدها مقامة، كما قال «2»:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
والمقام أيضا المصدر من قام يقوم. والمقام (بالضم) الموضع من أقام. والمصدر أيضا من أقام يقيم. قوله تعالى: (كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ) يريد أن جميع ما ذكره الله تعالى من الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم أورثه الله بنى إسرائيل. قال الحسن وغيره: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه وقيل: أراد بالوراثة هنا ما استعاروه من حلى آل فرعون بأمر الله تعالى. قلت: وكلا الأمرين حصل لهم. والحمد لله. (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) أي فتبع فرعون وقومه بنى إسرائيل. قال السدى: حين أشرقت الشمس بالشعاع. وقال قتادة: حين أشرقت الأرض بالضياء. قال الزجاج: يقال شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. واختلف في تأخر فرعون وقومه عن موسى وبنى إسرائيل على قولين: أحدهما-
__________
(1). راجع ج 8 ص 123 طبعه أولى أو ثانية.
(2). هو زهير بن أبى سلمى، وينتابها: أي يقال فيها الجميل ويفعل به.

لاشتغالهم بدفن أبكارهم في تلك الليلة، لان الوباء في تلك الليلة وقع فيهم، فقوله:" مُشْرِقِينَ" حال لقوم فرعون. الثاني- إن سحابة أظلتهم وظلمة فقالوا: نحن بعد في الليل فما تقشعت عنهم حتى أصبحوا. وقال أبو عبيدة: معنى" فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ" ناحية المشرق. وقرا الحسن وعمرو بن ميمون:" فاتبعوهم مشرقين" بالتشديد وألف الوصل، أي نحو المشرق، مأخوذ من قولهم: شرق وغرب إذا سار نحو المشرق والمغرب. ومعنى الكلام قدرنا أن يرثها بنو إسرائيل فاتبع قوم فرعون بنى إسرائيل مشرقين فهلكوا، وورث بنو إسرائيل بلادهم. قوله تعالى: (فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ) أي تقابلا «1» الجمعان بحيث يرى كل فريق صاحبه، وهو تفاعل من الرؤية. (قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) أي قرب منا العدو ولا طاقة لنا به. وقراءة الجماعة:" لمدركون" بالتخفيف من أدرك. ومنه" حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ". وقرا عبيد بن عمير والأعرج والزهري" لمدركون" بتشديد الدال «2» من أدرك. قال الفراء: حفر واحتقر بمعنى واحد، وكذلك" لمدركون" و" لمدركون" بمعنى واحد. النحاس: وليس كذلك يقول النحويون الحذاق، إنما يقولون: مدركون ملحقون، ومدركون مجتهد في لحاقهم، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت، واكتسبت بمعنى اجتهدت وطلبت وهذا معنى قول سيبويه. قوله تعالى: (قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) لما لحق فرعون بجمعه جمع موسى وقرب منهم، ورأت بنو إسرائيل العدو القوى والبحر أمامهم ساءت ظنونهم، وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء:" إنا لمدركون" فرد عليهم قولهم وزجرهم وذكرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر" كَلَّا" أي لم يدركوكم" إِنَّ مَعِي رَبِّي" أي بالنصر على العدو." سَيَهْدِينِ" أي سيدلنى على طريق النجاة، فلما عظم البلاء على بنى إسرائيل، ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم بها، أمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه، وذلك أنه
__________
(1). كذا في نسخ الأصل. [.....]
(2). وكسر الراء- كما في البحر وروح المعاني والكشاف- على وزن، مفتعلون وهو لازم بمعنى الفناء والاضمحلال، من أدرك الشيء إذا تتابع ففنى.

عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل يفعله، وإلا فضرب العصا ليس بفارق للبحر، ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله تعالى واختراعه. وقد مضى في" البقرة" «1» قصة هذا البحر. ولما انفلق صار فيه اثنا عشر طريقا على عدد أسباط بنى إسرائيل، ووقف الماء بينها كالطود العظيم، أي الجبل العظيم. والطود الجبل، ومنه قول امرئ القيس:
فبينا المرء في الأحياء طود ... رماه الناس عن كثب فمالا

وقال الأسود بن يعفر:
حلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجئ من أطواد
جمع طود أي جبل. فصار لموسى وأصحابه طريقا في البحر يبسا، فلما خرج أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون، على ما تقدم في" يونس" «2» انصب عليهم وغرق فرعون، فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعون، فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه. وروى ابن القاسم عن مالك قال: خرج مع موسى عليه السلام رجلان من التجار إلى البحر فلما أتوا إليه قالا له بم أمرك الله؟ قال: أمرت أن أضرب البحر بعصاي هذه فينفلق، فقالا له: افعل ما أمرك الله فلن يخلفك، ثم ألقيا أنفسهما في البحر تصديقا له، فما زال كذلك البحر حتى دخل فرعون ومن معه، ثم ارتد كما كان. وقد مضى هذا المعنى في سورة" البقرة". قوله تعالى: (وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ) أي قربناهم إلى البحر، يعنى فرعون وقومه. قاله ابن عباس وغيره، قال الشاعر:
وكل يوم مضى أو ليلة سلفت ... فيها النفوس إلى الآجال تزدلف
أبو عبيدة:" أَزْلَفْنا" جمعنا ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جمع. وقرا أبو عبد الله بن الحرث وأبى بن كعب وابن عباس:" وَأَزْلَفْنا" بالقاف على معنى أهلكناهم، من قوله: أزلقت الناقة وأزلقت الفرس فهي مزلق إذا أزلقت ولدها. (وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) يعنى فرعون وقومه. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) أي علامة على قدرة الله تعالى.
__________
(1). راجع ج 1 ص 389 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.
(2). راجع ج 8 ص 378 طبعه أولى أو ثانية.

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)

(وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) لأنه لم يؤمن من قوم فرعون إلا مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل وابنته آسية امرأة فرعون، ومريم بنت ذا موسى العجوز التي دلت على قبر يوسف الصديق عليه السلام. وذلك أن موسى عليه السلام لما خرج ببني إسرائيل من مصر أظلم عليهم القمر فقال لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقا من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا. قال موسى: فأيكم يدري قبره؟ قال: ما يعلمه إلا عجوز لبنى إسرائيل، فأرسل إليها، فقال: دليني على قبر يوسف، قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة، فثقل عليه، فقيل له: أعطها حكمها، فدلتهم عليه، فاحتفروه واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها، فإذا الطريق مثل ضوء النهار في رواية: فأوحى الله إليه أن أعطها ففعل، فأتت بهم إلى بحيرة، فقالت لهم: أنضبوا هذا الماء فأنضبوه واستخرجوا عظام يوسف عليه السلام، فتبينت لهم الطريق مثل ضوء النهار. وقد مضى في" يوسف" «1». وروى أبو بردة عن أبى موسى أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نزل بأعرابي فأكرمه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" حاجتك" قال: ناقة أرحلها وأعنزا أحبلها، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فلم عجزت أن تكون مثل عجوز بنى إسرائيل" فقال أصحابه: وما عجوز بنى إسرائيل؟ فذكر لهم حال هذه العجوز التي احتكمت على موسى أن تكون معه في الجنة.

[سورة الشعراء (26): الآيات 69 الى 77]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (69) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)
قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (77)
__________
(1). راجع ج 9 ص 270 طبعه أو ثانية.

قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ) نبه المشركين على فرط جهلهم إذ رغبوا عن اعتقاد إبراهيم ودينه وهو أبوهم. والنبأ الخبر، أي اقصص عليهم يا محمد خبره وحديثه وعيبه على قومه ما يعبدون. وإنما قال ذلك ملزما لهم الحجة. والجمهور من القراء على تخفيف الهمزة الثانية وهو أحسن الوجوه، لأنهم قد أجمعوا على تخفيف الثانية من كلمة واحدة نحو آدم. وإن شئت حققتهما فقلت:" نَبَأَ إِبْراهِيمَ". وإن شئت خففتهما فقلت:" نبا إبراهيم". وإن شئت خففت الاولى. وثم وجه خامس إلا أنه بعيد في العربية وهو أن يدغم الهمزة في الهمزة كما يقال رأاس للذي يبيع الرؤوس. وإنما بعد لأنك تجمع بين همزتين كأنهما في كلمة واحدة، وحسن في فعال لأنه لا يأتي إلا مدغما. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ)" أي أي شي تعبدوا (قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً) وكانت أصنامهم من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب. (فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ) أي فنقيم على عبادتها. وليس المراد وقتا معينا بل هو إخبار عما هم فيه. وقيل: كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، وكانوا في الليل يعبدون الكواكب. فيقال: ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا. (قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ) قال الأخفش: فيه حذف، والمعنى: هل يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءكم، قال الشاعر «1»:
القائد الخيل منكوبا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القد والأبقا
قال: والأبق الكتان فحذف. والمعنى، وأحكمت حكمات الأبق. وفي الصحاح: والأبق بالتحريك القنب. وروى عن قتادة أنه قرأ:" هل يسمعونكم" بضم الياء، أي أهل يسمعونكم أصواتهم (إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) أي هل تنفعكم هذه الأصنام وترزقكم، أو تملك لكم خيرا أو ضرا إن عصيتم؟! وهذا استفهام لتقرير الحجة، فإذا لم ينفعوكم ولم يضروا فما معنى عبادتكم لها. (قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ) فنزعوا إلى التقليد
__________
(1). هو زهير بن أبى سلمى. والبيت من قصيدة يمدح بها هرم بن سنان. وأحكمت: جعلت لها حكمات من القد. والحكمات جمع حكمة وهي ما تكون على أنف الدابة. ودوابرها: مؤخر حوافرها. ومنكوب: أي أصابت الحجارة دوابرها وأدمتها.

الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)

من غير حجة ولا دليل. وقد مضى القول فيه. (قالَ) إبراهيم (أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ) من هذه الأصنام (أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ) الأولون (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) واحد يؤدى عن جماعة، وكذلك يقال للمرأة هي عدو الله وعدوه الله، حكاهما الفراء. قال على بن سليمان: من قال عدوة الله وأثبت الهاء قال هي بمعنى معادية، ومن قال عدو للمؤنث والجمع جعله بمعنى النسب. ووصف الجماد بالعداوة بمعنى أنهم عدو لي إن عبدتهم يوم القيامة، كما قال:" كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا". وقال الفراء: هو من المقلوب، مجازه: فإنى عدو لهم لان من عاديته عاداك. ثم قال: (إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) قال الكلبي: أي إلا من عبد رب العالمين، إلا عابد رب العالمين، فحذف المضاف. قال أبو إسحاق الزجاج: قال النحويون هو استثناء ليس من الأول، وأجاز أبو إسحاق أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل ويعبدون معه الأصنام، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله. وتأوله الفراء على الأصنام وحدها والمعنى عنده: فإنهم لو عبدتهم عدو لي يوم القيامة، على ما ذكرنا. وقال الجرجاني: تقديره: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدو لي. وإلا بمعنى دون وسوى، كقوله:" لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى " أي دون الموتة الاولى.

[سورة الشعراء (26): الآيات 78 الى 82]
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)
قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) أي يرشدني إلى الدين. (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) أي يرزقني. ودخول" هُوَ" تنبيه على أن غيره لا يطعم ولا يسقى، كما تقول: زيد هو الذي فعل كذا، أي لم يفعله غيره. (وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) قال:" مَرِضْتُ" رعاية للأدب وإلا فالمرض والشفاء من الله عز وجل جميعا. ونظيره قول

فتى موسى:" وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ". (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) يريد البعث وكانوا ينسبون الموت إلى الأسباب، فبين أن الله هو الذي يميت ويحيى. وكله بغير ياء:" يَهْدِينِ"" يَشْفِينِ" لان الحذف في رءوس الآي حسن لتتفق كلها. وقرا ابن أبى إسحاق على جلالته ومحله من العربية هذه كلها بالياء، لان الياء اسم وإنما دخلت النون لعلة. فإن قيل: فهذه صفة تجميع الخلق فكيف جعلها إبراهيم دليلا على هدايته ولم يهتد بها غيره؟ قيل: إنما ذكرها احتجاجا على وجوب الطاعة، لان من أنعم وجب أن يطاع ولا يعصى ليلتزم غيره من الطاعة ما قد التزمها، وهذا إلزام صحيح. قلت: وتجوز بعض أهل الإشارات في غوامض المعاني فعدل عن ظاهر ما ذكرناه إلى ما تدفعه بدائه العقول من أنه ليس المراد من إبراهيم. فقال:" وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ" أي يطعمني لذة الايمان ويسقين حلاوة القبول. ولهم في قوله:" وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ" وجهان: أحدهما- إذا مرضت بمخالفته شفاني برحمته. الثاني- إذا مرضت بمقاساة الخلق، شفاني بمشاهدة الحق. وقال جعفر بن محمد الصادق: إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة. وتأولوا قوله:" وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ" على ثلاثة أوجه: فالذي يميتني بالمعاصي يحييني بالطاعات. الثاني: يميتني بالخوف يحييني بالرجاء. الثالث: يميتني، بالطمع ويحييني بالقناعة. وقول رابع: يميتني بالعدل ويحييني بالفضل. وقول خامس: يميتني بالفراق ويحييني بالتلاق. وقول سادس: يميتني بالجهل ويحييني بالعقل، إلى غير ذلك مما ليس بشيء منه مراد من الآية، فإن هذه التأويلات الغامضة، والأمور الباطنة، إنما تكون لمن حذق وعرف الحق، وأما من كان في عمى عن الحق ولا يعرف الحق فكيف ترمز له الأمور الباطنة، وتترك الأمور الظاهرة؟ هذا محال. والله أعلم. قوله تعالى: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)" أَطْمَعُ" أي أرجو. وقيل: هو بمعنى اليقين في حقه، وبمعنى الرجاء في حق المؤمنين سواه. وقرا الحسن وابن أبى إسحاق:" خطاياي" وقال: ليست خطيئة واحدة. قال النحاس: خطيئة بمعنى

رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)

خطايا معروف في كلام العرب، وقد أجمعوا على التوحيد في قوله عز وجل" فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ" ومعناه بذنوبهم. وكذا" وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ" معناه الصلوات، وكذا" خَطِيئَتِي" إن كانت خطايا. والله أعلم. قال مجاهد: يعنى بخطيئته قوله:" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا" وقوله:" إِنِّي سَقِيمٌ" وقوله: إن سارة أخته. زاد الحسن وقوله للكوكب:" هذا رَبِّي" وقد مضى بيان هذا مستوفى. وقال الزجاج: الأنبياء بشر فيجوز أن تقع منهم الخطيئة، نعم لا تجوز عليهم الكبائر لأنهم معصومون عنها. (يوم الدين) يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم. وهذا من إبراهيم إظهار للعبودية وإن كان يعلم أنه مغفور له. وفي صحيح مسلم عن عائشة، قلت يا رسول الله: ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعة؟ قال:" لا ينفعه إنه لم يقل يوما" مرب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".

[سورة الشعراء (26): الآيات 83 الى 89]
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
قوله تعالى: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)" حُكْماً" معرفة بك وبحدودك وأحكامك، قاله ابن عباس. وقال مقاتل: فهما وعلما وهو راجع إلى الأول. وقال الكلبي: نبوة رسالة إلى الخلق." وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" أي بالنبيين من قبلي في الدرجة. وقال ابن عباس: بأهل الجنة، وهو تأكيد قوله:" هَبْ لِي حُكْماً". قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) قال ابن عباس: هو اجتماع الأمم عليه. وقال مجاهد: هو الثناء الحسن. قال ابن عطية: هو الثناء وخلد المكانة بإجماع المفسرين، وكذلك أجاب الله دعوته، وكل أمة تتمسك به وتعظمه، وهو على الحنيفية التي جاء بها محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال مكي: وقيل معناه سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان

من يقوم بالحق، فأجيبت الدعوة في محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال ابن عطية: وهذا معنى حسن إلا أن لفظ الآية لا يعطيه إلا بتحكم على اللفظ. وقال القشيري: أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة، فإن زيادة الثواب مطلوبة في حق كل أحد. قلت: وقد فعل الله ذلك إذ ليس أحد يصلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا وهو يصلى على إبراهيم وخاصة في الصلوات، وعلى المنابر التي هي أفضل الحالات وأفضل الدرجات. والصلاة دعاء بالرحمة. والمراد باللسان القول، وأصله جارحة الكلام. قال القتبي: وموضع اللسان موضع القول على الاستعارة، وقد تكنى العرب بها عن الكلمة. قال الأعشى:
إنى أتتني لسان لا أسر بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر
قال الجوهري: يروى من علو بضم الواو وفتحها وكسرها. أي أتانى خبر من أعلى، والتأنيث للكلمة. وكان قد أتاه خبر مقتل أخيه المنتشر. روى أشهب عن مالك قال قال الله عز وجل:" وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ" لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا ويرى في عمل الصالحين، إذا قصد به وجه الله تعالى، وقد قال الله تعالى:" وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي" وقال:" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا" أي حبا في قلوب عباده وثناء حسنا، فنبه تعالى بقوله:" وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ" على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل. الليث بن سليمان: إذ هي الحياة الثانية. قيل:
قد مات قوم وهم في الناس أحياء

قال ابن العربي: قال المحققون من شيوخ. الزهد في هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذي يكسب الثناء الحسن، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" [الحديث ] وفي رواية إنه كذلك في الغرس والزرع وكذلك فيمن مات مرابطا يكتب له عمله إلى يوم القيامة. وقد بيناه في آخر" آل عمران" «1» والحمد لله.
__________
(1). راجع ج 4 ص 323 طبعه أولى أو ثانية.

قوله تعالى: (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) دعاء بالجنة وبمن يرثها، وهو يرد قول بعضهم: لا أسأل جنة ولا نارا. قوله تعالى: (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ) كان أبوه وعده في الظاهر أن يؤمن به فاستغفر له لهذا، فلما بان أنه لا يفي بما قال تبرأ منه. وقد تقدم هذا المعنى." إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ" أى المشركين. و" كانَ" زائدة. (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أي لا تفضحني على رءوس الاشهاد، أو لا تعذبني يوم القيامة. وفي البخاري عن أبى هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة" والغبرة هي القترة. وعنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" يلقى إبراهيم أباه فيقول يا رب إنك وعدتني إلا تخزيني يوم يبعثون فيقول الله تعالى إنى حرمت الجنة على الكافرين" انفرد بهما البخاري رحمه الله. قوله تعالى: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ)" يَوْمَ" بدل من" يَوْمَ" الأول. أي يوم لا ينفع مال ولا بنون أحدا. والمراد بقوله:" وَلا بَنُونَ" الأعوان، لان الابن إذا لم ينفع فغيره متى ينفع؟ وقيل: ذكر البنين لأنه جرى ذكر والد إبراهيم، أي لم ينفعه إبراهيم." إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" هو استثناء من الكافرين، أي لا ينفعه ماله ولا بنوه. وقيل: هو استثناء من غير الجنس، أي لكن" مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" ينفعه لسلامة قلبه. وخص القلب بالذكر، لأنه الذي إذا سلم سلمت الجوارح، وإذا فسد فسدت سائر الجوارح. وقد تقدم في أول" البقرة" «1». واختلف في القلب السليم فقيل: من الشك والشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، قاله قتادة وابن زيد وأكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم الصحيح هو قلب المؤمن، لان قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله تعالى:" فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ" وقال أبو عثمان السياري: هو القلب الخالي عن البدعة المطمئن إلى السنة. وقال الحسن: سليم من آفة المال والبنين. وقال الجنيد: السليم في اللغة اللديغ، فمعناه أنه قلب كاللديغ من خوف الله. وقال الضحاك: السليم الخالص.
__________
(1). راجع ج 1 ص 187 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.

وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)

قلت: وهذا القول يجمع شتات الأقوال بعمومه وهو حسن، أي الخالص من الأوصاف الذميمة، والمتصف بالأوصاف الجميلة، والله أعلم. وقد روى عن عروة أنه قال: يا بنى لا تكونوا لعانين فإن إبراهيم لم يلعن شيئا قط، قال الله تعالى:" إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ". وقال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وفي صحيح مسلم من حديث أبى هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير" يريد- والله أعلم- أنها مثلها في أنها خالية من ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لهم بأمور الدنيا، كما روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أكثر أهل الجنة البله" وهو حديث صحيح. أي البله عن معاصي الله. قال الأزهري: الأبله هنا هو الذي طبع على الخير وهو غافل عن الشر لا يعرفه. وقال القتبي: البله هم الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس.

[سورة الشعراء (26): الآيات 90 الى 104]
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94)
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99)
فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)
قوله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي قربت وأدنيت ليدخلوها. وقال الزجاج: قرب دخولهم إياها. (وَبُرِّزَتِ) أي أظهرت (الْجَحِيمُ) يعني جهنم. (لِلْغاوِينَ)

أي الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة. (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ- دُونِ اللَّهِ) من الأصنام والأنداد (هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ) من عذاب الله (أَوْ يَنْتَصِرُونَ) لأنفسهم. وهذا كله توبيخ. (فَكُبْكِبُوا فِيها) أي قلبوا على رؤوسهم. وقيل: دهوروا وألقى بعضهم على بعض. وقيل: جمعوا. مأخوذ من الكبكبة وهى الجماعة، قاله الهروي. وقال النحاس هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه. والجماعة من الخيل كوكب وكبكبة. وقال ابن عباس: جمعوا فطرحوا في النار. وقال مجاهد: دهوروا. وقال مقاتل: قذفوا. والمعنى واحد. تقول: دهورت الشيء إذا جمعته ثم قذفته في مهواة. يقال: هو يدهور اللقم إذا كبرها. ويقال: في الدعاء كب الله عدو المسلمين ولا يقال أكبه. وكبكبه، أي كبه وقلبه. ومنه قوله تعالى:" فَكُبْكِبُوا فِيها" والأصل كببوا فأبدل من الباء الوسطى كاف استثقالا لاجتماع الباءات. قال السدى: الضمير في" فَكُبْكِبُوا" لمشركي العرب (وَالْغاوُونَ) الآلهة. (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ) من كان من ذريته. وقيل: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام فاتبعه. وقال قتادة والكلبي ومقاتل:" الْغاوُونَ" هم الشياطين. وقيل: إنما تلقى الأصنام في النار وهى حديد ونحاس ليعذب بها غيرهم. (قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ) يعنى الانس والشياطين والغاوين والمعبودين اختصموا حينئذ. (تَاللَّهِ) حلفوا بالله (إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي في خسار وتبار وحيرة عن الحق بينة إذا اتخذنا مع الله آلهة فعبدناها كما يعبد، وهذا معنى قوله: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ) أي في العبادة وأنتم لا تستطيعون الآن نصرنا ولا نصر أنفسكم. (وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ) يعنى الشياطين الذين زينوا لنا عباده الأصنام. وقيل: أسلافنا الذين قلدناهم. قال أبو العالية وعكرمة:" الْمُجْرِمُونَ" إبليس وابن آدم القاتل هما أول من سن الكفر والقتل وأنواع المعاصي. (فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ) أي شفعاء يشفعون لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. (وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) أي صديق مشفق، وكان على رضى الله عنه يقول: عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة،

ألا تسمع إلى قول أهل النار:" فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ" الزمخشري: وجمع الشافع لكثرة الشافعين ووحد الصديق لقلته، ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم مضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته، رحمة له وحسبة وإن لم تسبق له بأكثرهم معرفة، وأما الصديق فهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما يهمك فأعز من بيض الأنوق، وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال: اسم لا معنى له. ويجوز أن يريد بالصديق الجمع. والحميم القريب والخاص، ومنه حامة الرجل أي أقرباؤه. واصل هذا من الحميم وهو الماء الحار، ومنه الحمام والحمى، فحامة الرجل الذين يحرقهم ما أحرقه، يقال: هم حزانته أي يحزنهم ما يحزنه. ويقال: حم الشيء وأحم إذا قرب، ومنه الحمى، لأنها تقرب من الأجل. وقال على بن عيسى: إنما سمى القريب حميما، لأنه يحمى لغضب صاحبه، فجعله مأخوذا من الحمية. وقال قتادة: يذهب الله عز وجل يوم القيامة مودة الصديق ورقة الحميم. ويجوز:" ولا صديق حميم" بالرفع على موضع" مِنْ شافِعِينَ"، لان" مِنْ شافِعِينَ" في موضع رفع. وجمع صديق أصدقاء وصدقاء وصداق. ولا يقال صدق للفرق بين النعت وغيره. وحكى الكوفيون: أنه يقال في جمعه صدقان. النحاس: وهذا بعيد، لان هذا جمع ما ليس بنعت نحو رغيف ورغفان. وحكموا أيضا صديق وأ صادق. وأفاعل إنما هو جمع أفعل إذا لم يكن نعتا نحو أشجع وأشاجع. ويقال: صديق للواحد والجماعة وللمرأة، قال الشاعر «1»:
نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأعين أعداء وهن صديق
ويقال: فلان صديقي أي أخص أصدقائي، وإنما يصغر على جهة المدح، كقول حباب ابن المنذر:
أنا جذيلها «2» المحكك ... وعذيقها المرجب
ذكره الجوهري. النحاس: وجمع حميم أحماء وأحمة وكرهوا أفعلاء للتضعيف. (فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً)" أَنَّ" في موضع رفع، المعنى ولو وقع لنا رجوع إلى الدنيا لآمنا حتى يكون لنا شفعاء. تمنوا حين لا ينفعهم التمني.
__________
(1). هو جرير.
(2). عنى بجذيلها المحك الأصل من الشجرة- أو عود ينصب- تحتك به الإبل فتشتفي به، أي جربتني الأمور ولي علم وراي يشتفى بهما كما تشتفي هذه الإبل الجربي بهذا الجذيل. والترجيب هنا إرفاد النخلة من جانب ليمنعها من السقوط، أي إن لي عشيرة تعضدني وتمنعني. والعذيق تصغير عذق (بالفتح) وهي النخلة بحملها.

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)

وإنما قالوا ذلك حين شفع الملائكة والمؤمنون. قال جابر بن عبد الله قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل فلان وصديقه في الجحيم فلا يزال يشفع له حتى يشفعه الله فيه فإذا نجا قال المشركون:" فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ". وقال الحسن: ما أجتمع ملا على ذكر الله، فيهم عبد من أهل الجنة إلا شفعه الله فيهم، وإن أهل الايمان ليشفع بعضهم في بعض وهم عند الله شافعون مشفعون. وقال كعب: إن الرجلين كانا صديقين في الدنيا، فيمر أحدهما بصاحبه وهو يجر إلى النار، فيقول له أخوه: والله ما بقي لي إلا حسنة واحدة أنجو بها، خذها أنت يا أخى فتنجو بها مما أرى، وأبقى أنا وإياك من أصحاب الأعراف. قال: فيأمر الله بهما جميعا فيدخلان الجنة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) تقدم والحمد لله.

[سورة الشعراء (26): الآيات 105 الى 122]
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109)
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)
إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119)
ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (120) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)

قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) قال" كَذَّبَتْ" والقوم مذكر، لان المعنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال:" الْمُرْسَلِينَ" لان من كذب رسولا فقد كذب الرسل، لان كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل: كذبوا نوحا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل: ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام. وقد مضى هذا في" الفرقان" «1». (إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ) أي ابن أبيهم وهى أخوة نسب لا أخوة دين. وقيل: هي أخوة المجانسة. قال الله تعالى:" وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ" وقد مضى هذا في" الأعراف" «2». وقيل: هو من قول العرب يا أخا بنى تميم. يريدون يا واحدا منهم. الزمخشري: ومنه بيت الحماسة:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
(أَلا تَتَّقُونَ) أي ألا تتقون الله في عبادة الأصنام. (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) أي صادق فيما أبلغكم عن الله تعالى. وقيل:" أَمِينٌ" فيما بينكم، فإنهم كانوا عرفوا أمانته وصدقه من قبل كمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قريش. (فَاتَّقُوا اللَّهَ) أي فاستتروا بطاعة الله تعالى من عقابه. (وَأَطِيعُونِ) فيما آمركم به من الايمان. (وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) أي لا طمع لي في مالكم. (إِنْ أَجْرِيَ) أي ما جزائي (إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ). (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) كرر تأكيدا. قوله تعالى: (قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ" أي نصدق قولك." وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ" الواو للحال وفيه إضمار قد، أي وقد أتبعك." الْأَرْذَلُونَ" جمع الأرذل، المكسر الأراذل والأنثى الرذلى والجمع الرذل. قال النحاس: ولا يجوز حذف الالف واللام في شي من هذا عند أحد من النحويين علمناه. وقرا ابن مسعود والضحاك ويعقوب الحضرمي وغيرهم،
__________
(1). راجع ص 1 3 من هذا الجزء.
(2). راجع ج 7 ص 235 طبعه أولى أو ثانية.

" وأتباعك الأرذلون". النحاس: وهي قراءة حسنة، وهذه الواو أكثرها تتبعها الأسماء والافعال بقد. وأتباع جمع تبع وتبيع يكون للواحد والجمع. قال الشاعر:
له تبع قد يعلم الناس أنه ... على من يدانى صيف وربيع
ارتفاع" أتباعك" يجوز أن يكون بالابتداء و" الْأَرْذَلُونَ" الخبر، التقدير أنؤمن لك وإنما أتباعك الأرذلون. ويجوز أن يكون معطوفا على الضمير في قوله:" أَنُؤْمِنُ لَكَ" والتقدير: أنؤمن لك نحن وأتباعك الأرذلون فنعد منهم، وحسن ذلك الفصل بقوله:" لَكَ" وقد مضى القول في الأراذل في سورة" هود" «1» مستوفى. ونزيده هنا بيانا وهي المسألة: الثانية- فقيل: إن الذين آمنوا به بنوه ونساؤه وكناته وبنو بنيه. وأختلف هل كان معهم غيرهم أم لا. وعلى أي الوجهين كان فالكل صالحون، وقد قال نوح:" وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" والذين معه هم الذين أتبعوه، ولا يلحقهم من قول الكفرة شين ولا ذم بل الأرذلون هم المكذبون لهم. قال السهيلي: وقد أغرى كثير من العوام بمقالة رويت في تفسير هذه الآية: هم الحاكة والحجامون. ولو كانوا حاكة كما زعموا لكان إيمانهم بنبي الله واتباعهم له مشرفا كما تشرف بلال وسلمان بسبقهما للإسلام، فهما من وجوه أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن أكابرهم، فلا ذرية نوح كانوا حاكة ولا حجامين، ولا قول الكفرة في الحاكة والحجامين إن كانوا آمنوا بهم أرذلون ما يلحق اليوم بحاكتنا ذما ولا نقصا، لان هذه حكاية عن قول الكفرة إلا أن يجعل الكفرة حجة ومقالتهم أصلا، وهذا جهل عظيم وقد أعلم الله تعالى أن الصناعات ليست بضائرة في الدين. قوله تعالى: (قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)" كان" زائدة، والمعنى: وما علمي بما يعملون، أي لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الايمان، والاعتبار بالايمان لا بالحرف والصنائع، وكأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعا في العزة والمال. فقال: إنى لم أقف على باطن أمرهم وإنما إلى ظاهرهم. وقيل: المعنى إني
__________
(1). راجع ج 9 ص 23 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويرشدهم ويغويكم ويوفقهم ويخذلكم. (إِنْ حِسابُهُمْ) أي في أعمالهم وإيمانهم (إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ) وجواب" لو" محذوف، أي لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم. وقراءة العامة:" تَشْعُرُونَ" بالتاء على المخاطبة للكفار وهو الظاهر وقرا ابن أبى عبلة ومحمد بن السميقع:" لو يشعرون" بالياء كأنه خبر عن الكفار وترك الخطاب لهم، نحو قوله:" حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ". وروى أن رجلا سأل سفيان عن امرأة زنت وقتلت ولدها وهى مسلمة هل يقطع لها بالنار؟ فقال:" إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ". (وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ) أي لخساسة أحوالهم وأشغالهم. وكأنهم طلبوا منه طرد الضعفاء كما طلبته قريش. (إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) يعنى: إن الله ما أرسلني أخص ذوى الغنى دون الفقراء، إنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله وإن كان فقيرا. قوله تعالى: (قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ) أي عن سب آلهتنا وعيب ديننا (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) أي بالحجارة، قاله قتادة. وقال ابن عباس ومقاتل: من المقتولين. قال الثمالي: كل مرجومين في القرآن فهو القتل إلا في مريم:" لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ" أي لأسبنك. وقيل:" مِنَ الْمَرْجُومِينَ" من المشتومين، قاله السدى. ومنه قول، أبى دواد «1». (قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قال ذلك لما يئس من إيمانهم. والفتح الحكم وقد تقدم. (فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) يريد السفينة وقد مضى ذكرها. والمشحون المملوء، والشحن ملء السفينة بالناس والدواب وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا، لان الفلك ها هنا واحد لا جمع. (ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ) أي بعد إنجائنا نوحا ومن آمن. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).
__________
(1). كذا في جميع نسخ الأصل، وهنا سقط لعله بيت من الشعر أورده المؤلف شاهدا على أن الرجم معناه الشتم، كما أورد بيت الجعدي شاهدا على ذلك عند تفسير قوله تعالى:" وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ". راجع ج 9 ص 91

كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)

[سورة الشعراء (26): الآيات 123 الى 140]
كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127)
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132)
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137)
وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ) التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة. وتكذيبهم المرسلين كما تقدم. (إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) بين المعنى وقد تقدم. قوله تعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ) الريع ما ارتفع من الأرض في قول ابن عباس وغيره، جمع ريعة. وكم ريع أرضك أي كم ارتفاعها. وقال قتادة: الريع الطريق. وهو قول الضحاك والكلبي ومقاتل والسدي. وقال ابن عباس أيضا. ومنه قول المسيب ابن علس:
في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع يلوح كأنه سحل

شبه الطريق بثوب أبيض. النحاس: ومعروف في اللغة أن يقال لما أرتفع من الأرض ريع وللطريق ريع. قال الشاعر «1»:
طراق الخوافي مشرق فوق ريعة ... ندى ليله في ريشه يترقرق
وقال عمارة: الريع الجبل الواحد ريعة والجمع رياع. وقال مجاهد: هو الفج بين الجبلين. وعنه: الثنية الصغيرة. وعنه: المنظرة. وقال عكرمة ومقاتل: كانوا يهتدون بالنجوم إذا سافروا، فبنوا على الطريق أمثالا طوالا ليهتدوا بها: يدل عليه قوله" آيَةً" أي علامة. وعن مجاهد: الريع بنيان الحمام دليله" تَعْبَثُونَ" أي تلعبون، أي تبنون بكل مكان مرتفع آية. علما تلعبون بها على معنى أبنية الحمام وبروجها. وقيل: تعبثون بمن يمر في الطريق. أي تبنون بكل موضع مرتفع لتشرفوا على السابلة فتسخروا منهم. وقال الكلبي: إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم، ذكره الماوردي. وقال أبن الاعرابي: الربع الصومعة، والريع البرج من الحمام يكون في الصحراء. والريع التل العالي. وفى الريع لغتان: كسر الراء وفتحها وجمعها أرياع، ذكره الثعلبي. قوله تعالى: (وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ) أي منازل، قاله الكلبي. وقيل: حصونا مشيدة، قال ابن عباس ومجاهد. ومنه قول الشاعر:
تركنا ديارهم منهم قفارا ... وهدمنا المصانع والبروجا
وقيل: قصورا مشيدة، وقاله مجاهد أيضا. وعنه: بروج الحمام، وقاله السدى. قلت: وفية بعد عن مجاهد، لأنه تقدم عنه في الريع أنه بنيان الحمام فيكون تكرارا في الكلام. وقال قتادة: مآجل للماء تحت الأرض. وكذا قال الزجاج: إنها مصانع الماء، واحدتها مصنعة ومصنع. ومنه قول لبيد:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
__________
(1). هو ذو الرمة يصف بازيا. وفي ديوانه- طبع أوربا-" واقع" بدل" مشرق". [.....]

الجوهري: المصنعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنعة بضم النون. والمصانع الحصون. وقال أبو عبيدة: يقال لكل بناء مصنعة. حكاه المهدوي. وقال عبد الرزاق: المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العادية. (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) أي كي تخلدوا. وقيل: لعل استفهام بمعنى التوبيخ أي فهل" تَخْلُدُونَ" كقولك: لعلك تشتمني أي هل تشتمني. روى معناه عن ابن زيد. وقال الفراء: كيما تخلدون لا تتفكرون في الموت. وقال ابن عباس وقتادة: كأنكم خالدون باقون فيها. وفي بعض القراءات" كأنكم تخلدون" «1» ذكره النحاس. وحكى قتادة: أنها كانت في بعض القراءات" كأنكم خالدون". قوله تعالى: (وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) البطش السطوة والأخذ بالعنف. وقد بطش به يبطش ويبطش بطشا. وباطشة مباطشة. وقال ابن عباس ومجاهد: البطش العسف قتلا بالسيف وضربا بالسوط. ومعنى ذلك فعلتم ذلك ظلما. وقال مجاهد أيضا: هو ضرب بالسياط، ورواه مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر فيما ذكر ابن العربي. وقيل: هو القتل بالسيف في غير حق. حكاه يحيى بن سلام. وقال الكلبي والحسن: هو القتل على الغصب من غير تثبت. وكله يرجع إلى قول ابن عباس. وقيل: إنه المؤاخذة على العمد والخطأ من غير عفو ولا إبقاء. قال ابن العربي: ويؤيد ما قال مالك قول الله تعالى عن موسى:" فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ" وذلك أن موسى عليه السلام لم يسل عليه سيفا ولا طعنه برمح، وإنما وكزه وكانت منيته في وكزته. والبطش يكون باليد وأقله الوكز والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد، والكل مذموم إلا بحق. والآية نزلت خبرا عمن تقدم من الأمم، ووعظا من الله عز وجل لنا في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم. قلت: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثير من هذه الامة، لا سيما بالديار المصرية منذ وليتها البحرية، فيبطشون «2» بالناس بالسوط والعصا في غير حق. وقد أخبر صلى
__________
(1). مبنى للمفعول مخففا ومشددا.
(2). البحرية: هم من المماليك الأتراك الذين استخدمهم الملك الصالح الايوبي، وأسكنهم جزيرة الروضة. وأول ملوكهم عز الدين أيبك. وكانت مدة حكمهم من سنة 784- 648 هـ.

الله عليه وسلم أن ذلك يكون. كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا". وخرج أبو داود من حديث ابن عمر قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" إذا تبايعتم بالعينة «1» وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"." جَبَّارِينَ" قتالين. والجبار القتال في غير حق. وكذلك قوله تعالى:" إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ" قاله الهروي. وقيل: لجبار المتسلط العاتي، ومنه قوله تعالى:" وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ" أي بمسلط. وقال الشاعر:
سلبنا من الجبار بالسيف ملكه ... عشيا وأطراف الرماح شوارع
قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) تقدم. (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ) أي من الخيرات، ثم فسرها بقوله:" أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ" أي سخر ذلك لكم وتفضل بها عليكم، فهو الذي يجب أن يعبد ويشكر ولا يكفر. (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) إن كفرتم به وأصررتم على ذلك. (قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ) كل ذلك عندنا سواء لا نسمع منك ولا نلوى على ما تقوله. وروى العباس عن أبى عمرو وبشر عن الكسائي:" أَوَعَظْتَ" مدغمة الظاء في التاء وهو بعيد، لان الظاء حرف إطباق إنما يدغم فيما قرب منه جدا وكان مثله ومخرجه. (إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) أي دينهم، عن ابن عباس وغيره. وقال الفراء: عادة الأولين. وقرا ابن كثير وأبو عمرو والكسائي:" خلق الأولين". الباقون" خُلُقُ". قال الهروي: وقوله عز وجل:" إن هذا إلا خلق الأولين" أي اختلافهم وكذبهم، ومن قرأ:" خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" فمعناه عادتهم، والعرب تقول: حدثنا فلان بأحاديث الخلق أي بالخرافات والأحاديث المفتعلة. وقال ابن الاعرابي:
__________
(1). العينة أن تبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل معلوم ثم تشتريها منه بأقل من الثمن الذي بعتها به.

كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)

الخلق الدين والخلق الطبع والخلق المروءة. قال النحاس:" خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" عند الفراء يعنى عادة الأولين. وحكى لنا محمد بن الوليد عن محمد بن يزيد قال:" خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" مذهبهم وما جرى عليه أمرهم، قال أبو جعفر: والقولان متقاربان، ومنه الحديث عن النبي صلى الله عليه (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" أي أحسنهم مذهبا وعادة وما يجري عليه الامر في طاعة الله عز وجل، ولا يجوز أن يكون من كان حسن الخلق فاجرا فاضلا، ولا أن يكون أكمل إيمانا من السيئ الخلق الذي ليس بفاجر. قال أبو جعفر: حكى لنا عن محمد بن يزيد أن معنى" خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" تكذيبهم وتخرصهم غير أنه كان يميل إلى القراءة الاولى، لان فيها مدح آبائهم، وأكثر ما جاء القرآن في صفتهم مدحهم لآبائهم، وقولهم:" إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ". وعن أبى قلابة: أنه قرأ:" خلق" بضم الخاء وإسكان اللام تخفيف" خلق". ورواها ابن جبير عن أصحاب نافع عن نافع. وقد قيل: إن معنى" خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" دين الأولين. ومنه قوله تعالى:" فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ" أي دين الله. و" خُلُقُ الْأَوَّلِينَ" عادة الأولين: حياة ثم موت ولا بعث. وقيل: ما هذا الذي أنكرت علينا من البنيان والبطش إلا عادة من قبلنا فنحن نقتدي بهم (وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) على ما نفعل. وقيل: المعنى خلق أجسام الأولين، أي ما خلقنا إلا كخلق الأولين الذين خلقوا قبلنا وماتوا، ولم ينزل بهم شي مما تحذرنا به من العذاب. (فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ) أي بريح صرصر عاتية على ما يأتي في" الحاقة". (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) قال بعضهم: أسلم معه ثلاثمائة ألف ومئون وهلك باقيهم. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).

[سورة الشعراء (26): الآيات 141 الى 159]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145)
أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ

طَلْعُها هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150)
وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155)
وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ) ذكر قصة صالح وقومه وهم ثمود، وكانوا يسكنون الحجر كما تقدم في" الحجر" «1» وهى ذوات نخل وزروع ومياه. (أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ) يعنى في الدنيا آمنين من الموت والعذاب. قال ابن عباس: كانوا معمرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم. ودل على هذا قوله:" وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها" فقرعهم صالح ووبخهم وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا موت (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ). الزمخشري: فإن قلت لم قال:" وَنَخْلٍ" بعد قوله: و" جَنَّاتٍ" والجنات تتناول النخل أول شي كما يتناول النعم الإبل كذلك من بين الأزواج حتى إنهم ليذكرون الجنة ولا يقصدون إلا النخل، كما يذكرون النعم ولا يريدون إلا الإبل قال زهير:
كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقى جنة سحقا
يعنى النخل، والنخلة السحوق البعيدة الطول. قلت: فيه وجهان، أحدهما- أن يخص النخل بإفراده بعد دخوله في جملة سائر الشجر تنبيها على انفراده عنها بفضله عنها. والثاني- أن يريد بالجنات غيرها من الشجر، لان اللفظ
__________
(1). راجع ج 10 ص 45 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

يصلح لذلك ثم يعطف عليها النخل. والطلعة هي التي تطلع من النخلة كنصل السيف، في جوفه شماريخ القنو، والقنو اسم للخارج من الجذع كما هو بعرجونه وشماريخه. و" هَضِيمٌ" قال ابن عباس: لطيف ما دام في كفراه. والهضيم اللطيف الدقيق، ومنه قول امرئ القيس:
على هضيم الكشح ريا المخلخل «1»

الجوهري: ويقال للطلع هضيم ما لم يخرج من كفراه، لدخول بعضه في بعض. والهضيم من النساء اللطيفة الكشحين. ونحوه حكى الهروي، قال: هو المنضم في وعائه قبل أن يظهر، ومنه رجل هضيم الجنبين أي منضمهما، هذا قول أهل اللغة. وحكى الماوردي وغيره في ذلك أثني عشر قولا: أحدها: أنه الرطب اللين، قال عكرمة. الثاني- هو المذنب من الرطب، قاله سعيد بن جبير. قال النحاس: وروى أبو إسحاق عن يزيد- هو ابن أبي زياد كوفي ويزيد بن أبي مريم شامي- وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ قال: منه ما قد أرطب ومنه مذنب. الثالث- أنه الذي ليس فيه نوى، قاله الحسن. الرابع- أنه المتهشم المتفتت إذا مس تفتت، قاله مجاهد. وقال أبو العالية: يتهشم في الفم. الخامس- هو الذي قد ضمر بركوب بعضه بعضا، قاله الضحاك ومقاتل. السادس- أنه المتلاصق بعضه ببعض، قاله أبو صخر. السابع- أنه الطلع حين يتفرق ويخضر، قاله الضحاك أيضا. الثامن- أنه اليانع النضيج، قاله ابن عباس. التاسع- أنه المكتنز قبل أن ينشق عنه القشر، حكاه ابن شجرة، قال:
كأن حمولة تجلي عليه ... هضيم ما يحس له شقوق
العاشر- أنه الرخو، قال الحسن. الحادي عشر- أنه الرخص اللطيف أول ما يخرج وهو الطلع النضيد، قاله الهروي. الثاني عشر- أنه البرني «2»، قاله ابن الاعرابي، فعيل بمعنى فاعل أي هنئ مرئ من انهضام الطعام. والطلع اسم مشتق من الطلوع وهو الظهور، ومنه طلوع الشمس والقمر والنبات.
__________
(1). صدر البيت.
هصرت بفودي رأسها فمايلت

(2). البرني: ضرب من الثمر وهو أجوده، واحدته برنية.

قوله تعالى:" وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ" النحت النجر والبري، نحته ينحته (بالكسر) نحتا إذا براه والنحاتة البراية. المنحت ما ينحت به. وفي" والصافات" قال:" أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ". وكانوا ينحتونها من الجبال لما طالت أعمارهم وتهدم بناؤهم من المدر. وقرا ابن كثير وأبو عمرو ونافع:" فرهين" بغير ألف. الباقون:" فارِهِينَ" بألف وهما بمعنى واحد في قول أبي عبيدة وغيره، مثل:" عِظاماً نَخِرَةً" و" ناخرة". وحكاه قطرب. وحكى فره يفره فهو فاره وفره يفره فهو فره وفارة إذا كان نشيطا. وهو نصب على الحال. وفرق بينهما قوم فقالوا:" فارِهِينَ" حاذقين بنحتها، قاله أبو عبيدة، وروي عن ابن عباس وأبي صالح وغيرهما. وقال عبد الله بن شداد:" فارِهِينَ" متجبرين. وروي عن ابن عباس أيضا أن معنى" فرهين" بغير ألف أشرين بطرين، وقاله مجاهد. وروى عنه شرهين. الضحاك: كيسين. قتادة: معجبين، قاله الكلبي، وعنه: ناعمين. وعنه أيضا آمنين، وهو قول الحسن. وقيل: متخيرين، قاله الكلبي والسدي. ومنه قول الشاعر:
إلى فره يماجد كل أمر ... قصدت له لاختبر الطباعا
وقيل: متعجبين، قاله خصيف. وقال ابن زيد: أقوياء. وقيل: فرهين فرحين، قاله الأخفش. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء، تقول: مدهته ومدحته، فالفره الأشر الفرح ثم الفرح بمعنى المرح مذموم، قال الله تعالى:" وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً" وقال:" إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ"." فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ" قيل: المراد الذين عقروا الناقة. وقيل: التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. قال السدي وغيره: أوحى الله تعالى إلى صالح: إن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل. فقال لهم صالح: إنه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد في هذا الشهر ذكر إلا قتلناه. فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه وكان لم يولد له قبل ذلك. وكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا، وكان إذا مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا. وغضب

التسعة على صالح، لأنه كان سبب قتلهم أبناءهم فتعصبوا وتقاسموا بالله لنبيتنه واهلة. قالوا: نخرج إلى سفر فترى الناس سفرنا فنكون في غار، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم قلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، فيصدقوننا ويعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. وكان صالح لا ينام معهم في [القرية وكان «1» يأوي إلى ] مسجده، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا فسقط عليهم الغار فقتلهم، فرأى ذلك ناس ممن كان قد أطلع على ذلك، فصاحوا في القرية: يا عباد الله! أما رضي صالح أن أمر بقتل أولادهم حتى قتلهم، فأجمع أهل القرية على قتل الناقة. وقال ابن إسحاق: إنما اجتمع التسعة على سب صالح بعد عقرهم الناقة وإنذارهم بالعذاب على ما يأتي بيانه في سورة" النمل" «2» إن شاء الله تعالى." قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ" هو من السحر في قول مجاهد وقتادة على ما قال المهدوي. أي أصبت بالسحر فبطل عقلك، لأنك بشر مثلنا فلم تدع الرسالة دوننا. وقيل: من المعللين بالطعام والشراب، قاله ابن عباس والكلبي وقتادة ومجاهد أيضا فيما ذكر الثعلبي. وهو على هذا القول من السحر وهو الرئة أي بشر لك سحر أي رئة تأكل وتشرب مثلنا كما قال [لبيد «3»]:
فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر
وقال [امرؤ القيس:]
ونسحر بالطعام وبالشراب «4»

(فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في قولك. (قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) قال ابن عباس: قالوا إن كنت صادقا فادع الله يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء عشراء «5» فتضع ونحن ننظر، وترد هذا الماء فتشرب وتغدو علينا بمثله لبنا. فدعا الله
__________
(1). الزيادة من" قصص الأنبياء" للثعلبي.
(2). في تفسير قوله تعالى:" وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ".
(3). في نسخ الأصل: امرؤ القيس، والتصويب من ديوان لبيد.
(4). صدر البيت:
أرانا موضعين لأمر غيب

موضعين: مسرعين. وأمر غيب يريد الموت وأنه قد غيب منا وقته ونحن نلهى عنه بالطعام والشراب.
(5). ناقة عشراء: مضى لحملها عشرة أشهر.

وفعل الله ذلك ف" قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ" أي حظ [من الماء «1»]، أي لكم شرب يوم ولها شرب يوم، فكانت إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله أول النهار وتسقيهم اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأرضهم، ليس لهم في يوم ورودها أن يشربوا من شربها شيئا، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئا. قال الفراء: الشرب الحظ من الماء. قال النحاس: فأما المصدر فيقال فيه شرب شربا وشربا وشربا وأكثرها المضمومة، لان المكسورة والمفتوحة يشتركان مع شي آخر فيكون الشرب الحظ من الماء، ويكون الشرب جمع شارب كما قال «2»:
فقلت للشرب في درنا وقد ثملوا

إلا أن أبا عمرو بن العلاء والكسائي يختاران الشرب بالفتح في الصدر، ويحتجان برواية بعض العلماء أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إنها أيام أكل وشرب". (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ) لا يجوز إظهار التضعيف ها هنا، لأنهما حرفان متحركان من جنس واحد. (فَيَأْخُذَكُمْ) جواب النهي، ويجوز حذف الفاء منه، والجزم كما جاء في الامر إلا شيئا روى عن الكسائي أنه يجيزه. (فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ) أي على عقرها لما أيقنوا بالعذاب. وذلك أنه أنظرهم ثلاثا فظهرت عليهم العلامة في كل يوم، وندموا ولم ينفعهم الندم عند معاينة العذاب. وقيل: لم ينفعهم الندم لأنهم لم يتوبوا، بل طلبوا صالحا عليه السلام ليقتلوه لما أيقنوا بالعذاب. وقيل: كانت ندامتهم على ترك الولد إذ لم يقتلوه معها. وهو بعيد. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً) إلى آخره تقدم. ويقال: إنه ما آمن به من تلك الأمم إلا ألفان وثمانمائة رجل وامرأة. وقيل: كانوا أربعة آلاف. وقال كعب: كان قوم صالح اثني عشر ألف قبيل كل قبيل نحو أثني عشر ألفا من سوى النساء والذرية، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات.
__________
(1). زيادة يقتضيها المعنى.
(2). هو الأعشى وتمامه:
شيموا فكيف يشيم الشارب الثمل

ودرنا (بضم الدال والفتح) موضع زعموا أنه بناحية اليمامة. اللسان.

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)

[سورة الشعراء (26): الآيات 160 الى 175]
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164)
أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169)
فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)
قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ) مضى معناه وقصته في" الأعراف" «1» و" هود" «2» مستوفي والحمد لله. قوله تعالى: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ) كانوا ينكحونهم في أدبارهم وكانوا يفعلون ذلك بالغرباء على ما تقدم" في الأعراف" «3». (وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ) يعني فروج النساء فإن الله خلقها للنكاح. قال إبراهيم بن مهاجر: قال لي مجاهد كيف يقرأ عبد الله" وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ" قلت:" وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ" قال: الفرج، كما قال:" فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ" «4». (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) أي متجاوزون لحدود الله. (قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ) عن قولك هذا.
__________
(1). راجع ج 7 ص 243 وما بعدها [.....]
(2). وج 9 ص 73 وما بعدها.
(3). راجع ج 7 ص 243 وما بعدها
(4). راجع ج 3 ص 80.

(لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) أي من بلدنا وقريتنا. (قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ) يعني اللواط (مِنَ الْقالِينَ) أي المبغضين والقلى البغض، قليته أقليه قلى وقلاء. قال «1»:
فلست بمقلي الخلال ولا قالي

وقال آخر «2»:
عليك السلام لا مللت قريبة ... ومالك عندي إن نأيت قلاء
(رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ) أي من عذاب عملهم. دعا الله لما أيس من إيمانهم ألا يصيبه من عذابهم. قال تعالى: (فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) ولم يكن إلا ابنتاه على ما تقدم في" هود" «3». (إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ) روى سعيد عن قتادة قال: غبرت في عذاب الله عز وجل أي بقيت. وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من الباقين في الهرم أي بقيت حتى هرمت. قال النحاس: يقال للذاهب غابر والباقي غابر كما قال «4»:
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج
وكما قال «5»:
فما ونى محمد مذ إن غفر ... له الاله ما مضى وما غبر
أي ما بقي. والأغبار بقيات الألبان. (ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ) أي أهلكناهم بالخسف والحصب، قال مقاتل: خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجا من القرية. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً) يعني الحجارة (فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ). وقيل: إن جبريل خسف بقريتهم وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) لم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط وابنتاه.
__________
(1). هو امرؤ القيس، وصدر البيت:
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى

(2). هو الحرث بن حلزة،
(3). راجع ج 9 ص 73 فما بعد.
(4). هو الحرث بن حلزة، وكسع الناقة بغبرها وترك في ضرعها بقية من اللبن. وبعده:
واحلب لاضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج
يقول: لا تغزر إبلك تطلب بذلك قوة نسلها، واحلبها لأضيافك، فلعل عدوا يغير عليها فيكون نتاجها له دونك.
(5). هو العجاج.

كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)

[سورة الشعراء (26): الآيات 176 الى 191]
كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (180)
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185)
وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190)
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)
قوله تعالى: (كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ) الأيك الشجر الملتف الكثير الواحدة أيكة. ومن قرأ:" أَصْحابُ الْأَيْكَةِ" فهي الغيضة. ومن قرأ:" ليكة" فهو اسم القرية. ويقال: هما مثل بكة ومكة، قاله الجوهري. وقال النحاس: وقرا أبو جعفر ونافع" كذب أصحاب ليكة المرسلين" وكذا قرأ: في" ص". وأجمع القراء على الخفض في التي في سورة" الحجر" والتي في سورة" ق" فيجب أن يرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذ كان المعنى واحدا. وأما ما حكاه أبو عبيد من أن" ليكة" هي اسم القرية التي كانوا فيها وأن" الْأَيْكَةِ" اسم البلد فشى لا يثبت ولا يعرف من قاله فيثبت علمه، ولو عرف من قاله لكان فيه نظر، لان أهل العلم جميعا من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافه.

وروى عبد الله بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة قال: أرسل شعيب عليه السلام إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، قال: والأيكة غيضة من شجر ملتف. وروى سعيد عن قتادة قال: كان أصحاب الأيكة أهل غيضة وشجر وكانت عامة شجرهم الدوم وهو شجر المقل. وروى ابن جبير عن الضحاك قال: خرج أصحاب الأيكة- يعني حين أصابهم الحر- فانضموا إلى الغيضة والشجر، فأرسل الله عليهم سحابة فاستظلوا تحتها، فلما تكاملوا تحتها أحرقوا. ولو لم يكن في هذا إلا ما روي عن ابن عباس قال: و" الْأَيْكَةِ" الشجر. ولا نعلم بين أهل اللغة اختلافا أن الأيكة الشجر الملتف، فأما احتجاج بعض من أحتج بقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح أنه في السواد" ليكة" فلا حجة له، والقول فيه: إن أصله الأيكة ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل، لان اللام قد تحركت فلا يجوز عل هذا إلا الخفض، كما تقول بالأحمر تحقق الهمزة ثم تخفضها فنقول بلحمر، فإن شئت كتبته في الخط على ما كتبته أولا، وإن شئت كتبته بالحذف، ولم يجز إلا الخفض، قال سيبويه: وأعلم أن ما لا ينصرف إذا دخلت عليه الالف واللام أو أضيف أنصرف، ولا نعلم أحدا خالف سيبويه في هذا. وقال الخليل:" الْأَيْكَةِ" غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر. (إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ) ولم يقبل أخوهم شعيب، لأنه لم يكن أخا لأصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال:" أَخاهُمْ شُعَيْباً"، لأنه كان منهم. وقد مضي في" الأعراف" «1» القول في نسبه. قال ابن زيد: أرسل الله شعيبا رسولا إلى قومه أهل مدين، وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة، وقاله قتادة. وقد ذكرناه. (أَلا تَتَّقُونَ) تخافون الله (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) الآية. وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحدا على صيغة واحدة، لأنهم متفقون على الامر بالتقوى، والطاعة والإخلاص في العبادة، والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ الرسالة. (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) الناقصين للكيل
__________
(1). راجع ج 7 ص 247 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

والوزن. (وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) أي أعطوا الحق. وقد مضي في" سبحان" وغيرها. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) تقدم في" هود" وغيرها. (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ) قال مجاهد: الجبلة هي الخليقة. وجبل فلان على كذا أي خلق، فالخلق جبلة وجبلة وجبلة وجبلة وجبلة ذكره النحاس في" معاني القرآن"." وَالْجِبِلَّةَ" عطف على الكاف والميم. قال الهروي: الجبلة والجبلة والجبل والجبل والجبل لغات، وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى:" جِبِلًّا كَثِيراً". قال النحاس في كتاب" إعراب القرآن" له: ويقال جبلة والجمع فيهما جبال، وتحذف الضمة والكسرة من الباء، وكذلك التشديد من اللام، فيقال: جبلة وجبل، ويقال: جبلة وجبال، وتحذف الهاء من هذا كله. وقرا الحسن باختلاف عنه:" وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ" بضم الجيم والباء، وروي عن شيبة والأعرج. الباقون بالكسر. قال:
والموت أعظم حادث ... فيما يمر على الجبلة
(قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) الذين يأكلون الطعام والشراب على ما تقدم. (وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ) أي ما نظنك إلا من الكاذبين في أنك رسول الله تعالى. (فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً «1» مِنَ السَّماءِ) أي جانبا من السماء وقطعة منه، فننظر إليه، كما قال:" وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ". وقيل: أرادوا أنزل علينا العذاب. وهو مبالغة في التكذيب. قال أبو عبيدة: الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدره. وقرا السلمي وحفص" كِسَفاً" جمع كسفة أيضا وهي القطعة والجانب تقديره كسره وكسر. قال الجوهري: الكسفة القطعة من الشيء، يقال أعطني كسفة من ثوبك والجمع كسف وكسف. ويقال: الكسف والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ:" كسفا" جعله واحدا ومن قرأ" كِسَفاً" جعله جمعا. وقد مضى هذا في سورة" سبحان" «2» وقال الهروي: ومن قرأ" كسفا" على التوحيد فجمعه أكساف وكسوف، كأنه قال أو تسقطه علينا طبقا واحدا،
__________
(1)." كسفا" بإسكان السين قراءة نافع.
(2). راجع ج 10 ص 330 طبعه أولى أو ثانية.

وهو من كسفت الشيء كسفا إذا غطيته. (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) تهديد، أي إنما على التبليغ وليس العذاب الذي سألتم وهو يجازيكم. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) قال ابن عباس: أصابهم حر شديد، فأرسل الله سبحانه سحابه فهربوا إليها ليستظلوا بها، فلما صاروا تحتها صيح بهم فهلكوا. وقيل: أقامها الله فوق رؤوسهم، وألهبها حرا حتى ماتوا من الرمد. وكان من أعظم يوم في الدنيا عذابا. وقيل: بعث الله عليهم سموما فخرجوا إلى الأيكة يستظلون بها فأضرمها الله عليهم نارا فاحترقوا. وعن ابن عباس أيضا وغيره: إن الله تعالى فتح عليهم بابا من أبواب جهنم، وأرسل عليهم هدة وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا بيوتهم فلم ينفعهم ظل ولا ماء فأنضجهم الحر، فخرجوا هربا إلى البرية، فبعث الله عز وجل سحابة فأظلتهم فوجدوا لها بردا وروحا وريحا طيبة، فنادى بعضهم بعضا، فلما اجتمعوا تحت السحابة أهبها الله تعالى عليهم نارا، ورجفت بهم الأرض، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى، فصاروا رمادا، فذلك قوله:" فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها" وقوله:" فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ". وقيل: إن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام، وسلط عليهم الحر حتى أخذ بأنفاسهم، ولم ينفعهم ظل ولا ماء فكانوا يدخلون الأسراب، ليتبردوا فيها فيجدوها أشد حرا من الظاهر، فهربوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة وهي الظلة، فوجدوا لها بردا ونسيما، فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. وقال يزيد الجريري: سلط الله عليهم الحر سبعة أيام ولياليهن ثم رفع لهم جبل من بعيد فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون وشجر وماء بارد، فاجتمعوا كلهم تحته، فوقع عليهم الجبل وهو الظلة. وقال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أمتين: أصحاب مدين وأصحاب الأيكة فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أصحاب مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا أجمعين. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) قيل: آمن بشعيب من الفئتين تسعمائة نفر.

وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203)

[سورة الشعراء (26): الآيات 192 الى 196]
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196)
قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ) عاد إلى ما تقدم بيانه في أول السورة من إعراض المشركين عن القرآن. (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ)" نَزَلَ" مخففا قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو. الباقون:" نزل" مشددا" بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ" نصبا وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد لقوله:" وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ" وهو مصدر نزل، والحجة لمن قرأ بالتخفيف أن يقول ليس هذا بمقدر، لان المعنى وإن القرآن لتنزيل رب العالمين نزل به جبريل إليك، كما قال تعالى:" قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ" أي يتلوه عليك فيعيه قلبك. وقيل: ليثبت قلبك. (لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) أي لئلا يقولوا لسنا نفهم ما تقول. (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) أي وإن ذكر نزوله لفي كتب الأولين يعني الأنبياء. وقيل: أي إن ذكر محمد عليه السلام في كتب الأولين، كما قال تعالى:" يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ" والزبر الكتب الواحد زبور كرسول ورسل، وقد تقدم.

[سورة الشعراء (26): الآيات 197 الى 203]
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201)
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203)
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ) قال مجاهد: يعني عبد الله ابن سلام وسلمان وغيرهما ممن أسلم. وقال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة

يسألونهم عن محمد عليه السلام، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته. فيرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم أسلم أو لم يسلم على هذ القول. وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين، لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب، لأنهم مظنون بهم علم. وقرا ابن عامر" أولم تكن لهم آية". الباقون" أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً" بالنصب على الخبر واسم يكن" أَنْ يَعْلَمَهُ" والتقدير أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل الذين أسلموا آية واضحة. وعلى القراءة الاولى أسم كان" آيَةً" والخبر" أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ". وقرا عاصم الجحدري" أن تعلمه علماء بني إسرائيل. (وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ) أي على رجل ليس بعربي اللسان (فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ) بغير لغة العرب لما أمنوا ولقالوا لا نفقه. نظيره:" وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا" الآية. وقيل: معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة وكبرا. يقال: رجل أعجم وأعجمي إذا كان غير فصيح وإن كان عربيا، ورجل عجمي وإن كان فصيحا ينسب إلى أصله، إلا أن الفراء أجاز أن يقال رجل عجمي بمعنى أعجمي. وقرا الحسن" على بعض الاعجميين" مشددة بياءين جعله نسبة. ومن قرأ" الْأَعْجَمِينَ" فقيل: إنه جمع أعجم. وفية بعد، لان ما كان من الصفات الذي مؤنثه فعلاء لا يجمع بالواو والنون، ولا بالألف والتاء، لا يقال أحمرون ولا حمراوات. وقيل: إن أصله الأعجمين كقراءة الجحدري ثم حذفت ياء النسب، وجعل جمعه بالياء والنون دليلا عليها. قاله أبو الفتح عثمان بن جني. وهو مذهب سيبويه. قوله تعالى: (كَذلِكَ سَلَكْناهُ) يعني القرآن أي الكفر به (فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ). وقيل: سلكنا التكذيب في قلوبهم، فذلك الذي منعهم من الايمان، قاله يحيى بن سلام وقال عكرمة: القسوة. والمعنى متقارب وقد مضى في" الحجر" «1» وأجاز الفراء الجزم في" لا يُؤْمِنُونَ"، لان فيه معنى الشرط والمجازاة. وزعم أن من شأن العرب إذا وضعت لا موضع كي لا في مثل هذا ربما جزمت ما بعدها وربما رفعت، فتقول: ربطت
__________
(1). راجع ج 10 ص 7 طبعه أولى أو ثانية.

أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209)

الفرس لا ينفلت بالرفع والجزم، لان معناه إن لم أربطه ينفلت، والرفع بمعنى كيلا ينفلت. وأنشد لبعض بني عقيل:
وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا ... مساكنه لا يقرف الشر قارف
بالرفع لما حذف كي. ومن الجزم قول الآخر:
لطالما حلّأتماها لا ترد ... فخلياها والسجال تبترد «1»
قال النحاس: وهذا كله في" يؤمنون" خطأ عند البصريين، ولا يجوز الجزم بلا جازم، ولا يكون شي يعمل عملا فإذا حذف عمل عملا أقوى، من عمله وهو موجود، فهذا احتجاج بين (حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ. فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) أي العذاب. وقرا الحسن:" فتأتيهم" بالتاء، والمعنى: فتأتيهم الساعة بغتة فأضمرت لدلالة العذاب الواقع فيها، ولكثرة ما في القرآن من ذكرها. وقال رجل للحسن وقد قرأ:" فتأتيهم": يا أبا سعيد إنما يأتيهم العذاب بغتة. فانتهزه وقال: إنما هي الساعة تأتيهم بغتة أي فجأة. (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) بإتيانها. (فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ) أي مؤخرون وممهلون. يطلبون الرجعة هنالك فلا يجابون إليها. قال القشيري: وقوله:" فَيَأْتِيَهُمْ" ليس عطفا على قوله:" حَتَّى يَرَوُا" بل هو جواب قوله:" لا يُؤْمِنُونَ" فلما كان جوابا للنفي انتصب، وكذلك قوله:" فَيَقُولُوا".

[سورة الشعراء (26): الآيات 204 الى 209]
أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (208)
ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209)
قوله تعالى: (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ) قال مقاتل: قال المشركون للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يا محمد إلى متى تعدنا بالعذاب ولا تأتي به! فنزلت" أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ".
__________
(1). حلاها: منعها من ورود الماء. والسجال:) جمع سجل) وهى الدلو الضخمة المملوءة ماء. وتبترد: تشرب الماء لتبرد به كبدها. والبيت قاله بعض النسوة لبعض لما زرن امرأة قد تزوجت من رجل كان عاشقا لها.

(أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ) يعني في الدنيا والمراد أهل مكة في قول الضحاك وغيره. (ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ) من العذاب والهلاك (ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ)." ما" الاولى استفهام معناه التقرير، وهو في موضع نصب ب" أَغْنى " و" ما" الثانية في موضع رفع، ويجوز أن تكون الثانية نفيا لا موضع لها. وقيل:" ما" الاولى حرف نفي، و" ما" الثانية في موضع رفع ب" أَغْنى " والهاء العائدة محذوفة. والتقدير: ما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه. وعن الزهري: إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ" أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ. ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ" ثم يبكي ويقول:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم

فلا أنت في الإيقاظ يقظان حازم ... ولا أنت في النوام ناج فسالم

تسر بما يفنى وتفرح بالمنى ... كما سر باللذات في النوم حالم

وتسعى إلى ما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
قوله تعالى: (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ)" مِنْ" صلة، المعنى: وما أهلكنا قرية. (إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ) أي رسل. (ذِكْرى ) قال الكسائي:" ذِكْرى " في موضع نصب على الحال. النحاس: وهذا لا يحصل، والقول فيه قول الفراء وأبي إسحاق أنها في موضع نصب على المصدر، قال الفراء: أي يذكرون ذكرى، وهذا قول صحيح، لان معنى" إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ" إلا لها مذكرون. و" ذِكْرى " لا يتبين فيه الاعراب، لان فيها ألفا مقصورة. ويجوز" ذكرى" بالتنوين، ويجوز أن يكون" ذِكْرى " في موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. وقال الفراء: أي ذلك ذكرى، وتلك ذكرى. وقال ابن الأنباري قال بعض المفسرين: ليس في" الشعراء" وقف تام إلا قوله" إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ" وهذا عندنا وقف حسن، ثم يبتدئ" ذكرى" على معنى هي ذكرى أي يذكرهم ذكرى، والوقف على" ذِكْرى " أجود. (وَما كُنَّا ظالِمِينَ) في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم:

وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)

[سورة الشعراء (26): الآيات 210 الى 213]
وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)
قوله تعالى: (وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ) يعنى القرآن بل ينزل به الروح الأمين. (وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) أي برمي الشهب كما مضى في سورة" الحجر" «1» بيانه. وقرا الحسن ومحمد بن السميقع:" وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ" قال المهدوي: وهو غير جائز في العربية ومخالف للخط. وقال النحاس: وهذا غلط عند جميع النحويين، وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: هذا غلط عند العلماء، إنما يكون بدخول شبهة، لما رأى الحسن في أخره ياء ونونا وهو في موضع رفع اشتبه عليه بالجمع المسلم فغلط، وفي الحديث:" احذروا زلة العالم" وقد قرأ هو مع الناس" وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ" ولو كان هذا بالواو في موضع رفع لوجب حذف النون للإضافة. وقال الثعلبي: قال الفراء: غلط الشيخ- يعنى الحسن- فقيل ذلك للنضر بن شميل فقال: إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما، جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه مع أنا نعلم أنهما لم يقرأ بذلك إلا وقد سمعا في ذلك شيئا، وقال المؤرج: إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه. وقال يونس بن حبيب: سمعت أعرابيا يقول دخلنا بساتين من ورائها بساتون، فقلت: ما أشبه هذا بقراءة الحسن. قوله تعالى: (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) قيل: المعنى قل لمن كفرا هذا. وقيل: هو مخاطبة له عليه لسلام وإن كان لا يفعل هذا، لأنه معصوم مختار ولكنه خوطب بهذا والمقصود غيره. ودل على هذا قوله:" وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" أي لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم.
__________
(1). راجع ج 10 ص 10 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية. [.....]

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)

[سورة الشعراء (26): الآيات 214 الى 220]
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِي ءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218)
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)
قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" خص عشيرته الأقربين بالإنذار، لتنحسم أطماع سائر عشيرته وأطماع الأجانب في مفارقته إياهم على الشرك. وعشيرته الأقربون قريش. وقيل: بنو عبد مناف. ووقع في صحيح مسلم:" وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين". وظاهر هذا أنه كان قرآنا يتلى وأنه نسخ، إذ لم يثبت نقله في المصحف ولا تواتر. ويلزم على ثبوته إشكال، وهو أنه كان يلزم عليه ألا ينذر إلا من آمن من عشيرته، فإن المؤمنين هم الذين يوصفون بالإخلاص في دين الإسلام وفي حب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا المشركون، لأنهم ليسوا على شي من ذلك، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعا عشيرته كلهم مؤمنهم وكافرهم، وأنذر جميعهم ومن معهم ومن يأتي بعدهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يثبت ذلك نقلا ولا معنى. وروى مسلم من حديث أبى هريرة قال: لما نزلت هذه الآية" وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" دعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال:" يا بنى كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى مره بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمه أنقذي نفسك من النار فإنى لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سابلها ببلالها «1»".
__________
(1)." سابلها ببلالها": أي أصلكم في الدنيا ولا أغنى عنكم من الله شيئا.

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223)

الثانية- في هذا الحديث والآية دليل على أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأسباب، ودليل على جواز صلة المؤمن الكافر وإرشاده ونصيحته، لقوله:" إن لكم رحما سابلها ببلالها" وقوله عز وجل:" لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ" الآية، على ما يأتي بيانه هناك قوله تعالى: (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) تقدم في سورة" الحجر" و" سبحان" يقال: خفض جناحه إذا لان. (فَإِنْ عَصَوْكَ) أي خالفوا أمرك. (فَقُلْ إِنِّي بَرِي ءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) أي برئ من معصيتكم إياي، لان عصيانهم إياه عصيان لله عز وجل، لأنه عليه السلام لا يأمر إلا بما يرضاه، ومن تبرأ منه فقد تبرأ الله منه. قوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) أي فوض أمرك إليه فإنه العزيز الذي لا يغالب، الرحيم الذي لا يخذل أولياءه. وقرا العامة" وَتَوَكَّلْ" بالواو وكذلك هو في مصاحفهم. وقرا نافع وابن عامر:" فتوكل" بالفاء وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام. (الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ)
أي حين تقوم إلى الصلاة في قول أكثر المفسرين: ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: يعنى حين تقوم حيثما كنت. (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) قال مجاهد وقتادة: في المصلين. وقال ابن عباس: أي في أصلاب الآباء، آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيا. وقال عكرمة: يراك قائما وراكعا وساجدا، وقاله ابن عباس أيضا. وقيل: المعنى، إنك ترى بقلبك في صلاتك من خلفك كما ترى بعينك من قدامك. وروى عن مجاهد، ذكره الماوردي والثعلبي. وكان عليه السلام يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، وذلك ثابت في الصحيح وفي تأويل الآية بعيد. (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) تقدم.

[سورة الشعراء (26): الآيات 221 الى 223]
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223)

وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)

قوله تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ. تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) إنما قال:" تَنَزَّلُ" لأنها أكثر ما تكون في الهواء، وأنها تمر في الريح. (يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) تقدم في" الحجر". ف" يُلْقُونَ السَّمْعَ" صفة الشياطين" وَأَكْثَرُهُمْ" يرجع إلى الكهنة. وقيل: إلى الشياطين.

[سورة الشعراء (26): الآيات 224 الى 227]
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
قوله تعالى: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) فيه ست مسائل: الاولى- قوله تعالى:" وَالشُّعَراءُ" جمع شاعر مثل جاهل وجهلاء، قال ابن عباس: هم الكفار" يَتَّبِعُهُمُ" ضلال الجن والانس. وقيل" الْغاوُونَ" الزائلون عن الحق، ودل بهذا الشعراء أيضا غاوون، لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك. وقد قدمنا في سورة" النور" «1» أن من الشعر ما يجوز إنشاده، ويكره، ويحرم. روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [يوما «2»] فقال:" هل معك من شعر أمية بن أبى الصلت شيء" قلت: نعم. قال" هيه" فأنشدته بيتا. فقال" هيه" ثم أنشدته بيتا. فقال" هيه" حتى أنشدته مائة بيت. هكذا صواب هذا السند وصحيح روايته. وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم: عن عمرو بن الشريد عن الشريد أبيه، وهو وهم، لان الشريد هو الذي أردفه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. واسم أبى الشريد سويد. وفي هذا دليل على حفظ الاشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعا وطبعا، وإنما استكثر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من شعر أمية، لأنه
__________
(1). راجع ج 12 ص 271 طبعه أولى أو ثانية.
(2). الزيادة من صحيح مسلم.

كان حكيما، ألا ترى قوله عليه السلام:" وكاد أمية بن أبى الصلت أن يسلم" فأما ما تضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه فذلك مندوب إليه، كقول القائل:
الحمد لله العلى المنان ... صار الثريد في رءوس العيدان «1»
أو ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو مدحه كقول العباس:
من قبلها طبت في الظلال وفى مستودع ... حيث يخصف الورق

ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ... ولا مضغة ولا علق

بل نطفة تركب السفين وقد الجم ... نسرا واهلة الغرق

تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق «2»
فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا يفضض الله فاك". أو الذب عنه كقول حسان:
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
وهى أبيات ذكرها مسلم في صحيحه وهى في السير أتم. أو الصلاة عليه، كما روى زيد بن أسلم، خرج عمر ليلة يحرس فرأى مصباحا في بيت، وإذا عجوز تنفش صوفا وتقول:
على محمد صلاة الأبرار ... صلى عليه الطيبون الأخيار

قد كنت قواما بكا بالأسحار ... يا ليت شعري والمنايا أطوار

هل يجمعني وحبيبي الدار يعنى النبي

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجلس عمر يبكى. وكذلك ذكر أصحابه ومدحهم رضى الله عنهم، ولقد أحسن محمد بن سابق حيث قال:
إنى رضيت عليا للهدى علما ... كما رضيت عتيقا صاحب الغار

وقد رضيت أبا حفص وشيعته ... وما رضيت بقتل الشيخ في الدار

كل الصحابة عندي قدوة علم ... فهل على بهذا القول من عار

إن كنت تعلم إنى لا أحبهم ... إلا من أجلك فأعتقني من النار
__________
(1). كذا في الأصول.
(2). طبق: قرن. أراد إذا مضى قرن ظهر قرن آخر.

وقال آخر فأحسن:
حب النبي رسول الله مفترض ... وحب أصحابه نور ببرهان

من كان يعلم أن الله خالقه ... لا يرمين أبا بكر ببهتان

ولا أبا حفص الفاروق صاحبه ... ولا الخليفة عثمان بن عفان

أما على فمشهور فضائله ... والبيت لا يستوي إلا بأركان
قال ابن العربي: أما الاستعارات في التشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد، فبذلك يضرب الملك الموكل بالرؤيا المثل، وقد أنشد كعب بن زهير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول

وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول

تجلو عوارض ذى ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول
فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسمع ولا ينكر في تشبيهه ريقها بالراح. وأنشد أبو بكر رضى الله عنه «1»:
فقدنا الوحى إذ وليت عنا ... وودعنا من الله الكلام

سوى ما قد تركت لنا رهينا ... توارثه القراطيس الكرام

فقد أورثتنا ميراث صدق ... عليك به التحية والسلام
فإذا كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسمعه وأبو بكر ينشده، فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا. قال أبو عمر: ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولى النهى، وليس أحد من كبار الصحابة واهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحا، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله، وروى أبو هريرة قال
__________
(1). قال ذلك في رثاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المنبر يقول:" أصدق كلمة- أو أشعر كلمة- قالتها العرب قول لبيد:
ألا كل شي ما خلا الله باطل

" أخرجه مسلم وزاد" وكاد أمية بن أبى الصلت أن يسلم" وروى عن ابن سيرين أنه أنشد شعرا فقال له بعض جلسائه: مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر. فقال: ويلك يا لكع! وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي، فحسنة حسن وقبيحه قبيح! قال: وقد كانوا يتذاكرون الشعر. قال: وسمعت ابن عمر ينشد:
يحب الخمر من مال الندامى ... ويكره أن يفارقه الغلوس
وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة العشرة ثم المشيخة السبعة شاعرا مجيدا مقدما فيه. وللزبير بن بكار القاضي في أشعاره كتاب، وكانت له زوجة حسنة تسمى عثمة فعتب عليها في بعض الامر فطلقها، وله فيها أشعار كثيرة، منها قوله:
تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير

تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور

أكاد إذا ذكرت العهد منها ... أطير لو ان إنسانا يطير
وقال ابن شهاب: قلت له تقول الشعر في نسكك وفضلك! فقال: إن المصدور إذا نفث برأ. الثانية- وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه وصاحبه ملوم، فهو المتكلم بالباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحهم على حاتم، وإن يبهتوا البرئ ويفسقوا التقى، وأن يفرطوا في القول بما لم يفعله المرء، رغبة في تسلية النفس وتحسين القول، كما روى عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:
فبتن بجانبي مصرعات «1» ... وبت أفض أغلاق الختام
__________
(1). مصرعات: سكارى.

فقال: قد وجب عليك الحد. فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عنى الحد بقوله:" وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ". وروى أن النعمان بن عدى بن نضلة كان عاملا لعمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال:
من مبلغ الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم

إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تجذو «1» على كل منسم

فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم

لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق «2» المتهدم
فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقدوم عليه. وقال: إي والله إنى ليسوءني ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا مما قلت، وإنما كانت فضلة من القول، وقد قال الله تعالى:" وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ" فقال له عمر: أما عذرك فقد درأ عنك الحد، ولكن لا تعمل لي عملا أبدا وقد قلت ما قلت. وذكر الزبير بن بكار قال: حدثني مصعب بن عثمان أن عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة لم يكن له هم إلا عمر بن أبى ربيعة والأحوص فكتب إلى عامله على المدينة: إنى قد عرفت عمر والأحوص بالشر والخبث فإذا أتاك كتابي هذا فاشدد عليهما وأحملهما إلى. فلما أتاه الكتاب حملهما إليه، فأقبل على عمر، فقال: هيه!
فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كلئالي الحج أفلتن ذا هوى

وكم مالئ عينيه من شي غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى

أما والله لو اهتممت بحجك لم تنظر إلى شي غيرك، فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون! ثم أمر بنفيه. فقال: يا أمير المؤمنين! أو خير من ذلك؟ فقال: ما هو؟ قال: أعاهد الله أنى لا أعود إلى مثل هذا الشعر، ولا أذكر النساء في شعر أبدا، وأجدد توبة، فقال: أو تفعل؟ قال: نعم، فعاهد الله على توبته وخلاه، ثم دعا بالاحوص، فقال هيه!
الله بيني وبين قيمها ... يفر منى بها وأتبع
__________
(1). تجذو: تقوم على أطراف الأصابع.
(2). الجوسق: القصر، فارسي معرب.

بل الله بين قيمها وبينك! ثم أمر بنفيه، فكلمه فيه رجال من الأنصار فأبى، وقال: والله لا أرده ما كان لي سلطان، فإنه فاسق مجاهر. فهذا حكم الشعر المذموم وحكم صاحبه، فلا يحل سماعه ولا إنشاده في مسجد وفى غيره، كمنثور الكلام القبيح ونحوه. وروى إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" حسن الشعر كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام" رواه إسماعيل عن عبد الله الشامي وحديثه عن أهل الشام صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره. وروى عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الشعر بمنزلة الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام" الثالثة- روى مسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا" وفي الصحيح أيضا عن أبى سعيد الخدري قال: بينا نحن نسير مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ عرض شاعر ينشد فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" خذوا الشيطان- أو أمسكوا الشيطان- لان يمتلئ جوف رجل قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا" قال علماؤنا: وإنما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله، فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد أتخذ الشعر طريقا للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطى، وفي الهجو والذم إذا منع، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم. ولا خلاف في أن من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام. وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه، ولا يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه، فإن لم يكن ذلك لمن خاف من لسانه قطعا تعين عليه أن يداريه بما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحل له أن يعطى شيئا ابتداء، لان ذلك عون على المعصية، فإن لم يجد من ذلك بدا أعطاه بنية وقاية العرض، فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة. قوله:" لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه" القيح المدة يخالطها دم. يقال منه: قاح الجرح يقيح وتقيح وقيح. و" يريه" قال الأصمعي: هو من الورى على

مثال الرمي وهو أن يدوى جوفه، يقال منه: رجل موري مشدد غير مهموز. وفي الصحاح: وروي القيح جوفه يريه وريا إذا أكله. وأنشد اليزيدي:
قالت له وريا إذا تنحنحا

وهذا الحديث أحسن ما قيل في تأويله: إنه الذي قد غلب عليه الشعر، وامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شي من الذكر ممن يخوض به في الباطل، ويسلك به مسالك لا تحمد له، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول. ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه لأوصاف المذمومة الدنية، لحكم العادة الأدبية. وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوب على هذا الحديث" باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر". وقد قيل في تأويله: إن المراد بذلك الشعر الذي هجي به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو غيره. وهذا ليس بشيء، لان القليل من هجو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم، وكذلك هجو غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المسلمين محرم قليله وكثيره، وحينئذ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى. الرابعة- قال الشافعي: الشعر نوع من الكلام حسنه كحسن الكلام وقبيح كقبيح الكلام، يعنى أن الشعر ليس يكره لذاته وإنما يكره لمضمناته، وقد كان عند العرب عظيم الموقع. قال الأول منهم:
وجرح اللسان كجرح اليد

وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الشعر الذي يرد به حسان على المشركين:" إنه لأسرع فيهم من رشق النبل" أخرجه مسلم. وروى الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشى بين يديه ويقول:
خلوا بنى الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله

ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر: يا بن رواحة! في حرم الله وبين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" خل عنه يا عمر فلهو أسرع فيهم من نضح النبل".

الخامسة- قوله تعالى:" وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ" لم يختلف القراء في رفع" وَالشُّعَراءُ" فيما علمت. ويجوز النصب على إضمار فعل يفسره" يَتَّبِعُهُمُ" وبه قرأ عيسى ابن عمر، قال أبو عبيد: كان الغالب عليه حب النصب، قرأ" وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ" و" حَمَّالَةَ الْحَطَبِ" و" سُورَةٌ أَنْزَلْناها". وقرا نافع وشيبة والحسن والسلمى:" يتبعهم" مخففا. الباقون" يَتَّبِعُهُمُ". وقال الضحاك: تهاجى رجلان أحدهما أنصارى والآخر مهاجري على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع كل واحد غواة قومه وهم السفهاء فنزلت، وقاله ابن عباس. وعنه هم الرواة للشعر. وروى عنه على بن أبى طلحة أنهم هم الكفار يتبعهم ضلال الجن والانس، وقد ذكرناه. وروي غضيف «1» عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه" وعن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما افتتح مكة رن «2» إبليس رنة وجمع إليه ذريته، فقال ايئسوا أن تريدوا أمة محمد على الشرك بعد يومكم هذا، ولكن أفشوا فيهما- يعنى مكة والمدينة- الشعر. السادسة- قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ) يقول: في كل لغو يخوضون، ولا يتبعون سنن الحق، لان من اتبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما يقوله تثبت، ولم يكن هائما يذهب على وجهه لا يبالى ما قال. نزلت في عبد الله بن الزبعرى ومسافع بن عبد مناف وأمية بن أبى الصلت. (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) يقول: أكثرهم يكذبون، أي يدلون بكلامهم على الكرم والخير ولا يفعلونه. وقيل: إنها نزلت في أبى عزة الجمحي حيث قال:
ألا أبلغا عنى النبي محمدا ... بأنك حق والمليك حميد

ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله ... تأوه منى أعظم وجلود
ثم استثنى شعر المؤمنين: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير ومن كان على طريقهم من القول الحق، فقال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً) في كلامهم (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) وإنما يكون الانتصار بالحق،
__________
(1). في نسخة: خصيف.
(2). رن: صاح صيحة حزينة.

ومما حده الله عز وجل، فإن تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل. وقال أبو الحسن المبرد: لما نزلت:" وَالشُّعَراءُ" جاء حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: يا نبى الله! أنزل الله تعالى هذه الآية، وهو تعالى يعلم أنا شعراء؟ فقال:" اقرءوا ما بعدها" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ"- الآية- أنتم" وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا" أنتم" أي بالرد على المشركين. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" انتصروا ولا تقولوا إلا حقا ولا تذكروا الآباء والأمهات" فقال حسان لابي سفيان:
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء

وإن أبى ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء

أتشتمه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء

لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء
وقال كعب يا رسول الله! إن الله قد أنزل في الشعر ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل". وقال كعب:
جاءت سخينة «1» كي تغالب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب
فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا". وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى:" وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ" منسوخ بقوله:" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ". قال المهدوي: وفي الصحيح عن ابن عباس أنه استثناء. (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) في هذا تهديد لمن انتصر بظلم [أي «2»] سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله عز وجل، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة. وقرا ابن عباس:" أي منفلت ينفلتون" بالفاء والتاء ومعناهما واحد الثعلبي: ومعنى" أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" أي مصير يصيرون وأى مرجع يرجعون، لان مصيرهم إلى
__________
(1). السخينة: طعام حار يتخذ من دقيق وسمن- وقيل من دقيق وتمر- أغلظ من الحساء وأرق من العصيدة، وكانت قريش تكثر من أكلها فعيرت بها حتى سموا سخينة.
(2). زيادة يقتضيها السياق.

طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)

النار، وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع. والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها فصار كل مرجع منقلبا، وليس كل منقلب مرجعا، والله أعلم، ذكره الماوردي. و" أَيَّ" منصوب ب" يَنْقَلِبُونَ" وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب" سَيَعْلَمُ" لان أيا وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها فيما ذكر النحويون، قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض.

سورة النمل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مكية كلها في قول الجميع، وهي ثلاث وتسعون آية. وقيل: أربع وتسعون آية.

[سورة النمل (27): الآيات 1 الى 6]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (1) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4)
أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)
قوله تعالى:: (طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ) مضي الكلام في الحروف المقطعة في" البقرة" وغيرها. و" تِلْكَ" بمعنى هذه، أي هذه السورة آيات القرآن وآيات كتاب مبين. وذكر القرآن المعرفة، وقال:" وَكِتابٍ مُبِينٍ" بلفظ النكرة وهما في معنى المعرفة، كما تقول: فلان رجل عاقل وفلان الرجل العاقل. والكتاب هو القرآن، فجمع له بين الصفتين: بأنه قرآن وأنه كتاب، لأنه ما يظهر بالكتابة، ويظهر بالقراءة. وقد مضى

اشتقاقهما في" البقرة". وقال في سورة الحجر:" الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ «1»" فأخرج الكتاب بلفظ المعرفة والقرآن بلفظ النكرة، وذلك لان القرآن والكتاب اسمان يصلح لكل واحد منهما أن يجعل معرفة، وأن يجعل صفة. ووصفه بالمبين لأنه بين فيه أمره ونهيه وحلاله وحرامه ووعده ووعيده، وقد تقدم. قوله تعالى: (هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)" هُدىً" في موضع نصب على الحال من الكتاب، أي تلك آيات الكتاب هادية ومبشرة. ويجوز فيه الرفع على الابتداء، أي هو هدى. وإن شئت على حذف حرف الصفة، أي فيه هدى. ويجوز أن يكون الخبر" لِلْمُؤْمِنِينَ" ثم وصفهم فقال:" الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" وقد مضى في أول" البقرة" «2» بيان هذا. قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) أي لا يصدقون بالبعث. (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) قيل: أعمالهم السيئة حتى رأوها حسنة. وقيل: زينا لهم أعمالهم الحسنة فلم يعملوها. وقال الزجاج: جعلنا جزاءهم على كفرهم أن زينا لهم ما هم فيه. (فَهُمْ يَعْمَهُونَ) أي يترددون في أعمالهم الخبيثة، وفي ضلالتهم. عن ابن عباس. أبو العالية: يتمادون. قتادة: يلعبون. الحسن: يتحيرون، قال الراجز:
ومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى بالحائرين العمه «3»
قوله تعالى: (أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ) وهو جهنم. (وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ)" فِي الْآخِرَةِ" تبيين وليس بمتعلق بالأخسرين فإن من الناس من خسر الدنيا وربح الآخرة، وهؤلاء خسروا الآخرة بكفرهم فهم أخسر كل خاسر. قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) أي يلقى عليك فتلقاه وتعلمه وتأخذه. (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)" لَدُنْ" بمعنى عند إلا أنها مبنية غير معربة، لأنها لا تتمكن، وفيها لغات ذكرت في" الكهف" «4». وهذه الآية بساط وتمهيد لما يريد أن يسوق من الأقاصيص، وما في ذلك من لطائف حكمته، ودقائق علمه.
__________
(1). راجع ج 10 ص 352 طبعه [.....]
(2). راجع ج 1 ص 162 طبعه
(3). البيت لرؤبة، ويروى: بالجاهلين العمه.
(4). راجع ج 10 ص 352.

إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)

[سورة النمل (27): الآيات 7 الى 14]
إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (8) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)
قوله تعالى: (إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ)" إِذْ" منصوب بمضمر وهو أذكر، كأنه قال على أثر قوله" وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ": خذ يا محمد من آثار حكمته وعلمه قصة موسى إذ قال لأهله. (إِنِّي آنَسْتُ ناراً) أي أبصرتها من بعد. قال الحرث بن حلزة:
آنست نبأة وأفزعها القناص ... عصرا وقد دنا الإمساء «1»
(سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي" بِشِهابٍ قَبَسٍ" بتنوين" شهاب". والباقون بغير تنوين على الإضافة، أي بشعلة نار، وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وزعم الفراء في ترك التنوين أنه بمنزلة قولهم: ولدار الآخرة، ومسجد الجامع، وصلاة الاولى، يضاف الشيء إلى نفسه إذا اختلفت أسماؤه. قال النحاس: إضافة الشيء إلى نفسه محال عند البصريين، لان معنى الإضافة في اللغة ضم شي إلى شي
__________ (1). آنست: أحست. والنبأة: الصوت الخفي.

فمحال أن يضم الشيء إلى نفسه، وإنما يضاف الشيء إلى الشيء ليتبين به معنى الملك أو النوع، فمحال أن يتبين أنه مالك نفسه أو من نوعها. و" شهاب قبس" إضافة النوع والجنس، كما تقول: هذا ثوب خز، وخاتم حديد وشبهه. والشهاب كل ذى نور، نحو الكوكب والعود الموقد. والقبس اسم لما يقتبس من جمر وما أشبهه، فالمعنى بشهاب من قبس. يقال. أقبست قبسا، والاسم قبس. كما تقول: قبضت قبضا. والاسم القبض. ومن قرأ" بِشِهابٍ قَبَسٍ" جعله بدلا منه. المهدوي: أو صفة له، لان القبس يجوز أن يكون اسما غير صفة، ويجوز أن يكون صفة، فأما كونه غير صفة فلأنهم قالوا قبسته أقبسه قبسا والقبس المقبوس، وإذا كان صفة فالأحسن أن يكون نعتا. والإضافة فيه إذا كان غير صفة أحسن. وهى إضافة النوع إلى جنسه كخاتم فضة وشبهه. ولو قرئ بنصب قبس على البيان أو الحال كان أحسن. ويجوز في غير القرآن بشهاب قبسا على أنه مصدر أو بيان أو حال." لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ" أصل الطاء تاء فأبدل منها هنا طاء، لان الطاء مطبقة والصاد مطبقة فكان الجمع بينهما حسنا، ومعناه يستدفئون من البرد. يقال: اصطلى يصطلى إذا استدفأ. قال الشاعر:
النار فاكهة الشتاء فمن يرد ... أكل الفواكه شاتيا فليصطل
الزجاج: كل أبيض ذى نور فهو شهاب. أبو عبيدة: الشهاب النار. قال أبو النجم:
كأنما كان شهابا واقدا ... أضاء ضوءا ثم صار خامدا
أحمد بن يحيى: أصل الشهاب عود في أحد طرفيه جمرة والآخر لا نار فيه، وقول النحاس فيه حسن: والشهاب الشعاع المضي ومنه الكوكب الذي يمد ضوءه في السماء. وقال الشاعر:
في كفه صعدة «1» مثقفة ... فيها سنان كشعلة القبس
قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَها) أي فلما جاء موسى الذي ظن أنه نار وهى نور، قاله وهب بن منبه. فلما رأى موسى النار وقف قريبا منها، فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة يقال لها العليق، لا تزداد النار إلا عظما وتضرما، ولا تزداد الشجرة
__________
(1). الصعدة: القناة التي تنبت مستقيمة.

إلا خضرة وحسنا، فعجب منها وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها، فمالت إليه، فخافها فتأخر عنها، ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن وضح أمرها على أنها مأمورة لا يدرى من أمرها، إلى أن" نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها". وقد مضى هذا المعنى في" طه" «1». (نُودِيَ) أي ناداه الله، كما قال:" وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ". (أَنْ بُورِكَ) قال الزجاج:" إِنَّ" في موضع نصب، أي بأنه. قال: ويجوز أن تكون في موضع رفع جعلها اسم ما لم يسم فاعله. وحكى أبو حاتم أن في قراءة أبى وابن عباس ومجاهد" أن بوركت النار ومن حولها". قال النحاس: ومثل هذا لا يوجد بإسناد صحيح، ولو صح لكان على التفسير، فتكون البركة راجعة إلى النار ومن حولها الملائكة وموسى. وحكى الكسائي عن العرب: باركك الله، وبارك فيك. الثعلبي: العرب تقول باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك، أربع لغات. قال الشاعر:
فبوركت مولودا وبوركت ناشئا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب
الطبري: قال" بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ" ولم يقل بورك [في من في ] «2» النار على لغة من يقول باركك الله. ويقال باركة الله، وبارك له، وبارك عليه، وبارك فيه بمعنى، أي بورك على من في النار وهو موسى، أو على من في قرب النار، لا أنه كان في وسطها. وقال السدى: كان في النار ملائكة فالتبريك عائد إلى موسى والملائكة، أي بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين هم حولها. وهذا تحية من الله تعالى لموسى وتكرمة له، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه، قال:" رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ" «3». وقول ثالث قاله ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير: قدس من في النار وهو الله سبحانه وتعالى، عنى به نفسه تقدس وتعالى. قال ابن عباس ومحمد بن كعب: النار نور الله عز وجل، نادى الله موسى وهو في النور، وتأويل هذا أن موسى عليه السلام رأى نورا عظيما فظنه نارا، وهذا لان الله تعالى ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار لا أنه يتحيز في جهة" وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ «4» إِلهٌ"
__________
(1). راجع ج 11 ص 172 فما بعد وص 113
(2). الزيادة من تفسير الطبري.
(3). راجع ج 9 ص 70
(4). راجع ج 16 ص 121.

لا أنه يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به وجود الفاعل. وقيل على هذا: أي بورك من في النار سلطانه وقدرته. وقيل: أي بورك ما في النار من أمر الله تعالى الذي جعله علامة. قلت: ومما يدل على صحة قول ابن عباس ما خرجه مسلم في صحيحه، وابن ماجة في سننه واللفظ له عن أبى موسى قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض «1» القسط ويرفعه حجابه النور لو كشفها لا حرقت سبحات وجهه كل شي أدركه بصره" ثم قرأ أبو عبيدة" أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" أخرجه البيهقي أيضا. ولفظ مسلم عن أبى موسى قال: قام فينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخمس كلمات، فقال:" إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور- وفي رواية أبى بكر النار- لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" قال أبو عبيد: يقال السبحات إنها جلال وجهه، ومنها قيل: سبحان الله إنما هو تعظيم له وتنزيه. وقوله:" لو كشفها" يعنى لو رفع الحجاب عن أعينهم ولم يثبتهم لرؤيته لاحترقوا وما استطاعوا لها. قال ابن جريج: النار حجاب من الحجب وهى سبعة حجب، حجاب العزة، وحجاب الملك، وحجاب السلطان، وحجاب النار، وحجاب النور، وحجاب الغمام، وحجاب الماء. وبالحقيقة فالمخلوق المحجوب والله لا يحجبه شي، فكانت النار نورا وإنما ذكره بلفظ النار، لان موسى حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. وقال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها فأسمعه تعالى كلامه من ناحيتها، وأظهر له ربوبيته من جهتها. وهو كما روى أنه مكتوب في التوراة:" جاء الله من سيناء وأشرف من ساعير وأستعلى من جبال فاران". فمجيئه من سيناء بعثه موسى منها، وإشرافه من ساعير بعثه المسيح منها، واستعلاؤه من فاران بعثه محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفاران مكة. وسيأتي في" القصص" بإسماعه سبحانه كلامه من الشجرة زيادة بيان إن شاء الله تعالى.
__________
(1). لعل تأنيث الضمير بتأويل النور بالأنوار. (هامش ابن ماجة).

قوله تعالى: (وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) تنزيها وتقديسا لله رب العالمين. وقد تقدم في غير موضع، والمعنى: أي يقول حولها" وَسُبْحانَ اللَّهِ" فحذف. وقيل: إن موسى عليه السلام قاله حين فرغ من سماع النداء، استعانة بالله تعالى وتنزيها له، قاله السدى. وقيل: هو من قول الله تعالى. ومعناه: وبورك فيمن سبح الله تعالى رب العالمين، حكاه ابن شجرة. قوله تعالى: (يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الهاء عماد وليست بكناية في قول الكوفيين. والصحيح أنها كناية عن الامر والشأن (أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ) الغالب الذي ليس كمثله شي" الْحَكِيمُ" في أمره وفعله. وقيل: قال موسى يا رب من الذي نادى؟ فقال له:" إنه" أي إنى أنا المنادى لك" أَنَا اللَّهُ". قوله تعالى: (وَأَلْقِ عَصاكَ) قال وهب بن منبه: ظن موسى أن الله أمره أن يرفضها فرفضها. وقيل: إنما قال له ذلك ليعلم موسى أن المكلم له هو الله، وأن موسى رسوله، وكل نبى لأبد له من آية في نفسه يعلم بها نبوته. وفي الآية حذف: أي والق عصاك فألقاها من يده فصارت حية تهتز كأنها جان، وهى الحية الخفيفة الصغيرة الجسم. وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة. وقيل: إنها قلبت له أولا حية صغيرة فلما أنس منها قلبت حية كبيرة. وقيل: انقلبت مرة حية صغيرة، ومرة حية تسعى وهى الأنثى، ومرة ثعبانا وهو الذكر الكبير من الحيات. وقيل: المعنى انقلبت ثعبانا تهتز كأنها جان لها عظم الثعبان وخفة الجان واهتزازه وهى حية تسعى. وجمع الجان جنان، ومنه الحديث" نهى عن قتل الجنان التي في البيوت". (وَلَّى مُدْبِراً) خائفا على عادة البشر (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي لم يرجع، قاله مجاهد. وقال قتادة: لم يلتفت. (يا مُوسى لا تَخَفْ) أي من الحية وضررها. (إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) وتم الكلام ثم استثنى استثناء منقطعا فقال: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ). وقيل: إنه استثناء من محذوف، والمعنى: إنى لا يخاف لدى المرسلون وإنما يخاف غيرهم ممن ظلم (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ) فإنه لا يخاف، قاله الفراء.

قال النحاس: استثناء من محذوف محال، لأنه استثناء من شي لم يذكر ولو جاز هذا لجاز إنى لا ضرب القوم إلا زيدا بمعنى إنى لا أضرب القوم وإنما أضرب غيرهم إلا زيدا، وهذا ضد البيان، والمجيء بما لا يعرف معناه. وزعم الفراء أيضا: أن بعض النحويين يجعل إلا بمعنى الواو أي ولا من ظلم، قال:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
قال النحاس: وكون" إِلَّا" بمعنى الواو لا وجه له ولا يجوز في شي من الكلام، ومعنى" إِلَّا" خلاف الواو، لأنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلا زيدا أخرجت زيدا مما دخل فيه الاخوة فلا نسبة بينهما ولا تقارب. وفي الآية قول آخر: وهو أن يكون الاستثناء متصلا، والمعنى إلا من ظلم من المرسلين بإتيان الصغائر التي لا يسلم منها أحد، سوى ما روى عن يحيى بن زكريا عليه السلام، وما ذكره الله تعالى في نبينا عليه السلام في قوله:" لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ" ذكره المهدوي واختاره النحاس، وقال: علم الله من عصى منهم [يسر الخيفة «1»] فاستثناه فقال:" إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ" فإنه يخاف وإن كنت قد غفرت له. الضحاك: يعنى آدم وداود عليهما السلام. الزمخشري: كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف، ومن موسى عليه السلام بوكزة القبطي. فإن قال قائل: فما معنى الخوف بعد التوبة والمغفرة؟ قيل له: هذه سبيل العلماء بالله عز وجل أن يكونوا خائفين من معاصيهم وجلين، وهم أيضا لا يأمنون أن يكون قد بقي من أشراط التوبة شي لم يأتوا به، فهم يخافون من المطالبة به. وقال الحسن وابن جريج: قال الله لموسى إنى أخفتك لقتلك النفس. قال الحسن: وكانت الأنبياء تذنب فتعاقب. قال الثعلبي والقشيري والماوردي وغيرهم: فالاستثناء على هذا صحيح أي إلا من ظلم نفسه من النبيين والمرسلين فيما فعل من صغيرة قبل النبوة. وكان موسى خاف من قتل القبطي وتاب منه. وقد قيل: إنهم بعد النبوة معصومون من الصغائر والكبائر. وقد مضى هذا في" البقرة" «2».
__________ (1). الزيادة من" إعراب القرآن" للنحاس.
(2). راجع ج 1 ص 308 وما بعدها طبعه ثانية وثالثة.

قلت: والأول أصح لتنصلهم من ذلك في القيامة كما في حديث الشفاعة، وإذا أحدث المقرب حدثا فهو وإن غفر له ذلك الحدث فأثر ذلك الحدث باق، وما دام الأثر والتهمة قائمة فالخوف كائن لا خوف العقوبة ولكن خوف العظمة، والمتهم عند السلطان يجد للتهمة حزازة تؤديه إلى أن يكدر عليه صفاء الثقة. وموسى عليه السلام قد كان منه الحدث في ذلك الفرعوني، ثم استغفر وأقر بالظلم على نفسه، ثم غفر له، ثم قال بعد المغفرة:" رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ" ثم ابتلى من الغد بالفرعوني الآخر وأراد أن يبطش به، فصار حدثا آخر بهذه الإرادة. وإنما ابتلى من الغد لقوله:" فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ" وتلك كلمة اقتدار من قوله لن أفعل، فعوقب بالإرادة حين أراد أن يبطش ولم يفعل، فسلط عليه الإسرائيلي حتى أفشى سره، لان الإسرائيلي لما رآه تشمر للبطش ظن أنه يريده، فأفشى عليه ف" قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ" فهرب الفرعوني وأخبر فرعون بما أفشى الإسرائيلي على موسى، وكان القتيل بالأمس مكتوما أمره لا يدرى من قتله، فلما علم فرعون بذلك، وجه في طلب موسى ليقتله، واشتد الطلب وأخذوا مجامع الطرق، جاء رجل يسعى ف" قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ" الآية. فخرج كما أخبر الله. فخوف موسى إنما كان من أجل هذا الحدث، فهو وإن قربه ربه وأكرمه واصطفاه بالكلام فالتهمة الباقية ولت به ولم يعقب. قوله تعالى: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) تقدم في" طه" «1» القول فيه. (فِي تِسْعِ آياتٍ) قال النحاس أحسن ما قيل فيه أن المعنى: هذه الآية داخلة في تسع آيات. المهدوي: المعنى" أَلْقِ عَصاكَ"" وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ" فهما آيتان من تسع آيات. وقال القشيري معناه: كما تقول خرجت في عشرة نفر وأنت أحدهم. أي خرجت عاشر عشرة. ف" فِي" بمعنى" من" لقربها منها كما تقول خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان أي منها. وقال الأصمعي في قول امرئ القيس:
وهل ينعمن «2» من كان آخر عهده ... ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال
__________
(1). راجع ج 11 ص 191 طبعه أولى أو ثانية.
(2). وفي رواية:" وهل يعمن". [.....]

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)

في بمعنى من. وقيل: في بمعنى مع، فالآيات عشرة منها اليد، والتسع: الفلق والعصا والجراد والقمل والطوفان والدم والضفادع والسنين والطمس «1». وقد تقدم بيان جميعه. (إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) قال الفراء: في الكلام إضمار لدلالة الكلام عليه، أي إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه. (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) أي خارجين عن طاعة الله، وقد تقدم: قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً) أي واضحة بينة. قال الأخفش: ويجوز مبصرة وهو مصدر كما يقال: الولد مجبنة. (قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ) جروا على عادتهم في التكذيب فلهذا قال: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) أي تيقنوا أنها من عند الله وأنها ليست سحرا، ولكنهم كفروا بها وتكبروا أن يؤمنوا بموسى. وهذا يدل على أنهم كانوا معاندين. و" ظُلْماً" و" عُلُوًّا" منصوبان على نعت مصدر محذوف، أي وجحدوا بها جحودا ظلما وعلوا. والباء زائدة أي وجحدوها، قاله أبو عبيدة. (فَانْظُرْ) يا محمد (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) أي آخر أمر الكافرين الطاغين، انظر ذلك بعين قلبك وتدبر فيه. الخطاب له والمراد غيره.

[سورة النمل (27): الآيات 15 الى 16]
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً) أي فهما، قاله قتادة. وقيل: علما بالدين والحكم وغيرهما كما قال:" وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ". وقيل: صنعة الكيمياء. وهو شاذ. وإنما الذي آتاهما الله النبوة والخلافة في الأرض والزبور.
__________
(1). الطمس: طمس الشيء إذهابه عن صورته. وقد صير الله أموالهم ودراهمهم حجارة. راجع ج 8 ص 374.

" وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) وفي الآية دليل على شرف العلم وإنافة محله وتقدم حملته واهلة، وأن نعمة العلم من أجل النعم وأجزل القسم، وأن من أوتيه فقد أوتى فضلا على كثير من عباد الله المؤمنين." يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ". وقد تقدم هذا في غير موضع. قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) قال الكلبي: كان لداود صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسعة عشر ولدا فورث سليمان من بينهم نبوته وملكه، ولو كان وراثة مال لكان جميع أولاده فيه سواء، وقال ابن العربي، قال: فلو كانت وراثة مال لانقسمت على العدد، فخص الله سليمان بما كان لداود من الحكمة والنبوة، وزاده من فضله ملكا لا ينبغي لاحد من بعده. قال ابن عطية: داود من بنى إسرائيل وكان ملكا وورث سليمان ملكه ومنزلته من النبوة، بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه فسمى ميراثا تجوزا، وهذا نحو قول:" العلماء ورثة الأنبياء" ويحتمل قوله عليه السلام:" إنا معشر الأنبياء لا نورث" أن يريد أن ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم، وإن كان فيهم من ورث ماله كزكرياء على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: إنا معشر المسلمين إنما شغلتنا العبادة، والمراد أن ذلك فعل الأكثر. ومنه ما حكى سيبويه: إنا معشر العرب أقرى الناس للضيف. قلت: قد تقدم هذا المعنى في" مريم" «1» وأن الصحيح القول الأول لقوله عليه السلام:" إنا معشر الأنبياء لا نورث" فهو عام ولا يخرج منه شي إلا بدليل. قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدا من سليمان. قال غيره: ولم يبلغ أحد من الأنبياء ما بلغ ملكه، فإن الله سبحانه وتعالى سخر له الانس والجن والطير والوحش، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، وورث أباه في الملك والنبوة، وقام بعده بشريعته، وكل نبى جاء بعه موسى ممن بعث أو لم يبعث فإنما كان بشريعة موسى، إلى أن بعث المسيح عليه السلام فنسخها. وبينه وبين الهجرة نحو من ألف وثمانمائة سنة. واليهود تقول ألف
__________
(1). راجع ج 11 ص 81 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

وثلاثمائة واثنتان وستون سنة. وقيل: إن بين موته وبين مولد النبي صلى الله عليه سلم نحوا من ألف وسبعمائة. واليهود تنقص منها ثلاثمائة سنة، وعاش نيفا وخمسين سنة. قوله تعالى:" وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ" أي قال سليمان لبنى إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله" عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ" أي تفضل الله علينا على ما ورثنا من داود من العلم والنبوة والخلافة في الأرض في أن فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في نفوسها. قال مقاتل في الآية: كان سليمان جالسا ذات يوم إذ مر به طائر يطوف، فقال لجلسائه: أتدرون ما يقول هذا الطائر؟ إنها قالت لي: السلام عليك أيها الملك المسلط والنبي لبنى إسرائيل! أعطاك الله الكرامة، وأظهرك على عدوك، إنى منطلق إلى أفراخي ثم أمر بك الثانية، وإنه سيرجع إلينا الثانية ثم رجع، فقال إنه يقول: السلام عليك أيها الملك المسلط، إن شئت أن تأذن لي كيما أكتسب على أفراخي حتى يشبوا ثم آتيك فافعل بى ما شئت. فأخبرهم سليمان بما قال، وأذن له فانطلق. وقال فرقد السبخي: مر سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا لا يا نبى الله. قال إنه يقول: أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء. ومر بهدهد فوق شجرة وقد نصب له صبي فخا فقال له سليمان: احذر يا هدهد! فقال: يا نبى الله! هذا صبي لا عقل له فأنا أسخر به. ثم رجع سليمان فوجده قد وقع في حبالة الصبى وهو في يده، فقال: هدهد ما هذا؟ قال: ما رأيتها حتى وقعت فيها يا نبى الله. قال: ويحك! فأنت ترى الماء تحت الأرض أما ترى الفخ! قال: يا نبى الله إذا نزل القضاء عمى البصر. وقال كعب. صاح ورشان عند سليمان ابن داود فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب. وصاحت فاختة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: ليت هذا الخلق لم يخلقوا وليتهم إذ خلقوا علموا لما ذا خلقوا. وصاح عنده طاوس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: كما تدين تدان. وصاح عنده هدهد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا لا. قال: فإنه يقول: من لا يرحم لا يرحم. وصاح صرد عنده، فقال: أتدرون ما يقول؟

قالوا: لا. قال: إنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، فمن ثم نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتله. وقيل: إن الصرد هو الذي دل آدم على مكان البيت. وهو أول من صام، ولذلك يقال للصرد الصوام، روى عن أبى هريرة. وصاحت عنده طيطوى فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال: إنها تقول: كل حي ميت وكل جديد بال. وصاحت خطافة عنده، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال إنها تقول: قدموا خيرا تجدوه، فمن ثم نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتلها. وقيل: إن آدم خرج من الجنة فاشتكى إلى الله الوحشة، فآنسه الله تعالى بالخطاف وألزمها البيوت، فهي لا تفارق بنى آدم أنسا لهم. قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله عز وجل:" لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ" إلى آخرها وتمد صوتها بقوله" الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ". وهدرت حمامة عند سليمان فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا. قال إنها تقول: سبحان ربى الأعلى عدد ما في سماواته وأرضه. وصاح قمري عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول: سبحان ربى العظيم المهيمن. وقال كعب: وحدثهم سليمان، فقال الغراب يقول: اللهم العن العشار، والحدأة تقول:" كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ". والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه. والضفدع يقول: سبحان ربى القدوس. والبازي يقول: سبحان ربى وبحمده. والسرطان يقول: سبحان المذكور بكل لسان في كل مكان. وقال مكحول: صاح دراج عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا. قال إنه يقول:" الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ". وقال الحسن قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الديك إذا صاح قال اذكروا الله يا غافلين". وقال الحسن بن على بن أبى طالب قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" النسر إذا صاح قال يا بن آدم عش ما شئت فأخرك الموت وإذا صاح العقاب قال في البعد من الناس الراحة وإذا صاح
القنبر قال إلهى العن مبغضي آل محمد وإذا صاح الخطاف قرأ:" الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ" إلى آخرها فيقول" وَلَا الضَّالِّينَ" ويمد بها صوته كما يمد القارئ". قال قتادة والشعبي: إنما هذا الامر في الطير خاصة، لقوله:" عُلِّمْنا

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)

مَنْطِقَ الطَّيْرِ
" والنملة طائر إذ قد يوجد له أجنحة. قال الشعبي: وكذلك كانت هذه النملة ذات جناحين. وقالت فرقة: بل كان في جميع الحيوان، وإنما ذكر الطير لأنه كان جندا من جند سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث في الأمور فخص بالذكر لكثرة مداخلته، ولان أمر سائر الحيوان نادر وغير متردد ترداد أمر الطير. وقال أبو جعفر النحاس: والمنطق قد يقع لما يفهم بغير كلام، والله عز وجل أعلم بما أراد. قال ابن العربي: من قال إنه لا يعلم إلا منطق الطير فنقصان عظيم، وقد اتفق الناس على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم ويخلق له فيه القول من النبات، فكان كل نبت يقول له: أنا شجر كذا، أنفع من كذا وأضر من كذا، فما ظنك بالحيوان.

[سورة النمل (27): آية 17]
وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)
فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ"" حشر" جمع والحشر الجمع ومنه قوله عز وجل:" وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً" واختلف الناس في مقدار جند سليمان عليه السلام، فيقال: كان معسكره مائة فرسخ في مائة: خمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للانس، وخمسة وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية. ابن عطية: واختلف في معسكره ومقدار جنده اختلافا شديدا غير أن الصحيح أن ملكه كان عظيما ملا الأرض، وانقادت له المعمورة كلها." فَهُمْ يُوزَعُونَ" معناه يرد أولهم إلى آخرهم ويكفون. قال قتادة: كان لكل صنف وزعة في رتبتهم ومواضعهم من الكرسي ومن الأرض إذا مشوا فيها. يقال: وزعته أوزعه وزعا أي كففته. والوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع من تقدم منهم. روى محمد بن إسحاق عن أسماء بنت أبى بكر قالت: لما وقف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذي طوى- تعنى

يوم الفتح- قال أبو قحافة وقد كف بصره يومئذ لابنته: أظهري بى على أبى قبيس. قالت: فأشرفت به عليه فقال: ما ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال: تلك الخيل. قالت: وأرى رجلا من السواد مقبلا ومدبرا. قال: ذلك الوازع يمنعها أن تنتشر. وذكر تمام الخبر. ومن هذا قوله عليه السلام:" ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر" قيل: وما رأى يا رسول الله؟ قال:" أما أنه رأى جبريل يزع الملائكة" خرجه الموطأ. ومن هذا المعنى قول النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما أصح والشيب وازع
آخر:
ولما تلاقينا جرت من جفوننا ... دموع وزعنا غربها بالأصابع
آخر:
ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى ... من الناس إلا وافر العقل كامله
وقيل: هو من التوزيع بمعنى التفريق. والقوم أوزاع أي طوائف. وفي القصة: إن الشياطين نسجت له بساطا فسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له كرسي من ذهب وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة. الثانية- في الآية دليل على اتخاذ الامام والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض، إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم. وقال ابن عون: سمعت الحسن يقول وهو في مجلس قضائه لما رأى ما يصنع الناس قال: والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة. وقال الحسن أيضا: لأبد للناس من وازع، أي من سلطان يكفهم. وذكر ابن القاسم قال حدثنا مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: ما يزع الامام أكثر مما يزع القرآن، أي من الناس. قال ابن القاسم: قلت لمالك ما يزع؟ قال: يكف. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع

حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)

الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن وهذا جهل بالله وحكمته. قال: فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق، لا زيادة عليها، ولا نقصان معها، ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة خاسوا بها، وقصروا عنها، وأتوا ما أتوا بغير نية، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها، فلم يرتدع الخلق بها، ولو حكموا بالعدل، وأخلصوا النية، لاستقامت الأمور، وصلح الجمهور.

[سورة النمل (27): الآيات 18 الى 19]
حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
فيه ست مسائل: الاولى- قوله تعالى: (حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ) قال قتادة: ذكر لنا أنه واد بأرض الشام. وقال كعب: هو بالطائف. (قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ) قال الشعبي: كان للنملة جناحان فصارت من الطير، فلذلك علم منطقها ولولا ذلك لما علمه. وقد مضى هذا ويأتي. وقرا سليمان التيمي بمكة:" نملة" و" النمل" بفتح النون وضم الميم. وعنه أيضا ضمهما جميعا. وسميت النملة نملة لتنملها وهو كثرة حركتها وقلة قرارها. قال كعب: مر سليمان عليه السلام بوادي السدير من أودية الطائف، فأتى على وادي النمل، فقامت نملة تمشى وهي عرجاء تتكاوس مثل الذئب في العظم، فنادت:" يا أَيُّهَا النَّمْلُ" الآية. الزمخشري: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال، وكانت تمشى وهي عرجاء تتكاوس، وقيل: كان اسمها طاخية. وقال السهيلي: ذكروا اسم النملة المكلمة لسليمان عليه السلام، وقالوا اسمها حرميا، ولا أدري كيف يتصور للنملة اسم علم والنمل لا يسمى بعضهم بعضا، ولا الآدميون يمكنهم تسمية

واحدة منهم باسم علم، لأنه لا يتميز للآدميين بعضهم من بعض، ولا هم أيضا واقعون تحت ملكة بنى آدم كالخيل والكلاب ونحوها، فإن العلمية فيما كان كذلك موجودة عند العرب. فإن قلت: إن العلمية موجودة في الأجناس كثعالة وأسامهه وجعار وقثام في الضبع ونحو هذا كثير، فليس اسم النملة من هذا، لأنهم زعموا أنه اسم علم لنملة واحدة معينة من بين سائر النمل، وثعالة ونحوه لا يختص بواحد من الجنس، بل كل واحد رأيته من ذلك الجنس فهو ثعالة، وكذلك أسامة وابن آوى وابن عرس وما أشبه ذلك. فإن صح ما قالوه فله وجه، وهو أن تكون هذه النملة الناطقة قد سميت بهذا الاسم في التوراة أو في الزبور أو في بعض الصحف سماها الله تعالى بهذا الاسم، وعرفها به الأنبياء قبل سليمان أو بعضهم. وخصت بالتسمية لنطقها وإيمانها فهذا وجه. ومعنى قولنا بإيمانها أنها قالت للنمل: (لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) فقولها:" وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" التفاتة مؤمن. أي من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بألا يشعروا. وقد قيل: إن تبسم سليمان سرور بهذه الكلمة منها، ولذلك أكد التبسم بقوله:" ضاحِكاً" إذ قد يكون التبسم من غير ضحك ولا رضا، ألا تراهم يقولون تبسم تبسم الغضبان وتبسم تبسم المستهزئين. وتبسم الضحك إنما هو عن سرور، ولا يسر نبى بأمر دنيا، وإنما سر بما كان من أمر الآخرة والدين. وقولها:" وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" إشارة إلى الدين والعدل والرأفة. ونظير قول النملة في جند سليمان" وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" قول الله تعالى في جند محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ «1»". التفاتا إلى أنهم لا يقصدون هدر مؤمن. إلا أن المثني على جند سليمان هي النملة بإذن الله تعالى، والمثني على جند محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الله عز وجل بنفسه، لما لجنود محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفضل على جند غيره من الأنبياء، كما لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فضل على جميع النبيين صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وقرا شهر بن حوشب:" مسكنكم" بسكون السين على الافراد. وفي مصحف أبي" مساكنكن لا يحطمنكم". وقرا سليمان التيمي" مساكنكم لا يحطمنكن" ذكره النحاس، أي لا يكسرنكم بوطئهم عليكم وهم لا يعلمون بكم
__________
(1). راجع ج 16 ص 28.

قال المهدوي: وأفهم الله تعالى النملة هذا لتكون معجزة لسليمان. وقال وهب: أمر الله تعالى الريح ألا يتكلم أحد بشيء إلا طرحته في سمع سليمان، بسبب أن الشياطين أرادت كيده. وقد قيل: إن هذا الوادي كان ببلاد اليمن وأنها كانت نملة صغيرة مثل النمل المعتاد، قاله الكلبي. وقال نوف الشامي وشقيق بن سلمة: كان نمل ذلك الوادي كهيئة الذئاب في العظم. وقال بريدة الأسلمي: كهيئة النعاج. قال محمد بن على الترمذي: فإن كان على هذه الخلقة فلها صوت، وإنما افتقد صوت النمل لصغر خلقها، وإلا فالأصوات في الطيور والبهائم كائنة، وذلك منطقهم، وفي تلك المناطق معاني التسبيح وغير ذلك، وهو قوله تعالى:" وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ «1»". قلت: وقوله" لا يَحْطِمَنَّكُمْ" يدل على صحة قول الكلبي، إذ لو كانت كهيئة الذئاب والنعاج لما حطمت بالوطي، والله أعلم. وقال:" ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ" فجاء على خطاب الآدميين لان النمل هاهنا أجرى مجرى الآدميين حين نطق كما ينطق الآدميون. قال أبو إسحاق الثعلبي: ورأيت في بعض الكتب أن سليمان قال لها لم حذرت النمل؟ أخفت ظلمي؟ أما علمت أنى نبى عدل؟ فلم قلت:" يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ" فقالت النملة: أما سمعت قولي" وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" مع أنى لم أرد حطم النفوس، وإنما أردت حطم القلوب خشية أن يتمنين مثل ما أعطيت، أو يفتتن بالدنيا، ويشغلن بالنظر إلى ملكك عن التسبيح والذكر. فقال لها سليمان: عظينى. فقالت النملة: أما علمت لم سمى أبوك داود؟ قال: لا. قالت: لأنه داوى جراحة فؤاده، هل علمت لم سميت سليمان؟ قال: لا. قالت: لأنك سليم الناحية على ما أوتيته بسلامة صدرك، وإن لك أن تلحق بأبيك «2». ثم قالت: أتدري لم سخر الله لك الريح؟ قال: لا. قالت: أخبرك أن الدنيا كلها ريح. (فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها) متعجبا ثم مضت مسرعة إلى قومها، فقالت: هل عندكم من شي نهديه إلى
__________
(1). راجع ج 10 ص 266 فما بعد.
(2). العبارة في" قصص الأنبياء" للثعلبي:" قالت لأنك سليم ركنت إلى ما أوتيت بسلامة صدرك، وحق لك أن تلحق بأبيك داود".

نبي الله؟ قالوا: وما قدر ما نهدي له! والله ما عندنا إلا نبقة واحدة. قالت: حسنة، ايتوني بها. فأتوها بها فحملتها بفيها فانطلقت تجرها، فأمر الله الريح فحملتها، وأقبلت تشق الانس والجن والعلماء والأنبياء على البساط، حتى وقعت بين يديه، ثم وضعت تلك النبقة من فيها في كفه، وأنشأت تقول:
ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله

ولو كان يهدى للجليل بقدره ... لقصر عنه البحر يوما وساحله

ولكننا نهدي إلى من نحبه ... فيرضى به عنا ويشكر فاعله

وما ذاك إلا من كريم فعاله ... وإلا فما في ملكنا ما يشاكله
فقال لها: بارك الله فيكم، فهم بتلك الدعوة أشكر خلق الله وأكثر خلق الله. وقال ابن عباس: نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتل أربع من الدواب: الهدهد والصرد والنملة والنحلة، خرجه أبو داود وصححه أبو محمد عبد الحق وروى من حديث أبي هريرة. وقد مضى في" الأعراف" «1». فالنملة أثنت على سليمان وأخبرت بأحسن ما تقدر عليه بأنهم لا يشعرون إن حطموكم، ولا يفعلون ذلك عن عمد منهم، فنفت عنهم الجور، ولذلك نهى عن قتلها، وعن قتل الهدهد، لأنه كان دليل سليمان على الماء ورسوله إلى بلقيس. وقال عكرمة: إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان بارا بوالديه. والصرد يقال له الصوام. وروي عن أبي هريرة قال: أول من صام الصرد ولما خرج إبراهيم عليه السلام من الشام إلى الحرم في بناء البيت كانت السكينة «2» معه والصرد، فكان الصرد دليله على الموضع والسكينة مقداره، فلما صار إلى البقعة وقعت السكينة على موضع البيت ونادت وقالت: ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي. وقد تقدم في" الأعراف" سبب النهى عن قتل الضفدع وفي" النحل" «3» النهي عن قتل النحل. والحمد لله.
__________
(1). راجع ج 7 ص 270 طبعه أولى أو ثانية.
(2). السكينة: سحابة كما في القصة. وفي حديث على رضى الله عنه إن السكينة ريح سريعة الممر. وليس بواضح.
(3). راجع ج 10 ص 134 طبعه أولى أو ثانية.

الثانية- قرأ الحسن:" لا يحطمنكم" وعنه أيضا" لا يحطمنكم" وعنه أيضا وعن أبى رجاء:" لا يحطمنكم" والحطم الكسر. حطمته حطما أي كسرته وتحطم، والتحطيم التكسير،" وهم لا يشعرون" يجوز أن يكون حالا من سليمان، وجنوده، والعامل في الحال" يَحْطِمَنَّكُمْ". أو حالا من النملة والعامل" قالَتْ". أي قالت ذلك في حال غفلة الجنود، كقولك: قمت والناس غافلون. أو حالا من النمل أيضا والعامل" قالَتْ" على أن المعنى: والنمل لا يشعرون أن سليمان يفهم مقالتها. وفية بعد وسيأتي. الثالثة- روى مسلم من حديث أبي هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله تعالى إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح" وفي طريق آخر:" فهلا نملة واحدة". قال علماؤنا: يقال إن هذا النبي هو موسى عليه السلام، وإنه قال: يا رب تعذب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم الطائع. فكأنه أحب أن يريه ذلك من عنده، فسلط عليه الحر حتى التجأ إلى شجرة مستروحا إلى ظلها، وعندها قرية النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم لدغته النملة فأضجرته، فدلكهن بقدمه فأهلكهن، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك آية: لما لدغتك نملة فكيف أصبت الباقين بعقوبتها! يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعالى تعم فتصير رحمة على المطيع وطهارة وبركة، وشرا ونقمة على العاصي. وعلى هذا فليس في الحديث ما يدل على كراهة ولا حظر في قتل النمل، فإن من آذاك حل لك دفعه عن نفسك، ولا أحد من خلقه أعظم حرمة من المؤمن، وقد أبيح لك دفعه عنك بقتل وضرب على المقدار، فكيف بالهوام والدواب التي قد سخرت لك وسلطت عليها، فإذا آذاك أبيح لك قتله. وروى عن إبراهيم: ما آذاك من النمل فاقتله. وقوله:" الا نملة واحدة" دليل على أن الذي يؤذى يؤذى ويقتل، وكلما كان القتل لنفع أو دفع ضرر فلا بأس به عند العلماء. وأطلق له نملة ولم يخص تلك النملة التي لدغت من غيرها، لأنه ليس المراد القصاص، لأنه لو أراده لقال ألا نملتك التي لدغتك، ولكن قال: ألا نملة مكان نملة، فعم البرئ

والجاني بذلك، ليعلم أنه أراد أن ينبهه لمسألته ربه في عذاب أهل قرية وفيهم المطيع والعاصي. وقد قيل: إن هذا النبي كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه، فلذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النمل لا في أصل الإحراق. ألا ترى قوله:" فهلا نملة واحدة" أي هلا حرقت نملة واحدة. وهذا بخلاف شرعنا، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد نهى عن التعذيب بالنار. وقال" لا يعذب بالنار إلا الله". وكذلك أيضا كان قتل النمل مباحا في شريعة ذلك النبي، فإن الله لم يعتبه على أصل قتل النمل. وأما شرعنا فقد جاء من حديث ابن عباس وأبي هريرة النهى عن ذلك. وقد كره مالك قتل النمل إلا أن يضر ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل. وقد قيل: إن هذا النبي إنما عاتبه الله حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد، وكان الاولى الصبر والصفح، لكن وقع للنبي أن هذا النوع مؤذ لبني آدم، وحرمة بنى آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التشفي الطبعي لم يعاتب. والله أعلم. لكن لما انضاف إليه التشفي الذي دل عليه سياق الحديث عوتب عليه. الرابعة- قوله:" أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح" مقتضى هذا أنه تسبيح بمقال ونطق، كما أخبر الله عن النمل أن لها منطقا وفهمه سليمان عليه السلام- وهذا معجزة له- وتبسم من قولها. وهذا يدل دلالة واضحة أن للنمل نطقا وقولا، لكن لا يسمعه كل أحد، بل من شاء الله تعالى ممن خرق له العادة من نبي أو ولي. ولا ننكر هذا من حيث أنا لا نسمع ذلك، فإنه لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرك في نفسه. ثم إن الإنسان يجد في نفسه قولا وكلاما ولا يسمع منه إلا إذا نطق بلسانه. وقد خرق الله العادة لنبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأسمعه كلام النفس من قوم تحدثوا مع أنفسهم وأخبرهم بما في نفوسهم، كما قد نقل منه الكثير من أئمتنا في كتب معجزات النبي صلى الله عليه
وسلم، وكذلك وقع لكثير ممن أكرمه الله تعالى من الأولياء مثل ذلك في غير ما قضية. وإياه عنى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله:" إن في أمتي محدثين وإن عمر منهم". وقد مضى هذا المعنى

في [تسبيح «1»] الجماد في" سبحان" «2» وإنه تسبيح لسان ومقال لا تسبيح دلالة حال. والحمد لله. الخامسة- قوله تعالى:" فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها" وقرا ابن السميقع:" ضحكا" بغير ألف وهو منصوب على المصدر بفعل محذوف يدل عليه تبسم، كأنه قال ضحك ضحكا، هذا مذهب سيبويه. وهو عند غير سيبويه منصوب بنفس" فَتَبَسَّمَ" لأنه في معنى ضحك. ومن قرأ:" ضاحِكاً" فهو منصوب على الحال من الضمير في" تبسم". والمعنى تبسم مقدار الضحك، لان الضحك يستغرق التبسم، والتبسم دون الضحك وهو أوله. يقال: بسم (بالفتح) يبسم بسما فهو باسم وابتسم وتبسم، والمبسم الثغر مثل المجلس من جلس يجلس ورجل مبسام وبسام كثير التبسم، فالتبسم ابتداء الضحك، والضحك عبارة عن الابتداء والانتهاء، إلا أن الضحك يقتضى مزيدا على التبسم، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قيل قهقه. والتبسم ضحك الأنبياء عليهم السلام في غالب أمرهم. وفي الصحيح عن جابر بن سمرة وقيل له: أكنت تجالس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: نعم كثيرا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلى فيه الصبح- أو الغداة- حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون ويأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم. وفية عن سعد قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين «3»، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ارم فداك أبي وأمي" قال فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى نظرت إلى نواجذه. فكان عليه السلام في أكثر أحواله يتبسم. وكان أيضا يضحك في أحوال أخر ضحكا أعلى من التبسم وأقل من الاستغراق الذي تبدو فيه اللهوات. وكان في النادر عند إفراط تعجبه ربما ضحك حتى بدت نواجذه. وقد كره العلماء منه الكثرة، كما قال لقمان لابنه: يا بنى إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب. وقد روى مرفوعا من
__________
(1). زيادة يقتضيها السياق.
(2). راجع ج 10 ص 266 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(3)." أحرق المسلمين" أي أثخن فيهم، وعمل فيهم نحو عمل النار." هامش مسلم".

حديث أبي ذر وغيره. وضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بدت نواجذه حين رمى سعدا الرجل فأصابه، إنما كان سرورا بإصابته لا بانكشاف عورته، فإنه المنزه عن ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. السادسة- لا اختلاف عند العلماء أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول. وقد قال الشافعي: الحمام أعقل الطير. قال ابن عطية: والنمل حيوان فطن قوي شمام جدا يدخر ويتخذ القرى ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت، ويشق الكزبرة بأربع قطع، لأنها تنبت إذا قسمت شقين، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي سائره عدة. قال ابن العربي: وهذه خواص العلوم عندنا، وقد أدركتها النمل بخلق الله ذلك لها، قال الأستاذ أبو المظفر شاهنور الاسفرايني: ولا يبعد أن تدرك البهائم حدوث العالم وحدوث المخلوقات، ووحدانية الاله، ولكننا لا نفهم عنها ولا تفهم عنا، أما أنا نطلبها وهي تفر منا فبحكم الجنسية. قوله تعالى: (وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ) ف" أَنْ" مصدرية. و" أوزعني" أي ألهمني ذلك. وأصله من وزع فكأنه قال: كفني عما يسخط. وقال محمد بن إسحاق: يزعم أهل الكتاب أن أم سليمان هي امرأة أوريا التي امتحن الله بها داود، أو أنه بعد موت زوجها تزوجها داود فولدت له سليمان عليه السلام. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة" ص" «1» إن شاء الله تعالى. (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) أي مع عبادك، عن ابن زيد. وقيل: المعنى في جملة عبادك الصالحين.
__________
(1). في تفسير قوله تعالى:" وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ" آية 24 من السورة المذكورة.

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)

[سورة النمل (27): الآيات 20 الى 28]
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24)
أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ ءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (28)
فيه ثمان عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ) ذكر شيئا آخر مما جرى له في مسيره الذي كان فيه من النمل ما تقدم. والتفقد تطلب ما غاب عنك من شي. والطير اسم جامع والواحد طائر، والمراد بالطير هنا جنس الطير وجماعتها. وكانت تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها. واختلف الناس في معنى تفقده للطير، فقالت فرقة: ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك، والتهمم بكل جزء منها، وهذا ظاهر الآية. وقالت فرقة: بل تفقد الطير لان الشمس دخلت من موضع الهدهد حين غاب، فكان ذلك سبب تفقد الطير، ليتبين من أين دخلت الشمس. وقال عبد الله بن سلام: إنما طلب الهدهد لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كم هو من وجه الأرض، لأنه كان نزل في مفازة عدم فيها الماء، وأن الهدهد كان يرى باطن الأرض وظاهرها، فكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة، تسلخ عنه وجه الأرض كما تسلخ الشاة، قاله ابن عباس فيما روي عن ابن سلام. قال أبو مجلز قال ابن عباس لعبد الله بن سلام: أريد أن أسألك عن ثلاث مسائل. قال: أتسألني وأنت تقرأ القرآن؟ قال: نعم ثلاث مرات. قال: لم تفقد سليمان الهدهد دون

سائر الطير؟ قال: احتاج إلى الماء ولم يعرف عمقه- أو قال مسافته- وكان الهدهد يعرف ذلك دون سائر الطير فتفقده. وقال في كتاب النقاش: كان الهدهد مهندسا. وروي أن نافع بن الأزرق سمع ابن عباس يذكر شأن الهدهد فقال له: قف يا وقاف كيف يرى الهدهد باطن الأرض وهو لا يرى الفخ حين يقع فيه؟! فقال له ابن عباس: إذا جاء القدر عمي البصر. وقال مجاهد: قيل لابن عباس كيف تفقد الهدهد من الطير؟ فقال: نزل منزلا ولم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد مهتديا إليه، فأراد أن يسأله. قال مجاهد: فقلت كيف يهتدي والصبي يضع له الحبالة فيصيده؟ قال: إذا جاء القدر عمي البصر. قال ابن العربي: ولا يقدر على هذا الجواب إلا عالم القرآن. قلت: هذا الجواب قد قاله الهدهد لسليمان كما تقدم. وأنشدوا:
إذا أراد الله أمرا بامرئ ... وكان ذا عقل وراي ونظر

وحيلة يعملها في دفع ما ... يأتي به مكروه أسباب القدر

غطى عليه سمعه وعقله ... وسله من ذهنه سل الشعر

حتى إذا أنفذ فيه حكمه ... رد عليه عقله ليعتبر
قال الكلبي: لم يكن له في مسيره إلا هدهد واحد. والله أعلم. الثانية- في هذه الآية دليل على تفقد الامام أحوال رعيته، والمحافظة عليهم. فانظر إلى الهدهد مع صغره كيف لم يخف على سليمان حاله، فكيف بعظام الملك. ويرحم الله عمر فإنه كان على سيرته، قال: لو أن سخلة على شاطئ الفرات أخذها الذئب ليسأل عنها عمر. فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان، وتضيع الرعية ويضيع الرعيان. وفي الصحيح عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ «1» لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. الحديث، قال علماؤنا: كان هذا الخروج من عمر بعد ما فتح بيت المقدس سنة سبع عشرة على ما ذكره خليفة بن خياط.
__________
(1). سرغ (بسكون الراء وفتحها): قرية بوادي تبوك من طريق الشام.

كان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه بنفسه، فقد دل القرآن والسنة وبينا ما يجب على الامام من تفقد أحوال رعيته، ومباشرة ذلك بنفسه، والسفر إلى ذلك وإن طال. ورحم الله ابن المبارك حيث يقول:
وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها «1»
الثالثة- قوله تعالى: (ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ) أي ما للهدهد لا أراه، فهو من القلب الذي لا يعرف معناه. وهو كقولك: مالي أراك كئيبا. أي مالك. والهدهد طير معروف وهدهدته صوته. قال ابن عطية: إنما مقصد الكلام الهدهد غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه، فاستفهم على جهة التوقيف على اللازم وهذا ضرب من الإيجاز. والاستفهام الذي في قوله:" ما لِيَ" ناب مناب الالف التي تحتاجها أم. وقيل: إنما قال:" ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ"، لأنه اعتبر حال نفسه، إذ علم أنه أوتي الملك العظيم، وسخر له الخلق، فقد لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العدل، فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن يكون قصر في حق الشكر، فلأجله سلبها فجعل يتفقد نفسه، فقال: ما لِيَ". قال ابن العربي: وهذا يفعله شيوخ الصوفية إذا فقدوا مالهم «2»، تفقدوا أعمالهم، هذا في الآداب، فكيف بنا اليوم ونحن نقصر في الفرائض!. وقرا ابن كثير وابن محيصن وعاصم والكسائي وهشام وأيوب:" مالي" بفتح الياء وكذلك في" يس"" وما لي لا أعبد الذي فطرني". وأسكنها حمزة ويعقوب. وقرا الباقون المدنيون وأبو عمرو: بفتح التي في" يس" وإسكان هذه. قال أبو عمرو: لان هذه التي في" النمل" استفهام، والأخرى انتفاء. واختار أبو حاتم وأبو عبيد الإسكان" فَقالَ ما لِيَ". وقال أبو جعفر النحاس: زعم قوم أنهم أرادوا أن يفرقوا بين ما كان مبتدأ، وبين ما كان معطوفا على ما قبله، وهذا ليس بشيء، وإنما هي ياء النفس، من العرب من يفتحها ومنهم من يسكنها، فقرءوا باللغتين، واللغة الفصيحة في ياء النفس أن تكون مفتوحة، لأنها اسم وهي على حرف واحد، وكان الاختيار ألا تسكن فيجحف بالاسم." أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ" بمعنى بل.
__________
(1). في بعض النسخ:" ورهبانا". [.....]
(2). في أحكام القرآن لابن العربي:" إذا فقدوا آمالهم .... إلخ".

الرابعة- قوله تعالى: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ) دليل على أن الحد على قدر الذنب لا على قدر الجسد، أما أنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة. روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن ينتف ريشه. قال ابن جريج: ريشه أجمع. وقال يزيد بن رومان: جناحاه. فعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظا على العاصين، وعقابا على إخلاله بنوبته ورتبته، وكان الله أباح له ذلك، كما أباح ذبح البهائم والطير للأكل وغيره من المنافع. والله أعلم. وفي" نوادر الأصول" قال: حدثنا سليمان بن حميد أبو الربيع الايادي، قال حدثنا عون بن عمارة، عن الحسين الجعفي، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة، قال: إنما صرف الله شر سليمان عن الهدهد لأنه كان بارا بوالديه. وسيأتي. وقيل: تعذيبه أن يجعل مع أضداده. وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد وقيل: لالزمنه خدمة أقرانه. وقيل: إيداعه القفص. وقيل: بأن يجعله للشمس بعد نتفه. وقيل: بتبعيده عن خدمتي، والملوك يؤدبون بالهجران الجسد بتفريق إلفه. وهو مؤكد بالنون الثقيلة، وهي لازمة هي أو الخفيفة. قال أبو حاتم: ولو قرئت" لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه" جاز. (أو ليأتيني بسلطان مبين) أي بحجة بينة. وليست اللام في" لَيَأْتِيَنِّي" لام القسم لأنه لا يقسم سليمان على فعل الهدهد، ولكن لما جاء في أثر قوله:" لَأُعَذِّبَنَّهُ" وهو مما جاز به القسم أجراه مجراه. وقرا ابن كثير وحده:" ليأتينني" بنونين. الخامسة- قوله تعالى: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) أي الهدهد. والجمهور من القراء على ضم الكاف، وقرا عاصم وحده بفتحها. ومعناه في القراءتين أقام. قال سيبويه: مكث يمكث مكوثا كما قالوا قعد يقعد قعودا. قال: ومكث مثل ظرف. قال غيره: والفتح أحسن لقوله تعالى:" ماكِثِينَ" إذ هو من مكث، يقال: مكث يمكث فهو ماكث، ومكث يمكث مثل عظم يعظم فهو مكيث، مثل عظيم. ومكث يمكث فهو ماكث، مثل حمض يحمض فهو حامض. والضمير في" مكث" يحتمل أن يكون لسليمان، والمعنى: بقي سليمان بعد التفقد والوعيد غير طويل أي غير وقت طويل. ويحتمل أن يكون للهدهد وهو الأكثر. فجاء:" فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ" وهي:

السادسة- أي علمت ما لم تعلمه من الامر فكان في هذا رد على من قال: إن الأنبياء تعلم الغيب. وحكى الفراء" أحط" يدغم التاء في الطاء. وحكى" أحت" بقلب الطاء تاء وتدغم. السابعة- قوله تعالى: (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) أعلم سليمان ما لم يكن يعلمه، ودفع عن نفسه ما توعده من العذاب والذبح. وقرا الجمهور" سَبَإٍ" بالصرف. وابن كثير وأبو عمرو" سبأ" بفتح الهمزة وترك الصرف، فالأول على أنه اسم رجل نسب إليه قوم، وعليه قول الشاعر:
الواردون وتيم في ذرى سبإ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس
وأنكر الزجاج أن يكون اسم رجل، وقال:" سَبَإٍ" اسم مدينة تعرف بمأرب باليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام. وأنشد للنابغة الجعدي:
من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما
قال: فمن لم يصرف قال إنه اسم مدينة، ومن صرف وهو الأكثر فلانه اسم البلد فيكون مذكرا سمى به مذكر. وقيل: اسم امرأة سميت بها المدينة. والصحيح أنه اسم رجل، كذلك في كتاب الترمذي من حديث فروة بن مسيك المرادي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وسيأتي إن شاء الله تعالى. قال ابن عطية: وخفى هذا الحديث على الزجاج فخبط عشواء. وزعم الفراء أن الرؤاسى سأل أبا عمرو بن العلاء عن سبإ فقال: ما أدرى ما هو. قال النحاس: وتأول الفراء على أبى عمرو أنه منعه من الصرف لأنه مجهول، وأنه إذا لم يعرف الشيء لم ينصرف. وقال النحاس: وأبو عمرو أجل من أن يقول مثل هذا، وليس في حكاية الرؤاسى عنه دليل أنه إنما منعه من الصرف لأنه لم يعرفه، وإنما قال لا أعرفه، ولو سئل نحوي عن اسم فقال لا أعرفه لم يكن في هذا دليل على أنه يمنعه من الصرف، بل الحق على غير هذا، والواجب إذا لم يعرفه أن يصرفه، لان أصل الأسماء الصرف، وإنما يمنع الشيء من الصرف لعلة داخلة عليه، فالأصل ثابت بيقين فلا يزول بما لا يعرف. وذكر كلاما كثيرا

عن النحاة وقال في آخره: والقول في" سَبَإٍ" ما جاء التوقيف فيه أنه في الأصل اسم رجل، فإن صرفته فلانه قد صار
اسما للحي، وإن لم تصرفه جعلته اسما للقبيلة مثل ثمود إلا أن الاختيار عند سيبويه الصرف وحجته في ذلك قاطعة، لان هذا الاسم لما كان يقع له التذكير والتأنيث كان التذكير أولى، لأنه الأصل والأخف. الثامنة- وفي الآية دليل على أن الصغير يقول للكبير والمتعلم للعالم عندي ما ليس عندك إذا تحقق ذلك وتيقنه. هذا عمر بن الخطاب مع جلالته رضى الله عنه وعلمه لم يكن عنده علم بالاستئذان. وكان علم التيمم عند عمار وغيره، وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا: لا يتيمم الجنب. وكان حكم الاذن في أن تنفر الحائض عند ابن عباس ولم يعلمه عمر ولا زيد بن ثابت. وكان غسل رأس المحرم معلوما عند ابن عباس وخفى عن المسور بن مخرمة. ومثله كثير فلا يطول به. التاسعة- قوله تعالى: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) لما قال الهدهد:" وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ" قال سليمان: وما ذلك الخبر؟ قال:" إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ" يعنى بلقيس بنت شراحيل تملك أهل سبإ. ويقال: كيف وخفى على سليمان مكانها وكانت المسافة بين محطه وبين بلدها قريبة، وهى من مسيرة ثلاث بين صنعاء ومأرب؟ والجواب أن الله تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة، كما أخفى على يعقوب مكان يوسف. ويروى أن أحد أبويها كان من الجن. قال ابن العربي: وهذا أمر تنكره الملحدة، ويقولون: الجن لا يأكلون ولا يلدون، كذبوا لعنهم الله أجمعين، ذلك صحيح ونكاحهم جائز عقلا فإن صح نقلا فبها ونعمت. قلت: خرج أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قدم وفد من الجن على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالوا: يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو جمجمة فإن الله جاعل لنا فيها رزقا. وفي صحيح مسلم فقال:" لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم" فقال رسول الله صلى الله

عليه وسلم:" فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم الجن" وفي البخاري من حديث أبى هريرة قال فقلت: ما بال العظم والروثة؟ فقال:" هما من طعام الجن وإنه أتانى وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله تعالى ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاما" وهذا كله نص في أنهم يطعمون. وأما نكاحهم فقد تقدمت الإشارة إليه في" سبحان" «1» عند قوله:" وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ". وروى وهيب بن جرير ابن حازم عن الخليل بن أحمد عن عثمان بن حاضر قال: كانت أم بلقيس من الجن يقال لها بلعمة بنت شيصان. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى. العاشرة- روى البخاري من حديث ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا بنت كسرى قال:" لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا خلاف فيه، ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله نقل عنه كما نقل عن أبى حنيفة أنها إنما تقضى فيما تشهد فيه وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها مسطور بأن فلانة مقدمة على الحكم، وإنما سبيل ذلك التحكيم والاستنابة في القضية الواحدة، وهذا هو الظن بأبى حنيفة وابن جرير. وقد روى عن عمر أنه قدم امرأة على حسبة السوق. ولم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث. وقد تناظر في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري مع أبى الفرج بن طرار شيخ الشافعية، فقال أبو الفرج: الدليل على أن المرأة يجوز أن تحكم أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها، وسماع البينة عليها، والفصل بين الخصوم فيها، وذلك ممكن من المرأة كإمكانه من الرجل. فاعترض عليه القاضي أبو بكر ونقض كلامه بالإمامة الكبرى، فإن الغرض منه حفظ الثغور، وتدبير الأمور وحماية البيضة، وقبض الخراج ورده على مستحقه، وذلك لا يتأتى من المرأة كتأتيه من الرجل. قال ابن العربي: وليس
__________
(1). راجع ج 10 ص 289 طبعه أولى أو ثانية.

كلام الشيخين في هذه المسألة بشيء، فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وأن كانت برزة «1» لم يجمعها والرجال مجلس واحد تزدحم فيه معهم، وتكون مناظرة لهم، ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده. الحادية عشره- قوله تعالى: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) مبالغة، أي مما تحتاجه المملكة. وقيل: المعنى أوتيت من كل شي في زمانها شيئا فحذف المفعول، لان الكلام دل عليه. (وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) أي سرير، ووصفه بالعظم في الهيئة ورتبة السلطان. قيل: كان من ذهب تجلس عليه. وقيل: العرش هنا الملك، والأول أصح، لقوله تعالى:" أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها". الزمخشري: فإن قلت كيف سوى الهدهد بين عرش بلقيس وعرش الله في الوصف بالعظيم؟ قلت: بين الوصفين بون عظيم، لان وصف عرشها بالعظيم تعظيم له بالإضافة إلى عرش أبناء جنسها من الملوك، ووصف عرش الله بالعظيم تعظيم له بالنسبة إلى ما خلق من السماوات والأرض. قال ابن عباس: كان طول عرشها ثمانين ذراعا، وعرضه أربعين ذراعا، وارتفاعه في السماء ثلاثين ذراعا، مكلل بالدر والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر. قتادة: وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مسترا بالديباج والحرير، عليه سبعة مغاليق. مقاتل: كان ثمانين ذراعا [في ثمانين ذراعا] «2» وارتفاعه من الأرض ثمانون ذراعا، وهو مكلل بالجواهر. ابن إسحاق: وكان يخدمها النساء، وكان لخدمتها ستمائة امرأة. قال ابن عطية: واللازم من الآية أنها امرأة ملكت على مدائن اليمن، ذات ملك عظيم، وسرير عظيم، وكانت كافرة من قوم كفار. الثانية عشره- قوله تعالى: (وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قيل: كانت هذه الامة ممن يعبد الشمس، لأنهم كانوا زنادقة فيما يروى. وقيل: كانوا مجوسا يعبدون الأنوار. وروى عن نافع أن الوقف على" عَرْشٌ". قال المهدوي:
__________
(1). البرزة هنا: الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الشواب، وهى مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس وتحدثهم.
(2). من ب وك.

فعظيم على هذا متعلق بما بعده، وكان ينبغي على هذا أن يكون عظيم أن وجدتها، أي وجودي إياها كافرة. وقال ابن الأنباري:" وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ"" وقف حسن، ولا يجوز أن يقف على" عَرْشٌ" ويبتدئ" عَظِيمٌ وَجَدْتُها" إلا على من فتح، لان عظيما نعت لعرش فلو كان متعلقا بوجدتها لقلت عظيمة وجدتها، وهذا محال من كل وجه. وقد حدثني أبو بكر محمد بن الحسين بن شهريار، قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الأسود العجلى، عن بعض أهل العلم أنه قال: الوقف على" عَرْشٌ" والابتداء" عَظِيمٌ" على معنى عظيم عبادتهم الشمس والقمر. قال: وقد سمعت من يؤيد هذا المذهب، ويحتج بأن عرشها أحقر وأدق شأنا من أن يصفه الله بالعظيم. قال ابن الأنباري: والاختيار عندي ما ذكرته أولا، لأنه ليس على إضمار عبادة الشمس والقمر دليل. وغير منكر أن يصف الهدهد عرشها بالعظيم إذا رآه متناهي الطول والعرض، وجريه على إعراب" عَرْشٌ" دليل على أنه نعته. (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) أي ما هم فيه من الكفر." (فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)" أي عن طريق التوحيد. وبين بهذا أن ما ليس بسبيل التوحيد فليس بسبيل ينتفع به على التحقيق. (فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ) إلى الله وتوحيده. الثالثة عشرة- قوله تعالى: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ) قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وحمزة" أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ" بتشديد" ألا" قال ابن الأنباري:" فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ" غير تام لمن شدد" أَلَّا" لان المعنى: وزين لهم الشيطان ألا يسجدوا. قال النحاس: هي" أن" دخلت عليها" لا" و" أن" في موضع نصب، قال الأخفش: ب" زَيَّنَ" أي وزين لهم لئلا يسجدوا لله. وقال الكسائي: ب" فصدهم" أي فصدهم ألا يسجدوا. وهو في الوجهين مفعول له. وقال اليزيدي وعلى بن سليمان:" أن" بدل من" أَعْمالَهُمْ" في موضع نصب. وقال أبو عمرو: و" أن" في موضع حفض على البدل من السبيل وقيل: العامل فيها" لا يَهْتَدُونَ" أي فهم لا يهتدون أن يسجدوا لله، أي لا يعلمون أن ذلك واجب عليهم. وعلى هذا القول" لا" زائدة، كقوله:" ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ" أي ما منعك أن تسجد. وعلى هذه القراءة

فليس بموضع سجدة، لان ذلك خبر عنهم بترك السجود، إما بالتزيين، أو بالصد، أو بمنع الاهتداء. وقرا الزهري والكسائي وغيرهما:" ألا يسجدوا «1» لله" بمعنى الا يا هؤلاء اسجدوا، لان" يا" ينادى بها الأسماء دون الافعال. وأنشد سيبويه:
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار
قال سيبويه:" يا" لغير اللعنة، لأنه لو كان للعنة لنصبها، لأنه كان يصير منادى مضافا، ولكن تقديره يا هؤلاء لعنة الله والأقوام على سمعان. وحكى بعضهم سماعا عن العرب: ألا يا ارحموا ألا يا اصدقوا. يريدون ألا يا قوم ارحموا اصدقوا، فعلى هذه القراءة" اسجدوا" في موضع جزم بالأمر والوقف على" ألا يا" ثم تبتدئ فتقول:" اسجدوا". قال الكسائي: ما كنت أسمع الأشياخ يقرءونها إلا بالتخفيف على نية الامر. وفي قراءة عبد الله:" ألا هل تسجدون لله" بالتاء والنون. وفي قراءة أبى" ألا تسجدون لله" فهاتان القراءتان حجة لمن خفف. الزجاج: وقراءة التخفيف تقتضي وجوب السجود دون التشديد. واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة التشديد. وقال: التخفيف وجه حسن إلا أن فيه انقطاع الخبر من أمر سبأ، ثم رجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه. ونحوه قال النحاس. قال: قراءة التخفيف بعيدة، لان الكلام يكون معترضا، وقراءة التشديد يكون الكلام بها متسقا، وأيضا فإن السواد على غير هذه القراءة، لأنه قد حذف منه ألفان، وإنما يختصر مثل هذا بحذف ألف واحدة نحو يا عيسى بن مريم. ابن الأنباري: وسقطت ألف" اسجدوا" كما تسقط مع هؤلاء إذا ظهر، ولما سقطت ألف" يا" واتصلت بها ألف" اسجدوا" سقطت، فعد سقوطها دلالة على الاختصار وإيثارا لما يخف وتقل ألفاظه. وقال الجوهري في آخر كتابه: قال بعضهم: إن" يا" في هذا الموضع إنما هو للتنبيه كأنه قال: ألا اسجدوا لله، فلما أدخل عليه" يا" للتنبيه سقطت الالف التي في" اسجدوا" لأنها
__________
(1). الألوسي:" ألا" بالتخفيف على أنها للاستفتاح و" يا" حرف نداء، والمنادى محذوف، أي ألا يا قوم اسجدوا وسقطت ألف يا وألف الوصل في" اسجدوا" وكتبت الياء متصلة بالسين على خلاف القياس.

ألف وصل، وذهبت الالف التي في" يا" لاجتماع الساكنين، لأنها والسين ساكنتان. قال ذو الرمة:
ألا يا اسلمي يا دار مى على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
وقال الجرجاني: هو كلام معترض من الهدهد أو سليمان أو من الله. أي ألا ليسجدوا، كقوله تعالى:" قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ" قيل: إنه أمر أي ليغفروا. وتنتظم على هذا كتابة المصحف، أي ليس ها هنا نداء. قال ابن عطية: قيل هو من كلام الهدهد إلى قوله" الْعَظِيمِ" وهو قول ابن زيد وابن إسحاق، ويعترض بأنه غير مخاطب فكيف يتكلم في معنى شرع. ويحتمل أن يكون من قول سليمان لما أخبره الهدهد عن القوم. ويحتمل أن يكون من [قول ] الله تعالى فهو اعتراض بين الكلامين وهو الثابت مع التأمل، وقراءة التشديد في" أَلَّا" تعطى أن الكلام للهدهد، وقراءة التخفيف تمنعه، والتخفيف يقتضى الامر بالسجود لله عز وجل للأمر على ما بيناه. وقال الزمخشري: فإن قلت أسجدة التلاوة واجبة في القراءتين جميعا أم في إحداهما؟ قلت هي واجبة فيهما جميعا، لان مواضع السجدة إما أمر بها، أو مدح لمن أتى بها، أو ذم [لمن «1»] تركها، واحدي القراءتين أمر بالسجود والأخرى ذم للتارك. قلت: وقد أخبر الله عن الكفار بأنهم يسجدون كما في" الانشقاق" وسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها، كما ثبت في البخاري وغيره فكذلك." النمل". والله أعلم. الزمخشري: وما ذكره الزجاج من وجوب السجدة مع التخفيف دون التشديد فغير مرجوع إليه. (الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ ءَ) خبء السماء قطرها، وخبء الأرض كنوزها ونباتها. وقال قتادة: الخبء السر. النحاس: وهذا أولى. أي ما غاب في السماوات والأرض، ويدل عليه" ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ" «2». وقرا عكرمة ومالك بن دينار:" الخب" بفتح الباء من غير همز. قال المهدوي: وهو التخفيف القياسي، وذكر من يترك الهمز في الوقف. وقال النحاس:
__________
(1). الزيادة من" الكشاف".
(2). في نسخ الأصل بالباء، وهى قراءة العامة كما سيأتي.

وحكى أبو حاتم أن عكرمة قرأ:" الذي يخرج الخبا" بألف غير مهموزة، وزعم أن هذا لا يجوز في العربية، واعتل بأنه إن خفف الهمزة ألقى حركتها على الباء فقال" الخب في السماوات والأرض" وأنه إن حول الهمزة قال: الخبي بإسكان الباء وبعدها ياء. قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: كان أبو حاتم دون أصحابه في النحو ولم يلحق بهم إلا أنه إذا خرج من بلده لم يلق أعلم منه. وحكى سيبويه عن العرب أنها تبدل من الهمزة ألفا إذا كان قبلها ساكن وكانت مفتوحة، وتبدل منها واوا إذا كان قبلها ساكن وكانت مضمومة، وتبدل منها ياء إذا كان قبلها ساكن وكانت مكسورة، فتقول: هذا الوثو وعجبت من الوثى ورأيت الوثا، وهذا من وثئت يده، وكذلك هذا الخبو وعجبت من الخبي، ورأيت الخبا، وإنما فعل هذا لان الهمزة خفيفة فأبدل منها هذه الحروف. وحكى سيبويه عن قوم من بنى تميم وبنى أسد أنهم يقولون: هذا الخبو، يضمون الساكن إذا كانت الهمزة مضمومة، ويثبتون الهمزة ويكسرون الساكن إذا كانت الهمزة مكسورة، ويفتحون الساكن إذا كانت الهمزة مفتوحة. وحكى سيبويه أيضا أنهم يكسرون وإن كانت الهمزة مضمومة، إلا أن هذا عن بنى تميم، فيقولون: الرديء «1»، وزعم أنهم لم يضموا الدال لأنهم كرهوا ضمة قبلها كسرة، لأنه ليس في الكلام فعل. وهذه كلها لغات داخلة على اللغة التي قرأ بها الجماعة، وفي قراءة عبد الله" الذي يخرج الخبأ من السماوات" و" من" و" في" يتعاقبان، تقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم يريد منكم، قاله الفراء. (ويعلم ما يخفون وما يعلنون) قراءة العامة فيهما بياء، وهذه القراءة تعطى أن الآية من كلام الهدهد، وأن الله تعالى خصه من المعرفة بتوحيده ووجوب السجود له، وإنكار سجودهم للشمس، وإضافته للشيطان، وتزيينه لهم، ما خص به غيره من الطيور وسائر الحيوان، من المعارف اللطيفة التي لا تكاد العقول الراجحة تهتدى لها. وقرا الجحدري وعيسى بن عمر وحفص والكسائي" تُخْفُونَ" و" تُعْلِنُونَ" بالتاء على الخطاب، وهذه القراءة تعطى أن الآية
__________
(1). الرده بمعنى الصاحب.

من خطاب الله عز وجل لامة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) قرأ ابن محيصن" الْعَظِيمِ" رفعا نعتا لله. الباقون بالخفض نعتا للعرش. وخص بالذكر لأنه أعظم المخلوقات وما عداه في ضمنه وقبضته. الرابعة عشرة- قوله تعالى: (سَنَنْظُرُ) من النظر الذي هو التأمل والتصفح. (أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) في مقالتك. و" كُنْتَ" بمعنى أنت. وقال:" سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ" ولم يقل سننظر في أمرك، لان الهدهد لما صرح بفخر العلم في قوله:" أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ" صرح له سليمان بقوله: سننظر أصدقت أم كذبت، فكان ذلك [كفاء «1»] لما قاله. الخامسة عشرة- في قوله:" أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ" دليل على أن الامام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم، لان سليمان لم يعاقب الهدهد حين أعتذر إليه. وإنما صار صدق الهدهد عذرا لأنه أخبر بما يقتضى الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد. وفي الصحيح:" ليس أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل". وقد قبل عمر عذر النعمان بن عدى ولم يعاقبه. ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة. كما فعل سليمان، فإنه لما قال الهدهد:" إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ" لم يستفزه الطمع، ولا استجره حب الزيادة في الملك إلى أن يعرض له حتى قال:" وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ" فغاظه حينئذ ما سمع، وطلب الانتهاء إلى ما أخبر، وتحصيل علم ما غاب عنه من ذلك، فقال:" سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ" ونحو منه ما رواه الصحيح عن المسور بن مخرمة، حين استشار عمر الناس في إملاص المرأة وهي التي يضرب بطنها فتلقى جنينها، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضى فيه بغرة عبد أو أمة. قال فقال عمر: ايتني بمن يشهد معك، قال: فشهد له محمد بن مسلمة وفي رواية فقال: لا تبرح حتى تأتى بالمخرج
__________
(1). في الأصول" جفاء" والتصويب من" أحكام القرآن" لابن العربي.

من ذلك، فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد. ونحوه حديث أبى موسى في الاستئذان وغيره. السادسة عشرة- قوله تعالى: (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ) قال الزجاج: فيها خمسة أوجه" فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ" بإثبات الياء في اللفظ. وبحذف الياء وإثبات الكسرة دالة عليها" فألقه إليهم". وبضم الهاء وإثبات الواو على الأصل" فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ". وبحذف الواو وإثبات الضمة" فألقه إليهم". واللغة الخامسة قرأ بها حمزة بإسكان الهاء" فالقه إليهم". قال النحاس: وهذا عند النحويين لا يجوز إلا على حيلة بعيدة تكون: يقدر الوقف، وسمعت على بن سليمان يقول: لا تلتفت إلى هذه العلة، ولو جاز أن يصل وهو ينوي الوقف لجاز أن يحذف الاعراب من الأسماء. وقال:" إِلَيْهِمْ" على لفظ الجمع ولم يقل إليها، لأنه قال:" وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ" فكأنه قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم، اهتماما منه بأمر الدين، واشتغالا به عن غيره، وبنى الخطاب في الكتاب على لفظ الجمع لذلك. وروى في قصص هذه الآية أن الهدهد وصل فألفى دون هذه الملكة حجب جدران، فعمد إلى كوة كانت بلقيس صنعتها لتدخل منها الشمس عند طلوعها لمعنى عبادتها إياها، فدخل منها ورمى الكتاب على بلقيس وهى- فيما يروى- نائمة، فلما انتبهت وجدته فراعها، وظنت أنه قد دخل عليها أحد، ثم قامت فوجدت حالها كما عهدت، فنظرت إلى الكوة تهمما بأمر الشمس، فرأت الهدهد فعلمت. وقال وهب وابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة مطلع الشمس، فإذا طلعت سجدت، فسدها الهدهد بجناحه، فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى الصحيفة إليها، فلما رأت الخاتم ارتعدت وخضعت، لان ملك سليمان عليه السلام كان في خاتمه، فقرأته فجمعت الملا من قومها فخاطبتهم بما يأتي بعد. وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره، وطار حتى وقف على رأس المرأة وحولها الجنود والعساكر، فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه، فرفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.

قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)

السابعة عشرة- في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعائهم إلى الإسلام. وقد كتب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار، كما تقدم في" آل عمران" «1»: الثامنة عشرة- (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) أمره بالتولي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدب به مع الملوك. بمعنى: وكن قريبا حتى ترى مراجعتهم، قال وهب بن منبه. وقال ابن زيد: أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه، أي ألقه وارجع. قال وقوله:" فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ" في معنى التقديم على قوله:" ثُمَّ تَوَلَّ" واتساق رتبة الكلام أظهر، أي ألقه ثم تول، وفي خلال ذلك فانظر أي انتظر. وقيل: فاعلم، كقوله:"وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
" أي اعلم ماذا يرجعون أي يجيبون وماذا يردون من القول. وقيل:" فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ" يتراجعون بينهم من الكلام.

[سورة النمل (27): الآيات 29 الى 31]
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)
فيه ست مسائل: الاولى- قوله تعالى: (قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ) في الكلام حذف، والمعنى: فذهب فألقاه إليهم فسمعها وهي تقول:" يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا" ثم وصفت الكتاب بالكريم إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالا لسليمان عليه السلام، وهذا قول ابن زيد. وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، فكر أمة الكتاب ختمه، وروى ذلك عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيل: لأنه بدأ فيه ب" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم". وقيل: لأنه بدأ
__________
(1). راجع ج 4 ص 105 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

فيه بنفسه، ولا يفعل ذلك إلا الجلة. وفي حديث ابن عمر أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه: من عبد الله لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين، إنى أقر لك بالسمع والطاعة ما استطعت، وإن بنى قد أقروا لك بذلك. وقيل: توهمت أنه كتاب جاء من السماء إذ كان الموصل طيرا. وقيل:" كَرِيمٌ" حسن، كقول:" وَمَقامٍ كَرِيمٍ" أي مجلس حسن. وقيل: وصفته بذلك، لما تضمن من لين القول والموعظة في الدعاء إلى عبادة الله عز وجل، وحسن الاستعطاف والاستلطاف من غير أن يتضمن سبا ولا لعنا، ولا ما يغير النفس، ومن غير كلام نازل ولا مستغلق، على عادة الرسل في الدعاء إلى الله عز وجل، ألا ترى إلى قول الله عز وجل لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ" وقوله لموسى وهرون:" فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ". وكلها وجوه حسان وهذا أحسنها. وقد روى أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أحد قبل سليمان. وفي قراءة [عبد الله «1»]" وإنه من سليمان" بزيادة واو. الثانية- الوصف بالكريم في الكتاب غاية الوصف، ألا ترى قوله تعالى:" إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ" واهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير وبالاثير وبالمبرور، فإن كان لملك قالوا: العزيز وأسقطوا الكريم غفلة، وهو أفضلها خصلة. فأما الوصف بالعزيز فقد وصف به القرآن في قوله تعالى:" وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ" فهذه عزته وليست لاحد إلا له، فاجتنبوها في كتبكم، واجعلوا بدلها العالي، توفية لحق الولاية، وحياطة للديانة، قال القاضي أبو بكر بن العربي. الثالثة- كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدءوا بأنفسهم من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار. وروى الربيع عن أنس قال: ما كان أحد أعظم حرمة من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وكان أصحابه إذا كتبوا بدءوا بأنفسهم. وقال ابن سيرين قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن أهل فارس إذا كتبوا بدءوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه"
__________
(1). في الأصل:" وفي قراءة أبى" وهو مخالف لما عليه كتب التفسير، فالمروي عن أبى أنه قرأ" أن من سليمان وأن بسم الله الرحمن الرحيم" بفتح الهمزة وتخفيف النون وحذف الهاء.

قال أبو الليث في كتاب" البستان" له: ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز، لان الامة قد اجتمعت عليه وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نسخ ما كان من قبل، فالأحسن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه، لان البداية بنفسه تعد منه استخفافا بالمكتوب [إليه «1»] وتكبرا عليه، إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده، أو غلام من غلمانه. الرابعة- وإذا ورد على إنسان كتاب بالتحية أو نحوها ينبغي أن يرد الجواب، لان الكتاب من الغائب كالسلام من الحاضر. وروى عن ابن عباس أنه كان يرى رد الكتاب واجبا كما يرى رد السلام. والله أعلم. الخامسة- اتفقوا على كتب" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" في أول الكتب والرسائل، وعلى ختمها، لأنه أبعد من الريبة، وعلى هذا جرى الرسم، وبه جاء الأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما كتاب لم يكن مختوما فهو أغلف. وفي الحديث:" كرم الكتاب ختمه". وقال بعض الأدباء، هو ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به، لان الختم ختم. وقال أنس: لما أراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكتب إلى العجم قيل له: إنهم لا يقبلون إلا كتابا عليه ختم، فاصطنع خاتما ونقش على فصه" لا إله إلا الله محمد رسول الله" وكأني أنظر إلى وبيصه «2» وبياضه في كفه. السادس- قوله تعالى:" إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"" وَإِنَّهُ" بالكسر فيهما أي وإن الكلام، أو إن مبتدأ الكلام" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ". وأجاز الفراء" أنه من سليمان وأنه" بفتحهما جميعا على أن يكونا في موضع رفع بدل من الكتاب، بمعنى ألقى إلى أنه من سليمان. وأجاز أن يكونا في موضع نصب على حذف الخافض، أي لأنه من سليمان ولأنه، كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره بسم الله. وقرا الأشهب العقيلي ومحمد بن السميقع" ألا تغلوا" بالغين المعجمة، وروى عن وهب بن منبه، من غلا يغلو إذا تجاوز وتكبر. وهى راجعة إلى معنى قراءة الجماعة." وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ" أي منقادين طائعين مؤمنين.
__________
(1). زيادة يقتضيها المقام.
(2). الوبيص: البريق واللمعان.

قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)

[سورة النمل (27): الآيات 32 الى 34]
قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (33) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (34)
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي) الملا أشراف القوم وقد مضى في سورة" البقرة" «1» القول فيه. قال ابن عباس: كان معها ألف قيل. وقيل: اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف. والقيل الملك دون الملك الأعظم. فأخذت في حسن الأدب مع قومها، ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر يعرض، بقولها: (ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) فكيف في هذه النازلة الكبرى. فراجعها الملا بما يقر عينها، من إعلامهم إياها بالقوة والبأس، ثم سلموا الامر إلى نظرها، وهذه محاورة حسنة من الجميع. قال قتادة: ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا هم أهل مشورتها، كل رجل منهم على عشرة آلاف. الثانية- في هذه الآية دليل على صحة المشاورة. وقد قال الله تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" في" آل عمران" إما استعانة بالآراء، وإما مداراة للأولياء. وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله:" وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ". والمشاورة من الامر القديم وخاصة في الحرب، فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس:" قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ" لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم، وحزمهم فيما يقيم أمرهم، وإمضائهم على الطاعة لها، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم عليهم، وإن لم تختبر ما عندهم، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة
__________
(1). راجع ج 3 ص 243 طبعه أولى أو ثانية. [.....]

من أمرهم، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها، ودخيلة في تقدير أمرهم، وكان في مشاورتهم واخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة شوكتهم، وشدة مدافعتهم، ألا ترى إلى قولهم في جوابهم: (نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ) قال ابن عباس: كان من قوة أحدهم أنه يركض فرسه حتى إذا احتد ضم فخذيه فحبسه بقوته. الثالثة- قوله تعالى: (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ) سلموا الامر إلى نظرها مع ما أظهروا لها من القوة والبأس والشدة، فلما فعلوا ذلك أخبرت عند ذلك بفعل الملوك بالقرى التي يتغلبون عليها. وفي هذا الكلام خوف على قومها، وحيطة واستعظام لأمر سليمان عليه السلام." وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ" قيل: هو من قول بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته. وقال ابن عباس: هو من قول الله عز وجل معرفا لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمته بذلك ومخبرا به. وقال وهب: لما قرأت عليهم الكتاب لم تعرف اسم الله، فقالت: ما هذا؟! فقال بعض القوم: ما نظن هذا إلا عفريتا عظيما من الجن يقتدر به هذا الملك على ما يريده، فسكتوه. وقال الآخر: أراهم ثلاثة من العفاريت، فسكتوه، فقال شاب قد علم: يا سيدة الملوك! إن سليمان ملك قد أعطاه ملك السماء ملكا عظيما فهو لا يتكلم بكلمة إلا بدأ فيها بتسمية إلهه، والله اسم مليك السماء، والرحمن الرحيم نعوته، فعندها قالت:" أَفْتُونِي فِي أَمْرِي" فقالوا:" نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ" في القتال" وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ" في الحرب واللقاء" وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ" ردوا أمر هم إليها لما جربوا على رأيها من البركة" فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ" ف" قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً" أهانوا شرفاءها لتستقيم لهم الأمور، فصدق الله قولها." وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ" قال ابن الأنباري:" وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً" هذا وقف تام، فقال الله عز وجل تحقيقا لقولها:" وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ" وشبيه به في سورة" الأعراف"" قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ" تم الكلام، فقال فرعون:" فَما ذا تَأْمُرُونَ". وقال ابن شجرة. هو قول بلقيس، فالوقف" وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ" أي وكذلك يفعل سليمان إذا دخل بلادنا.

وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)

[سورة النمل (27): آية 35]
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)
فيه ست مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ) هذا من حسن نظرها وتدبيرها، أي إنى أجرب هذا الرجل بهدية، وأعطيه فيها نفائس من الأموال، وأغرب عليه بأمور المملكة، فإن كان ملكا دنياويا أرضاه المال وعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبيا لم يرضه المال ولازمنا في أمر الدين، فينبغي لنا أن نؤمن به ونتبعه على دينه، فبعثت إليه بهدية عظيمة أكثر الناس في تفصيلها، فقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أرسلت إليه بلبنة من ذهب، فرأت الرسل الحيطان من ذهب فصغر عندهم ما جاءوا به. وقال مجاهد: أرسلت إليه بمائتي غلام ومائتي جارية. وروى عن ابن عباس: باثنتي عشرة وصيفة مذكرين قد ألبستهم زي الغلمان، واثنى عشر غلاما مؤنثين قد ألبستهم زي النساء، وعلى يد الوصائف أطباق مسك وعنبر، وباثنتي عشرة نجيبة تحمل لبن الذهب، وبخرزتين إحداهما غير مثقوبة، والأخرى مثقوبة ثقبا معوجا، وبقدح لا شي فيه، وبعصا كان يتوارثها ملوك حمير، وأنفذت الهدية مع جماعة من قومها. وقيل: كان الرسول واحدا ولكن كان في صحبته أتباع وخدم. وقيل: أرسلت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه رجالا ذوى رأى وعقل، والهدية مائة وصيف ومائة وصيفة، وقد خولف بينهم في اللباس، وقالت للغلمان: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام فيه تأنيث يشبه كلام النساء، وقالت للجواري: كلمنه بكلام فيه غلظ يشبه كلام الرجال، فيقال: إن الهدهد جاء وأخبر سليمان بذلك كله. وقيل: إن الله أخبر سليمان بذلك، فأمر سليمان عليه السلام أن يبسط من موضعه إلى تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة، ثم قال: أي الدواب رأيتم أحسن في البر والبحر؟ قالوا: يا نبى الله رأينا في بحر كذا دواب منقطة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي، فأمر بها فجاءت فشدت على يمين الميدان وعلى يساره، وعلى لبنات الذهب والفضة، وألقوا لها علوفاتها، ثم قال: للجن على بأولادكم، فأقامهم- أحسن ما يكون من الشباب- عن يمين

الميدان ويساره. ثم قعد سليمان عليه السلام على كرسيه في مجلسه، ووضع له أربعة آلاف كرسي من ذهب عن يمينه ومثلها عن يساره، وأجلس عليها الأنبياء والعلماء، وأمر الشياطين والجن والانس أن يصطفوا صفوفا فراسخ، وأمر السباع والوحوش والهوام والطير فاصطفوا فراسخ عن يمينه وشماله، فلما دنا القوم من الميدان ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم أحسن منها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم، ورموا ما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات: إن سليمان لما أمرهم بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع بساط من الأرض غير مفروش، فلما مروا به خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين رأوا منظرا هائلا فظيعا ففزعوا وخافوا، فقالت لهم الشياطين: جوزوا لا بأس عليكم، فكانوا يمرون على كردوس كردوس من الجن والانس والبهائم والطير والسباع والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق، وكانت قالت لرسولها: إن نظر إليك نظر مغضب فاعلم أنه ملك فلا يهولنك منظره فأنا أعز منه، وإن رأيت الرجل بشا لطيفا فاعلم أنه نبى مرسل فتفهم قول ورد الجواب، فأخبر الهدهد سليمان بذلك على ما تقدم. وكانت عمدت إلى حقه من ذهب فجعلت فيها درة يتيمة غير مثقوبة، وخرزة معوجة الثقب، وكتبت كتابا مع رسولها تقول فيه: إن كنت نبيا فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقة، وعرفني رأس العصا من أسفلها، واثقب الدرة ثقبا مستويا، وأدخل خيط الخرزة، وأملأ القدح ماء من ندى ليس من الأرض ولا من السماء، فلما وصل الرسول ووقف بين يدي سليمان أعطاه كتاب الملكة فنظر فيه، وقال: أين الحقة؟ فأتى بها فحركها، فأخبره جبريل بما فيها، ثم أخبرهم سليمان. فقال له الرسول: صدقت، فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة، فسأل سليمان الجن والانس عن ثقبها فعجزوا، فقال للشياطين: ما الرأى فيها؟ فقالوا: ترسل إلى الأرضة، فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت: تصير رزقي في الشجرة،

فقال لها: لك ذلك. ثم قال سليمان: من لهذه الخرزة يسلكها الخيط
؟ فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا نبى الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ قالت تجعل رزقي في الفواكه، قال: ذلك لك. ثم ميز بين الغلمان [والجواري «1»]. قال السدى: أمرهم بالوضوء، فجعل الرجل يحدر الماء على اليد والرجل حدرا، وجعل الجواري يصببن من اليد اليسرى على اليد اليمنى، ومن اليمنى على اليسرى، فميز بينهم بهذا. وقيل: كانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها، ثم تحمله على الأخرى، ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذ الماء من الآنية يضرب به في الوجه، والجارية تصب على بطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، والجارية تصب الماء صبا، والغلام يحدر على يديه، فميز بينهم بهذا. وروى يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير قال: أرسلت بلقيس بمائتي وصيفة ووصيف، وقالت: إن كان نبيا فسيعلم الذكور من الإناث، فأمرهم فتوضئوا، فمن توضأ منهم فبدأ بمرفقة قبل كفه قال هو من الإناث، ومن بدأ بكفه قبل مرفقه قال هو من الذكور، ثم أرسل العصا إلى الهواء فقال: أي الرأسين سبق إلى الأرض فهو أصلها، وأمر بالخيل فأجريت حتى عرقت وملأ القدح من عرقها، ثم رد سليمان الهدية، فروى أنه لما صرف الهدية إليها وأخبرها رسولها بما شاهد، قالت لقومها: هذا أمر من السماء. الثانية- كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقبل الهدية ويثبت عليها ولا يقبل الصدقة، وكذلك كان سليمان عليه السلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردها علامة على ما في نفسها، على ما ذكرناه من كون سليمان ملكا أو نبيا، لأنه قال لها في كتابه:" أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ" وهذا لا تقبل فيه فدية، ولا يؤخذ عنه هدية، وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة عن قبول الهدية بسبيل، وإنما هي رشوة وبيع الحق بالباطل، وهى الرشوة التي لا تحل. وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل أحد وعلى كل حال، وهذا ما لم يكن من مشرك.
__________
(1). الزيادة من" قصص الأنبياء" للثعلبي.

الثالثة- فإن كانت من مشرك ففي الحديث" نهيت عن زبد المشركين" يعنى رفدهم وعطاياهم. وروى عنه عليه السلام أنه قبلها كما في حديث مالك عن ثور بن زيد الدبلى وغيره، فقال جماعة من العلماء بالنسخ فيهما، وقال آخرون: ليس فيها ناسخ ولا منسوخ، والمعنى فيها: أنه كان لا يقبل هدية من يطمع بالظهور عليه واخذ بلده ودخوله في الإسلام، وبهذه الصفة كانت حالة سليمان عليه السلام، فعن مثل هذا نهى أن تقبل هديته حملا على الكف عنه، وهذا أحسن تأويل للعلماء في هذا، فإنه جمع بين الأحاديث. وقيل غير هذا. الرابعة- الهدية مندوب إليها، وهى مما تورث المودة وتذهب العداوة، روى مالك عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء". وروى معاوية بن الحكم قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" تهادوا فإنه يضعف الود ويذهب بغوائل الصدر". وقال الدارقطني: تفرد به ابن بجير عن أبيه عن مالك، ولم يكن بالرضى، ولا يصح عن مالك ولا عن الزهري. وعن ابن شهاب قال: بلغنا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السخيمة" قال ابن وهب: سألت يونس عن السخيمة ما هي فقال: الغل. وهذا الحديث وصله الوقاصي عثمان عن الزهري وهو ضعيف. وعلى الجملة: فقد ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقبل الهدية، وفية الأسوة الحسنة. ومن فضل الهدية مع اتباع السنة أنها تزيل حزازات النفوس، وتكسب المهدى والمهدى إليه رنة في اللقاء والجلوس. ولقد أحسن من قال:
هدايا الناس بعضهم لبعض ... تولد في قلوبهم الوصالا

وتزرع في الضمير هوى وودا ... وتكسبهم إذا حضروا جمالا
آخر:
إن الهدايا لها حظ إذا وردت ... أحظى من الابن عند الوالد الحدب
الخامسة- روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" جلساؤكم شركاؤكم في الهدية" واختلف في معناه، فقيل: هو محمول على ظاهره. وقيل: يشاركهم على وجه

فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)

الكرم والمروءة، فإن لم يفعل فلا يجبر عليه. وقال أبو يوسف: ذلك في الفواكه ونحوها. وقال بعضهم: هم شركاؤه في السرور لا في الهدية. والخبر محمول في أمثال أصحاب الصفة والخوانق والرباطات، أما إذا كان فقيها من الفقهاء اختص بها فلا شركة فيها لأصحابه، فإن أشركهم فذلك كرم وجود منه. السادسة- قوله تعالى: (فَناظِرَةٌ) أي منتظرة (بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) قال قتادة: يرحمها الله أن كانت لعاقلة في إسلامها وشركها، قد علمت أن الهدية تقع موقعا من الناس. وسقطت الالف في" بم" للفرق بين" ما" الخبرية. وقد يجوز إثباتها، قال «1»:
على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرغ في رماد

[سورة النمل (27): الآيات 36 الى 40]
فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (37) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)
قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ) أي جاء الرسول سليمان بالهدية قال:" أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ". قرأ حمزة ويعقوب والأعمش: بنون واحدة مشددة وياء ثابتة بعدها.
__________
(1). هو حسان بن المنذر يهجو بنى عائذ بن عمرو بن مخزوم وقبله:
وإن تصلح فإنك عائذي ... وصلح العائذي إلى فساد

الباقون بنونين وهو اختيار أبى عبيد، لأنها في كل المصاحف بنونين. وقد روى إسحاق عن نافع أنه كان يقرأ:" أتمدون" بنون واحدة مخففة بعدها ياء في اللفظ. قال ابن الأنباري: فهذه القراءة يجب فيها إثبات الياء عند الوقف، ليصح لها موافقة هجاء المصحف. والأصل في النون التشديد، فخفف التشديد من ذا الموضع كما خفف من: أشهد أنك عالم، وأصله: أنك عالم. وعلى هذا المعنى بنى الذي قرأ:" يشاقون فيهم"،" أتحاجون في الله". وقد قالت العرب: الرجال يضربون ويقصدون، وأصله يضربوني ويقصدوني، لأنه إدغام يضربونني ويقصدونني قال الشاعر:
ترهبين والجيد منك لليلى ... والحشا والبغام «1» والعينان
والأصل ترهبيني فخفف. ومعنى" أَتُمِدُّونَنِ" أتزيدونني ما لا إلى ما تشاهدونه من أموالي. قوله تعالى: (فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ) أي فما أعطاني من الإسلام والملك والنبوة خير مما أعطاكم، فلا أفرح بالمال. و" آتان" وقعت في كل المصاحف بغير ياء. وقرا أبو عمرو ونافع وحفص:" آتاني الله" بياء مفتوحة، فإذا وقفوا حذفوا. وأما يعقوب فإنه يثبتها في الوقف ويحذف في الوصل لالتقاء الساكنين. الباقون بغير ياء في الحالين. (بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في الدنيا. قوله تعالى: (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ) أي قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد، ارجع إليهم بهديتهم. (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها) لام قسم والنون لها لازمة. قال النحاس: وسمعت أبا الحسن بن كيسان يقول: هي لام توكيد وكذا كان عنده أن اللامات كلها ثلاث لا غير، لام توكيد، ولام أمر، ولام خفض، وهذا قول الحذاق من النحويين، لأنهم يردون الشيء إلى أصله: وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية. ومعنى" لا قِبَلَ لَهُمْ بِها" أي لا طاقة لهم عليها. (وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها) أي من أرضهم (أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ). وقيل:" مِنْها" أي من قرية سبأ. وقد سبق ذكر القرية في قوله:" إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها".
__________
(1). بغام الظبية: صوتها.

" أَذِلَّةً" قد سلبوا ملكهم وعزهم." وَهُمْ صاغِرُونَ" أي مهانون أذلاء من الصغر وهو الذل إن لم يسلموا، فرجع إليها رسولها فأخبرها، فقالت: قد عرفت أنه ليس بملك ولا طاقة لنا بقتال نبى من أنبياء الله. ثم أمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات بعضها في جوف بعض، في آخر قصر من سبعة قصور، وغلقت الأبواب، وجعلت الحرس عليه، وتوجهت إليه في اثنى عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت كل قيل مائة ألف. قال ابن عباس: وكان سليمان مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فنظر ذات يوم رهجا «1» قريبا منه، فقال: ما هذا؟ فقالوا: بلقيس يا نبى الله. فقال سليمان لجنوده- وقال وهب وغيره للجن- (أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) وقال عبد الله بن شداد. كانت بلقيس على فرسخ من سليمان لما قال:" أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها" وكانت خلفت عرشها بسبإ، ووكلت به حفظة. وقيل: إنها لما بعثت بالهدية بعثت رسلها في جندها لتغافص «2» سليمان عليه السلام بالقتل قبل أن يتأهب سليمان لها إن كان طالب ملك، فلما علم ذلك قال:" أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها". قال ابن عباس: كان أمره بالإتيان بالعرش قبل أن يكتب الكتاب إليها، ولم يكتب إليها حتى جاءه العرش. وقال ابن عطية: وظاهر الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها، وبعثه الهدهد بالكتاب، وعلى هذا جمهور المتأولين. واختلفوا في فائد استدعاء عرشها، فقال قتادة: ذكر له بعظم وجودة، فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمى أموالهم، والإسلام على هذا الدين، وهو قول ابن جريج. وقال ابن زيد: استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله، ويجعله دليلا على نبوته، لأخذه من بيوتها دون جيش ولا حرب، و" مُسْلِمِينَ" على هذا التأويل بمعنى مستسلمين، وهو قول ابن عباس. وقال ابن زيد أيضا: أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال:" نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي". وقيل: خافت الجن أن يتزوج بها سليمان عليه السلام فيولد له منها ولد، فلا يزالون في السخرة والخدمة لنسل سليمان فقالت لسليمان
__________
(1). الرهج: الغبار.
(2). المغافصة: الأخذ على غرة

في عقلها خلل، فأراد أن يمتحنها بعرشها. وقيل: [أراد [أن يختبر صدق الهدهد في قوله:" وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ" قاله الطبري. وعن قتادة: أحب أن يراه لما وصفه الهدهد. والقول الأول عليه أكثر العلماء، لقوله تعالى:" قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ". ولأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتى به إلا بإذنها. روى أنه كان من فضة وذهب مرصعا بالياقوت الأحمر والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق. قوله تعالى (قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ) كذا قرأ الجمهور وقرا أبو رجاء وعيسى الثقفي" عفرية" ورويت عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه. وفي الحديث:" إن الله يبغض العفرية النفرية". إتباع لعفرية. قال قتادة: هي الداهية قال النحاس: يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية. وقيل:" عِفْرِيتٌ" أي رئيس. وقرأت فرقة:" قال عفر" بكسر العين، حكاه ابن عطية، قال النحاس: من قال عفرية جمعه على عفار، ومن قال: عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه، إن شاء قال عفاريت، وإن شاء قال عفار، لان التاء زائدة، كما يقال: طواغ في جمع طاغوت، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفارى. والعفريت من الشياطين القوى المارد. والتاء زائدة. وقد قالوا: تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الاذاية. وقال وهب بن منبه: اسم هذا العفريت كودن، ذكره النحاس. وقيل: ذكوان، ذكره السهيلي. وقال شعيب الجبائي: اسمه دعوان. وروى عن ابن عباس أنه صخر الجنى. ومن هذا الاسم قول ذى الرمة:
كأنه كوكب في إثر عفرية مصوب «1» ... في سواد الليل منقضب
وأنشد الكسائي «2»:
إذ قال شيطانهم العفريت ... ليس لكم ملك ولا تثبيت
__________
(1). وفى ديوانه طبع أوربا" مسوم" بدل" مصوب" وهو بمعنى معلم منقضب والبيت في وصف ثور وحشي، كأن الثور كوكب مصوب منقضب في إثر عفرية في سواد الليل.
(2). البيت لرؤبة من قصيدة يمدح بها مسلمة بن عبد الملك

وفى الصحيح عن أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن عفريتا من الجن جعل يفتك «1» على البارحة ليقطع على الصلاة وإن الله أمكنني منه فدعته «2»" وذكر الحديث. وفي البخاري" تفلت «3» على البارحة" مكان" جعل يفتك". وفي الموطأ عن يحيى ابن سعيد أنه قال: أسرى برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رآه، فقال جبريل: أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بلى" فقال:" أعوذ بالله الكريم «4» وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها [وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها «5»] ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان". قوله تعالى: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ) يعنى في مجلسه الذي يحكم فيه. (وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) أي قوى على حمله." أَمِينٌ" على ما فيه. ابن عباس: أمين على فرج المرأة، ذكره المهدوي. فقال سليمان أريد أسرع من ذلك، ف (- قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) أكثر المفسرين على أن الذي عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا وهو من بنى إسرائيل، وكان صديقا يحفظ اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعى به أجاب. وقالت عائشة رضى الله عنها قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف بن برخيا يا حي يا قيوم" قيل: وهو بلسانهم، أهيا شراهيا، وقال الزهري: دعاء الذي عنده اسم الله الأعظم، يا إلهنا واله كل شي إلها واحدا لا إله إلا أنت ايتني بعرشها، فمثل بين يديه. وقال مجاهد: دعا فقال: يا إلهنا واله كل شي يا ذا الجلال والإكرام. قال السهيلي: الذي عنده علم من الكتاب هو آصف ابن برخيا ابن خالة سليمان، وكان عنده اسم الله الأعظم من أسماء الله تعالى.
__________
(1). الفتك: الأخذ في غفلة وخديعة.
(2). فدعته: أي دفعته دفعا شديدا. وفي رواية" فذعته" بالذال المعجمة ومعناه خنقته.
(3)." تفلت" أي تعرض لي فلتة أي بغتة.
(4). في ك: أعوذ بوجه الله العظيم.
(5). من ب.

وقيل: هو سليمان نفسه، ولا يصح في سياق الكلام مثل هذا التأويل. قال ابن عطية: وقالت فرقة هو سليمان عليه السلام، والمخاطبة في هذا التأويل للعفريت لما قال:" أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ" كأن سليمان استبطأ ذلك فقال له على جهة تحقيره:" أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ" واستدل قائلو هذه المقالة بقول سليمان:" هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي". قلت: ما ذكره ابن عطية قاله النحاس في معاني القرآن له، وهو قول حسن إن شاء الله تعالى. قال بحر: هو ملك بيده كتاب المقادير، أرسله الله عند قول العفريت. قال السهيلي: وذكر محمد بن الحسن المقرئ أنه ضبة بن أد، وهذا لا يصح البتة لان ضبة هو ابن أد بن طابخة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد، ومعد كان في مدة بخت نصر، وذلك بعد عهد سليمان بدهر طويل، فإذا لم يكن معد في عهد سليمان، فكيف ضبة بن أد وهو بعده بخمسة آباء؟! وهذا بين لمن تأمله. ابن لهيعة: هو الخضر عليه السلام. وقال ابن زيد: الذي عنده علم من الكتاب رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر، خرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله أم لا؟ فوجد سليمان، فدعا باسم من أسماء الله تعالى فجئ بالعرش. وقول سابع: إنه رجل من بنى إسرائيل اسمه يمليخا كان يعلم اسم الله الأعظم، ذكره القشيري. وقال ابن أبى بزة: الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب اسمه اسطوم وكان عابدا في بنى إسرائيل، ذكره الغزنوي. وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان عليه السلام، أما إن الناس يرون أنه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنما كان رجل من بنى إسرائيل عالم آتاه الله علما وفقها قال:" أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ" قال: هات. قال: أنت نبى الله ابن نبى الله فإن دعوت الله جاءك به، فدعا الله سليمان فجاءه الله بالعرش. وقول ثامن: إنه جبريل عليه السلام، قاله النخعي، وروى عن ابن عباس. وعلم الكتاب على هذا علمه بكتب الله المنزلة، أو بما في اللوح المحفوظ. وقيل: علم كتاب سليمان إلى بلقيس. قال ابن عطية: والذي

عليه الجمهور من الناس أنه رجل صالح من بنى إسرائيل اسمه آصف بن برخيا، روى أنه صلى ركعتين، ثم قال لسليمان: يا نبى الله امدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش، فما رد سليمان بصره إلا وهو عنده. قال مجاهد: هو إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا حسيرا. وقيل: أراد مقدار ما يفتح عينه ثم يطرف، وهو كما تقول: افعل كذا في لحظة عين، وهذا أشبه، لأنه إن كان الفعل من سليمان فهو معجزة، وإن كان من آصف أو من غيره من أولياء الله فهي كرامة، وكرامة الولي معجزة النبي. قال القشيري: وقد أنكر كرامات الأولياء من قال إن الذي عنده علم من الكتاب هو سليمان، قال للعفريت:" أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ". وعند هؤلاء ما فعل العفريت فليس من المعجزات ولا من الكرامات، فإن الجن يقدرون على مثل هذا. ولا يقطع جوهر في حال واحدة مكانين، بل يتصور ذلك بأن يعدم الله الجوهر في أقصى الشرق ثم يعيده في الحالة الثانية، وهى الحالة التي بعد العدم في أقصى الغرب أو يعدم الأماكن المتوسطة ثم يعيدها. قال القشيري: ورواه وهب عن مالك. وقد قيل: بل جئ به في الهواء، قاله مجاهد. وكان بين سليمان والعرش كما بين الكوفة والحيرة. وقال مالك: كانت باليمن وسليمان عليه السلام بالشام. وفي التفاسير انخرق بعرش بلقيس مكانه الذي هو فيه ثم نبع بين يدي سليمان، قال عبد الله بن شداد: وظهر العرش من نفق تحت الأرض، فالله أعلم أي ذلك كان. قوله تعالى: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ) أي ثابتا عنده. (قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) أي هذا النصر والتمكين من فضل ربى. (لِيَبْلُوَنِي) قال الأخفش: المعنى لينظر (أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ). وقال غيره: معنى" لِيَبْلُوَنِي" ليتعبدنى، وهو مجاز. والأصل في الابتلاء الاختبار أي ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) أي لا يرجع نفع ذلك إلا إلى نفسه، حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها والمزيد منها. والشكر قيد النعمة الموجودة، وبه تنال النعمة المفقودة. (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ) أي عن الشكر (كَرِيمٌ) في التفضل.

قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)

[سورة النمل (27): الآيات 41 الى 43]
قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (43)
قوله تعالى: (قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها) أي غيروه. قيل: جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه. وقيل: غير بزيادة أو نقصان. قال الفراء وغيره: إنما أمر بتنكيره لان الشياطين قالوا له: إن في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها. وقيل: خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له منها ولد فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا، فقالوا لسليمان: إنها ضعيفة العقل، ورجلها كرجل الحمار، فقال:" نَكِّرُوا لَها عَرْشَها" لنعرف عقلها. وكان لسليمان ناصح من الجن، فقال كيف لي أن أرى قدميها من غير أن أسألها كشفها؟ فقال: أنا أجعل في هذا القصر ماء، وأجعل فوق الماء زجاجا، تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدميها، فهذا هو الصرح الذي أخبر الله تعالى عنه. قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَتْ) يريد بلقيس، (قِيلَ) لها (أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ) شبهته به لأنها خلفته تحت الاغلاق، فلم تقر بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان كمال عقلها. قال عكرمة: كانت حكيمة فقالت:" كَأَنَّهُ هُوَ". وقال مقاتل: عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها، ولو قيل لها: أهذا عرشك لقالت نعم هو، وقاله الحسن بن الفضل أيضا. وقيل: أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له، وكذلك الشياطين لتعرف أنها نبوة وتؤمن به. وقد قيل هذا في مقابلة تعميتها الامر في باب الغلمان والجواري. (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها) قيل: هو من قول بلقيس، أي أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش (وَكُنَّا مُسْلِمِينَ) منقادين لأمره. وقيل: هو من قول سليمان أي أوتينا العلم

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)

بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المرة. وقيل:" وَأُوتِينَا الْعِلْمَ" بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها. وقيل: هو من كلام قوم سليمان. والله أعلم. قوله تعالى: (وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) الوقف على" مِنْ دُونِ اللَّهِ" حسن، والمعنى: منعها من أن تعبد الله ما كانت تعبد من الشمس والقمر ف" ما" في موضع رفع. النحاس: المعنى، أي صدها عبادتها من دون الله وعبادتها إياها عن أن تعلم ما علمناه [عن أن تسلم «1»]. ويجوز أن يكون" ما" في موضع نصب، ويكون التقدير: وصدها سليمان عما كانت تعبد من دون الله، أي حال بينها وبينه. ويجوز أن يكون المعنى: وصدها الله، أي منعها الله عن عبادتها غيره فحذفت" عن" وتعدى الفعل. نظيره:" وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ" أي من قومه. وأنشد سيبويه «2»:
ونبئت عبد الله بالجو أصبحت ... كراما مواليها لئيما صميمها
وزعم أن المعنى عنده نبئت عن عبد الله. (إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ) قرأ سعيد بن جبير" أنها" بفتح الهمزة، وهى في موضع نصب بمعنى لأنها. ويجوز أن يكون بدلا من" ما" فيكون في موضع رفع إن كانت" ما" فاعلة الصد. والكسر على الاستئناف.

[سورة النمل (27): آية 44]
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (44)
قوله تعالى:ِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ)
التقدير عند سيبويه: ادخلي إلى الصرح فحذف إلى وعدي الفعل. وأبو العباس يغلطه في هذا، قال: لان دخل يدل على مدخول. وكان الصرح صحنا من زجاج تحته ماء وفيه الحيتان، عمله ليريها ملكا أعظم من ملكها، قاله مجاهد.
__________
(1). الزيادة من إعراب القرآن للنحاس.
(2). البيت للفرزدق، وأراد بعبد الله القبيلة، وهى عبد الله بن دارم. [.....]

وقال قتادة: كان من قوارير خلفه ماء"سِبَتْهُ لُجَّةً
" أي ماء. وقيل: الصرح القصر، عن أبى عبيدة. كما قال «1»:
تحسب أعلامهن الصروحا

وقيل: الصرح الصحن، كما يقال: هذه صرحة الدار وقاعتها، بمعنى. وحكى أبو عبيدة في الغريب المصنف أن الصرح كل بناء عال مرتفع من الأرض، وأن الممرد الطويل. النحاس: أصل هذا أنه يقال لكل بناء عمل عملا واحدا صرح، من قولهم: لبن صريح إذا لم يشبه ماء، ومن قولهم: صرح بالأمر، ومنه: عربي صريح. وقيل: عمله ليختبر قول الجن فيها إن أمها من الجن، ورجلها رجل حمار، قاله وهب بن منبه. فلما رأت اللجة فزعت وظنت أنه قصد بها الغرق: وتعجبت من كون كرسيه على الماء، ورأت ما هالها، ولم يكن بد من امتثال الامرَ- كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها)
فإذا هي أحسن الناس ساقا، سليمة مما قالت الجن، غير أنها كانت كثيرة الشعر، فلما بلغت هذا الحد، قال لها سليمان بعد أن صرف بصره عنها:ِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ)
والممرد المحكوك المملس، ومنه الأمرد. وتمرد الرجل إذ أبطأ خروج لحيته بعد إدراكه. قاله الفراء. ومنه الشجرة المرداء التي لا ورق عليها. ورملة مرداء إذا كانت لا تنبت. والممرد أيضا المطول، ومنه قيل للحصن مارد. أبو صالح: طويل على هيئة النخلة. ابن شجرة: واسع في طوله وعرضه. قال:
غدوت صباحا باكرا فوجدتهم ... قبيل الضحا في السابري الممرد
أي الدروع الواسعة. وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها بالظلم، على ما يأتي. ولما رأى سليمان عليه السلام قدميها قال لناصحه من الشياطين: كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير مضرة بالجسد؟ فدله على عمل النورة، فكانت النورة والحمامات من يومئذ. فيروى أن سليمان تزوجها عند ذلك وأسكنها الشام، قاله الضحاك.
__________
(1). البيت لابي ذؤيب وهو بتمامه: على طرق كنحور الظبا تحسب أعلامهن الصروحا يقول: هذه الطرق كنحور الظباء في بيانها

وقال سعيد بن عبد العزيز في كتاب النقاش: تزوجها وردها إلى ملكها: باليمن، وكان يأتيها على الريح كل شهر مرة، فولدت له غلاما سماه داود مات في زمانه. وفي بعض الاخبار أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" كانت بلقيس من أحسن نساء العالمين ساقين وهى من أزواج سليمان عليه السلام في الجنة" فقالت عائشة: هي أحسن ساقين منى؟ فقال عليه السلام:" أنت أحسن ساقين منها في الجنة" ذكره القشيري. وذكر الثعلبي عن أبى موسى أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود فلما ألصق ظهره إلى الجدار فمسه حرها قال أواه من عذاب الله". ثم أحبها حبا شديدا وأقرها على ملكها باليمن، وأمر الجن فبنوا لها ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا: سلحون وبينون وعمدان، ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة، ويقيم عندها ثلاثة أيام. وحكى الشعبي أن ناسا من حمير حفروا مقبرة الملوك، فوجدوا فيها قبرا معقودا فيه امرأة حلل منسوجة بالذهب، وعند رأسها لوح رخام فيه مكتوب:
يا أيها الأقوام عوجوا معا ... وأربعوا في مقبري العيسا

لتعلموا أنى تلك التي ... قد كنت أدعى الدهر بلقيسا

شيدت قصر الملك في حمير ... قومي وقدما كان مأنوسا

وكنت في ملكي وتدبيره ... أرغم في الله المعاطيسا

بعلى سليمان النبي الذي ... قد كان للتوراة دريسا

وسخر الريح له مركبا ... تهب أحيانا رواميسا

مع ابن داود النبي الذي ... قدسه الرحمن تقديسا
وقال محمد بن إسحاق ووهب بن منبه: لم يتزوجها سليمان، وإنما قال لها: اختاري زوجا، فقالت: مثلي لا ينكح وقد كان لي من الملك ما كان. فقال: لا بد في الإسلام من ذلك. فاختارت ذا تبع ملك همدان، فزوجه إياها وردها إلى اليمن، وأمر زوبعة أمير جن اليمن أن يطيعه، فبنى له المصانع، ولم يزل أميرا حتى مات سليمان. وقال قوم: لم يرد فيه خبر صحيح

لا في أنه تزوجها ولا في أنه زوجها. وهى بلقيس بنت السرح بن الهداهد بن شراحيل بن أدد ابن حدر بن السرح بن الحرس بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح. وكان جدها الهداهد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ولدا كلهم ملوك، وكان ملك أرض اليمن كلها، وكان أبوها السرح يقول لملوك الاطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي، وأبى أن يتزوج منهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقمة وهى بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. وقال أبو هريرة قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" كان أحد أبوي بلقيس جنيا" فمات أبوها، واختلف عليها قومها فرقتين، وملكوا أمرهم رجلا فساءت سيرته، حتى فجر بنساء رعيته، فأدركت بلقيس الغيرة، فعرضت عليه نفسها فتزوجها، فسقته الخمر حتى حزت رأسه، ونصبته على باب دارها فملكوها. وقال أبو بكرة: ذكرت بلقيس عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:" لا يفلح قوم ولوا أمرهم «1» امرأة". ويقال: إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيرا لملك عات يغتصب نساء الرعية، وكان الوزير غيورا فلم يتزوج، فصحب مرة في الطريق رجلا لا يعرفه، فقال هل لك من زوجة؟ فقال: لا أتزوج أبدا، فإن ملك بلدنا يغتصب النساء من أزواجهن، فقال لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبدا. قال: بل يغتصبها. قال: إنا قوم من الجن لا يقدر علينا، فتزوج ابنته فولدت له بلقيس، ثم ماتت الام وابتنت بلقيس قصرا في الصحراء، فتحدث أبوها بحديثها غلطا، فنمى للملك خبرها فقال له: يا فلان تكون عندك هذه البنت الجميلة وأنت لا تأتيني بها، وأنت تعلم حبى للنساء ثم أمر بحبسه، فأرسلت بلقيس إليه إنى بين يديك، فتجهز للمسير إلى قصرها، فلما هم بالدخول بمن معه أخرجت إليه الجواري من بنات الجن مثل صورة الشمس، وقلن له ألا تستحي؟ تقول لك سيدتنا أتدخل بهؤلاء الرجال معك على أهلك! فأذن لهم بالانصراف ودخل وحده، وأغلقت عليه الباب وقتلته بالنعال، وقطعت رأسه ورمت به إلى عسكره، فأمروها عليهم، فلم تزل كذلك إلى أن
__________
(1). الحديث مروي في البخاري والنسائي والترمذي من طريق أبى بكرة في ابنة كسرى، وذلك انه لما بلغ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن فارسا ملكوا ابنة كسرى لما هلك قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ولن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة".

بلغ الهدهد خبرها سليمان عليه السلام. وذلك أن سليمان لما نزل في بعض منازله قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول، فارتفع نحو السماء فأبصر طول الدنيا وعرضها، فأبصر الدنيا يمينا وشمالا، فرأى بستانا لبلقيس فيه هدهد، وكان اسم ذلك الهدهد عفير، فقال عفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. قال: ومن سليمان؟ قال: ملك الجن والانس والشياطين والطير والوحش والريح وكل ما بين السماء والأرض. فمن أين أنت؟ قال: من هذه البلاد، مليكها امرأة يقال لها بلقيس، تحت يدها اثنا عشر ألف قيل، تحت يد كل قيل مائة ألف مقاتل من سوى النساء والذراري، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، ورجع إلى سليمان وقت العصر، وكان سليمان قد فقده وقت الصلاة فلم يجده، وكانوا على غير ماء. قال ابن عباس في رواية: وقعت عليه نفحة من الشمس. فقال لوزير الطير: هذا موضع من؟ قال: يا نبى الله هذا موضع الهدهد قال: وأين ذهب؟ قال: لا أدرى أصلح الله الملك. فغضب سليمان وقال:" لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً" الآية. ثم دعا بالعقاب سيد الطير وأصرمها وأشدها بأسا فقال: ما تريد يا نبى الله؟ فقال: على بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون، السماء حتى لزق بالهواء، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض نحوه وأنشب فيه مخلبه. فقال له الهدهد: أسألك بالله الذي أقدرك وقواك على إلا رحمتني. فقال له: الويل لك، وثكلتك أمك! إن نبى الله سليمان حلف أن يعذبك أو يذبحك. ثم أتى به فاستقبلته النسور وسائر عساكر الطير. وقالوا الويل لك، لقد توعدك نبى الله. فقال: وما قدري وما أنا! أما استثنى؟ قالوا: بلى إنه قال:" أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ"" ثم دخل على سليمان فرفع رأسه، وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان عليه السلام. فقال له سليمان: أين كنت عن خدمتك ومكانك؟ لأعذبنك عذابا شديدا أو لأذبحنك. فقال له الهدهد: يا نبى الله اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين يديك. فاقشعر جلد سليمان وارتعد وعفا عنه. وقال عكرمة: إنما صرف الله سليمان عن ذبح الهدهد أنه

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)

كان بارا بوالديه، ينقل الطعام إليهما فيزقهما. ثم قال له سليمان: ما الذي أبطأ بك؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عن بلقيس وعرشها وقومها حسبما تقدم بيانه. قال الماوردي: والقول بأن أم بلقيس جنية مستنكر من العقول لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، وتفارق الحسين «1»، لان الآدمي جسماني والجن روحاني، وخلق الله الآدمي من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، ويمنع الامتزاج مع هذا التباين، ويستحيل التناسل مع هذا الاختلاف. قلت: قد مضى القول في هذا، والعقل لا يحيله مع ما جاء من الخبر في ذلك، وإذا نظر في أصل الخلق فأصله الماء على ما تقدم بيانه، ولا بعد في ذلك، والله أعلم. وفى التنزيل" وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ" وقد تقدم. وقال تعالى:" لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ" على ما يأتي في" الرحمن". قوله تعالى:الَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي)
أي بالشرك الذي كانت عليه، قاله ابن شجرة. وقال سفيان: أي بالظن الذي توهمته في سليمان، لأنها لما أمرت بدخول الصرح حسبته لجة، وأن سليمان يريد تغريقها فيه. فلما بان لها أنه صرح ممرد من قوارير علمت أنها ظلمت نفسها بذلك الظن. وكسرت" إن" لأنها مبتدأة بعد القول. ومن العرب من يفتحها فيعمل فيها القول.َ- أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)
. إذا سكنت" مع" فهي حرف جاء لمعنى بلا اختلاف بين النحويين. وإذا فتحتها ففيها قولان: أحدهما- أنه بمعنى الظرف اسم. والآخر- أنه حرف خافض مبنى على الفتح، قاله النحاس:

[سورة النمل (27): الآيات 45 الى 47]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)
__________
(1). في نسخة" الجسمين"

قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) تقدم معناه. (فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ) قال مجاهد: أي مؤمن وكافر، قال: والخصومة ما قصه الله تعالى في قوله:" أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ" إلى قوله:" كافِرُونَ". وقيل: تخاصمهم أن كل فرقة قالت: نحن على الحق دونكم. قوله تعالى: (قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) قال مجاهد: بالعذاب قبل الرحمة، المعنى: لم تؤخرون الايمان الذي يجلب إليكم الثواب، وتقدمون الكفر الذي يوجب العقاب، فكان الكفار يقولون لفرط الإنكار: ايتنا بالعذاب. وقيل: أي لم تفعلون ما تستحقون به العقاب، لا أنهم التمسوا تعجيل العذاب. (لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ) أي هلا تتوبون إلى الله من الشرك. (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) لكي ترحموا، وقد تقدم. قوله تعالى: (قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ) أي تشاءمنا. والشؤم النحس. ولا شي أضر بالرأى ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة. ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيق غراب يرد قضاء، أو يدفع مقدورا فقد جهل. وقال الشاعر:
طيرة الدهر لا ترد قضاء ... فاعذر الدهر لا تشبه بلوم

أي يوم يخصه بسعود ... والمنايا ينزلن في كل يوم

ليس يوم إلا وفيه سعود ... ونحوس تجرى لقوم فقوم
وقد كانت العرب أكثر الناس طيرة، وكانت إذا أرادت سفرا نفرت طائرا، فإذا طار يمنة سارت وتيمنت، وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت، فنهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك وقال:" أقروا الطير على وكناتها «1»" على ما تقدم بيانه في" المائدة" «2». (قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ) أي مصائبكم. (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) أي تمتحنون. وقيل: تعذبون بذنوبكم.
__________
(1). الوكنات (بضم الكاف وفتحها وسكونها) جمع وكنة (بالسكون) وهى عش الطائر ووكره. ويروى:" على مكناتها".
(2). راجع ج 6 ص 60 طبعه أولى أو ثانية.

وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)

[سورة النمل (27): الآيات 48 الى 49]
وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (49)
قوله تعالى: (وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ) أي في مدينة صالح وهي الحجر (تِسْعَةُ رَهْطٍ) أي تسعة رجال من أبناء أشرافهم. قال الضحاك. كان هؤلاء التسعة عظماء أهل المدينة، وكانوا يفسدون في الأرض ويأمرون بالفساد، فحلسوا عند صخرة عظيمة فقلبها الله عليهم. وقال عطاء بن أبى رباح: بلغني أنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم، وذلك من الفساد في الأرض، وقاله سعيد بن المسيب. وقيل: فسادهم أنهم يتبعون عورات الناس ولا يسترون عليهم. وقيل: غير هذا. واللازم من الآية ما قاله الضحاك وغيره أنهم كانوا من أوجه القوم وأقناهم وأغناهم، وكانوا أهل كفر ومعاص جمة، وجملة أمرهم أنهم يفسدون ولا يصلحون. والرهط اسم للجماعة، فكأنهم كانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم رهط. والجمع أرهط وأراهط. قال:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا
وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب قدار عاقر الناقة، ذكره ابن عطية. قلت: واختلف في أسمائهم، فقال الغزنوي: وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع وأسلم ودسما وذهيم وذعما وذعيم وقتال وصداق. ابن إسحاق: رأسهم قدار بن سالف ومصدع ابن مهرع، فاتبعهم سبعة، هم بلع بن ميلع ودعير بن غنم وذؤاب بن مهرج وأربعة لم تعرف أسماؤهم. وذكر الزمخشري أسماءهم عن وهب بن منبه: الهذيل بن عبد رب، غنم بن غنم، رئاب بن مهرج، مصدع بن مهرج، عمير بن كردبة، عاصم بن مخرمة، سبيط بن صدقة، سمعان بن صفى، قدار بن سالف، وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح، وكانوا من أبناء أشرافهم. السهيلي: ذكر النقاش التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وسماهم بأسمائهم، وذلك لا ينضبط برواية، غير أنى أذكره على وجه الاجتهاد

وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)

والتخمين، ولكن نذكره على ما وجدناه في كتاب محمد بن حبيب، وهم: مصدع بن دهر. ويقال دهم، وقدار بن سالف، وهريم وصواب ورئاب وداب ودعما وهرما ودعين بن عمير. قلت: وقد ذكر الماوردي أسماءهم عن ابن عباس فقال: هم دعما ودعيم وهرما وهريم وداب وصواب ورئاب ومسطح وقدار، وكانوا بأرض الحجر وهى أرض الشام. قوله تعالى: (قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) يجوز أن يكون" تَقاسَمُوا" فعلا مستقبلا وهو أمر، أي قال بعضهم لبعض احلفوا. ويجوز أن يكون ماضيا في معنى الحال كأنه قال: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل قراءة عبد الله:" يفسدون في الأرض ولا يصلحون. تقاسموا بالله" وليس فيها" قالُوا""." لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ" قراءة العامة بالنون فيهما واختاره أبو حاتم. وقرا حمزة والكسائي: بالتاء فيهما، وضم التاء واللام على الخطاب أي أنهم تخاطبوا بذلك، واختاره أبو عبيد. وقرا مجاهد وحميد بالياء فيهما، وضم الياء واللام على الخبر. والبيات مباغتة العدو ليلا. ومعنى" لِوَلِيِّهِ" أي لرهط صالح الذي له ولاية الدم. (ما شَهِدْنا مَهْلِكَ «1» أَهْلِهِ) أي ما حضرنا، ولا ندري من قتله وقتل أهله. (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) في إنكارنا لقتله. والمهلك بمعنى الا هلاك، ويجوز أن يكون الموضع. وقرا [عاصم «2»] والسلمى (بفتح الميم واللام) أي الهلاك، يقال: ضرب يضرب مضربا أي ضربا. وقرا المفضل وأبو بكر: (بفتح الميم وجر اللام) فيكون اسم المكان كالمجلس لموضع الجلوس، ويجوز أن يكون مصدرا، كقوله تعالى:" إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ" أي رجوعكم.

[سورة النمل (27): الآيات 50 الى 53]
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (53)
__________
(1)." مهلك" بضم الميم وفتح اللام قراءة الجمهور.
(2). في الأصل:" وقرا حفص" ... إلخ" وحفص يقرأ بفتح الميم وكسر اللام.

(وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) مكرهم ما روى أن هؤلاء التسعة لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة، وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب، اتفقوا وتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلا ويقتلوه واهلة المختصين به، قالوا: فإذا كان كاذبا في وعيده أوقعنا به ما يستحق، وإن كان صادقا كنا عجلناه قبلنا، وشفينا نفوسنا، قاله مجاهد وغيره. قال ابن عباس: أرسل الله تعالى الملائكة تلك الليلة، فامتلأت بهم دار صالح، فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم، فقتلهم الملائكة رضخا بالحجارة فيرون الحجارة ولا يرون من يرميها. وقال قتادة: خرجوا مسرعين إلى صالح، فسلط عليهم ملك بيده صخرة فقتلهم. وقال السدى: نزلوا على جرف من الأرض، فانهار بهم فأهلكهم الله تحته. وقيل: اختفوا في غار قريب من دار صالح، فانحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعا، فهذا ما كان من مكرهم. ومكر الله مجازاتهم على ذلك. (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) أي بالصيحة التي أهلكتهم. وقد قيل: إن هلاك الكل كان بصيحة جبريل. والأظهر أن التسعة هلكوا بعذاب مفرد، ثم هلك الباقون بالصيحة والدمدمة. وكان الأعمش والحسن وابن أبى إسحاق وعاصم وحمزة والكسائي يقرءون:" أَنَّا" بالفتح، وقال ابن الأنباري: فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على" عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ" لان" أَنَّا دَمَّرْناهُمْ" خبر كان. ويجوز أن تجعلها في موضع رفع على الاتباع للعاقبة. ويجوز أن تجعلها في موضع نصب من قول الفراء، وخفض من قول الكسائي على معنى: بأنا دمرناهم ولأنا دمرناهم. ويجوز أن تجعلها في موضع نصب على الاتباع لموضع" كَيْفَ" فمن هذه المذاهب لا يحسن الوقف على" مَكْرِهِمْ". وقرا ابن كثير ونافع وأبو عمرو:" إنا دمرناهم" بكسر الالف على الاستئناف، فعلى هذا المذهب يحسن الوقف على" مَكْرِهِمْ". قال النحاس: ويجوز أن تنصب" عاقِبَةُ" على خبر" كانَ" ويكون" إنا" في موضع رفع على أنها اسم" كانَ". ويجوز أن تكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ تبيينا للعاقبة، والتقدير: هي إنا دمرناهم، قال أبو حاتم: وفي حرف أبى" أن دمرناهم" تصديقا لفتحها.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)

قوله تعالى: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا) قراءة العامة بالنصب على الحال عند الفراء والنحاس، أي خالية عن أهلها خرابا ليس بها ساكن. وقال الكسائي وأبو عبيدة:" خاوية" نصب على القطع، مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلما قطع منها الالف واللام نصب على الحال، كقوله:" وَلَهُ الدِّينُ واصِباً". وقرا عيسى بن عمر ونصر بن عاصم والجحدري: بالرفع على أنها خبر عن" تلك" و" بُيُوتُهُمْ" بدل من" تلك". ويجوز أن تكون" بُيُوتُهُمْ" عطف بيان و" خاوِيَةً" خبر عن" تلك". ويجوز أن يكون رفع" خاوِيَةً" على أنها خبر ابتداء محذوف، أي هي خاوية، أو بدل من" بُيُوتُهُمْ" لان النكرة تبدل من المعرفة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) بصالح (وَكانُوا يَتَّقُونَ) الله ويخافون عذابه. قيل: آمن بصالح قدر أربعة آلاف رجل. والباقون خرج بأبدانهم- في قول مقاتل وغيره- خراج مثل الحمص، وكان في اليوم الأول أحمر، ثم صار من الغد أصفر، ثم صار في الثالث أسود. وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم الأحد. قال مقاتل: فقعت تلك الخراجات، وصاح جبريل بهم خلال ذلك صيحة فخمدوا، وكان ذلك ضحوة. وخرج صالح بمن آمن معه إلى حضرموت، فلما دخلها مات صالح، فسميت حضرموت. قال الضحاك: ثم بنى الاربعة الآلاف مدينة يقال لها حاضورا، على ما تقدم بيانه في قصة أصحاب الرس.

[سورة النمل (27): الآيات 54 الى 61]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61)

قوله تعالى: (وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) أي وأرسلنا لوطا، أو اذكر لوطا." إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ" وهم أهل سدوم. وقال لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ) الفعلة القبيحة الشنيعة. (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) أنها فاحشة، وذلك أعظم لذنوبكم. وقيل: يأتي بعضكم بعضا وأنتم تنظرون إليه. وكانوا لا يستترون عتوا منهم وتمردا. (أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ) أعاد ذكرها لفرط قبحها وشنعتها. (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) إما أمر التحريم أو العقوبة. واختيار الخليل وسيبويه تخفيف الهمزة الثانية من" أإنكم" فأما الخط فالسبيل فيه أن يكتب بألفين على الوجوه كلها، لأنها همزة مبتدأة دخلت عليها ألف الاستفهام. قوله تعالى: (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ) أي عن أدبار الرجال. يقولون ذلك استهزاء منهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: عابوهم والله بغير عيب بأنهم يتطهرون من أعمال السوء. (فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ) وقرا عاصم:" قدرنا" مخففا والمعنى واحد. يقال قد قدرت الشيء قدرا وقدرا وقدرته. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) أي من أنذر فلم يقبل الإنذار. وقد مضى بيان هذا في" الأعراف" «1» و" هود" «2».
__________
(1). راجع ج 7 ص 247 طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 9 ص 81 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

قوله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ) قال الفراء قال أهل المعاني: قيل للوط" قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ" على هلاكهم. وخالف جماعة من العلماء الفراء في هذا وقالوا: هو مخاطبة لنبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي قل الحمد لله على هلاك كفار الأمم الخالية. قال النحاس: وهذا أولى، لان القرآن منزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكل ما فيه فهو مخاطب به عليه السلام إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره. وقيل: المعنى، أي" قُلِ" يا محمد" الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى " يعنى أمته عليه السلام. قال الكلبي: اصطفاهم الله بمعرفته وطاعته. وقال ابن عباس وسفيان: هم أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتلو هذه الآيات الناطقة بالبراهين على وحدانيته وقدرته على كل شي وحكمته، وأن يستفتح بتحميده والسلام على أنبيائه والمصطفين من عباده. وفية تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما، والاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين وإصغائهم إليه، وإنزاله من قلوبهم المنزلة التي يبغيها المستمع. ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابرا عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون فأجروا عليه أوائل كتبهم في الفتوح والتهاني، وغير ذلك من الحوادث التي لها شأن. قوله تعالى:" الَّذِينَ اصْطَفى " اختار، أي لرسالته وهم الأنبياء عليهم السلام، دليله قوله تعالى:" وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ". (آللَّهُ خَيْرٌ) وأجاز أبو حاتم" أألله خير" بهمزتين. النحاس: ولا نعلم أحدا تابعه على ذلك، لان هذه المدة إنما جئ بها فرقا بين الاستفهام والخبر، وهذه ألف التوقيف، و" خَيْرٌ" هاهنا ليس بمعنى أفضل منك، وإنما هو مثل قول الشاعر «1»: أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء فالمعنى فالذي فيه الشر منكما للذي فيه الخير الفداء. ولا يجوز أن يكون بمعنى من لأنك إذا قلت: فلان شر من فلان ففي كل واحد منهما شر. وقيل: المعنى، الخير في هذا
__________
(1). هو حسان بن ثابت رضى الله عنه.

أم في هذا الذي تشركونه في العبادة! وحكى سيبويه: السعادة أحب إليك أم الشقاء، وهو يعلم أن السعادة أحب إليه. وقيل: هو على بابه من التفضيل، والمعنى: آلله خير أم ما تشركون، أي أثوابه خير أم عقاب ما تشركون. وقيل: قال لهم ذلك، لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خير فخاطبهم الله عز وجل على اعتقادهم. وقيل: اللفظ لفظ الاستفهام ومعناه الخبر. وقرا أبو عمرو وعاصم ويعقوب:" يُشْرِكُونَ" بياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب، وهو اختيار أبى عبيد وأبى حاتم، فكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قرأ هذه [الآية] يقول:" بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم". قوله تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) قال أبو حاتم: تقديره، آلهتكم خير أم من خلق السماوات والأرض، وقد تقدم. ومعناه: قدر على خلقهن. وقيل: المعنى، أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السماوات والأرض؟. فهو مردود على ما قبله من المعنى، وفية معنى التوبيخ لهم، والتنبيه على قدرة الله عز وجل وعجز آلهتهم. (فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ) الحديقة البستان الذي عليه حائط. والبهجة المنظر الحسن. قال الفراء: الحديقة البستان المحظر عليه حائط، وإن لم يكن عليه حائط فهو البستان وليس بحديقة. وقال قتادة وعكرمة: الحدائق النخل ذات بهجة، والبهجة الزينة والحسن، يبهج به من رآه. (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها)" ما" للنفي. ومعناه الحظر والمنع من فعل هذا، أي ما كان للبشر، ولا يتهيأ لهم تحت قدرتهم، أن ينبتوا شجرها، إذ هم عجزة عن مثلها، لان ذلك إخراج الشيء من العدم إلى الوجود. قلت: وقد يستدل من هذا على منع تصوير شي سواء كان له روح أم لم يكن، وهو قول مجاهد. ويعضده قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة" رواه مسلم في صحيحه من حديث أبى هريرة، قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" قال الله عز وجل" فذكره، فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شي مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)

فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع هذا واضح. وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز هو والاكتساب به. وقد قال ابن عباس للذي سأل أن يصنع الصور: إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له خرجه مسلم أيضا. والمنع أولى والله أعلم لما ذكرنا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في" سبأ" إن شاء الله تعالى ثم قال على جهة التوبيخ:" أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ" أي هل معبود مع الله يعينه على ذلك. (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) بالله غيره. وقيل:" يَعْدِلُونَ" عن الحق والقصد، أي يكفرون. وقيل:" إِلهٌ" مرفوع ب" مَعَ" تقديره إمع الله ويلكم إله. والوقف على" مَعَ اللَّهِ" حسن. قوله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً) أي مستقرا. (وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً) أي وسطها مثل" وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً". (وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ) يعنى جبالا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة. (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً) مانعا من قدرته لئلا يختلط الأجاج بالعذب. وقال ابن عباس: سلطانا من قدرته فلا هذا يغير ذاك ولا ذاك يغير هذا. والحجز المنع. (أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ) أي إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غيره فلم يعبدون ما لا يضر ولا ينفع. (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) يعنى كأنهم يجهلون الله فلا يعلمون ما يجب له من الوحدانية.

[سورة النمل (27): الآيات 62 الى 64]
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (64)

فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ) قال ابن عباس: هو ذو الضرورة المجهود. وقال السدى: الذي لا حول له ولا قوة. وقال ذو النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله. وقال أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري هو المفلس. وقال سهل ابن عبد الله: هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدمها. وجاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أنا أسألك با لله أن تدعو لي فأنا مضطر، قال: إذا فاسأله فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. قال الشاعر:
وإني لأدعو الله والامر ضيق ... على فما ينفك أن يتفرجا

ورب أخ سدت عليه وجوهه ... أصاب لها لما دعا الله مخرجا
الثانية- وفي مسند أبى داو الطيالسي عن أبى بكرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دعاء المضطر:" اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت". الثالثة- ضمن الله تعالى إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه، والسبب في ذلك أن الضرورة إليه باللجاء ينشأ عن الإخلاص، وقطع القلب عما سواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمة، وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر، كما قال تعالى:" حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" وقوله:" فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ" فأجابهم عند ضرورتهم ووقوع إخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم. وقال تعالى:" فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ" فيجيب المضطر لموضع اضطراره وإخلاصه. وفي الحديث:" ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن دعوة المظلوم ودعوه المسافر ودعوه الوالد على ولده" ذكره صاحب الشهاب، وهو حديث صحيح. وفي صحيح مسلم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن" واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب"

وفي كتاب الشهاب:" اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام فيقول الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" وهو صحيح أيضا. وخرج الآجري من حديث أبى ذر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فإنى لا أردها ولو كانت من فم كافر" فيجيب المظلوم لموضع إخلاصه بضرورته بمقتضى كرمه، وإجابة لا خلاصه وإن كان كافرا، وكذلك إن كان فاجرا في دينه، ففجور الفاجر وكفر الكافر لا يعود منه نقص ولا وهن على مملكة سيده، فلا يمنعه ما قضى للمضطر من إجابته. وفسر إجابة دعوة المظلوم بالنصرة على ظالمه بما شاء سبحانه من قهر له، أو اقتصاص منه، أو تسليط ظالم آخر عليه يقهره كما قال عز وجل:" وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً
" وأكد سرعة إجابتها بقول:" تحمل على الغمام" ومعناه والله أعلم أن الله عز وجل يوكل ملائكته بتلقي دعوة المظلوم وبحملها على الغمام، فيعرجوا بها إلى السماء، والسماء قبلة الدعاء ليراها الملائكة كلهم، فيظهر منه معاونة المظلوم، وشفاعة منهم له في إجابة دعوته، رحمة له. وفي هذا تحذير من الظلم جملة، لما فيه من سخط الله ومعصيته ومخالفة أمره، حيث قال على لسان نبيه في صحيح مسلم وغيره:" يا عبادي إنى حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا" الحديث. فالمظلوم مضطر، ويقرب منه المسافر، لأنه منقطع عن الأهل والوطن منفرد عن الصديق والحميم، لا يسكن قلبه إلى مسعد ولا معين لغربته. فتصدق ضرورته إلى المولى، فيخلص إليه في اللجإ، وهو المجيب للمضطر إذا دعاه، وكذلك دعوة الوالد على ولده، لا تصدر منه مع ما يعلم من حنته عليه وشفقته، إلا عند تكامل عجزه عنه، وصدق ضرورته، وإياسه عن بر ولده، مع وجود أذيته، فيسرع الحق إلى إجابته. قوله تعالى (وَيَكْشِفُ السُّوءَ) أي الضر. وقال الكلبي: الجور. (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ) أي سكانها يهلك قوما وينشئ آخرين. وفي كتاب النقاش: أي ويجعل أولادكم خلفا منكم. وقال الكلبي: خلفا من الكفار ينزلون أرضهم، وطاعة الله بعد كفرهم. (أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ) على جهة التوبيخ، كأنه قال إمع الله ويلكم إله، ف" إِلهٌ" مرفوع ب" مَعَ".

قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)

ويجوز أن يكون مرفوعا بإضمار أإله مع الله يفعل ذلك فتعبدوه. والوقف على" مَعَ اللَّهِ" حسن. (قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ) قرأ أبو عمرو وهشام ويعقوب:" يذكرون" بالياء على الخبر، كقول:" بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ" و" تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" فأخبر فيما قبلها وبعدها، واختاره أبو حاتم. الباقون بالتاء خطابا لقوله:" وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ". قوله تعالى: (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ) أي يرشدكم الطريق (فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) إذا سافرتم إلى البلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار. وقيل: وجعل مفاوز التي لا أعلام لها، ولجج البحار كأنها ظلمات، لأنه ليس لها علم يهتدى به. (وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً «1» بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) أي قدام المطر باتفاق أهل
التأويل. (أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ) يفعل ذلك ويعينه عليه. (تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) من دونه. قوله تعالى: (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) كانوا يقرون أنه الخالق الرازق فألزمهم الإعادة، أي إذا قدر الابتداء فمن ضرورته القدرة على الإعادة، وهو أهون عليه. (أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ) يخلق ويرزق ويبدئ ويعيد: (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ) أي حجتكم أن لي شريكا، أو حجتكم في أنه صنع أحد شيئا من هذه الأشياء غير الله (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).

[سورة النمل (27): الآيات 65 الى 66]
قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (66)
قوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) وعن بعضهم: أخفى غيبه على الخلق، ولم يطلع عليه أحد لئلا يأمن أحد من عبيده مكره. وقيل: نزلت في المشركين حين سألوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قيام الساعة. و" مَنْ" في موضع رفع، والمعنى: قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله، فإنه بدل من" مَنْ" قاله الزجاج.
__________
(1)." نشرا" بالنون على قراءة نافع. وفيه سبع قراءات، راجع ج 7 ص 922 طبعه أولى أو ثانية.

الفراء: وإنما رفع ما بعد" إِلَّا" لان ما قبلها جحد، كقوله: ما ذهب أحد إلا أبوك، والمعنى واحد. قال الزجاج: ومن نصب نصب على الاستثناء، يعنى في الكلام. قال النحاس: وسمعته يحتج بهذه الآية على من صدق منجما، وقال: أخاف أن يكفر بهذه الآية. قلت: وقد مضى هذا في" الانعام" «1» مستوفى. وقالت عائشة: من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول:" قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ" خرجه مسلم. وروى أنه دخل على الحجاج منجم فاعتقله الحجاج، ثم أخذ حصيات فعدهن، ثم قال: كم في يدي من حصاة؟ فحسب المنجم ثم قال: كذا، فأصاب. ثم اعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن فقال: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ ثم حسب فأخطأ، ثم قال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها، قال: لا. قال: فإنى لا أصيب. قال: فما الفرق؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب، وهذا لم تحصه فهو غيب و" لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ" وقد مضى هذا في" ال عمران" «2» والحمد لله. قوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) هذه قراءة أكثر الناس منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي. وقرا أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد:" بل أدرك" من الإدراك. وقرا عطاء بن يسار وأخوه سليمان بن يسار والأعمش «3»" بل أدرك" غير مهموز مشددا. وقرا ابن محيصن:" بل أأدرك" على الاستفهام. وقرا ابن عباس:" بلى" بإثبات الياء" ادارك" بهمزة قطع والدال مشددة وألف بعدها، قال النحاس: وإسناده إسناد صحيح، هو من حديث شعبة يرفعه إلى ابن عباس. وزعم هرون القارئ أن قراءة أبى" بل تدارك علمهم" القراءة الاولى والأخيرة معناهما واحد، لان أصل" ادَّارَكَ" تدارك، أدغمت الدال في التاء وجئ بألف الوصل، وفي معناه قولان: أحدهما أن المعنى بل تكامل علمهم في الآخرة، لأنهم رأوا كل ما وعدوا به معاينة فتكامل علمهم
__________
(1). راجع ج 7 ص 1 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 4 ص 17 طبعه أولى أو ثانية.
(3). لم تذكر كتب التفسير الأخرى الأعمش في هذه القراءة. ولعل هذه رواية أخرى عنه غير الرواية المتقدمة. [.....]

به. والقول الآخر أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة، فقالوا تكون وقالوا لا تكون. القراءة الثانية فيها قولان: أحدهما أن معناه كمل في الآخرة، وهو مثل الأول، قال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم، لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين. والقول الآخر أنه على معنى الإنكار، وهو مذهب أبى إسحاق، واستدل على صحة هذا القول بأن بعده" بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ" أي لم يدرك علمهم علم الآخرة. وقيل: بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم. والقراءة الثالثة:" بل أدرك" فهي بمعنى" بَلِ ادَّارَكَ" وقد يجئ افتعل وتفاعل بمعنى، ولذلك صحح ازدوجوا حين كان بمعنى تزاوجوا. القراءة الرابعة: ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار، كما تقول: أأنا قاتلتك؟! فيكون المعنى لم يدرك، وعليه ترجع قراءة ابن عباس، قال ابن عباس:" بلى ادارك علمهم في الآخرة" أي لم يدرك. قال الفراء: وهو قول حسن كأنه وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث، كقولك لرجل تكذبه: بلى لعمري قد أدركت السلف فأنت تروى ما لا أروى وأنت تكذبه. وقراءة سابعة:" بل أدرك" بفتح اللام، عدل إلى الفتحة لخفتها. وقد حكى نحو ذلك عن قطرب في" قُمِ اللَّيْلَ" فإنه عدل إلى الفتح. وكذلك و(بع الثوب) ونحوه. وذكر الزمخشري في الكتاب: وقرى" بل أأدرك" بهمزتين" بل آأدرك" بألف بينهما" بلى أأدرك"" أم تدارك"" أم أدرك" فهذه ثنتا عشرة قراءة، ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال: فإن قلت فما وجه قراءة" بل أأدرك" على الاستفهام؟ قلت: هو استفهام على وجه الإنكار لادراك علمهم، وكذلك من قرأ" أم أدرك" و" أم تدارك" لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة، وأما من قرأ" بلى أأدرك" على الاستفهام فمعناه بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها، لان العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن." فِي الْآخِرَةِ" في شأن الآخرة ومعناها. (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها) أي في الدنيا. (بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) أي بقلوبهم واحدهم عموم. وقيل: عم، وأصله عميون حذفت الياء لالتقاء الساكنين ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)

[سورة النمل (27): الآيات 67 الى 68]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)
قوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) يعنى مشركي مكة. (إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا «1» لَمُخْرَجُونَ) هكذا يقرأ نافع هنا وفي سورة" العنكبوت". وقرا أبو عمرو باستفهامين إلا أنه خفف الهمزة. وقرا عاصم وحمزة أيضا باستفهامين إلا أنهما حققا الهمزتين، وكل ما ذكرناه في السورتين جميعا واحد. وقرا الكسائي وابن عامر ورويس ويعقوب" أَإِذا" بهمزتين" إننا" بنونين على الخبر في هذه السورة، وفي سورة" العنكبوت" باستفهامين، قال أبو جعفر النحاس: القراءة" إذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون" موافقة للخط حسنة، وقد عارض فيها أبو حاتم فقال وهذا معنى كلامه:" إِذا" ليس باستفهام و" أئنا" استفهام وفية" إن" فكيف يجوز أن يعمل ما في حيز الاستفهام فيما قبله؟! وكيف يجوز أن يعمل ما بعد" إن" فيما قبلها؟! وكيف يجوز غدا إن زيدا خارج؟! فإذا كان فيه استفهام كان أبعد، وهذا إذا سئل عنه كان مشكلا لما ذكره. وقال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: سألنا أبا العباس عن آية من القرآن صعبة مشكلة، وهى قول الله تعالى:" وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ" فقال: إن عمل في" إِذا"" يُنَبِّئُكُمْ" كان محالا، لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، وإن عمل فيه ما بعد" إن" كان المعنى صحيحا وكان خطأ في العربية أن يعمل ما قبل" إن" فيما بعدها، وهذا سؤال بين رأيت أيذكر في السورة التي هو فيها، فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع ورد على من جمع بين استفهامين، واستدل بقوله تعالى:" أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ" وبقوله تعالى:" أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ" وهذا الرد على أبى عمرو وعاصم وحمزة
__________
(1). قال ابن عطية: (ممدود الالف) ومثله في" البحر" و" روح المعاني".

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71)

وطلحة والأعرج لا يلزم منه شي، ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئا، والفرق بينهما أن الشرط وجوابه بمنزلة شي واحد، ومعنى:" أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ" أفإن مت خلدوا. ونظير هذا: أزيد منطلق، ولا يقال: أزيد أمنطلق، لأنها بمنزلة شي واحد وليس كذلك الآية، لان الثاني جملة قائمة بنفسها فيصلح فيها الاستفهام، والأول كلام يصلح فيه الاستفهام، فأما من حذف الاستفهام من الثاني واثبته في الأول فقرأ:" أئذا كنا ترابا وآباؤنا إننا" فحذفه من الثاني، لان في الكلام دليلا عليه بمعنى الإنكار. قوله تعالى: (لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) تقدم في سورة" المؤمنين" «1». وكانت الأنبياء يقربون أمر البعث مبالغة في التحذير، وكل ما هو آت فقريب.

[سورة النمل (27): الآيات 69 الى 71]
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (71)
قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ) أي" قُلْ" لهؤلاء الكفار" سِيرُوا" في بلاد الشام والحجاز واليمن. (فَانْظُرُوا) أي بقلوبكم وبصائركم (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) المكذبين لرسلهم. (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي على كفار مكة إن لم يؤمنوا (وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ) في حرج (مِمَّا يَمْكُرُونَ) نزلت في المستهزئين الذين اقتسموا عقاب مكة وقد تقدم ذكرهم «2». وقرى" في ضيق" بالكسر وقد مضى في آخر" النحل" «3». (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) أي يجيئنا العذاب بتكذيبنا (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).
__________
(1). راجع ج 12 ص 145 طبعه أولى أو ثانيه.
(2). راجع ج 10 58 طبعه أولى أو ثانية.
(3). راجع ج 10 ص 203 طبعه أولى أو ثانية.

قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)

[سورة النمل (27): الآيات 72 الى 75]
قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (74) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (75)
قوله تعالى: (قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ) أي اقترب لكم ودنا منكم" بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ" أي من العذاب، قاله ابن عباس. وهو من ردفه إذا تبعه وجاء في أثره، وتكون اللام أدخلت لان المعنى اقترب لكم ودنا لكم. أو تكون متعلقة بالمصدر. وقيل: معناه معكم. وقال ابن شجرة: تبعكم، ومنه ردف المرأة، لأنه تبع لها من خلفها، ومنه قول أبى ذؤيب:
عاد السواد بياضا في مفارقه ... لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا
قال الجوهري: وأردفه أمر لغة في ردفه، مثل تبعه وأتبعه بمعنى، قال خزيمة بن مالك بن نهد:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا
يعنى فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظين. وقال الفراء:" رَدِفَ لَكُمْ" دنا لكم ولهذا قال" لَكُمْ". وقيل: ردفه وردف له بمعنى فتزاد اللام للتوكيد، عن الفراء أيضا. كما تقول نقدته ونقدت له، وكلته ووزنته، وكلت له ووزنت له، ونحو ذلك." بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ" من العذاب فكان ذلك يوم بدر. وقيل: عذاب القبر. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) في تأخير العقوبة وإدرار الرزق (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ) فضله ونعمه. قوله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ) أي تخفى صدورهم (وَما يُعْلِنُونَ) يظهرون في الأمور. وقرا ابن محيصن وحميد:" ما تكن" من كننت الشيء إذا سترته هنا. وفي" القصص" تقديره: ما تكن صدورهم عليه، وكان الضمير الذي في الصدور كالجسم الساتر. ومن قرأ:" تكن" فهو المعروف، يقال: أكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك.

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)

قوله تعالى: (وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) قال الحسن: الغائبة هنا القيامة. وقيل: ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض، حكاه النقاش. وقال ابن شجرة: الغائبة هنا جميع ما أخفى الله تعالى عن خلقه وغيبه عنهم، وهذا عام. وإنما دخلت الهاء في" غائبة" إشارة إلى الجمع، أي. ما من خصلة غائبة عن الخلق إلا والله عالم بها قد أثبتها في أم الكتاب عنده، فكيف يخفى عليه ما يسر هؤلاء وما يعلنونه. وقيل: أي كل شي هو مثبت في أم الكتاب يخرجه للأجل المؤجل له، فالذي يستعجلونه من العذاب له أجل مضروب لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه. والكتاب اللوح المحفوظ أثبت الله فيه ما أراد ليعلم بذلك من يشاء من ملائكته.

[سورة النمل (27): الآيات 76 الى 81]
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80)
وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)
قوله تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) وذلك أنهم اختلفوا في كثير من الأشياء حتى لعن بعضهم بعضا فنزلت. والمعنى: إن هذا القرآن يبين لهم ما اختلفوا فيه لو أخذوا به، وذلك ما حرفوه من التوراة والإنجيل، وما سقط من كتبهم من الأحكام. (وَإِنَّهُ) يعنى القرآن (لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) خص المؤمنين لأنهم المنتفعون به. (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ) أي يقضى بين بنى إسرائيل فيما اختلفوا فيه في الآخرة، فيجازى المحق والمبطل. وقيل: يقضى بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه. (وَهُوَ الْعَزِيزُ) المنيع الغالب الذي لا يرد أمره (الْعَلِيمُ) الذي لا يخفى عليه شي.

قوله تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) أي فوض إليه أمرك واعتمد عليه، فإنه ناصرك. (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) أي الظاهر. وقيل: المظهر لمن تدبر وجه الصواب. (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ) يعنى الكفار لتركهم التدبر، فهم كالموتى لا حس لهم ولا عقل. وقيل: هذا فيمن علم أنه لا يؤمن. (وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ) يعنى الكفار الذين هم بمنزلة الصم عن قبول المواعظ، فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولوا كأنهم لا يسمعون، نظيره" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" كما تقدم. وقرا ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبى إسحاق وعباس عن أبى عمرو" ولا يسمع" بفتح الياء والميم" الصم" رفعا على الفاعل. الباقون" تسمع" مضارع أسمعت" الصم" نصبا. مسألة: وقد احتجت عائشة رضى الله عنها في إنكارها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسمع موتى بدر بهذه الآية، فنظرت في الامر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية. وقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" ما أنتم بأسمع منهم" قال ابن عطية: فيشبه أن قصة بدر خرق عادة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أن رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله ولولا إخبار رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين. قلت: روى البخاري رضى الله عنه، حدثني عبد الله بن محمد سمع روح بن عبادة قال حدثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبى طلحة أن نبى الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه، قالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفير الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قال فقال عمر: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما. خرجه مسلم

وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)

أيضا. قال البخاري: حدثنا عثمان قال حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال: وقف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قليب بدر فقال:" هل وجدتم ما وعد ربكم حقا" ثم قال:" إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق" ثم قرأت «1»" إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى " حتى قرأت الآية. وقد عورضت هذه الآية بقصة بدر وبالسلام على القبور، وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات، وبأن الميت يسمع قرع النعال إذا انصرفوا عنه، إلى غير ذلك، فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه. وهذا واضح وقد بيناه في كتاب" التذكرة". قوله تعالى: (وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ) أي كفرهم، أي ليس في وسعك خلق الايمان في قلوبهم. وقرا حمزة:" وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم" كقوله:" أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ". الباقون:" بِهادِي الْعُمْيِ" وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وفي" الروم" مثله. وكلهم وقف على" بِهادِي" بالياء في هذه السورة وبغير ياء في" الروم" أتباعا للمصحف، إلا يعقوب فإنه وقف فيهما جميعا بالياء. وأجاز الفراء وأبو حاتم:" وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ" وهي الأصل. وفي حرف عبد الله" وما أن تهدي العمي
". (إِنْ تُسْمِعُ) أي ما تسمع. (إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا) قال آبن عباس: أي إلا من خلقته للسعادة فهم مخلصون في التوحيد.

[سورة النمل (27): الآيات 82 الى 86]
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (82) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)
__________
(1). أي عائشة رضي الله عنها.

قوله تعالى: (وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) اختلف في معنى وقع القول وفي الدابة، فقيل: معنى" وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ" وجب الغضب عليهم، قاله قتادة. وقال مجاهد: أي حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقال ابن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما: إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم. وقال عبد الله بن مسعود: وقع القول يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن. قال عبد الله: أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع، قالوا هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يسرى عليه ليلا فيصبحون منه قفرا، وينسون لا إله إلا الله، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع القول عليهم. قلت: أسنده أبو بكر البزار قال حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي قال حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ابن لعبد الله بن مسعود رضى الله عنه عن أبيه أنه قال: أكثروا من زيارة هذا البيت من قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه، وأكثروا تلاوة القرآن من قبل أن يرفع، قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: فيصبحون فيقولون كنا نتكلم بكلام ونقول قولا فيرجعون إلى شعر الجاهلية وأحاديث الجاهلية، وذلك حين يقع القول عليهم. وقيل: القول هو قوله تعالى:" وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ" فوقوع القول وجوب العقاب على هؤلاء، فإذا صاروا إلى حد لا تقبل توبتهم ولا يولد لهم ولد مؤمن فحينئذ تقوم القيامة، ذكره القشيري. وقول سادس: قالت حفصة بنت سيرين سألت أبا العالية عن قول الله تعالى:" وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ" فقال: أوحى الله إلى نوح" أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ" وكأنما كان على وجهي غطاء فكشف. قال النحاس: وهذا من حسن الجواب، لان الناس ممتحنون ومؤخرون لان فيهم مؤمنين وصالحين، ومن قد علم الله عز وجل أنه سيؤمن ويتوب، فلهذا أمهلوا وأمرنا بأخذ الجزية، فإذا زال هذا وجب القول عليهم، فصاروا كقوم نوح حين قال الله تعالى:" أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ".

قلت: وجميع الأقوال عند التأمل ترجع إلى معنى واحد. والدليل عليه آخر الآية" أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ" وقرى" أن" بفتح الهمزة وسيأتي. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها [لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خير «1»] طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض" وقد مضى. واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها ومن أين تخرج اختلافا كثيرا، قد ذكرناه في كتاب" التذكرة" ونذكره هنا إن شاء الله تعالى مستوفي. فأول الأقوال أنه فصيل ناقة صالح وهو أصحها- والله أعلم- لما ذكره أبو داود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدابة فقال:" لها ثلاث خرجات من الدهر فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية- يعني مكة- ثم تكمن زمانا طويلا ثم تحرج خرجة أخرى دون ذلك فيفشو ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية" يعني مكة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب فأرفض الناس منها شتى ومعا وثبتت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري وولت في الأرض لا يدركها طالب ولا ينجو منها هارب حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول يا فلان الآن تصلي فتقبل عليه فتسمه في وجهه ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال ويصطلحون في الأمصار يعرف المؤمن من الكافر حتى إن المؤمن يقول يا كافر اقض حقي". وموضع الدليل من هذا الحديث أنه الفصيل قول:" وهي ترغو" والرغاء إنما هو للإبل، وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب فانفتح له حجر فدخل في جوفه ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله عز وجل. وروي أنها دابة مزغبة شعراء، ذات قوائم طولها ستون ذراعا، ويقال
إنها الجساسة، وهو قول عبد الله بن عمر وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين، وهي في السحاب وقوائمها في الأرض. وروي أنها جمعت من خلق
__________
(1). الزيادة من صحيح مسلم.

كل حيوان. وذكر الماوردي والثعلبي رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعا- الزمخشري: بذراع آدم عليه السلام- ويخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان، فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتة بيضاء فيبيض وجهه، وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان عليه السلام فيسود وجهه، قاله ابن الزبير رضي الله عنهما. وفي كتاب النقاش عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن الدابة الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة. وحكى الماوردي عن محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل عن الدابة فقال: أما والله ما لها ذنب وإن لها للحية. قال الماوردي: وفي هذا القول منه إشارة إلى أنها من الانس وإن لم يصرح به. قلت: ولهذا- والله أعلم- قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر ويجادلهم لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بينة: ويحيا من حي عن بينة. قال شيخنا الامام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي في كتاب المفهم له: وإنما كان عند هذا القائل الأقرب لقوله تعالى:" تُكَلِّمُهُمْ" وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا يكون من العشر الآيات المذكورة في الحديث، لان وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا آية خاصة بها فلا ينبغي أن تذكر مع العشر، وترتقع خصوصية وجودها إذا وقع القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان أو بالعالم أو بالإمام إلى أن يسمى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور. قلت: قد رفع الاشكال في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة فليعتمد عليه. واختلف من أي موضع تخرج، فقال عبد الله بن عمر: تخرج من جبل الصفا بمكة، يتصدع فتخرج منه. قال عبد الله ابن عمرو نحوه وقال: لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها

لفعلت وروي في خبر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الأرض تنشق عن الدابة وعيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه المسلمون من ناحية المسعى وإنها تخرج من الصفا فتسم بين عيني المؤمن هو مؤمن سمة كأنها كوكب دري وتسم بين عيني الكافر نكتة سوداء كافر" وذكر في الخبر أنها ذات وبر وريش، ذكره المهدوي. وعن ابن عباس أنها تخرج من شعب فتمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض لم تخرجا، وتخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام. وعن حذيفة: تخرج ثلاث خرجات، خرجة في بعض البوادي ثم تكمن، وخرجة في القرى يتقاتل فيها الأمراء حتى تكثر الدماء، وخرجة من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها وأفضلها الزمخشري: تخرج من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون، وقوم يقفون نظارة. وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة. وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح عليه السلام. وقيل: من أرض الطائف، قال أبو قبيل: ضرب عبد الله بن عمرو أرض الطائف برجله وقال: من هنا تخرج الدابة التي تكلم الناس. وقيل: من بعض أودية تهامة، قال ابن عباس. وقيل: من صخرة من شعب أجياد، قال عبد الله بن عمرو. وقيل: من بحر سدوم، قاله وهب بن منبه. ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه. وذكر البغوي أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدثنا علي بن الجعد عن فضيل بن مرزوق الرقاشي الأغر- وسيل عنه يحيي بن معين فقال ثقة- عن عطية العوفي عن ابن عمر قال تخرج الدابة من صدع في الكعبة كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج ثلثها. قلت: فهذه أقوال الصحابة والتابعي في خروج الدابة وصفتها، وهي ترد قول من قال من المفسرين: إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر وقد روى أبو أمامة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم" ذكره الماوردي." تُكَلِّمُهُمْ" بضم
التاء وشد اللام المكسورة- من الكلام- قراءة العامة، يدل عليه قراءة أبي" تنبئهم". وقال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى

دين الإسلام. وقيل: تكلمهم بما يسوءهم. وقيل: تكلمهم بلسان ذلق فتقول بصوت يسمعه عن قرب وبعد" أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ" أي بخروجي، لان خروجها من الآيات. وتقول: ألا لعنة الله على الظالمين. وقرا أبو زرعة وابن عباس والحسن وأبو رجاء:" تكلمهم" بفتح التاء من الكلم وهو الجرح قال عكرمة: أي تسمهم. وقال أبو الجوزاء: سألت أبن عباس عن هذه الآية" تُكَلِّمُهُمْ" أو" تكلمهم"؟ فقال: هي والله تكلمهم وتكلمهم، تكلم المؤمن وتكلم الكافر والفاجر أي تجرحه. وقال أبو حاتم:" تكلمهم" كما تقول تجرحهم، يذهب إلى أنه تكثير من" تكلمهم". (أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ) وقرا الكوفيون وابن أبي إسحاق ويحيي:" أن" بالفتح. وقرا أهل الحرمين واهل الشام واهل البصرة:" إن" بكسر الهمزة. قال النحاس: في المفتوحة قولان وكذا المكسورة، قال الأخفش: المعنى بأن وكذا قرأ ابن مسعود" بأن" وقال أبو عبيدة: موضعها نصب بوقوع الفعل عليها، أي تخبرهم أن الناس. وقرا الكسائي والفراء:" إن الناس" بالكسر على الاستئناف وقال الأخفش: هي بمعنى تقول إن الناس، يعني الكفار." بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ" يعني بالقرآن وبمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك حين لا يقبل الله من كافر إيمانا ولم يبق إلا مؤمنون وكافرون في علم الله قبل خروجها، والله أعلم. قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً) أي زمرة وجماعة. (مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا) يعني بالقرآن وبأعلامنا الدالة على الحق. (فَهُمْ يُوزَعُونَ) أي يدفعون ويساقون إلى موضع الحساب. قال الشماخ:
وكم وزعنا من خميس جحفل ... وكم حبونا من رئيس مسحل
وقال قتادة:" يُوزَعُونَ" أي يرد أولهم على آخرهم. (حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ) أي قال الله (أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي) التي أنزلتها على رسلي، وبالآيات التي أقمتها دلالة على توحيدي. (وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً) أي ببطلانها حتى تعرضوا عنها، بل كذبتهم جاهلين غير مستدلين. (أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تقريع وتوبيخ أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا

وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)

ما فيها. (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا) أي وجب العذاب عليهم بظلمهم أي بشركهم. (فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ) أي ليس لهم عذر ولا حجة. وقيل: يختم على أفواههم فلا ينطقون، قاله أكثر المفسرين. قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ) أي يستقرون فينامون. (وَالنَّهارَ مُبْصِراً) أي يبصر فيه لسعي الرزق. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) بالله. ذكر الدلالة على إلهيته وقدرته أي ألم يعلموا كمال قدرتنا فيؤمنوا.

[سورة النمل (27): الآيات 87 الى 90]
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)
قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) أي واذكر يوم أو ذكرهم يوم ينفخ في الصور. ومذهب الفراء أن المعنى: وذلكم يوم ينفخ في الصور، وأجاز فيه الحذف والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل قال مجاهد: كهيئة البوق وقيل: هو البوق بلغة أهل اليمن وقد مضى في" الانعام" «1» بيانه وما للعلماء في ذلك. (فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) قال أبو هريرة: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الله لما فرغ من خلق السماوات خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخة" قلت: يا رسول الله ما الصور؟ قال:
__________
(1). راجع ج 7 ص 20 طبعه أولى أو ثانية.

" قرن والله عظيم والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض فينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الاولى نفخة الفزع والثانية نفحة الصعق والثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين" وذكر الحديث. ذكره علي بن معبد والطبري والثعلبي وغيرهم، وصححه ابن العربي. وقد ذكرته في كتاب" التذكرة" وتكلمنا عليه هنالك، وأن الصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعة إلى نفخة الصعق لان الأمرين لا زمان لهما، أي فزعوا فزعا ماتوا منه، أو إلى نفخة البعث وهو اختيار القشيري وغيره، فإنه قال في كلامه على هذه الآية: والمراد النفخة الثانية أي يحيون فزعين يقولون:" مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا"، ويعاينون من الأمور ما يهولهم ويفزعهم، وهذا النفخ كصوت البوق لتجتمع الخلق في أرض الجزاء. قاله قتادة وقال الماوردي:" وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ" هو يوم النشور من القبور، قال وفي هذا الفزع قولان: أحدهما: أنه الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم: فزعت إليك في كذا إذا أسرعت إلى ندائك في معونتك والقول الثاني: إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحزن، لأنهم أزعجوا من قبورهم وخافوا. وهذا أشبه القولين. قلت: والسنة الثابتة من حديث أبى هريرة وحديث عبد الله بن عمرو يدل على أنهما نفختان لا ثلاث، خرجهما مسلم وقد ذكرناهما في كتاب" التذكرة" وهو الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان، قال الله تعالى:" وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ" فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع فدل على أنهما واحدة. وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بين النفختين أربعون سنة الاولى يميت الله بها كل حي والأخرى يحيي الله بها كل ميت" فإن قيل: فإن قوله تعالى:" يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ" إلى أن قال:" فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ" وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث قيل له: ليس كذلك، وإنما المراد بالزجرة النفخة الثانية التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم، كذلك قال ابن عباس ومجاهد

وعطاء وابن زيد وغيرهم. قال مجاهد: هما صيحتان أما الاولى فتميت كل شي بإذن الله، وأما الأخرى فتحيي كل شي بإذن الله. وقال عطاء:" الرَّاجِفَةُ" القيامة و" الرَّادِفَةُ" البعث. وقال ابن زيد:" الرَّاجِفَةُ" الموت و" الرَّادِفَةُ" الساعة. والله أعلم." إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ" ثم اختلف في هذا المستثنى من هم. ففي حديث أبي هريرة أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون إنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهو قول سعيد بن جبير أنهم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش وقال القشيري: الأنبياء داخلون في جملتهم، لان لهم الشهادة مع النبوة وقيل: الملائكة. قال الحسن: استثني طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين. قال مقاتل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. وقيل: الحور العين. وقيل: هم المؤمنون، لان الله تعالى قال عقب هذا:" مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ". وقال بعض علمائنا: والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح والكل محتمل. قلت: خفي عليه حديث أبي هريرة وقد صححه القاضي أبو بكر العربي فليعول عليه، لأنه نص في التعيين وغيره اجتهاد. والله أعلم. وقيل غير هذا ما يأتي في" الزمر «1»". وقوله" فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ" ماض و" يُنْفَخُ" مستقبل فيقال: كيف عطف ماض على مستقبل؟ فزعم الفراء أن هذا محمول على المعنى، لان المعنى: إذا نفخ في الصور ففزع." إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ" نصب على الاستثناء. (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) قرأ أبو عمر وعاصم والكسائي ونافع وابن عامر وابن كثير:" آتوه" جعلوه فعلا مستقبلا. وقرا الأعمش ويحيي وحمزة وحفص عن عاصم:" وَكُلٌّ أَتَوْهُ" مقصورا على الفعل الماضي، وكذلك قرأه أبن مسعود وعن قتادة" وكل أتاه داخرين" قال النحاس: وفي كتابي عن أبي إسحاق في القراءات من [قرأ] «2»" وكل أتوه" وحده على لفظ" كُلٌّ" ومن قرأ" آتوه" جمع على معناها، وهذا القول غلط قبيح، لأنه إذا قال:" وَكُلٌّ أَتَوْهُ" فلم يوحد وإنما جمع،
__________
(1). راجع ج 15 ص 277 فما بعد.
(2). الزيادة من" إعراب القرآن" للنحاس.

ولو وحد لقال:" أتاه" ولكن من قال:" أَتَوْهُ" جمع على المعنى وجاء به ماضيا لأنه رده إلى" فَزَعٍ" ومن قرأ" وكل آتوه" حمله على المعنى أيضا وقال:" آتوه" لأنها جملة منقطعة من الأول قال ابن نصر: حكى عن أبى إسحاق رحمه الله ما لم يقله، ونص أبى إسحاق:" وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ" ويقرأ" آتوه" فمن وحد فللفظ" كُلٌّ" ومن جمع فلمعناها. يريد ما أتى في القرآن أو غيره من توحيد خبر" كُلِّ" فعلى اللفظ أو جمع فعلى المعنى، فلم يأخذ أبو جعفر هذا المعنى قال المهدوي: ومن قرأ" وكل أتوه داخرين" فهو فعل من الإتيان وحمل على معنى" كُلِّ" دون لفظها، ومن قرأ" وكل آتوه داخرين" فهو اسم الفاعل من أتى. يدلك على ذلك قول تعالى:" وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً" ومن قرأ" وكل أتاه" حمله على لفظ" كُلِّ" دون معناها وحمل" داخِرِينَ" على المعنى، ومعناه صاغرين، عن ابن عباس وقتادة. وقد مضى في" النحل" «1». قوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) قال ابن عباس: أي قائمة وهي تسير سيرا حثيثا. قال القتبي: وذلك أن الجال تجمع وتسير، فهي في رؤية العين كالقائمة وهى تسير، وكذلك كل شي عظيم وجمع كثير يقصر عنه النظر، لكثرته وبعد ما بين أطرافه، وهو في حسبان الناظر كالواقف وهو يسير. قال النابغة في وصف جيش:
بارعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج
قال القشيري: وهذا يوم القيامة، أي هي لكثرتها كأنها جامدة أي واقفة في مرأى العين وإن كانت في أنفسها تسير سير السحاب، والسحاب المتراكم يظن أنها واقفة وهى تسير، أي تمر مر السحاب حتى لا يبقى منها شي، فقال الله تعالى:" وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً" ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفات مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه، فأول الصفات الاندكاك وذلك قبل الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد جمع الله بينهما فقال:" يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ"
__________
(1). راجع ج 10 ص 111 طبعه أو أو ثانية.

. والحالة الثالثة أن تصير كالهباء وذلك أن تنقطع بعد أن كانت كالعهن. والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز، فإذا نسفت فبإرسال الرياح عليها. والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها على وجه الأرض فتظهرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجسادا جامدة، وهى بالحقيقة مارة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكة متفتتة. والحالة السادسة أن تكون سرابا فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا منها كالسراب قال مقاتل: تقع على الأرض فتسوى بها. ثم قيل هذا مثل. قال الماوردي: وفيما ضرب له ثلاثة أقوال: أحدها أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال، وهى آخذة بحظها من الزوال كالسحاب، قاله سهل بن عبد الله. الثاني: أنه مثل ضربه الله للايمان تحسبه ثابتا في القلب وعمله صاعد إلى السماء. الثالث: أنه مثل ضربه الله للنفس عند خروج الروح والروح تسير إلى العرش. (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) أي هذا من فعل الله، و[ما] هو فعل منه فهو متقن. و" تَرَى" من رؤية العين ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين. والأصل ترأى فألقيت حركة الهمزة على الراء فتحركت الراء وحذفت الهمزة، وهذا سبيل تخفيف الهمزة إذا كان قبلها ساكن، إلا أن التخفيف لازم لترى. واهل الكوفة يقرءون:" تَحْسَبُها" بفتح السين وهو القياس، لأنه من حسب يحسب إلا أنه قد روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلافها أنه قرأ بالكسر في المستقبل، فتكون على فعل يفعل مثل نعم ينعم وبئس يبئس وحكى يئس ييئس من السالم، لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف" وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ" تقديره مرا مثل مر السحاب، فأقيمت الصفة مقام الموصوف والمضاف مقام المضاف إليه، فالجبال تزال من أماكنها من على وجه الأرض وتجمع وتسير كما تسير السحاب، ثم تكسر فتعود إلى الأرض كما قال:" وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا". (صُنْعَ اللَّهِ) عند الخليل وسيبويه منصوب على أنه مصدر، لأنه لما قال عز وجل:" وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ" دل على أنه قد صنع ذلك صنعا ويجوز النصب على الإغراء، أي انظروا صنع الله. فيوقف

على هذا على" السَّحابِ" ولا يوقف عليه على التقدير الأول. ويجوز رفعه على تقدير ذلك صنع الله." الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ" أي أحكمه، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" رحم الله من عمل عملا فأتقنه". وقال قتادة: معناه أحسن كل شي والإتقان الأحكام، يقال رجل تقن أي حاذق بالأشياء وقال الزهري: أصله من ابن تقن، وهو رجل من عاد لم يكن يسقط له سهم فضرب به المثل، يقال: أرمى من ابن تقن ثم يقال لكل حاذق بالأشياء تقن. (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ) بالتاء على الخطاب قراءة الجمهور وقرا ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء. قوله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها) قال ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهما: الحسنة لا إله إلا الله. وقال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ولا يستثنى أن الحسنة لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال على بن الحسين بن على رضى الله عنهم: غزا رجل فكان إذا خلا بمكان قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فبينما هو في أرض الروم في أرض جلفاء وبردي رفع صوته فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له فخرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض فقال له: والذي نفسي بيده إنها الكلمة التي قال الله تعالى" ومن جاء بالحسنة فله خير منها" وروى أبو ذر قال: قلت يا رسول الله أوصني. قال:" اتق الله وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها" قال قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال:" من أفضل الحسنات" وفي رواية قال:" نعم هي أحسن الحسنات" ذكره البيهقي، وقال قتادة:" من جاء بالحسنة" بالإخلاص والتوحيد. وقيل: أداء الفرائض كلها. قلت: إذا أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها وما يجب لها- على ما تقدم بيانه في سورة إبراهيم- فقد أتى بالتوحيد والإخلاص والفرائض." فله خير منها" قال ابن عباس: أي وصل إليه الخير منها، وقاله مجاهد. وقيل: فله الجزاء الجميل وهو الجنة. وليس" خير" للتفضيل. قال عكرمة وابن جريج
: أما أن يكون له خير منها يعنى من الايمان فلا، فإنه ليس شي خيرا ممن قال لا إله إلا الله ولكن له منها خير وقيل:" فله خير منها" للتفضيل أي ثواب الله خير من عمل العبد وقوله وذكره، وكذلك رضوان الله خير للعبد من فعل العبد،

قاله ابن عباس. وقيل: ويرجع هذا إلى الاضعاف فإن الله تعالى يعطيه بالواحدة عشرا، وبالإيمان في مدة يسيرة الثواب الأبدي، قاله محمد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد. (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي" فزع يومئذ" بالإضافة. قال أبو عبيد: وهذا أعجب إلى لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال:" من فزع يومئذ" صار كأنه فزع دون فزع. قال القشيري: وقرى" من فزع" بالتنوين ثم قيل يعنى به فزعا واحدا كما قال:" لا يحزنهم الفزع الأكبر". وقيل: عنى الكثرة لأنه مصدر والمصدر صالح للكثرة. قلت: فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى. قال المهدوي: ومن قرأ:" من فزع يومئذ" بالتنوين انتصب" يومئذ" بالمصدر الذي هو" فزع" ويجوز أن يكون صفة لفزع ويكون متعلقا بمحذوف، لان المصادر يخبر عنها بأسماء الزمان وتوصف بها، ويجوز أن يتعلق باسم الفاعل الذي هو" آمنون". والإضافة على الاتساع في الظروف، ومن حذف التنوين وفتح الميم بناه لأنه ظرف زمان، وليس الاعراب في ظرف الزمان متمكنا، فلما أضيف إلى غير متمكن ولا معرب بنى. وأنشد سيبويه:
على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثعالب
«1» قوله تعالى: (وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ) أي بالشرك، قاله ابن عباس والنخعي وأبو هريرة ومجاهد وقيس بن سعد والحسن، وهو إجماع من أهل التأويل في أن الحسنة لا إله إلا الله، وأن السيئة الشرك في هذه الآية. (فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ) قال ابن عباس: ألقيت. وقال الضحاك: طرحت، ويقال كببت الإناء أي قلبته على وجهه، واللازم من أكب، وقلما يأتي هذا في كلام العرب. (هَلْ تُجْزَوْنَ) أي يقال لهم هل تجزون. ثم يجوز أن يكون من قول الله، ويجوز أن يكون من قول الملائكة. (إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي إلا جزاء أعمالكم.
__________
(1). زريق: اسم قبيلة وهو منادى. والندل هنا الأخذ باليدين. والندل أيضا السرعة في السير." ندل الثعالب": يقال في المثل: (هو أكسب من ثعلب) لأنه يدخر لنفسه، ويأتي على ما يعدو عليه من الحيوان إذا أمكنه. والبيت في وصف تجار وقيل لصوص، وقبله:
يمرون بالدهنا خفافا عيابهم و... يرجعن من دارين بجر الحقائب

إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)

[سورة النمل (27): الآيات 91 الى 93]
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)
قوله تعالى: (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها) يعنى مكة التي عظم الله حرمتها، أي جعلها حرما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر، على ما تقدم بيانه في غير موضع وقرا ابن عباس:" التي حرمها" نعتا للبلدة. وقراءة الجماعة" الَّذِي" وهو في موضع نصب نعت ل" رب" ولو كان بالألف واللام لقلت المحرمها، فإن كانت نعتا للبلدة قلت المحرمها هو، لا بد من إظهار المضمر مع الالف واللام، لان الفعل جرى على غير من هول، فإن قلت الذي حرمها لم تحتج أن تقول هو. (وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ) خلقا وملكا. (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي من المنقادين لأمره، الموحدين له. (وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ) أي وأمرت أن أتلو القرآن، أي أقرأه. (فَمَنِ اهْتَدى ) فله ثواب هدايته. (وَمَنْ ضَلَّ) فليس على إلا البلاغ، نسختها آيه القتال. قال النحاس." وَأَنْ أَتْلُوَا" نصب بأن. قال الفراء: وفي إحدى القراءتين" وأن أتل" وزعم أنه في موضع جزم بالأمر فلذلك حذف منه الواو، قال النحاس: ولا نعرف أحدا قرأ هذه القراءة، وهى مخالفة لجميع المصاحف. قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي على نعمه وعلى ما هدانا (سَيُرِيكُمْ آياتِهِ) أي في أنفسكم وفي غيركم كما قال:" سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم". (فَتَعْرِفُونَها) أي دلائل قدرته ووحدانيته في أنفسكم وفي السماوات وفي الأرض، نظيره قوله تعالى:" وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ". (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)

قرأ أهل المدينة واهل الشام وحفص عن عاصم بالتاء على الخطاب، لقوله:" سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها" فيكون الكلام على نسق واحد. الباقون بالياء على أن يرد إلى ما قبله" فمن اهتدى" فأخبر عن تلك الآية. كملت السورة والحمد لله رب العالمين، وصلي الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

سورة القصص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وقال ابن عباس وقتادة إلا آية نزلت بين مكة والمدينة. وقال ابن سلام: بالجحفة في وقت، هجرة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة. وهى قوله عز وجل:" إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد". وقال مقاتل: فيها من المدني" الذين آتيناهم الكتاب" إلى قوله:" لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ". وهى ثمان وثمانون آية.

[سورة القصص (28): الآيات 1 الى 6]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6)
قوله تعالى: (طسم) تقدم الكلام فيه. (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ)" تِلْكَ" في موضع رفع بمعنى هذه تلك و" آياتُ" بدل منها. ويجوز أن يكون في موضع نصب ب" نَتْلُوا" و" آياتُ" بدل منها أيضا، وتنصبها كما تقول: زيدا ضربت. و" الْمُبِينِ"

أي المبين بركته وخيره، والمبين الحق من الباطل، والحلال من الحرام، وقصص الأنبياء، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويقال: بأن الشيء وأبان [اتضح «1»]. (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.) ذكر قصة موسى عليه السلام وفرعون وقارون، واحتج على مشركي قريش، وبين أن قرابة قارون من موسى لم تنفعه مع كفره، وكذلك قرابة قريش لمحمد، وبين أن فرعون علا في الأرض وتجبر، فكان ذلك من كفره، فليجتنب العلو في الأرض، وكذلك التعزز بكثرة المال، وهما من سيرة فرعون وقارون" نَتْلُوا عَلَيْكَ" أي يقرأ عليك جبريل بأمرنا" مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ" أي من خبرهما و" مِنْ" للتبعيض و" مِنْ نَبَإِ" مفعول" نَتْلُوا" أي نتلو عليك بعض خبرهما، كقوله تعالى:" تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ". ومعنى" بِالْحَقِّ" أي بالصدق الذي لا ريب فيه ولا كذب." لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" أي يصدقون بالقرآن ويعلمون أنه من عند الله، فأما من لم يؤمن فلا يعتقد أنه حق. قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ) أي استكبر وتجبر، قاله ابن عباس والسدي وقال قتادة: علا في نقسه عن عبادة ربه بكفره وادعى الربوبية وقيل: بملكه وسلطانه فصار عاليا على من تحت يده." فِي الْأَرْضِ" أي أرض مصر. (وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً) أي فرقا وأصنافا في الخدمة. قال الأعشى:
وبلدة يرهب الجواب دجلتها ... حتى تراه عليها يبتغى الشيعا
(يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ) أي من بنى إسرائيل. (يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) تقدم القول في هذا في" البقرة" «2» عند قوله:" يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ" الآية، وذلك لان الكهنة قالوا له: إن مولودا يولد في بنى إسرائيل يذهب ملكك على يديه، أو قال المنجمون له ذلك، أو رأى رؤيا فعبرت كذلك. قال
__________
(1). في الأصل:" أفصح" وهو تحريف. والتصويب من كتب اللغة.
(2). راجع ج 1 ص 384 وما بعدها طبعه ثانية أو ثالثة.

الزجاج: العجب من حمقه لم يدر أن الكاهن إن صدق فالقتل لا ينفع، وإن كذب فلا معنى للقتل. وقيل: جعلهم شيعا فاستسخر كل قوم من بنى إسرائيل في شغل مقرد." إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ" أي في الأرض بالعمل والمعاصي والتجبر. قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) أي نتفضل عليهم وننعم. وهذه حكاية مضت. (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) قال ابن عباس: قادة في الخير. مجاهد: دعاة إلى الخير. قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله تعالى:" وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً" قلت: وهذا أعم فإن الملك إمام يؤتم به ومقتدى به. (وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) لملك فرعون، يرثون ملكه، ويسكنون مساكن القبط وهذا معنى قوله تعالى:" وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا" قوله تعالى: (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) أي نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يستولى عليها، يعنى أرض الشام ومصر. (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما) أي ونريد أن نرى فرعون وقرا الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وخلف" ويرى" بالياء على أنه فعل ثلاثي من رأى" فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما" رفعا لأنه الفاعل الباقون" نرى" بضم النون وكسر الراء على أنه فعل رباعي من أرى يرى، وهي على نسق الكلام، لان قبله" وَنُرِيدُ" وبعده" وَنُمَكِّنَ"." فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما" نصبا بوقوع الفعل وأجاز الفراء" ويرى فرعون" بضم الياء وكسر الراء وفتح الياء بمعنى ويرى الله فرعون (مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يدي رجل من بنى إسرائيل فكانوا على وجل" مِنْهُمْ" فأراهم الله" ما كانُوا يَحْذَرُونَ" قال قتاد: كان حازيا لفرعون- والحازي المنجم- قال إنه سيولد في هذه السنة مولود يذهب بملكك، فأمر فرعون بقتل الولدان في تلك السنة. وقد تقدم.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)

[سورة القصص (28): الآيات 7 الى 9]
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (8) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9)
قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ) قد تقدم معنى الوحي ومحامله. واختلف في هذا الوحي إلى أم موسى، فقالت فرقة: كان قولا في منامها وقال قتادة: كان إلهاما وقالت فرقة: كان بملك يمثل لها، قال مقاتل أتاها جبريل بذلك، فعلى هذا هو وحي إعلام لا إلهام وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور، خرجه البخاري ومسلم، وقد ذكرناه في سورة" براءة" «1» وغير ذلك مما روي من تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، وقد سلمت على عمران بن حصين فلم يكن بذلك نبيا واسمها أيارخا وقيل أيارخت فيما ذكر السهيلي. وقال الثعلبي: واسم أم موسى لوحا «2» بنت هاند بن لاوى بن يعقوب." أَنْ أَرْضِعِيهِ" وقرا عمر ابن عبد العزير:" أَنْ أَرْضِعِيهِ" بكسر النون وألف وصل، حذف همزة أرضع تخفيفا ثم كسر النون لالتقاء الساكنين قال مجاهد: وكان الوحي بالرضاع قبل الولادة. وقال غيره بعدها. قال السدي: لما ولدت أم موسى أمرت أن ترضعه عقيب الولادة وتصنع به بما في الآية، لان الخوف كان عقيب الولادة وقال ابن جريج: أمرت بإرضاعه أربعة أشهر في بستان، فإذا خافت أن يصيح- لان لبنها لا يكفيه- صنعت به هذا. والأول أظهر إلا أن الآخر يعضده قوله:" فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ" و" إذا" لما يستقبل من الزمان، فيروى أنها
__________
(1). راجع ج 8 ص 188 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية. [.....]
(2). وقيل في اسمها أيضا: يوخابذ. وقيل: يوخابيل، وقيل غير ذلك.

اتخذت له تابوتا من بردي وقيرته بالقار من داخله، ووضعت فيه موسى وألقته في نيل مصر. وقد مضى خبره في" طه «1»" قال ابن عباس: إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، فسلط الله عليهم القبط، وساموهم سوء العذاب، إلى أن نجاهم الله على يد موسى قال وهب: بلغني أن فرعون ذبح في طلب موسى سبعين ألف وليد ويقال: تسعون ألفا ويروي أنها حين اقتربت وضربها الطلق، وكانت بعض القوابل الموكلات بحبالي بني إسرائيل مصافية لها، فقالت: لينفعني حبك اليوم، فعالجتها فلما وقع إلى الأرض هالها نور بين عينيه، وأرتعش كل مفصل منها، ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأقتل مولودك وأخبر فرعون، ولكني وجدت لابنك حبا ما وجدت مثله قط، فاحفظيه، فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور نارا لم تعلم ما تصنع لما طاش عقلها، فطلبوا فلم يلفوا شيئا، فخرجوا وهي لا تدري مكانه، فسمعت بكاءه من التنور، وقد جعل الله عليه النار بردا وسلاما. قوله تعالى: (وَلا تَخافِي) فيه جهان: أحدهما- لا تخافي عليه الغرق، قاله ابن زيد الثاني- لا تخافي عليه الضيعة، قاله يحيي بن سلام. (وَلا تَحْزَنِي) فيه أيضا وجهان: أحدهما- لا تحزني لفراقه، قاله ابن زيد الثاني- لا تحزني أن يقتل، قاله يحيى بن سلام فقيل: إنها جعلته في تابوت طوله خمسة أشبار وعرضه خمسة أشبار، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في اليم بعد أن أرضعته أربعة أشهر. وقال آخرون: ثلاثة أشهر وقال آخرون ثمانية أشهر، في حكاية الكلبي. وحكي أنه لما فرغ النجار من صنعة التابوت نم إلى فرعون بخبره، فبعث معه من يأخذه، فطمس الله عينيه وقلبه فلم يعرف الطريق، فأيقن أنه المولود الذي يخاف منه فرعون، فآمن من ذلك الوقت، وهو مؤمن آل فرعون، ذكره الماوردي. وقال ابن عباس: فلما توارى عنها ندمها الشيطان وقالت في نفسها: لو ذبح عندي فكفنته وواريته لكان أحب إلي من إلقائه في البحر،
__________
(1). راجع ج 11 ص 195 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

فقال الله تعالى:" إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ" أي إلى أهل مصر. حكى الأصمعي قال سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول:
أستغفر الله لذنبي كله ... قبلت إنسانا بغير حله

مثل الغزال ناعما في دله ... فانتصف الليل ولم أصله
فقلت: قاتلك الله ما أفصحك! فقالت: أو يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى:" وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ" الآية، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) لما كان التقاطهم إياه يؤدي إلى كونه لهم عدوا وحزنا، فاللام في" لِيَكُونَ" لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين، فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا. فذكر الحال بالمآل، كما قال الشاعر:
وللمنايا تربي كل مرضعة ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها
وقال آخر:
فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدهر تبنى المساكن
أي فعاقبه البناء الخراب وإن كان في الحال مفروحا به والالتقاط وجود الشيء من غير طلب ولا إرادة، والعرب تقول لما وجدته من غير طلب ولا إرادة: التقطه التقاطا. ولقيت فلانا التقاطا. قال الراجز «1»:
ومنهل وردته التقاطا

ومنه اللقطة. وقد مضى بيان ذلك من الأحكام في سورة" يوسف" «2» بما فيه كفاية وقرا الأعمش ويحيي والمفضل وحمزة والكسائي وخلف" وحزنا" بضم الحاء وسكون الزاي. الباقون بفتحهما واختاره أبو عبيد وأبو حاتم قال التفخيم «3» فيه. وهما لغتان مثل العدم
__________
(1). هو نقادة الأسدي، كما في اللسان مادة" لقط".
(2). راجع ج 9 ص 134 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(3). التفخيم في اصطلاح القراء: الفتح.

والعدم، والسقم والسقم، والرشد والرشد. (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ) وكان وزيره من القبط. (وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ) أي عاصين مشركين آثمين. قوله تعالى: (وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ) يروى أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في البحر، فأمرت بسوقه إليها وفتحه فرأت فيه صبيا صغيرا فرحمته وأحبته، فقالت لفرعون:" قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ" أي هو قرة عين لي ولك ف" قُرَّتُ" خبر ابتداء مضمر، قاله الكسائي وقال النحاس: وفية وجه آخر بعيد ذكره أبو إسحاق، [قال «1»]: يكون رفعا بالابتداء والخبر" لا تَقْتُلُوهُ" وإنما بعد لأنه يصير المعنى أنه معروف بأنه قرة عين. وجوازه أن يكون المعنى: إذا كان قرة عين لي ولك فلا تقتلوه. وقيل: تم الكلام عند قوله:" وَلَكَ". النحاس: والدليل على هذا أن في قراءة عبد الله بن مسعود" وقالت امرأت فرعون لا تقتلوه قرت عين لي ولك". ويجوز النصب بمعنى لا تقتلوا قرة عين لي ولك. وقالت:" لا تَقْتُلُوهُ" ولم تقل لا تقتله فهي تخاطب فرعون كما يخاطب الجبارون، وكما يخبرون عن أنفسهم. وقيل قالت" لا تَقْتُلُوهُ" فإن الله أتى به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل. (عَسى أَنْ يَنْفَعَنا) فنصيب منه خيرا (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وكان فرعون لما رأى الرؤيا وقصها على كهنته وعلمائه- على ما تقدم- قالوا له إن غلاما من بني إسرائيل يفسد ملكك، فأخذ بني إسرائيل بذبح الأطفال، فرأى أنه يقطع نسلهم فعاد يذبح عاما ويستحيي عاما، فولد هارون في عام الاستحياء، وولد موسى في عام الذبح. قوله تعالى: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) هذا ابتداء كلام من الله تعالى، أي وهم لا يشعرون أن هلاكهم بسببه وقيل: هو من كلام المرأة، أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه، ولا يشعرون إلا أنه ولدنا. واختلف المتأولون في الوقت الذي قالت فيه امرأة فرعون" قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ" فقالت فرقة: كان ذلك عند التقاطه التابوت لما أشعرت فرعون به،
__________
(1). الزيادة من" إعراب القرآن" للنحاس.

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)

ولما أعلمته سبق إلى فهمه أنه من بني إسرائيل، وأن ذلك قصد به ليتخلص من الذبح فقال: علي بالذباحين، فقالت امرأته ما ذكر، فقال فرعون: أما لي فلا. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لو قال فرعون نعم لآمن بموسى ولكان قرة عين له" وقال السدي: بل ربته حتى درج، فرأى فرعون فيه شهامة وظنه من بني إسرائيل واخذه في يده، فمد موسى يده ونتف لحية فرعون فهم حينئذ يذبحه، وحينئذ خاطبته بهذا، وجربته له في الياقوتة والجمرة، فاحترق لسانه وعلق العقدة على ما تقدم في" طه" «1» قال الفراء: معت محمد بن مروان الذي يقال له السدي يذكر عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس أنه قال: إنما قالت" قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا" ثم قالت:" تَقْتُلُوهُ" قال الفراء: وهو لحن، قال ابن الأنباري: وإنما حكم عليه باللحن لأنه لو كان كذلك لكان تقتلونه بالنون، لان الفعل المستقبل مرفوع حتى يدخل عليه الناصب أو الجازم، فالنون فيه علامة الرفع قال الفراء: ويقويك على رده قراءة عبد الله بن مسعود" وقالت امرأت فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك" بتقديم" لا تَقْتُلُوهُ".

[سورة القصص (28): الآيات 10 الى 14]
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)
__________
(1). راجع ج 11 ص 192 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

قوله تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً) قال ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وأبو عمران الجوني وأبو عبيدة:" فارِغاً" أي خاليا من ذكر كل شي في الدنيا إلا من ذكر موسى وقال الحسن أيضا وابن إسحاق وابن زيد:" فارِغاً" من الوحي إذ أوحى إليها حين أمرت أن تلقيه في البحر" لا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي" والعهد الذي عهده إليها أن يرده ويجعله من المرسلين، فقال لها الشيطان: يا أم موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فغرقتيه أنت! ثم بلغها أن ولدها وقع في يد فرعون فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها وقال أبو عبيدة:" فارِغاً" من الغم والحزن لعلمها أنه لم يغرق، وقاله الأخفش أيضا وقال العلاء بن زياد:" فارِغاً" نافرا الكسائي: ناسيا ذاهلا وقيل: والها، رواه سعيد بن جبير ابن القاسم عن مالك: هو ذهاب العقل، والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش، ونحوه قوله تعالى:" وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ" أي جوف لا عقول لها كما تقدم في سورة" إبراهيم" «1». وذلك أن القلوب مراكز العقول، ألا ترى إلى قوله تعالى:" فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها" ويدل عليه قراءة من قرأ:" فزعا". النحاس: أصح هذه الأقوال الأول، والذين قالوه أعلم بكتاب الله عز وجل، فإذا كان فارغا من كل شي إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي. وقول أبي عبيدة فارغا من الغم غلط قبيح، لان بعده" إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها". روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كادت تقول وا ابناه! وقرا فضالة ابن عبيد الأنصاري رضي الله عنه ومحمد بن السميقع وأبو العالية وابن محيصن" فزعا" بالفاء والعين المهملة من الفزع، أي خائفة عليه أن يقتل ابن عباس:" قرعا" بالقاف والراء والعين المهملتين، وهي راجعة إلى قراءة الجماعة" فارِغاً" ولذلك قيل للرأس الذي لا شعر عليه: أقرع، لفراغه من الشعر وحكي قطرب أن بعض أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرأ:" فرغا" بالفاء والراء والغين المعجمة من غير ألف، وهو كقولك: هدرا وباطلا، يقال:
__________
(1). راجع ج 9 ص 377 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.

دماؤهم بينهم فرغ أي هدر، والمعنى بطل قلبها وذهب وبقيت لا قلب لها من شدة ما ورد عليها وفي قوله تعالى:" وَأَصْبَحَ" وجهان: أحدهما- أنها ألقته ليلا فأصبح فؤادها في النهار فارغا. الثاني- ألقته نهارا ومعنى:" وَأَصْبَحَ" أي صار، كما قال الشاعر:
مضى الخلفاء بالأمر الرشيد ... وأصبحت المدينة للوليد
(إِنْ كادَتْ) أي إنها كادت، فلما حذفت الكناية سكنت النون فهي" إِنْ" المخففة ولذلك دخلت اللام في" لَتُبْدِي بِهِ" أي لتظهر أمره، من بدا يبدو إذا ظهر قال ابن عباس: أي تصيح عند إلقائه: وا ابناه السدي: كادت تقول لما حملت لإرضاعه وحضانته هو ابني وقيل: إنه لما شب سمعت الناس يقولون موسى بن فرعون، فشق عليها وضاق صدرها، وكادت تقول هو ابني وقيل: الهاء في" بِهِ" عائدة إلى الوحي تقديره: إن كانت لتبدي بالوحي الذي أوحيناه إليها أن نرده عليها والأول أظهر قال ابن مسعود: كادت تقول أنا أمه وقال الفراء: إن كانت لتبدي باسمه لضيق صدرها. (لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها) قال قتادة: بالايمان. السدى: بالعصمة. وقيل: بالصبر. والربط على القلب: إلهام الصبر. (لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي من المصدقين بوعد الله حين قال لها:" إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ". وقال" لَتُبْدِي بِهِ" ولم يقل: لتبديه، لان حروف الصفات قد تزاد في الكلام، تقول: أخذت الحبل وبالحبل. وقيل: أي لتبدي القول به. قوله تعالى: (وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) أي قالت أم موسى لأخت موسى: اتبعي أثره حتى تعلمي خبره. واسمها مريم بنت عمران، وافق اسمها اسم مريم أم عيسى عليه السلام، ذكره السهيلي والثعلبي وذكر الماوردي عن الضحاك: أن اسمها كلثمة وقال السهيلي: كلثوم، جاء ذلك في حديث رواه الزبير بن بكار أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لخديجة:" أشعرت أن الله زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثوم أخت موسى وآسية امرأة فرعون" فقالت: الله أخبرك بهذا؟ فقال:" نعم" فقالت: بالرفاء والبنين. (فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) أي بعد، قاله مجاهد ومنه الأجنبي.

قال الشاعر «1»:
فلا تحرمني نائلا عن جنابة ... فإني امرؤ وسط القباب غريب
وأصله عن مكان جنب. وقال ابن عباس:" عَنْ جُنُبٍ" أي عن جانب وقرا النعمان ابن سالم:" عن جانب" أي عن ناحية وقيل: عن شوق، وحكى أبو عمرو بن العلاء إنها لغة لجذام، يقولون: جنبت إليك أي اشتقت وقيل:" عَنْ جُنُبٍ" أي عن مجانبة لها منه فلم يعرفوا أنها منه بسبيل وقال قتادة: جعلت تنظر إليه بناحية [كأنها «2»] لا تريده، وكان يقرأ:" عن جنب" بفتح الجيم وإسكان النون. (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أنها أخته لأنها كانت تمشي على ساحل البحر حتى رأتهم قد أخذوه. قوله تعالى: (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي منعناه من الارتضاع من قبل، أي من قبل مجيء أمه وأخته. و" الْمَراضِعَ" جمع مرضع ومن قال مراضيع فهو جمع مرضاع، ومفعال يكون للتكثير، ولا تدخل الهاء فيه فرقا بين المؤنث والمذكر لأنه ليس بجار على الفعل، ولكن من قال مرضاعة جاء بالهاء للمبالغة، كما يقال مطرابة. قال ابن عباس: لا يؤتى بمرضع فيقبلها وهذا تحريم منع لا تحريم شرع، قال امرؤ القيس:
جالت لتصرعني فقلت لها اقصري ... إني امرؤ صرعي عليك حرام
«3» أي ممتنع. فلما رأت أخته ذلك قالت: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ) الآية. فقالوا لها عند قولها:" وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ" وما يدريك؟ لعلك تعرفين أهله؟ فقالت: لا، ولكنهم يحرصون على مسرة الملك، ويرغبون في ظئره. وقال السدي وابن جريج: قيل لها لما قالت:" وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ" قد عرفت أهل هذا الصبي فدلينا عليهم، فقالت: أردت وهم للملك ناصحون فدلتهم على أم موسى، فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها، والصبي علي يد فرعون يعلله شفقة عليه، وهو يبكي يطلب الرضاع، فدفعه إليها، فلما وجد الصبي
__________
(1). هو علقمة بن عبده، قاله يخاطب به الحرث بن جبلة يمدحه، وكان قد أسر أخاه شأسا- وأراد بالنائل إطلاق أخيه شأس من سجنه- فأطلق له أخاه شأسا ومن أسر معه من بني تميم.
(2). الزيادة من كتب التفسير.
(3). جالت: قلقت. يقول: ذهبت الناقة بقلقها ونشاطها لتصرعني فلم تقدر على ذلك لحذقي بالركوب ومعرفتي به.

ريح أمه قبل ثديها. وقال ابن زيد استرابوها حين قالت ذلك فقالت وهم للملك ناصحون. وقيل: إنها لما قالت:" هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ" وكانوا يبالغون في طلب مرضعة يقبل ثديها فقالوا: من هي؟ فقالت: أمي، فقيل: لها لبن؟ قالت: نعم! لبن هرون- وكان ولد في سنة لا يقتل فيها الصبيان- فقالوا صدقت والله." وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ" أي فيهم شفقة ونصح، فروي أنه قيل لام موسى حين ارتضع منها: كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك؟ فقالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن، لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني قال أبو عمران الجوني: وكان فرعون يعطي أم موسى كل يوم دينارا. قال الزمخشري: فإن قلت كيف حل لها أن تأخذ الأجر على إرضاع ولدها؟ قلت: ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع، ولكنه مال حربي تأخذه على وجه الاستباحة. قوله تعالى: (فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ) أي رددناه وقد عطف الله قلب العدو عليه، ووفينا لها بالوعد. (كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها) أي بولدها. (وَلا تَحْزَنَ) أي بفراق ولدها. (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) أي لتعلم وقوعه فإنها كانت عالمة بأن رده إليها سيكون. (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) يعني أكثر آل فرعون لا يعلمون، أي كانوا في غفلة عن التقرير وشر القضاء. وقيل: أي أكثر الناس يعلمون أن وعد الله في كل ما وعد حق. قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) قد مضى الكلام في الأشد في" الانعام" «1». وقول ربيعة ومالك أنه الحلم أولي ما قيل فيه، لقوله تعالى" حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ" وذلك أول الأشد، وأقصاه أربع وثلاثون سنة، وهو قول سفيان الثوري." وَاسْتَوى " قال ابن عباس: بلغ أربعين سنة والحكم: الحكمة قبل النبوة وقيل: الفقه في الدين وقد مضى بيانها في" البقرة" «2» وغيرها والعلم الفهم قول السدي. وقيل: النبوة. وقال مجاهد: الفقه. محمد ابن إسحاق: أي العلم بما في دينه ودين آبائه، وكان له تسعة من بني إسرائيل يسمعون منه، ويقتدون به، ويجتمعون إليه، وكان هذا قبل النبوة.
__________
(1). راجع ج 7 ص 134 وما بعدها طبعه أولى أو ثانية.
(2). راجع ج 2 ص 131 طبعه ثانية.

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)

(وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) أي كما جزينا أم موسى لما استسلمت لأمر الله، وألقت ولدها في البحر، وصدقت بوعد الله، فرددنا ولدها إليها بالتحف والطرف وهي آمنة، ثم وهبنا له العقل والحكمة والنبوة، وكذلك نجزي كل محسن،

[سورة القصص (28): الآيات 15 الى 19]
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)
قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها) قيل: لما عرف موسى عليه السلام ما هو عليه من الحق في دينه، عاب ما عليه قوم فرعون، وفشا ذلك، منه فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل مدينة فرعون إلا خائفا مستخفيا وقال السدي: كان موسى في وقت هذه القصة على رسم التعلق بفرعون، وكان يركب مراكبه، حتى كان يدعى موسى بن فرعون، فركب فرعون يوما وسار إلى مدينة من مدائن مصر يقال لها منف- قال مقاتل على رأس فرسخين من مصر- ثم علم موسى بركوب فرعون، فركب بعده ولحق بتلك القرية في وقت

القائلة، وهو وقت الغفلة، قال ابن عباس وقال أيضا: هو بين العشاء والعتمة. وقال ابن إسحاق: بل المدينة مصر نفسها، وكان موسى في هذا الوقت قد أظهر خلاف فرعون، وعاب عليهم عبادة فرعون والأصنام، فدخل مدينة فرعون يوما على حين غفلة من أهلها. قال سعيد بن جبير وقتادة: وقت الظهيرة والناس نيام. وقال ابن زيد: كان فرعون قد نابذ موسى وأخرجه من المدينة، وغاب عنها سنين، وجاء والناس على غفلة بنسيانهم لأمره، وبعد عهدهم به، وكان ذلك يوم عيد. وقال الضحاك: طلب أن يدخل المدينة وقت غفلة أهلها، فدخلها حين علم ذلك منهم، فكان منه من قتل الرجل من قبل أن يؤمر بقتله، فاستغفر ربه فغفر له ويقال في الكلام: دخلت المدينة حين غفل أهلها، ولا يقال: على حين غفل أهلها، فدخلت" عَلى " في هذه الآية لان الغفلة هي المقصودة، فصار هذا كما تقول: جئت على غفله، وإن شئت قلت: جئت على حين غفلة، وكذا الآية. (فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ) والمعنى: إذا نظر إليهما الناظر قال هذا من شيعته، أي من بني إسرائيل. (وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ) أي من قوم فرعون. (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ) أي طلب نصره وغوثه، وكذا قال في الآية بعدها:" فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ" أي يستغيث به على قبطي آخر وإنما أغاثه لان نصر المظلوم دين في الملل كلها على الأمم، وفرض في جميع الشرائع. قال قتادة: أراد القبطي أن يسخر الإسرائيلي ليحمل حطبا لمطبخ فرعون فأبى عليه، فاستغاث بموسى. قال سعيد بن جبير: وكان خبازا لفرعون. (فَوَكَزَهُ مُوسى ) قال قتادة: بعصاه وقال مجاهد: بكفه، أي دفعه والوكز واللكز واللهز واللهد بمعنى واحد، وهو الضرب بجمع الكف مجموعا كعقد ثلاثة وسبعين وقرا ابن مسعود:" فلكزه". وقيل: اللكز في اللحى والوكز على القلب. وحكى الثعلبي أن في مصحف عبد الله بن مسعود" فنكزه" بالنون والمعنى واحد. وقال الجوهري عن أبي عبيدة: اللكز الضرب بالجمع على الصدر. وقال أبو زيد: في جميع الجسد، واللهز: الضرب بجمع اليد في الصدر مثل اللكز، عن أبي عبيدة أيضا. وقال أبو زيد: هو بالجمع في اللهازم والرقبة، والرجل ملهز بكسر الميم.

وقال الأصمعي: نكزه، أي ضربه ودفعه. الكسائي: نهزه مثل نكزه ووكزه، أي ضربه ودفعه. ولهده لهدا أي دفعه لذلة فهو ملهود، وكذلك لهده، قال طرفة يذم رجلا:
بطي عن الداعي «1» سريع إلى الخنا ... ذلول بإجماع الرجال ملهد
أي مدفع وإنما شدد للكثرة وقالت عائشة رضي الله عنها: فلهدني- تعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لهده أوجعني، خرجه مسلم. ففعل موسى عليه السلام ذلك وهو لا يريد قتله، إنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه، وهو معنى:" فَقَضى عَلَيْهِ". وكل شي أتيت عليه وفرغت منه فقد قضيت عليه قال «2»:
قد عضه فقضي عليه الأشجع

(قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) أي من إغوائه قال الحسن: لم يكن يحل قتل الكافر يومئذ في تلك الحال، لأنها كانت حال كف عن القتال." إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ" خبر بعد خبر. (قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ) ندم موسى عليه السلام على ذلك الوكز الذي كان فيه ذهاب النفس، فحمله ندمه على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر، ثم لم يزل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعدد ذلك على نفسه، مع علمه بأنه قد غفر له، حتى أنه في القيامة يقول: إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها. وإنما عدده على نفسه ذنبا وقال:" ظلمت نفسي فاغفر لي" من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر، وأيضا فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم. قال النقاش: لم يقتله عن عمد
مريدا للقتل، وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه. قال وقد قيل: إن هذا كان قبل النبوة. وقال كعب: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، وكان قتله مع ذلك خطأ فإن الوكزة واللكزة في الغالب لا تقتل. وروى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم للكبيرة! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول سمعت
__________
(1). ويروى:" عن الجلى". والذلول ضد الصعب. ويروى:" ذليل". وأجماع جمع (جمع) وهو ظهر الكف إذا جمعت أصابعك وضممتها. [.....]
(2). هو جرير. والأشجع يريد به الشجاع من الحيات. وصدر البيت:
أيفايشون وقد رأوا حفاءهم

رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" إن الفتنة تجئ من ها هنا- وأومأ بيده نحو المشرق- من حيث يطلع قرنا الشيطان وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عز وجل:" وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً". قوله تعالى: (قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى" قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ" أي من المعرفة والحكمة والتوحيد" فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ" أي عونا للكافرين. قال القشيري: ولم يقل بما أنعمت على من المغفرة، لان هذا قبل الوحي، وما كان عالما بأن الله غفر له ذلك القتل. وقال الماوردي:" بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فيه وجهان: أحدهما- من المغفرة، وكذلك ذكر المهدوي والثعلبي. قال المهدوي:" بما أنعمت على" من المغفرة فلم تعاقبني. الوجه الثاني- من الهداية. قلت:" فَغَفَرَ لَهُ" يدل على المغفرة، والله أعلم. قال الزمخشري قوله تعالى:" بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ" يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف تقديره، أقسم بإنعامك علي بالمغفرة لا تؤبن" فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ" وأن يكون استعطافا كأنه قال: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين. وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته، وتكثير سواده، حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد، وكان يسمى ابن فرعون، وإما بمظاهرة من أدت مظاهرته إلى الجرم والإثم، كمظاهرة الإسرائيلي المؤدية إلى القتل الذي لم يحل له قتله وقيل: أراد إني وإن أسأت في هذا القتل الذي لم أومر به فلا أترك نصرة المسلمين على المجرمين، فعلى هذا كان الإسرائيلي مؤمنا ونصرة المؤمن واجبه في جميع الشرائع. وقيل في بعض الروايات: إن ذلك الإسرائيلي كان كافرا وإنما قيل له إنه من شيعته لأنه كان إسرائيليا ولم يرد الموافقة في الدين، فعلى هذا ندم لأنه أعان كافر على كافر، فقال: لا أكون بعدها ظهيرا للكافرين. وقيل: ليس هذا خبرا بل هو دعاء، أي فلا أكون بعد هذا ظهيرا أي فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين. وقال الفراء:

المعنى، اللهم فلن أكون بعد ظهيرا للمجرمين، وزعم أن قوله هذا هو قول ابن عباس قال النحاس: وأن يكون بمعنى الخبر أولي وأشبه بنسق الكلام، كما يقال: لا أعصيك لأنك أنعمت علي، وهذا قول ابن عباس على الحقيقة لا ما حكاه الفراء، لان ابن عباس قال: لم يستثن فابتلي من ثاني يوم، والاستثناء لا يكون في الدعاء، لا يقال: اللهم أغفر لي إن شئت، وأعجب الأشياء أن الفراء روى عن ابن عباس هذا ثم حكى عنه قوله. قلت: قد مضى هذا المعنى ملخصا مبينا في سورة" النمل" وأنه خبر لا دعاء وعن ابن عباس: لم يستثن فابتلي به مرة أخرى، يعني لم يقل فلن أكون إن شاء الله وهذا نحو قوله:" وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا" الثانية- قال سلمة بن نبيط: بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه. فقيل له ما عليك أن تعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئا؟ وقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شي من أمرهم. وقال عبيد الله بن الوليد الوصافي قلت لعطاء بن أبي رباح: إن لي أخا يأخذ بقلمه، وإنما يحسب ما يدخل ويخرج، وله عيال ولو ترك ذلك لاحتاج وأدان؟ فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله القسري، قال: أما تقرأ ما قال العبد الصالح" رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهير للمجرمين" قال ابن عباس: فلم يستثن فابتلي به ثانية فأعانه الله، فلا يعينهم أخوك فإن الله يعينه- قال عطاء: فلا يحل لاحد أن يعين ظالما ولا يكتب له ولا يصحبه، وأنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين. وفي الحديث:" ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلما فيجمعون في تابوت من حديد فيرمى به في جهنم". ويروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" من مشي مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبت الله قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزل فيه الاقدام ومن مشي مع ظالم ليعينه على ظلمه أزل الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الاقدام". وفي الحديث:" من مشى مع ظالم فقد أجرم" فالمشي مع الظالم لا يكون
جرما

إلا إذا مشي معه ليعينه، لأنه ارتكب نهي الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى:" وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ". قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً) قد تقدم في" طه" «1» وغيرها أن الأنبياء صلوات الله عليهم يخافون، ردا على من قال غير ذلك، وأن الخوف لا ينافي المعرفة بالله ولا التوكل عليه فقيل: أصبح خائفا من قتل النفس أن يؤخذ بها. وقيل: خائفا من قومه أن يسلموه. وقيل: خائفا من الله تعالى. (يَتَرَقَّبُ) قال سعيد بن جبير: يتلفت من الخوف وقيل: ينتظر الطلب. وينتظر ما يتحدث به الناس. وقال قتادة:" يَتَرَقَّبُ" أي يترقب الطلب. وقيل: خرج يستخبر الخبر ولم يكن أحد علم بقتل القبطي غير الإسرائيلي. و" أصبح" يحتمل أن يكون بمعنى صار، أي لما قتل صار خائفا. ويحتمل أن يكون دخل في الصباح، أي في صباح اليوم الذي يلي يومه. و" خائِفاً" منصوب على أنه خبر أصبح، وإن شئت على الحال، ويكون الظرف في موضع الخبر. (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) أي فإذا صاحبه الإسرائيلي الذي خلصه بالأمس يقاتل قبطيا آخر أرد أن يسخره. والاستصراخ الاستغاثة. وهو من الصراخ، وذلك لان المستغيث يصرخ ويصوت في طلب الغوث. قال «2»:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب
قيل: كان هذا الإسرائيلي المستنصر السامري استسخره طباخ فرعون في حمل الحطب إلى المطبخ، ذكره القشيري و" الَّذِي" رفع بالابتداءو-" يَسْتَصْرِخُهُ" في موضع الخبر. ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال. وأمس لليوم الذي قبل يومك، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين فإذا دخله الالف واللام أو الإضافة تمكن فأعرب بالرفع والفتح عند أكثر النحويين. منهم من يبنيه وفيه الالف واللام. وحكى سيبويه وغيره أن
__________
(1). راجع ج 11 ص 202 طبعه أولى أو ثانية.
(2). هو سلامة بن جندل. والطنابيب (جمع ظنبوب): وهو حرف العظم اليابس من الساق. والمراد سرعة الإجابة.

وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)

من العرب من يجري أمس مجري ما لا ينصرف في موضع الرفع خاصة، وربما اضطر الشاعر ففعل هذا في الخفض والنصب، وقال الشاعر:
لقد رأيت عجبا مذ أمسا

فخفض بمذ ما مضى واللغة الجيدة الرفع، فأجري أمس في الخفض مجراه في الرفع على اللغة الثانية. (قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) والغوي الخائب، أي لأنك تشاد من لا تطيقه. وقيل: مضل بين الضلالة، قتلت بسببك أمس رجلا، وتدعوني اليوم لآخر. والغوي فعيل من أغوى يغوي، وهو بمعنى مغو، وهو كالوجيع والأليم بمعنى الموجع والمؤلم وقيل: الغوي بمعنى الغاوي. أي إنك لغوي في قتال من لا تطيق دفع شره عنك. وقال الحسن: إنما قال للقبطي" إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ" في استسخار هذا الإسرائيلي وهم أن يبطش به. يقال: بطش يبطش ويبطش والضم أقيس لأنه فعل لا يتعدى. (قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي) قال ابن جبير. أراد موسى أن يبطش بالقبطي فتوهم الإسرائيلي أنه يريده، لأنه أغلظ له في القول، فقال:" أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ" فسمع القبطي الكلام فأفشاه. وقيل: أراد أن يبطش الإسرائيلي بالقبطي فنهاه موسى فخاف منه، فقال:" أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ". (إِنْ تُرِيدُ) أي ما تريد. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ) أي قتالا، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. (وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) أي من الذين يصلحون بين الناس.

[سورة القصص (28): الآيات 20 الى 22]
وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22)

قوله تعالى: (وَجاءَ رَجُلٌ) قال أكثر أهل التفسير: هذا الرجل هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، ذكره الثعلبي وقيل: طالوت، ذكره السهيلي. وقال المهدوي عن قتادة: اسمه شمعون مؤمن آل فرعون. وقيل: شمعان، قال الدارقطني: لا يعرف شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون. وروي أن فرعون أمر بقتل موسى فسبق ذلك الرجل الخبر، ف (- قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ) أي يتشاورون في قتلك بالقبطي الذي قتلته بالأمس. وقيل: يأمر بعضهم بعضا. قال الأزهري: ائتمر القوم وتآمروا أي أم بعضهم بعضا، نظيره قوله:" وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ". وقال النمر بن تولب:
أرى الناس قد أحدثوا شيمة ... وفي كل حادثة يؤتمر
(فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ) أي ينتظر الطلب. (قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). قيل: الجبار الذي يفعل ما يريده من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن. وقيل: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله تعالى. قوله تعالى: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ) لما خرج موسى عليه السلام فارا بنفسه منفردا خائفا، لا شي معه من زاد ولا راحلة ولا حذاء نحو مدين، للنسب الذي بينه وبينهم، لان مدين من ولد إبراهيم، وموسى من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وراي حاله وعدم معرفته بالطريق، وخلوه من زاد وغيره، أسند أمره إلى الله تعالى بقوله:" عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ" وهذه حالة المضطر. قلت: روى أنه كان يتقوت ورق الشجر، وما وصل حتى سقط خف قدميه. قال أبو مالك: وكان فرعون وجه في طلبه وقال لهم: اطلبوه في ثنيات الطريق، فإن موسى لا يعرف الطريق. فجاءه ملك راكبا فرسا ومعه عنزة، فقال لموسى: اتبعني فاتبعه، فهداه إلى الطريق. فيقال: إنه أعطاه العنزة فكانت عصاه. ويروى أن عصاه إنما أخذها لرعية الغنم من مدين. وهو أكثر وأصح. وقال مقاتل والسدي: إن الله بعث إليه جبريل، فالله أعلم وبين مدين ومصر ثمانية أيام، قاله ابن جبير والناس. وكان ملك مدين لغير فرعون.

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)

[سورة القصص (28): الآيات 23 الى 28]
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)
قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (28)
فيه أربع وعشرون مسألة: الاولى- قوله تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ) مشى موسى عليه السلام حتى ورد ماء مدين أي بلغها. ووروده الماء معناه بلغه لا أنه دخل فيه. ولفظة الورود قد تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الاطلاع عليه والبلوغ إليه إن لم يدخل. فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه، ومنه قول زهير:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصى الحاضر المتخيم «1»
__________
(1). تقدم شرح هذا البيت في هامش ج 11 ص 137 طبعه أولى أو ثانية.

وقد تقدمت هذه المعاني في قوله:" وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها". ومدين لا تنصرف إذ هي بلدة معروفة قال الشاعر «1»:
رهبان مدين لو رأوك تنزلوا ... والعصم من شعف الجبال الفادر
وقيل: قبيلة من ولد مدين بن إبراهيم، وقد مضى القول فيه في" الأعراف" «2». والامة: الجمع الكثير و" يَسْقُونَ" معناه ماشيتهم. و(مِنْ دُونِهِمُ) معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها، فوصل إلى المرأتين قبل وصول إلى الامة، ووجدهما تذودان ومعناه تمنعان وتحبسان، ومنه قول عليه السلام:" فليذادن «3» رجال عن حوضي" وفي بعض المصاحف:" امرأتين حابستين تذودان" يقال: ذاد يذود إذا [حبس «4»]. وذدت الشيء حبسته، قال الشاعر «5»:
أبيت على باب القوافي كأنما ... أذود بها سربا من الوحش نزعا
أي أحبس وأمنع وقيل:" تَذُودانِ" تطردان، قال «6»:
لقد سلبت عصاك بنو تميم ... فما تدري بأي عصا تذود
أي تطرد وتكف وتمنع ابن سلام: تمنعان غنمهما لئلا تختلط بغنم الناس، فحذف المفعول، إما إيهاما على المخاطب، وإما استغناء بعلمه. قال ابن عباس: تذودان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء. قتادة: تذودان الناس عن غنمهما، قال النحاس: والأول أولى، لان بعده" قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ" ولو كانتا تذودان عن غنمهما الناس لم تخبرا عن سبب تأخير سقيهما حتى يصدر الرعاء. فلما رأى موسى عليه السلام ذلك منهما" قالَ ما خَطْبُكُما" أي شأنكما، قال رؤية:
يا عجبا ما خطبه وخطبي
__________
(1). هو جرير. والعصم (جمع الأعصم): وهو من الظباء الذي في ذراعه بياض، وقيل: في ذراعيه، والفادر: المسن منها. وقيل: العظيم. ويروى:" من شعف العقول". وقبله: يا أم طلحة ما لقينا مثلكم في المنجدين ولا بغور الغائر
(2). راجع ج 7 ص 247 طبعه أولى أو ثانية.
(3). فليذادن، أي ليطردن. ويروى:" فلا تذادن" أي لا تفعلوا فعلا يوجب طردكم عنه، قال اين الأثير: والأول أشبهه.
(4). في الأصل:" إذا ذهب" وهو تحريف.
(5). هو سويد بن كراع يذكر تنقيحه شعره.
(6). هو جرير يهجو الفرزدق.

ابن عطية: وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب، أو مضطهد، أو من يشفق عليه، أو يأتي بمنكر من الامر، فكأنه بالجملة في شر، فأخبرتاه بخبرهما، وأن أباهما شيخ كبير، فالمعنى: لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه، وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا تقدران على مزاحمة الأقوياء، وأن عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى، وحينئذ تردان. وقرا ابن عامر وأبو عمرو:" يصدر" من صدر، وهو ضد ورد أي يرجع الرعاء. والباقون" يُصْدِرَ" بضم الياء من أصدر، أي حتى يصدروا مواشيهم من وردهم والرعاء جمع راع، مثل تاجر وتجار، وصاحب وصحاب. قالت فرقة: كانت الآبار مكشوفة، وكان زحم الناس يمنعهما، فلما أراد موسى أن يسقى لهما زحم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى، فعن هذا الغلب الذي كان منه وصفته إحداهما بالقوة وقالت فرقة: إنهما كانتا تتبعان فضالتهم في الصهاريج، فإن وجدتا في الحوض بقية كان ذلك سقيهما، وإن لم يكن فيه بقية عطشت غنمهما، فرق لهما موسى، فعمد إلى بئر كانت مغطاة والناس يسقون من غيرها، وكان حجرها لا يرفعه إلا سبعة، قاله ابن زيد. ابن جريج: عشرة. ابن عباس: ثلاثون. الزجاج: أربعون، فرفعه. وسقى للمرأتين، فعن رفع الصخرة وصفته بالقوة. وقيل: إن بئرهم كانت واحدة، وإنه رفع عنها الحجر بعد انفصال السقاة، إذ كانت عادة المرأتين شرب الفضلات. روى عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما استقى الرعاة غطوا على البئر صخرة لا يقلعها إلا عشرة رجال، فجاء موسى فاقتلعها واسقي ذنوبا واحدا لم تحتج إلى غيره فسقى لهما. الثانية- إن قيل كيف ساغ لنبي الله الذي هو شعيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يرضى لا بنتيه بسقي الماشية؟ قيل له: ليس ذلك بمحظور والدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك، والعادة متباينة فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم، ومذهب أهل البدو غير مذهب الحضر، خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة. الثالثة- قوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) إلى ظل سمرة «1»، قاله ابن مسعود. وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله: (إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)" وكان لم يذق طعاما
__________
(1). السمرة: شجرة صغيرة الورق، قصيرة الشوك، لها برمة صفراء يأكلها الناس.

سبعة أيام، وقد لصق بطنه بظهره، فعرض بالدعاء ولم يصرح بسؤال، هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا الكلام ما يأكله، فالخير يكون بمعنى الطعام كما في هذه الآية، يكون بمعنى المال كما قال:" إِنْ تَرَكَ خَيْراً" وقوله:" وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ" ويكون بمعنى القوة كما قال:" أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ" ويكون بمعنى العبادة كقول:" وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ" قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع، وأخضر لونه من أكل البقل في بطنه، وإنه لأكرم الخلق على الله. ويروى أنه لم يصل إلى مدين حتى سقط باطن قدميه. وفي هذا معتبر وإشعار بهوان الدنيا على الله وقال أبو بكر بن طاهر في قوله:" إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" أي إني لما أنزلت من فضلك وغناك فقير إلى أن تغنيني بك عمن سواك. قلت: ما ذكره أهل التفسير أولى، فإن الله تعالى إنما أغناه بواسطة شعيب. الرابعة- قوله تعالى: (فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ) في هذا الكلام اختصار يدل عليه هذا الظاهر، قدره [ابن «1»] إسحاق: فذهبتا إلى أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، فحدثتاه بما كان من الرجل الذي سقى لهما، فأمر الكبرى من بنتيه- وقيل الصغرى- أن تدعوه له،" فجاءت" على ما في هذه الآية قال عمرو بن ميمون: ولم تكن سلفعا «2» من النساء، خراجة ولاجة. وقيل: جاءته ساترة وجهها بكم درعها، قاله عمر بن الخطاب. وروي أن اسم إحداهما ليا والأخرى صفوريا ابنتا يثرون، ويثرون وهو شعيب عليه السلام. وقيل: ابن أخي شعيب، وأن شعيبا كان قد مات. وأكثر الناس على أنهما ابنتا شعيب عليه السلام وهو ظاهر القرآن، قال الله تعالى:" وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً" كذا في سورة" الأعراف" وفي سورة الشعراء:" كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ" قال قتادة: بعث الله تعالى شعيبا إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين. وقد مضى في" الأعراف" «3» الخلاف في أسم أبيه فروى أن موسى عليه السلام لما جاءته بالرسالة قام يتبعها، وكان بين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال، فهبت ريح فضمت قميصها فوصفت عجيزتها، فتحرج موسى من النظر
__________
(1). في الأصل: أبو إسحاق والتصويب عن تفسير ابن عطية والطبري.
(2). السلفع من النساء: الجريئة على الرجال.
(3). راجع ج 7 ص 247 طبعه أولى أو ثانية. [.....]

إليها فقال: ارجعي خلفي وأرشديني إلى الطريق بصوتك وقيل: إن موسى قال ابتداء: كوني ورائي فإني رجل عبراني لا أنظر في أدبار النساء، ودليني على الطريق يمينا أو يسارا، فذلك سبب وصفها [له ] بالأمانة، قاله ابن عباس. فوصل موسى إلى داعيه فقص عليه أمره من أوله إلى آخره فآنسه بقوله:" لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون وقرب إليه طعاما فقال موسى: لا أكل، إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا، فقال شعيب: ليس هذا عوض السقي، ولكن عادتي وعادة آبائي قرى الضيف، وإطعام