روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
/////////

 حمل المصحف

دعائي

فسبحان الله وبحمده  عدد خلقه وزنة عرشه  ورضا نفسه ومداد كلماته} أقولها ما حييت وبعد موتي  والي يوم الحساب وارحم  واغفر اللهم لوالديَّ ومن مات من اخوتي واهلي والمؤمنين منذ خَلَقْتَ الخلق الي يوم الحساب آمين وفرِّجِ كربي وردَّ اليَّ عافيتي وارضي عني في الدارين  واعِنِّي علي أن اُنْفِقها في سبيلك يا ربي اللهم فرِّج كربي واكفني همي واكشف البأساء والضراء عني وعنا.. وردَّ إليَّ عافيتي وثبتني علي دينك الحق ولا تُزِغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب اللهم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وتوفنا مع الأبرار وألِّفْ بين قلوبنا اجمعين.يا عزيز يا غفار ... اللهم واشفني شفاءاً لا يُغَادر سقما واعفو عني وعافني وارحمني وفرج كربي واكفني همي واعتقني مما أصابني من مكروه أنت تعلمه واعتقني من النار وقني عذاب القبر وعذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم ومن غلبة الدين وقهر الرجال اللهم آمين *اللهم ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عُقَد لساني واغنني بك عمن سواك يارب

الثلاثاء، 14 يونيو 2022

مجلد11. و12. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي

 

أولا : مجلد11.الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)

قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ) أي لأرواحهم. جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب (التذكرة). منها حديث البراء بن عازب، وفيه في قبض روح الكافر قال: ويخرج منها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة. فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ" الآية. وقيل: لا تفتح لهم أبواب السماء إذا دعوا، قاله مجاهد والنخعي. وقيل: المعنى لا تفتح لهم أبواب الجنة، لأن الجنة في السماء. ودل على ذلك قوله: (وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) والجمل لا يلج فلا يدخلونها البتة. وهذا دليل قطعي لا يجوز العفو عنهم. وعلى هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر لهم ولا لأحد منهم. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعا من الأمة؟ وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلدة اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار. قيل له: هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلد كافرا لشبهة دخلت عليهم، ولم يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار، والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر. وقرا حمزة والكسائي:" لا تُفَتَّحُ" بالياء مضمومة على تذكير الجمع. وقرا الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة، كما قال:" مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ «1»" فأنث. ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع. وهي قراءة ابن عباس بالياء وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي، على معنى أن التخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير، والتشديد هنا أولى لأنه على الكثير أدل. والجمل من الإبل. قال الفراء: الجمل زوج الناقة. وكذا قال عبد الله بن مسعود لما سئل عن الجمل فقال: هو زوج الناقة، كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعا. والجمع
__________
(1). راجع ج 15 ص 219.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)

جمال وأجمال وجمالات وجمائل. وإنما يسمى جملا إذا أربع. وفي قراءة عبد الله:" حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط". ذكره أبو بكر الأنباري حدثنا أبي حدثنا نصر بن داود حدثنا أبو عبيد حدثنا حجاج عن ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد قال في قراءة عبد الله ...، فذكره. وقرا ابن عباس" الجمل" بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها. وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس، وهو حبال مجموعة، جمع جملة، قاله أحمد بن يحيى ثعلب. وقيل: الحبل الغليظ من القنب. وقيل: الحبل الذي يصعد به في النخل. وروي عنه أيضا وعن سعيد بن جبير:" الجمل" بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلس أيضا والحبل، على ما ذكرنا آنفا. وروي عنه أيضا" الجمل" بضمتين جمع جمل، كأسد وأسد، والجمل مثل أسد وأسد. وعن أبي السمال" الجمل" بفتح الجيم وسكون الميم، تخفيف" جمل". وسم الخياط: ثقب الإبرة، عن ابن عباس وغيره. وكل ثقب لطيف في البدن يسمى سما وسما وجمعه سموم. وجمع السم القاتل سمام. وقرا ابن سيرين" في سم" بضم السين. والخياط: ما يخاط به، يقال: خياط ومخيط، مثل إزار ومئزر وقناع ومقنع." المهاد" الفراش. و" غَواشٍ" جمع غاشية، أي نيران تغشاهم. (وكذلك نجزى الظالمين) يعني الكفار. والله أعلم.

[سورة الأعراف (7): آية 42]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42)
قوله تعالى: (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) كلام معترض، أي والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ومعنى" لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها" أي أنه لم يكلف أحدا من نفقات الزوجات إلا ما وجد وتمكن منه، دون ما لا تناله يده، ولم يرد إثبات الاستطاعة قبل الفعل، قال ابن الطيب. نظيره" لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها «1»".
__________
(1). راجع ج 18 ص 170.

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)

[سورة الأعراف (7): آية 43]
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)
ذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغل من صدورهم. والنزع: الاستخراج والغل: الحقد الكامن في الصدر. والجمع غلال. أي أذهبنا في الجنة ما كان في قلوبهم من الغل في الدنيا. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الغل على باب الجنة كمبارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين). وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم:" وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ". وقيل: نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضا في تفاضل منازلهم. وقد قيل: إن ذلك يكون عن شراب الجنة، ولهذا قال:" وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً «1»" أي يطهر الأوضار من الصدور، على ما يأتي بيانه في سورة" الإنسان" و" الزمر «2»" إن شاء الله تعالى. (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) (أي لهذا «3») الثواب، بأن أرشدنا وخلق لنا الهداية. وهذا رد على القدرية. (وَما كُنَّا) قراءة ابن عامر بإسقاط الواو. والباقون بإثباتها. (لِنَهْتَدِيَ) لام كي. (لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ) في موضع رفع. (وَنُودُوا) أصله. نوديوا (أَنْ) في موضع نصب مخففة من الثقيلة، أي بأنه (تِلْكُمُ الْجَنَّةُ). وقد تكون تفسيرا لما نودوا به، لأن النداء قول، فلا يكون لها موضع. أي قيل لهم:" تِلْكُمُ الْجَنَّةُ" لأنهم وعدوا بها في الدنيا، أي قيل لهم: هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها، أو يقال ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد. وقيل:" تِلْكُمُ" بمعنى هذه. ومعنى (أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله. كما قال:" ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ «4»".
__________
(1). راجع ج 19 ص 141.
(2). راجع ج 15 ص 284.
(3). من ع.
(4). راجع ج 5 ص 271.

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)

وقال:" فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ «1»". وفي صحيح مسلم: (لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته منه وفضل). وفي غير الصحيح: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل، فإذا دخل أهل الجنة الجنة واهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا «2» إلى منازلهم فيها، فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله. ثم يقال: يأهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون، فتقسم بين أهل الجنة منازلهم. قلت: وفي صحيح مسلم: (لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا). فهذا أيضا ميراث، نعم بفضله من شاء وعذب بعدله من شاء. وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته، فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته، إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم. وقرى" أورثتموها" من غير إدغام. وقرئ بإدغام التاء في الثاء.

[سورة الأعراف (7): آية 44]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)
قوله تعالى: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) هذا سؤال تقريع وتعيير. (أَنْ قَدْ وَجَدْنا) مثل" أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ" أي أنه قد وجدنا. وقيل: هو نفس النداء. (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ) أي نادى وصوت، يعني من الملائكة." بَيْنَهُمْ" ظرف، كما تقول: أعلم وسطهم. وقرأ الأعمش والكسائي:" نعم" بكسر العين وتجوز على هذه اللغة بإسكان العين. قال مكي: من قال" نعم" بكسر العين أراد أن يفرق بين" نعم" التي هي جواب وبين" نعم" التي هي اسم للإبل والبقر والغنم. وقد روي عن عمر إنكار" نعم" بفتح العين في الجواب، وقال: قل
__________
(1). راجع ج 6 ص 27.
(2). في ك: فينظرون.

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)

نعم. ونعم ونعم، لغتان بمعنى العدة والتصديق. فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك: أيقوم زيد؟ فيقول نعم. والتصديق إذا أخبرت عما وقع، تقول: قد كان كذا وكذا، فيقول نعم. فإذا استفهمت عن منفي فالجواب بلى نحو قولك ألم أكرمك، فيقول بلى. فنعم لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية. وبلى، لجواب الاستفهام الداخل على النفي، كما قال تعالى:" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «1»". وقرا البزي وابن عامر وحمزة والكسائي" أن لعنة الله" وهو الأصل. وقرا الباقون بتخفيف" أن" ورفع اللعنة على الابتداء. ف" أن" في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض. ويجوز في المخففة ألا يكون لها موضع من الإعراب، وتكون مفسرة كما تقوم. وحكي عن الأعمش أنه قرأ" إن لعنة الله" بكسر الهمزة، فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون «2»" فناداه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله" ويروى أن طاوسا دخل على هشام بن عبد الملك فقال له: اتق الله واحذر يوم الأذان. فقال: وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالى:" فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" فصعق هشام. فقال طاوس: هذا ذل الصفة فكيف ذل المعاينة.

[سورة الأعراف (7): آية 45]
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45)
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) في موضع خفض ل" ظالمين" على النعت. ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم أو أعني. أي الذين كانوا يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام. فهو من الصد الذي هو المنع. أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون. وهذا من الصدود. (وَيَبْغُونَها عِوَجاً) يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها. وقد مضى هذا «3» المعنى.- (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ) أي وكانوا بها كافرين، فحذف وهو كثير في الكلام.
__________
(1). راجع ص 313 من هذا الجزء.
(2). كذا في الأصول. وتقدم في ج 4 ص 74 أنها قراءة حمزة والكسائي فيكون الصواب: الكوفيان. وفى الشواذ قراءة ابن مسعود.
(3). راجع ج 4 ص 154.

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

[سورة الأعراف (7): آية 46]
وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)
أي بين النار والجنة- لأنه جرى ذكرهما- حاجز، أسور. وهو السور الذي ذكره الله في قوله:" فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ «1»". (وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ) أي على أعراف السور، وهي شرفه. ومنه عرف الفرس وعرف الديك. روى عبد الله بن أبي «2» يزيد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف الشيء المشرف. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك. والأعراف في اللغة: المكان المشرف، جمع عرف. قال يحيى بن آدم: سألت الكسائي عن واحد الأعراف فسكت، فقلت: حدثنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف كعرف الديك. فقال: نعم والله، واحده يعني، وجماعته أعراف، يا غلام، هات القرطاس، فكتبه. وهذا الكلام خرج مخرج. المدح، كما قال فيه:" رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ «3»" وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال: فقال عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وابن جبير: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. قال ابن عطية: وفي مسند خيثمة بن سليمان (في آخر الجزء الخامس عشر) حديث عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صوابه «4» دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صوابه دخل النار). قيل: يا وسول الله، فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: (أولئك أصحاب الأعراف) (لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ). وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء. وقيل: هم الشهداء، ذكره المهدوي. وقال القشيري: وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم، وتفرغوا لمطالعة حال الناس، فإذا
__________
(1). راجع ج 17 ص 245.
(2). كذا في أو ج وك. وفى ز: ابن أبى زيد. والظاهر: ابن زيد. راجع ج 12 ص 264.
(3). كذا في أو ج وك. وفى ز: ابن أبى زيد. والظاهر: ابن زيد. راجع ج 12 ص 264. [.....]
(4). الصؤابة: بيضة القملة.

رأوا أصحاب النار تعوذوا بالله أن يردوا إلى النار، فإن في قدرة الله كل شي، وخلاف المعلوم مقدور. فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعد يرجون لهم دخولها. وقال شرحبيل بن سعد: هم المستشهدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم. وذكر الطبري في ذلك حديثا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأنه تعادل عقوقهم واستشهادهم. وذكر الثعلبي بإسناده عن ابن عباس في قول عز وجل:" وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ" قال: الأعراف موضع عال على الصراط، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي الله عنهم، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه. وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة. واختار هذا القول النحاس، وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه، فهم على السور بين الجنة والنار. وقال الزجاج: هم قوم أنبياء. وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم. وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف، لأن مذهبه أنهم مذنبون. وقيل: هم أولاد الزنى «1»، ذكره القشيري عن ابن عباس. وقيل: هم ملائكة موكلون بهذا السور، يميزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، ذكره أبو مجلز. فقيل له: لا يقال للملائكة رجال؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم، كما أوقع على الجن في قوله:" وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ «2»" فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم، فيبشرون المؤمنين فبدخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعد فيطمعون فيها. وإذا رأوا أهل النار دعوا لأنفسهم بالسلامة من العذاب. قال ابن عطية: واللازم من الآية أن على الأعراف رجالا من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين. أي بعلاماتهم، وهي بياض الوجوه وحسنها في أهل الجنة، وسوادها وقبحها في أهل النار، إلى غير ذلك من معرفة حيز هؤلاء وحيز هؤلاء.
__________
(1). في ع: الزناة.
(2). راجع ج 19 ص 8.

وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)

قلت: فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم. ثم قيل: الأعراف جمع عرف وهو كل عال مرتفع، لأنه بظهوره أعرف من المنخفض. قال ابن عباس: الأعراف شر ف الصراط. وقيل: هو جبل أحد يوضع هناك. قال ابن عطية: وذكر الزهراوي حديثا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن أحدا جبل يحبنا ونحبه وإنه يوم القيامة يمثل بين الجنة والنار يحبس عليه أقوام يعرفون كلا بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة (. وذكر حديثا آخر عن صفوان بن سليم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:) إن أحدا على ركن من أركان الجنة (. قلت: وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:) أحد جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلى ترعة من ترع الجنة (. قوله تعالى:) وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ) أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة. أن سلام عليكم أي قالوا لهم سلام عليكم. وقيل: المعنى سلمتم من العقوبة. لم يدخلوها وهم يطعمون أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، أي لم يدخلوها بعد." وَهُمْ يَطْمَعُونَ" على هذا التأويل بمعنى وهم يعلمون أنهم يدخلونها. وذلك معروف في اللغة أن يكون طمع بمعنى علم، ذكره النحاس. وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما، أن المراد أصحاب الأعراف. وقال أبو مجلز: هم أهل الجنة، أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها للمؤمنين المارين على أصحاب الأعراف. والوقف على قوله:" سَلامٌ عَلَيْكُمْ". وعلى قوله:" لَمْ يَدْخُلُوها". ثم يبتدئ" وَهُمْ يَطْمَعُونَ" على معنى وهم يطمعون في دخولها. ويجوز أن يكون" وَهُمْ يَطْمَعُونَ" حالا، ويكون المعنى: لم يدخلها المؤمنون المارون على أصحاب الأعراف طامعين، وإنما دخلوها غير طامعين في دخولها، فلا يوقف على" لَمْ يَدْخُلُوها".

[سورة الأعراف (7): آية 47]
وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)

وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)

قوله تعالى: (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ) أي جهة اللقاء وهي جهة المقابلة. ولم يأت مصدر على تفعال غير حرفين «1»: تلقاء وتبيان. والباقي بالفتح، مثل تسيار وتهمام وتذكار. وأما الاسم بالكسر فيه فكثير، مثل تقصار وتمثال. قالوا أي قال أصحاب الأعراف. (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) سألوا الله ألا يجعلهم معهم، وقد علموا أنه لا يجعلهم معهم. فهذا على سبيل التذلل، كما يقول أهل الجنة:" رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا «2»" ويقولون: الحمد لله. على سبيل الشكر لله عز وجل. ولهم في ذلك لذة.

[سورة الأعراف (7): الآيات 48 الى 49]
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)
قوله تعالى: (وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ) أي من أهل النار. (قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) أي للدنيا واستكباركم عن الإيمان. (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ) إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء، كبلال وسلمان وخباب وغيرهم. (أَقْسَمْتُمْ) في الدنيا. (لا يَنالُهُمُ اللَّهُ) في الآخرة. (بِرَحْمَةٍ) يوبخونهم بذلك. وزيدوا غما وحسرة بأن قالوا لهم (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) وقرا عكرمة" دخلوا الجنة" بغير ألف والدال مفتوحة. وقرا طلحة بن مصرف" أدخلوا الجنة" بكسر الخاء على أنه فعل ماض «3». ودلت الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء، فإن قولهم ذلك إخبار عن الله تعالى ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار" وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ" ويكون" أَهؤُلاءِ الَّذِينَ" إلى آخر الآية من قول الله تعالى لأهل النار توبيخا لهم على ما كان من قولهم في الدنيا. وروي عن ابن عباس، والأول عن الحسن. وقيل: هو من كلام الملائكة
__________
(1). الذي في المصباح: قالوا ولم يجئ بالكسر إلا تبيان وتلقاء والتنضال. قلت: في هذه الصيغة خلاف.
(2). راجع ج 18 ص 197.
(3). فعل ماض مبنى للمجهول كما في أبى حيان.

وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)

الموكلين بأصحاب الأعراف، فإن أهل النار يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار فتقول الملائكة لأصحاب الأعراف:" ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ"

[سورة الأعراف (7): آية 50]
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50)
قوله تعالى: (وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَنادى ) قيل: إذا صار أهل الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار فقالوا: يا ربنا إن لنا قرابات في الجنة فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم. وأهل الجنة لا يعرفونهم لسواد وجوههم. فيقولون: (أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) فبين أن ابن آدم لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب. (قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) يعني طعام الجنة وشرابها. والإفاضة التوسعة، يقال: أفاض عليه نعمه. الثانية- في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال: الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة" أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ". وروى أبو داود أن سعدا أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أي الصدقة «1» أعجب إليك؟ قال: (الماء). وفي رواية: فحفر بئرا فقال: (هذه لأم سعد). وعن أنس قال قال سعد: يا رسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: (نعم وعليك بالماء). وفي رواية أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر سعد بن عبادة أن يسقي عنها الماء. فدل على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى. وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه. روى
__________
(1). في ك: أي الأعمال.

الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)

البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (بينا رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذ كلب يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله «1» له فغفر له (. قالوا: يا رسول الله، وألنا في البهائم لأجرا؟ قال:) في كل ذات كبد رطبة «2» أجر". وعكس هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش «3» الأرض (. وفي حديث عائشة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها (. خرجه ابن ماجة في السنن. الثالثة- وقد استدل بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده، لأن معنى قول أهل الجنة:" إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ" لا حق لكم فيها. وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا المعنى: (باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه) وأدخل في الباب عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (والذي نفسي بيده لأذودن رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض). قال المهلب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه، لقوله عليه السلام: (لأذودن رجالا عن حوضي).

[سورة الأعراف (7): آية 51]
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51)
الَّذِينَ" في موضع خفض نعت للكافرين. وقد يكون رفعا ونصبا بإضمار. قيل: هو من قول أهل الجنة. فاليوم ننساهم أي نتركهم في النار. كما نسوا لقاء يومهم
__________
(1). أي أثنى عليه أو قبل عمله ذلك، أو أظهر ما جازاه به عند ملائكته. (عن شرح القسطلاني).
(2). روايه البخاري وأحمد وابن ماجة" في كل ذات كبد حراء أجر".
(3). خشاش الأرض (مثلثة الخاء): هوامها وحشراتها.

وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)

هذا أي تركوا العمل به وكذبوا به. و" ما" مصدرية، أي كنسيهم. (وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ) عطف عليه، وجحدهم.

[سورة الأعراف (7): آية 52]
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ) يعني القرآن." فَصَّلْناهُ" أي بيناه حتى يعرفه من تدبره وقيل:" فَصَّلْناهُ" أنزلناه متفرقا. (عَلى عِلْمٍ) منا به، لم يقع فيه سهو ولا غلط. (هُدىً وَرَحْمَةً) قال الزجاج: أي هاديا وذا رحمة، فجعله حالا من الهاء التي في" فَصَّلْناهُ". قال ويجوز هدى ورحمة، بمعنى هو هدى ورحمة. وقيل: يجوز هدى ورحمة بالخفض على المن كتاب. وقال الكسائي والفراء: ويجوز هدى ورحمة بالخفض على النعت لكتاب. قال الفراء: مثل" وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ «1»". (لقوم يؤمنون) خص المؤمنون لأنهم المنتفعون به.

[سورة الأعراف (7): آية 53]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53)
قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) بالهمز، من آل. واهل المدينة يخففون الهمزة. والنظر: الانتظار، أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب. وقيل:" يَنْظُرُونَ" من النظر إلى يوم القيامة. فالكناية في" تَأْوِيلَهُ" ترجع إلى الكتاب. وعاقبة «2» الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب. وقال مجاهد:" تَأْوِيلَهُ"
__________
(1). راجع ص 142 من هذا الجزء.
(2). كذا في الأصول ولعله بعد قول قتادة الآتي.

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)

جزاؤه، أي جزاء تكذيبهم بالكتاب. قال قتادة:" تَأْوِيلَهُ" عاقبته. والمعنى متقارب. (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي تبدو عواقبه يوم القيامة. و" يَوْمَ" منصوب ب" يَقُولُ"، أي يقول الذين نسوه من قبل يوم يأتي تأويله. (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ) استفهام فيه معنى التمني. (فَيَشْفَعُوا) نصب لأنه جواب الاستفهام. (لَنا أَوْ نُرَدُّ) قال الفراء: المعنى أو هل نرد. (فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) قال الزجاج: نرد عطف على المعنى، أي هل يشفع لنا أحد أو نرد. وقرا ابن إسحاق" أنرد فنعمل" بالنصب فيهما. والمعنى إلا أن نرد، كما قال «1»:
فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وقرأ الحسن" أو نرد فنعمل" برفعهما جميعا. (قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) أي فلم ينتفعوا بها، وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسرها. وقيل: خسروا النعم وحظ أنفسهم منها. (وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) أي بطل ما كانوا يقولون من أن مع الله إلها آخر.

[سورة الأعراف (7): آية 54]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54)
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) بين أنه المنفرد بقدرة الإيجاد، فهو الذي يجب أن يعبد واصل" سِتَّةِ" سدسة، فأرادوا إدغام الدال في السين فالتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما. وإن شئت قلت: أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال، لأنك تقول في تصغيرها: سديسة، وفي الجمع أسداس، والجمع والتصغير يردان الأسماء إلى أصولها. ويقولون: جاء فلان سادسا وسادتا وساتا، فمن قال:
__________
(1). هو امرؤ القيس.

سادتا أيدل من السين تاء. واليوم: من طلوع الشمس إلى غروبها. فإن لم يكن شمس فلا يوم، قال القشيري. وقال: ومعنى (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) أي من أيام الآخرة، كل يوم ألف سنة، لتفخيم خلق السماوات والأرض. وقيل: من أيام الدنيا. قال مجاهد وغيره: أولها الأحد وآخرها الجمعة. وذكر هذه المدة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل، إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون. ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور، ولتظهر قدرته للملائكة شيئا بعد شي. وهذا عند من يقول: خلق الملائكة قبل خلق السماوات والأرض. وحكمة أخرى- خلقها في ستة أيام لأن لكل شي عنده أجلا. وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب، لأن لكل شي عنده أجلا. وهذا كقول: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ. فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ «1»). بعد أن قال:" وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً" قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) هذه مسألة الاستواء، وللعلماء فيها كلام وإجراء. وقد بينا أقوال العلماء فيها في الكتاب (الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى) وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولا. والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين. وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم- يعني في اللغة- والكيف
__________
(1). راجع ج 17 ص 22. فما بعد. [.....]

مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء. والاستواء في كلام العرب هو العلو والاستقرار. قال الجوهري: واستوى من اعوجاج، واستوى على ظهر دابته، أي استقر. واستوى إلى السماء أي قصد. واستوى أي استولى وظهر. قال:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
واستوى الرجل أي انتهى شبابه. واستوى الشيء إذا اعتدل. وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى:" الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «1»" قال: علا. وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة ... وقد حلق النجم اليماني فاستوى
أي علا وارتفع. قلت: فعلوا الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علو مجده وصفاته وملكوته. أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلو مشتركا بينه وبينه، لكنه العلي بالإطلاق سبحانه. قوله تعالى: (عَلَى الْعَرْشِ) لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد. قال الجوهري وغيره: العرش سرير الملك. وفي التنزيل" نَكِّرُوا لَها عَرْشَها «2»"،" ورفع أبويه على العرش «3»" والعرش: سقف البيت. وعرش القدم: ما نتأ في ظهرها وفية الأصابع. وعرش السماك: أربعة كواكب صغار أسفل من العواء «4»، يقال: إنها عجز الأسد. وعرش البئر: طيها بالخشب، بعد أن يطوى أسفلها بالحجارة قدر قامة، فذلك الخشب هو العرش، والجمع عروش. والعرش اسم لمكة. والعرش الملك والسلطان. يقال: ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزه. قال زهير:
تداركتما عبسا وقد ثل عرشها ... وذبيان إذ ذلت بأقدامها النعل
__________
(1). راجع ج 11 ص 169.
(2). راجع ج 13 ص 207.
(3). راجع ج 9 ص 462.
(4). العواء: خمسة كواكب على خط معقف. وقال ابن سيده. العواء منزل من منازل القمر، يمد ويقصر والألف في آخره للتأنيث.

وقد يئول العرش في الآية بمعنى الملك، أي ما استوى الملك إلا له جل وعز. وهو قول حسن وفية نظر، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا. والحمد لله. قوله تعالى: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ) أي يجعله كالغشاء، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل. فالليل للسكون، والنهار للمعاش. وقرى" يغشى" بالتشديد، ومثله في" الرعد «1»". وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي. وخفف الباقون. وهما لغتان أغشى وغشى. وقد أجمعوا على" فَغَشَّاها «2» ما غَشَّى" مشددا. وأجمعوا على" فَأَغْشَيْناهُمْ «3»" فالقراءتان متساويتان. وفي التشديد معنى التكرير والتكثير. والتغشية والإغشاء: إلباس الشيء الشيء. ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، مثل" سَرابِيلَ تَقِيكُمُ «4» الْحَرَّ"." بِيَدِكَ الْخَيْرُ «5»". وقرا حميد بن قيس" يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ" ومعناه أن النهار يغشى الليل. (يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) أي يطلبه دائما من غير فتور. و" يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ" في موضع نصب على الحال. والتقدير: استوى على العرش مغشيا الليل النهار. وكذا" يَطْلُبُهُ حَثِيثاً" حال من الليل، أي يغشي الليل النهار طالبا له. ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال." حَثِيثاً" بدل من طالب المقدر أو نعت له، أو نعت لمصدر محذوف، أي يطلبه طلبا سريعا. والحث: الإعجال والسرعة. وولى حثيثا أي مسرعا. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ) قال الأخفش: هي معطوفة على السماوات، أي وخلق الشمس. وروي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر. قوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) فيه مسألتان الأولى- صدق الله في خبره، فله الخلق وله الأمر، خلقهم وأمرهم بما أحب. وهذا الأمر يقتضي النهي. قال ابن عيينة: فرق بين الخلق والأمر، فمن جمع بينهما فقد كفر.
__________
(1). راجع ج 9 ص 280.
(2). راجع ج 17 ص 121.
(3). راجع ج 15 ص 9.
(4). راجع ج 10 ص 159.
(5). راجع ج 4 ص 51.

فالخلق المخلوق، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله:" كُنْ"." إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1»" وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بين على فساد قول من قال بخلق القرآن، إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقا لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق. وذلك عي من الكلام ومستهجن ومستغث. والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه. ويدل عليه قوله سبحانه." وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ «2» بِأَمْرِهِ"." وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ «3»". فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره، فلو كان الأمر مخلوقا لافتقر إلى أمر آخر يقوم به، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له. وذلك محال. فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق، ليصح قيام المخلوقات به. ويدل عليه أيضا قوله تعالى:" وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا «4» بِالْحَقِّ". وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق، يعني القول وهو قوله للمكونات:" كُنْ". فلو كان الحق مخلوقا لما صح أن يخلق به المخلوقات، لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق. يدل عليه" وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ"." إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ «5»"." وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي «6»". وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القدم «7»، وذلك يوجب الأزل في الوجود. وهذه النكتة كافية في الرد عليهم. ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم، مثل قوله تعالى:" ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ" الآية. ومثل قوله تعالى:" وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً «8»". و" مَفْعُولًا «9»" وما كان مثله. قال القاضي أبو بكر: معنى" ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ «10»" أي من وعظ من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووعد وتخويف" إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ"، لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر. قال الله تعالى:" فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ «11»". ويقال: فلان في مجلس الذكر. ومعنى" وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً" و" مَفْعُولًا" أراد سبحانه
__________
(1). راجع ج 15 ص 60 وص 139.
(2). راجع ج 14 ص 19 وص 965 188.
(3). راجع ج 10 ص 83 وص 53.
(4). راجع ج 10 ص 83 وص 53.
(5). راجع ج 11 ص 345 وص 266. [.....]
(6). راجع ج 14 ص 19 وص 965 188.
(7). في ج: القديم.
(8). راجع ج 14 ص 19 وص 965 188.
(9). راجع ج 14 ص 19 وص 965 188.
(10). راجع ج 11 ص 345 وص 266.
(11) راجع ج 20 ص 37.

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)

عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدره من أفعاله. ومن ذلك قوله تعالى:" حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا «1»" وقال عز وجل:" وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ" يعني به شأنه وأفعال وطرائقه. قال الشاعر:
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت ... بأخفافها مرعى تبوأ مضجعا
الثانية- وإذا تقرر هذا فأعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شي. والمعتزلة تقول: الأمر نفس الإرادة. وليس بصحيح، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد. ألا ترى أنه أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده منه، وأمر نبيه أن يصلي مع أمته خمسين صلاة، ولم يرد منه إلا خمس صلوات. وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول:" وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ «2»". وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به. وهذا صحيح نفيس فبابه، فتأمله. قوله تعالى: (تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)" تَبارَكَ" تفاعل، من البركة وهي الكثرة والاتساع. يقال بورك الشيء وبورك فيه، قال ابن عرفة. وقال الأزهري:" تَبارَكَ" تعالى وتعاظم وارتفع. وقيل: إن باسمه يتبرك ويتيمن. وقد مضى في الفاتحة معنى" رَبُّ الْعالَمِينَ «3»"

[سورة الأعراف (7): آية 55]
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)
فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ) هذا أمر بالدعاء وتعبد به. ثم قرن جل وعز بالأمر صفات تحسن معه، وهي الخشوع والاستكانة والتضرع. ومعنى" خُفْيَةً" أي سرا في النفس ليبعد عن الرياء، وبذلك أثنى على نبيه زكريا عليه السلام إذ قال مخبرا عنه:" إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا «4»". ونحوه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي). والشريعة مقررة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجرا من الجهر.
__________
(1). راجع ج 9 ص 33 وص 93.
(2). راجع ج 4 ص 218.
(3). راجع ج 1 ص 136.
(4). راجع ج 11 ص 76.

وقد تقدم هذا المعنى في" البقرة «1»". قال الحسن بن أبي الحسن: لقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سرا فيكون جهرا أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً). وذكر عبد اصالحا رضي فعله فقال:" إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا". وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء" آمين" أولى من الجهر بها، لأنه دعاء. وقد مضى القول فيه في" الفاتحة «2»". وروى مسلم عن أبي موسى قال: كنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر- وفي رواية في غزاة- فجعل الناس يجهرون بالتكبير- وفي رواية فجعل رجل كلما علا ثنية قال: لا إله إلا الله- فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أيها الناس اربعوا «3» على أنفسكم إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم). الحديث. الثانية- واختلف العلماء في رفع اليدين في الدعاء، فكرهه طائفة منهم جبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير. وراي شريح رجلا رافعا يديه فقال: من تتناول بهما، لا أم لك! وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم: قطعها الله. واختاروا إذا دعا الله في حاجة أن يشير بإصبعه السبابة. ويقولون: ذلك الإخلاص. وكان قتادة يشير بإصبعه ولا يرفع يديه. وكره رفع الأيدي عطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم. وروى جواز الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين، وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذكره البخاري. قال أبو موسى الأشعري: دعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه. ومثله عن أنس. وقال ابن عمر: رفع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يديه وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد «4». وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله
__________
(1). راجع ج 3 ص 332.
(2). راجع ج 1 ص 127.
(3). أي ارفقوا بها ولا تبالغوا في الجهد.
(4). هو خالد بن الوليد، بعثه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بنى جذيمة داعيا إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر. فنقم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على خالد استعجاله في شأنهم وترك التثبت في أمرهم. راجع كتاب المغازي في صحيح البخاري. [.....]

عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر «1» رجلا، فاستقبل نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القبلة مادا يديه، فجعل يهتف بربه، وذكر الحديث. وروى الترمذي عنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رفع يديه لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. قال: هذا حديث صحيح غريب. وروى ابن ماجة عن سلمان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع يديه إليه فيردهما صفرا (أو قال «2») خائبتين (. احتج الأولون بما رواه مسلم عن عمارة بن رويبة وراي بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة. وبما روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن أنس ابن مالك حدثه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان لا يرفع يديه في شي من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفعهما حتى يرى بياض إبطيه. والأول أصح طرقا وأثبت من حديث سعيد بن أبي عروبة، فإن سعيدا كان قد تغير عقله في آخر عمره. وقد خالفه شعبة في روايته عن قتادة عن أنس (بن مالك «3») فقال فيه: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه. وقد قيل: إنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة أن الرفع عند ذلك جميل حسن كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الاستسقاء ويوم بدر. قلت: والدعاء حسن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله عز وجل، والتذلل له والخضوع. فإن شاء استقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا، فقد فعل ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسبما ورد في الأحاديث. وقد قال تعالى:" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً". ولم يرد «4» صفة من رفع يدين وغيرها. وقال:" الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً «5»" فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر. وقد دعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة.
__________
(1). تقدم في ج 3 ص 255. أن أهل بدر كأصحاب طالوت وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. وهذا هو المشهور. فليراجع.
(2). الزيادة عن سنن ابن ماجة.
(3). من ج.
(4). في ع: ولم ترد صفة.
(5). راجع ج 4 ص 305.

وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)

الثالثة- قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاما (إلى هذا هي الإشارة «1». والمعتدي هو المجاوز للحد ومرتكب الحظر. وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء). أخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة. حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بني، سل الله الجنة وعذبه من النار، فإني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء). والاعتداء في الدعاء على وجوه: منها الجهر الكثير والصياح، كما تقدم. ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي، أو يدعو في محال، ونحو هذا من الشطط. ومنها أن يدعو طالبا معصية وغير ذلك. ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظا مفقرة «2» وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله عليه السلام. وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء. كما تقدم في البقرة بيانه «3».

[سورة الأعراف (7): آية 56]
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)
قوله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) فيه مسألة واحدة وهو أنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر. فهو على العموم على الصحيح من الأقوال. وقال الضحاك: معناه لا تعوروا «4» الماء المعين، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا. وقد ورد: قطع الدنانير من الفساد في الأرض. وقد قيل: تجارة الحكام من الفساد في الأرض. وقال القشيري: المراد ولا تشركوا، فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرج في الأرض، وأمر بلزوم الشرائع بعد إصلاحها، بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسل، وتقرير «5»
__________
(1). ما بين المربعات هكذا ورد في نسخ الأصل ولعله زيادة من الناسخ.
(2). في ع: مقفاه.
(3). راجع ج 2 ص 308.
(4). عورت عيون المياه: إذا دفنها وسددتها.
(5). في ز: تقدير.

الشرائع ووضوح ملة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن عطية: وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر. قلت: وأما ما ذكره الضحاك فليس على عمومه، وإنما ذلك إذا كان فيه ضرر على المؤمن، وأما ما يعود ضرره على المشركين فذلك جائز، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد عور ماء قليب «1» بدر وقطع شجر الكافرين. وسيأتي الكلام في قطع الدنانير في" هود «2»" إن شاء الله تعالى. (وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً) أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل لله عز وجل، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، قال الله تعالى:" نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ «3»". فرجي وخوف. فيدعو الإنسان خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه، قال الله تعالى:" وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً «4»". وسيأتي القول فيه. والخوف: الانزعاج لما لا يؤمن من المضار. والطمع: توقع المحبوب، قال القشيري. وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلب «5» الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله). صحيح أخرجه مسلم. قوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ولم يقل قريبة. ففيه سبعة أوجه: أولها أن الرحمة والرحم واحد، وهي بمعنى العفو الغفران، قاله الزجاج واختاره النحاس. وقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، وحق المصدر التذكير، كقوله:" فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ «6»". وهذا قريب من قول الزجاج، لأن الموعظة بمعنى الوعظ. وقيل: أراد بالرحمة الإحسان،
__________
(1). القليب (بفتح القاف): البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها رب ولا حافر، تكون في البراري.
(2). راجع ج 9 ص 84.
(3). راجع ج 10 ص 34.
(4). راجع ج 11 ص 336. [.....]
(5). هذا يخالف ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام لو وزن خوف المؤمن ورجاءه بميزان تريص ما زاد أحدهما على الآخر، وفى رواية" لاعتدلا". وورد عن حذيفة رضى الله عنه حين احتضر: اللهم إنك أمرتنا أن نعدل بين الخوف والرجاء والآن الرجاء فيك أمثل.
(6). راجع ج 3 ص 347.

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)

ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره، ذكره الجوهري. وقيل: أراد بالرحمة هنا المطر، قاله الأخفش. قال: ويجوز أن يذكر كما يذكر بعض المؤنث. وأنشد:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها «1»
وقال أبو عبيدة: ذكر" قَرِيبٌ" على تذكير المكان، أي مكانا قريبا. قال علي بن سليمان: وهذا خطأ، ولو كان كما قال لكان" قَرِيبٌ" منصوبا في القرآن، كما تقول: إن زيدا قريبا منك. وقيل: ذكر على النسب، كأنه قال: إن رحمة الله ذات قرب، كما تقول: امرأة طالق وحائض. وقال الفراء: إذا كان القريب في معنى المسافة يذكر مؤنث، إن كان في معنى النسب يؤنث بلا اختلاف بينهم. تقول: هذه المرأة قريبتي، أي ذات قرابتي، ذكره الجوهري. وذكره غيره عن الفراء: يقال في النسب قريبة فلان، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث، يقال: دارك منا قريب، وفلانة منا قريب، قال الله تعالى:" وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً «2»". وقال من احتج له: كذا كلام العرب، كما قال امرؤ القيس:
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا
قال الزجاج: وهذا خطأ، لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما.

[سورة الأعراف (7): آية 57]
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) عطف على قوله:" يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ". ذكر شيئا آخر من نعمه، ودل على وحدانيته وثبوت إلهيته. وقد مضى الكلام
__________
(1). البيت لعامر بن جوين الطائي. وصف أرضا مخصبة لكثرة ما نزل بها من الغيث. والودق: المطر. والمزنة: السحابة (عن شرح الشواهد).
(2). راجع ج 14 ص 248.

في الريح في البقرة «1». ورياح جمع كثرة وأرواح جمع قلة. واصل ريح روح. وقد خطئ من قال في جمع القلة أرياح." بُشْراً" فيه سبع قراءات: قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو" نشرا" بضم النون والشين جمع ناشر على معنى النسب، أي ذات نشر، فهو مثل شاهد وشهد. ويجوز أن يكون جمع نشور كرسول ورسل. يقال: ريح النشور إذا أتت من هاهنا وهاهنا. والنشور بمعنى المنشور، كالركوب بمعنى المركوب. أي وهو الذي يرسل الرياح منشرة. وقرا الحسن وقتادة" نشرا" بضم النون وإسكان الشين مخففا من نشر، كما يقال: كتب ورسل. وقرا الأعمش وحمزة" نشرا" بفتح النون وإسكان الشين على المصدر، أعمل فيه معنى ما قبله، كأنه قال: وهو الذي ينشر الرياح نشرا. نشرت الشيء فانتشر، فكأنها كانت مطوية فنشرت عند الهبوب. ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال من الرياح، كأنه قال يرسل الرياح منشرة، أي محيية، من أنشر الله الميت فنشر، كما تقول أتانا ركضا، أي راكضا. وقد قيل: إن نشرا (بالفتح) من النشر الذي هو خلاف الطي على ما ذكرنا. كأن الريح في سكونها كالمطوية ثم ترسل من طيها ذلك فتصير كالمنفتحة. وقد فسره أبو عبيد بمعنى متفرقة في وجوهها، على معنى ينشرها هاهنا وهاهنا. وقرا عاصم:" بشرا" بالباء وإسكان الشين والتنوين جمع بشير، أي الرياح تبشر بالمطر. وشاهده قوله:" وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ «2»". واصل الشين الضم، لكن سكنت تخفيفا كرسل ورسل. وروي عنه" بشرا" بفتح الباء. قال النحاس: ويقرأ" بشرا" و" بشر مصدر بشره يبشره بمعنى بشره" فهذه خمس قراءات. وقرا محمد اليماني" بشرى" على وزن حبلى. وقراءة سابعة" بشرى" بضم الباء والشين. (حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا) السحاب يذكر ويؤنث. وكذا كل جمع بينه وبين واحدته هاء. ويجوز نعته بواحد فتقول: سحاب ثقيل وثقيلة. والمعنى: حملت الريح سحابا ثقالا بالماء، أي أثقلت بحمله. يقال: أقل فلان الشيء أي حمله. سقناه
__________
(1). راجع ج 2 ص 197.
(2). راجع ج 14 ص 43.

أي السحاب. (لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) أي ليس فيه نبات. يقال: سقته لبلد كذا وإلى بلد كذا. وقيل لأجل بلد ميت، فاللام لام أجل. والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون. والبلدة والبلد واحد البلاد والبلدان. والبلد الأثر وجمعه أبلاد. قال الشاعر:
من بعد ما شمل البلى أبلادها «1»

والبلد: أدحي «2» النعام. يقال: هو أذل من بيضة البلد، أي من بيضة النعام التي يتركها. والبلدة الأرض، يقال: هذه بلدتنا كما يقال بحرتنا. والبلدة من منازل القمر، وهي ستة أنجم من القوس تنزلها الشمس في أقصر يوم في السنة. والبلدة الصدر، يقال: فلان واسع البلدة أي واسع قال الشاعر:
أنيخت فألقت بلدة فوق «3» بلدة ... قليل بها الأصوات إلا بغامها
يقول: بركت الناقة فألقت صدرها على الأرض. والبلدة (بفتح الباء وضمها): نقاوة ما بين الحاجبين، فهما من الألفاظ المشتركة. (فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ) أي بالبلد. وقيل: أنزلنا بالسحاب الماء، لأن السحاب آلة لإنزال الماء. ويحتمل أن يكون المعنى فأنزلنا منه الماء، كقوله:" يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ «4»" أي منها. (فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الكاف في موضع نصب. أي مثل ذلك الإخراج نحيي الموتى. وخرج البيهقي وغيره عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يعيد الله الخلق، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (أما مررت بوادي قومك جدبا ثم مررت به يهتز خضرا) قال: نعم، قال: (فتلك آية الله في خلقه). وقيل: وجه التشبيه أن إحياءهم من قبورهم يكون بمطر يبعثه الله على قبورهم، فتنشق عنهم القبور، ثم تعود إليهم الأرواح. وفي صحيح
__________
(1). هذا عجز بيت لابن الرقاع. وصدره:
عرف الديار توهما فاعتادها

(2). الأدحي (بضم الهمزة وكسرها: مبيض النعام في الرمل، لأن النعام تبيض فيه وليس للنعام عش.
(3). في الأصول:" بعد". والتصويب عن اللسان وديوان ذى الرمة. أراد بالبلدة الأولى ما يقع على الأرض من صدرها. وبالثانية الفلاة التي أناخ ناقته فيها. والبغام: صوت الناقة وأصله للظبي فاستعاره للناقة.
(4). راجع ج 19 ص 122.

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)

مسلم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ثم يرسل الله- أو قال ينزل الله- مطرا كأنه الطل فتنبت منه أجساد الناس ثم يقال يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسئولون (. وذكر الحديث. وقد ذكرناه بكماله في كتاب (التذكرة) والحمد لله. فدل على البعث والنشور، وإلى الله ترجع الأمور.

[سورة الأعراف (7): آية 58]
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)
قوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) أي التربة الطيبة. والخبيث الذي في تربته حجارة أو شوك، عن الحسن. وقيل: معناه التشبيه، شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب، والبليد بالذي خبث، عن النحاس. وقيل: هذا مثل للقلوب، فقلب يقبل الوعظ والذكرى، وقلب فاسق ينبو عن ذلك، قال الحسن أيضا. وقال قتادة: مثل للمؤمن يعمل محتسبا متطوعا، والمنافق غير محتسب، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين «1» حسنتين لشهد العشاء)." نَكِداً" نصب على الحال، وهو العسر الممتنع من إعطاء الخير. وهذا تمثيل. قال مجاهد: يعني أن في بني آدم الطيب والخبيث. وقرا طلحة" إِلَّا نَكِداً" حذف الكسرة لثقلها. وقرا ابن القعقاع" نكدا" بفتح الكاف، فهو مصدر بمعنى ذا نكد. كما قال:
فإنما هي إقبال وإدبار «2»

وقيل:" نكدا" بنصب الكاف وخفضها بمعنى، كالدنف والدنف، لغتان. (كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ) أي كما صرفنا من الآيات، وهي الحجج والدلالات، في إبطال الشرك، كذلك نصرف الآيات في كل ما يحتاج إليه الناس. (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) وخص الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك.
__________
(1). المرماة (بكسر الميم وفتحها): ظلف الشاه. وقيل: ما بين ظلفها.
(2). البيت للخنساء. وصدره: ترقع ما رتعت حتى إذا أدركت. الخزانة ج 1 ص 207.

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)

[سورة الأعراف (7): آية 59]
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)
قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ) لما بين أنه الخالق القادر على الكمال ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار. واللام في" لَقَدْ" للتأكيد المنبه على القسم. والفاء دالة على أن الثاني بعد الأول." يا قَوْمِ" نداء مضاف. ويجوز" يا قومي" على الأصل. ونوح أول الرسل إلى الأرض بعد آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات. قال النحاس: وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح، وقد تقدم إن في" آل عمران «1»" هذا المعنى وغيره فأغنى عن إعادته. قال ابن العربي: ومن قال إن إدريس كان قبله من المؤرخين فقد وهم. والدليل على صحة وهمه الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آدم وإدريس فقال له آدم: (مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح). وقال له إدريس: (مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح). فلو كان إدريس أبا لنوح لقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. فلما قال له والأخ الصالح دل ذلك على أنه يجتمع معه في نوح، صلوات الله عليهم أجمعين. ولا كلام لمنصف بعد هذا. قال القاضي عياض: وجاء جواب الآباء ها هنا كنوح وإبراهيم وآدم (مرحبا بالابن الصالح). وقال عن إدريس (بالأخ الصالح) كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسف وهارون ويحيى ممن ليس بأب باتفاق للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال المازري: قد ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح عليهما السلام. فإن قام الدليل على أن إدريس بعث أيضا لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح، لما أخبر عليه السلام من قول آدم أن نوحا أول رسول بعث، وإن لم يقم دليل جاز ما قالوا: وصح أن يحمل أن إدريس كان نبيا غير مرسل. قال القاضي عياض: قد يجمع بين هذا بأن يقال: اختص بعث نوح لأهل الأرض- كما قال في الحديث- كافة كنبينا عليه السلام. ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ولوط وغيرهم. وقد استدل
__________
(1). راجع ج 4 ص 62.

بعضهم على هذا بقوله تعالى:" وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ «1»". وقد قيل: إن إلياس هو إدريس. وقد قرئ" سلام على إدراسين". قال القاضي عياض: وقد رأيت أبا الحسن بن بطال ذهب إلى أن آدم ليس برسول، ليسلم من هذا الاعتراض. وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان. قال ابن عطية: ومجمع ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان، فالمراد أنه أول نبي بعث على هذه الصفة. والله أعلم. وروي عن ابن عباس أن نوحا عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة. قال الكلبي: بعد آدم بثمانمائة سنة. وقال ابن عباس: وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، كما أخبر التنزيل. ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة. حتى كثر الناس وفشوا. وقال وهب: بعث نوح وهو ابن خمسين سنة. وقال عون بن شداد: بعث نوح وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة. وفي كثير من كتب الحديث: الترمذي وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام. وذكر النقاش عن سليمان بن أرقم عن الزهري: أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سام بن نوح. والسند والهند والزنج والحبشة والزط والنوبة، وكل جلد أسود من ولد حام بن نوح. والترك وبربر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يافث بن نوح. والخلق كلهم ذرية نوح. قوله تعالى: (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) برفع" غَيْرُهُ" قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة. أي ما لكم إله غيره. نعت على الموضع. وقيل:" غير" بمعنى إلا، أي ما لكم من إله إلا الله. قال أبو عمرو: ما أعرف الجر ولا النصب. وقرا الكسائي بالخفض على الموضع. ويجوز النصب على الاستثناء، وليس بكثير، غير أن الكسائي والفراء أجازا نصب" غير" في كل موضع يحسن فيه" إلا" تم الكلام أو لم يتم فأجازا: ما جاءني غيرك. قال الفراء: هي لغة بعض بني أسد وقضاعة. وأنشد:
__________
(1). راجع ج 15 ص 115. [.....]

قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)

لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت ... حمامة في سحوق ذات أوقال «1»
قال الكسائي: ولا يجوز جاءني غيرك، في الإيجاب، لأن إلا لا تقع هاهنا قال النحاس لا يجوز عند البصريين نصب" غير" إذا لم يتم الكلام. وذلك عندهم من أقبح اللحن.

[سورة الأعراف (7): الآيات 60 الى 62]
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62)
" الْمَلَأُ" أشرف القوم ورؤساؤهم. وقد تقدم بيانه في البقرة «2». الضلال والضلالة: العدول عن طريق الحق، والذهاب عنه. أي إنا لنراك في دعائنا إلى إله واحد في ضلال عن الحق. (أُبَلِّغُكُمْ) بالتشديد من التبليغ، وبالتخفيف من الإبلاغ. وقيل: هما بمعنى واحد لغتان، مثل كرمه وأكرمه. (وأنصح لكم) النصح: إخلاص النية من شوائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغش. يقال: نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة ونصحا. وهو باللام أفصح. قال الله تعالى:" وَأَنْصَحُ لَكُمْ" والاسم النصيحة. والنصيح الناصح، وقوم نصحاء. ورجل ناصح الجيب أي نقي القلب. قال الأصمعي: الناصح الخالص من العسل وغيره. مثل الناصع. وكل شي خلص فقد نصح. وانتصح فلان أقبل على النصيحة. يقال: انتصحني إنني لك ناصح. والناصح الخياط. والنصاح السلك يخاط به. والنصاحات أيضا الجلود. قال الأعشى:
فترى الشرب نشاوى كلهم ... مثل ما مدت نصاحات الربح
الربح لغة في الربع، وهو الفصيل. والربح أيضا طائر. وسيأتي لهذا زيادة معنى في" براءة «3»" إن شاء الله تعالى.
__________
(1). البيت لأبى قيس بن الأسلت. السحوق: ما طال من الدوم. وفى الخزانة: في غصون. وأوقاله ثماره. خ ج 2 ص 45.
(2). راجع ج 3 ص 243.
(3). راجع ج 8 ص 226.

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)

[سورة الأعراف (7): الآيات 63 الى 64]
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64)
فكذبوه فأنجيناه والذين معه. في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين (64) قوله تعالى: (أَوَعَجِبْتُمْ) فتحت الواو لأنها واو عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام للتقرير. وسبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام إلا الألف لقوتها." (أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ)" أي وعظ من ربكم. (عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ) أي على لسان رجل. وقيل:" عَلى " بمعنى" مع"، أي مع رجل وقيل: المعنى أن جاءكم ذكر من ربكم منزل على رجل منكم، أي تعرفون نسبه. أي على رجل من جنسكم. ولو كان ملكا فربما كان في اختلاف الجنس تنافر الطبع." الْفُلْكِ" يكون واحدا ويكون جمعا. وقد تقدم في البقرة «1». و" عَمِينَ" أي عن الحق، قال قتادة. وقيل: عن معرفة الله تعالى وقدرته، يقال: رجل عم بكذا، أي جاهل.

[سورة الأعراف (7): الآيات 65 الى 69]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)
قوله تعالى: (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا. قال ابن عباس أي ابن أبيهم. وقيل: أخاهم في القبيلة. وقيل: أي بشرا من بني أبيهم آدم.
__________
(1). راجع ج 2 ص 194.

وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودا أي صاحبهم. وعاد من ولد سام بن نوح. قال ابن إسحاق: وعاد هو ابن عوص بن إرم بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. وهود هو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. بعثه الله إلى عاد نبيا. وكان من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا. و" عادٍ" من لم يصرفه جعله اسما للقبيلة، ومن صرفه جعله اسما للحي. قال أبو حاتم: وفي حرف أبي وابن مسعود" عاد الأولى»
" بغير ألف. و" هود" أعجمي، وانصرف لخفته، لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يكون عربيا مشتقا من هاد يهود. والنصب على البدل. وكان بين هود ونوح فيما ذكر المفسرون سبعة آباء. وكانت عاد فيما روي ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمال، رمل عالج. وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت بلادهم أخصب البلاد، فسخط الله عليهم فجعلها مفاوز. وكانت فيما روي بنواحي حضرموت إلى اليمن، وكانوا يعبدون الأصنام. ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا. (إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ) أي في حمق وخفة عقل. قال «2»:
مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم
وقد تقدم هذا المعنى في" البقرة «3»". والرؤية هنا وفي قصة نوح قيل: هي من رؤية البصر. وقيل: يجوز أن يراد بها الرأي الذي هو أغلب الظن. قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ)" خُلَفاءَ" جمع خليفة على التذكير والمعنى، وخلائف على اللفظ. من عليهم بأن جعلهم سكان الأرض بعد قوم نوح. (وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً) ويجوز" بسطة" بالصاد لأن بعدها طاء، أي طولا في الخلق وعظم الجسم. قال ابن عباس: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعا. وهذه الزيادة كانت على خلق آبائهم. وقيل: على خلق قوم نوح. قال وهب: كان رأس أحدهم
__________
(1). راجع ج 17 ص 118.
(2). هو ذو الرمة. بصف نسوة.
(3). هو ذو الرمة. بصف نسوة.

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)

مثل قبة عظيمة، وكان عين الرجل يفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم. وروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: أن كان الرجل من قوم عاد يتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليها خمسمائة رجل من هذه الأمة لم يطيقوه، وأن كان أحدهم ليغمز برجله الأرض فتدخل فيها. (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ) أي نعم الله، واحدها إلى وإلي وألو وألى. كالإناء واحدها إنى وإني وإنو وأنى. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) تقدم «1».

[سورة الأعراف (7): الآيات 70 الى 72]
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72)
طلبوا العذاب الذي خوفهم به وحذرهم منه. فقال لهم: (قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ). ومعنى وقع أي وجب. يقال: وقع القول والحكم أي وجب! ومثله:" وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ «2»". أي نزل بهم." وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ «3»". والرجس العذاب وقيل: عني بالرجس الرين على القلب بزيادة الكفر. (أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ) يعني الأصنام التي عبدوها، وكان لها أسماء مختلفة. ما نزل الله بها من سلطان أي من حجة لكم في عبادتها. فالاسم هنا بمعنى المسمى. نظيره" إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها «4»" وهذه الأسماء مثل العزى من العز والأعز واللات، وليس لها من العز والإلهية شي. دابر آخر. وقد تقدم «5». أي لم يبق لهم بقية.
__________
(1). راجع ج 1 ص 181.
(2). راجع ص 271 من هذا الجزء.
(3). راجع ج 13 ص 233.
(4). راجع ج 9 ص 192.
(5). راجع ج 6 ص 425.

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)

[سورة الأعراف (7): آية 73]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73)
وهو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. وهو أخو جديس، وكانوا في سعة من معايشهم، فخالفوا أمر الله وعبدوا غيره، وأفسدوا في الأرض. فبعث الله إليهم صالحا نبيا، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وكانوا قوما عربا. وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا فدعاهم إلى الله تعالى حتى شمط «1» ولا يتبعه. منهم إلا قليل مستضعفون. ولم ينصرف" ثَمُودَ" لأنه جعل اسما للقبيلة. وقال أبو حاتم: لم ينصرف، لأنه اسم أعجمي. قال النحاس: وهذا غلط، لأنه مشتق من الثمد وهو الماء القليل. وقد قرأ القراء" أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ «2»" على أنه اسم للحي. وكانت مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وهم من ولد سام بن نوح. وسميت ثمود لقلة مائها. وسيأتي بيانه في" الحجر «3»" إن شاء الله تعالى. (هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً) أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صلد، فكان لها يوم تشرب فيه ماء الوادي كله، وتسقيهم مثله لبنا لم يشرب قط ألذ وأحلى منه. وكان بقدر حاجتهم على كرتهم، قال الله تعالى:" لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ «4»". وأضيفت الناقة إلى الله عز وجل على جهة إضافة الخلق إلى الخالق. وفية معنى التشريف والتخصيص. (فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) أي ليس عليكم رزقها ومئونتها.
__________
(1). الشمط، (بفتح الميم): شيب اللحية. وقيل: بياض شعر الرأس يخالط سواده.
(2). راجع ج 9 ص 59. [.....]
(3). راجع ج 10 ص 45 فما بعد.
(4). راجع ج 13 ص 127.

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)

[سورة الأعراف (7): آية 74]
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)
فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) فيه محذوف، أي بوأكم في الأرض منازل. (تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً) أي تبنون القصور بكل موضع. (وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً) اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم، فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم. وقرا الحسن بفتح الحاء، وهي لغة. وفية حرف من حروف الحلق فلذلك جاء على فعل يفعل. الثانية- استدل بهذه الآية من أجاز «1» البناء الرفيع كالقصور ونحوها، وبقوله:" قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ «2»". ذكر أن ابنا لمحمد بن سيرين بنى دارا وأنفق فيها مالا كثيرا فذكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال: ما أرى بأسا أن يبني الرجل بناء ينفعه. وروي أنه عليه السلام قال: (إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر النعمة عليه). ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة. ألا ترى أنه إذا اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك، فكذلك البناء. وكره ذلك آخرون، منهم الحسن البصري وغيره. واحتجوا بقوله عليه السلام: (إذا أراد الله بعبد شرا أهلك ماله في الطين واللبن). وفي خبر آخر عنه أنه عليه السلام قال: (من بنى فوق ما يكفيه جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه). قلت: بهذا أقول، لقول عليه السلام: (وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على الله عز وجل إلا ما كان في بنيان أو معصية (. رواه جابر بن عبد الله وخرجه الدارقطني.
__________
(1). كذا في ك وفي ج: اختار جواز البناء. وفى ب وى: أجاز جواز.
(2). راجع ص 195 من هذ الجزء.

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)

وقوله عليه السلام: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف «1» الخبز والماء) أخرجه الترمذي. الثالثة- قوله تعالى:" فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ" أي نعمه. وهذا يدل على أن الكفار منعم عليهم. وقد مضى في" آل عمران «2»" القول فيه." وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" تقدم في (البقرة «3»). والعثى والعثو لغتان. وقرا الأعمش" تعثوا" بكسر التاء أخذه من عثى يعثى لا من عثا يعثو.

[سورة الأعراف (7): الآيات 75 الى 76]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76)
قوله تعالى: (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) الثاني بدل من الأول، لأن المستضعفين هم المؤمنون. وهو بدل البعض من الكل.

[سورة الأعراف (7): الآيات 77 الى 79]
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)
قوله تعالى: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) العقر الجرح. وقيل: قطع عضو يؤثر في النفس. وعقرت الفرس: إذا ضربت قوائمه بالسيف. وخيل عقرى. وعقرت ظهر الدابة: إذا أدبرته.
__________
(1). الجلف بالكسر: الخبز وحده لا أدم معه. وقيل: الخبز الغليظ اليابس.
(2). راجع ج 4 ص 330.
(3). راجع ج 1 ص 421.

قال امرؤ القيس:
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فأنزل
أي جرحته وأدبرته قال القشيري: العقر كشف «1» عرقوب البعير، ثم قيل للنحر عقر، لأن العقر سبب النحر في الغالب. وقد اختلف في عاقر الناقة على أقوال. أصحها ما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن زمعة قال، خطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها انبعث لها رجل عزيز عارم «2» منيع في رهطه «3» مثل أبي زمعة) وذكر الحديث. وقيل في اسمه: قدار بن سالف. وقيل: إن ملكهم كان إلى امرأة يقال لها ملكي، فحسدت صالحا لما مال إليه الناس، وقالت لامرأتين كان لهما خليلان يعشقانهما: لا تطيعاهما واسألاهما عقر الناقة، ففعلتا. وخرج الرجلان وألجآ الناقة إلى مضيق ورماها أحدهما بسهم وقتلاها. وجاء السقب وهو ولدها إلى الصخرة التي خرجت الناقة منها فرغا ثلاثا وانفجرت الصخرة فدخل فيها. ويقال: إنه الدابة التي تخرج في آخر الزمان على الناس، على ما يأتي بيانه في" النمل «4»". وقال ابن إسحاق: أتبع السقب أربعة نفر ممن كان عقر الناقة، مصدع وأخوه ذؤاب «5». فرماه مصدع بسهم فانتظم قلبه «6»، ثم جره برجله فألحقه بأمه، وأكلوه معها. والأول أصح، فإن صالحا قال لهم: إنه بقي من عمركم ثلاثة أيام، ولهذا رغا ثلاثا. وقيل: عقرها عاقرها ومعه ثمانية رجال، وهم الذين قال الله فيهم:" وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ «7»" على ما يأتي بيانه في" النمل". وهو معنى قوله" فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ «8»". وكانوا يشربون فأعوزهم الماء ليمزجوا شرابهم، وكان يوم لبن الناقة، فقام أحدهم وترصد الناس وقال: لأريحن الناس منها، فعقرها. قوله تعالى: (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) أي استكبروا. عتا يعتو عتوا أي استكبر. وتعتى فلان إذا لم يطع. والليل العاتي: الشديد الظلمة، عن الخليل.
__________
(1). في ج وك: كسر.
(2). عارم: أي خبيث شرير.
(3). في ج: أهله.
(4). راجع ج 13 ص 334. وص 215.
(5). كذا في الأصول.
(6). انتظم الصيد: إذا طعنه أو رماه حتى ينفذه.
(7). راجع ج 13 ص 334. وص 215. [.....]
(8). راجع ج 17 ص 140.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80)

(وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا) أي من العذاب. (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي الزلزلة الشديدة. وقيل: كان صيحة شديدة خلعت «1» قلوبهم، كما (في «2» قصة ثمود) في سورة" هود «3»" في قصة ثمود فأخذتهم الصيحة. يقال: رجف الشيء يرجف رجفا رجفانا. وأرجفت الريح الشجر حركته. وأصله حركة مع صوت، ومنه قوله تعالى" يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ «4»" قال الشاعر:
ولما رأيت الحج قد آن وقته ... وظلت مطايا القوم بالقوم ترجف
(فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ) أي بلدهم. وقيل: وحد على طريق الجنس، والمعنى: في دورهم. وقال في موضع آخر:" فِي دِيارِهِمْ" إي في منازلهم. (جاثِمِينَ) أي لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم، كما يجثم الطائر. أي صاروا خامدين من شدة العذاب. واصل الجثوم للأرنب وشبهها، والموضع مجثم. قال زهير:
بها العين والآرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم «5»
وقيل: احترقوا بالصاعقة فأصبحوا ميتين، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه. (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أي عند اليأس منهم. (وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ) يحتمل أنه قال ذلك قبل موتهم. ويحتمل أنه قال بعد موتهم، كقوله عليه السلام لقتلى بدر: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقا) فقيل: أتكلم هؤلاء الجيف؟ فقال: (ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب). والأول أظهر. يدل عليه (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) أي لم تقبلوا نصحي.

[سورة الأعراف (7): آية 80]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80)
فيه أربع مسائل:
__________
(1). في ب: تقطت.
(2). من ج وز وك وى.
(3). راجع ج 9 ص 59.
(4). راجع ج 19 ص 188.
(5). العين بكسر أوله: البقر واحدها أعين وعيناه. والآرام. الظباء والأطلاء: أولادها، الواحد طلا. وخلفة: فوج بعد فوج. وقيل: مختلفة، هذه مقبلة وهذه مدبرة، وهذه صاعدة وهذه نازلة. (عن شرح المعلقات).

الأولى- قوله تعالى: (وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ) قال الفراء: لوط مشتق من قولهم: هذا أليط بقلبي، أي ألصق. وقال النحاس: قال الزجاج زعم بعض النحويين- يعني الفراء- أن لوطا يجوز أن يكون مشتقا من لطت إذا ملسته بالطين. قال: وهذا غلط، لأن الأسماء الأعجمية لا تشتق كإسحاق، فلا يقال: إنه من السحق وهو البعد. وإنما صرف لوط لخفته «1» لأنه على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط. قال النقاش: لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية. فأما لطت الحوض، وهذا أليط بقلبي من هذا، فصحيح. ولكن الاسم أعجمي كإبراهيم وإسحاق. قال سيبويه: نوح ولوط أسماء أعجمية، إلا أنها خفيفة فلذلك صرفت. بعثه الله تعالى إلى أمة تسمى سدوم، وكان ابن أخي إبراهيم. ونصبه إما ب" أَرْسَلْنا" المتقدمة فيكون معطوفا. ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى واذكر. الثانية- قوله تعالى: (أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ) يعني إتيان الذكور. ذكرها الله باسم الفاحشة ليبين أنها زنى، كما قال الله تعالى:" وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً «2»". واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على تحريمه، فقال مالك: يرجم، أحصن أو لم يحصن. وكذلك يرجم المفعول به إن كان محتلما. وروي عنه أيضا: يرجم إن كان محصنا، ويحبس ويؤدب إن كان غير محصن. وهو مذهب عطاء والنخعي وابن المسيب وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يعزر المحصن وغيره، وروي عن مالك. وقال الشافعي: يحد حد الزنى قياسا عليه. احتج مالك بقول تعالى:" وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ". فكان ذلك عقوبة لهم وجزاء على فعلهم. فإن قيل: لا حجة فيها لوجهين، أحدهما- أن قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر والتكذيب كسائر الأمم. الثاني- أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها، فدل على خروجها من باب الحدود. قيل: أما الأول فغلط، فإن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم كانوا على معاصي فأخذهم بها، منها هذه. وأما الثاني فكان منهم فاعل وكان منهم راض، فعوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه. وهي حكمة الله وسنته في عباده.
__________ (1). من ب وج ك وى وز.
(2). راجع ج 10 ص 253 وص 42 وج 9 ص 81.

وبقي أمر العقوبة على الفاعلين مستمرا. والله أعلم. وقد روى أبو داود وابن ماجة والترمذي والنسائي والدارقطني أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به). لفظ أبي داود وابن ماجة. وعند الترمذي (أحصنا أو لم يحصنا). وروى أبو داود والدارقطني عن ابن عباس في البكر يوجد على اللوطية قال: يرجم. وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه حرق رجلا يسمى الفجاءة حين عمل عمل قوم لوط بالنار. وهو رأي علي بن أبي طالب، فإنه لما كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر في ذلك جمع أبو بكر أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستشارهم فيه، فقال علي: إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما علمتم، أرى أن يحرق بالنار. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار فأحرقه. ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه. ثم أحرقهم هشام بن الوليد. ثم أحرقهم خالد القسري بالعراق. وروي أن سبعة أخذوا في زمن ابن الزبير في لواط، فسأل عنهم فوجد أربعة قد أحصنوا فأمر بهم فخرجوا (بهم»
) من الحرم فرجموا بالحجارة حتى ماتوا، وحد الثلاثة، وعنده ابن عباس وابن عمر فلم ينكرا عليه. وإلى هذا ذهب الشافعي. قال ابن العربي: والذي صار إليه مالك أحق، فهو أصح سندا وأقوى معتمدا. وتعلق الحنفيون بأن قالوا: عقوبة الزنى معلومة، فلما كانت هذه المعصية غيرها وجب ألا يشاركها في حدها. ويأثرون «2» في هذا حديثا: (من وضع حدا في غير حد فقد تعدى وظلم). وأيضا فإنه وطء في فرج لا يتعلق به إحلال ولا إحصان، ولا وجوب مهر ولا ثبوت نسب، فلم يتعلق به حد. الثالثة- فإن أتى بهيمة فقد قيل: لا يقتل هو ولا البهيمة. وقيل: يقتلان، حكاه ابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وفي الباب حديث رواه أبو داود والدارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه). فقلنا لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك، إلا أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل. قال ابن المنذر: إن يك الحديث ثابتا فالقول «3» به
__________
(1). كذا في ب وج وك. وفى ز: فأخرجوا بهم.
(2). في ز: يرون.
(3). في ج وز: فالعمل.

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)

يجب، وإن لم يثبت فليستغفر الله من فعل ذلك كثيرا، وإن عزره الحاكم كان حسنا. والله أعلم. وقد قيل: إن قتل البهيمة لئلا تلقي خلقا مشوها، فيكون قتلها مصلحة لهذا المعنى مع ما جاء من السنة. والله أعلم. وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: ليس على الذي زنى بالبهيمة حد. قال أبو داود: وكذا قال عطاء. وقال الحكم: أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحد. وقال الحسن: هو بمنزلة الزاني. وقال الزهري: يجلد مائة أحصن أو لم يحصن. وقال مالك والثوري وأحمد وأصحاب الرأي يعزر. وروي عن عطاء والنخعي والحكم. واختلفت الرواية «1» عن الشافعي، وهذا أشبه على مذهبه في هذا الباب. وقال جابر بن زيد: يقام عليه الحد، إلا أن تكون البهيمة له. الرابعة- قوله تعالى: (ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ)" مِنْ" لاستغراق الجنس، أي لم يكن اللواط في أمة قبل «2» قوم لوط. والملحدون يزعمون أن ذلك كان قبلهم. والصدق ما ورد به القرآن. وحكى النقاش أن إبليس كان أصل عملهم بأن دعاهم إلى نفسه لعنه الله، فكان ينكح بعضهم بعضا. قال الحسن: كانوا يفعلون ذلك بالغرباء، ولم يكن يفعله بعضهم ببعض. وروى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط). وقال محمد بن سيرين: ليس شي من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار.

[سورة الأعراف (7): آية 81]
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)
قوله تعالى: (إِنَّكُمْ) قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة، تفسيرا للفاحشة المذكورة، فلم يحسن إدخال الاستفهام عليه لأنه يقطع ما بعده مما قبله. وقرا الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام الذي معناه التوبيخ وحسن ذلك لأن ما قبله وبعده «3» كلام مستقل. واختار الأول أبو عبيد والنسائي وغيرهما، واحتجوا بقوله عز وجل:
__________
(1). في ب وج وز وك: الروايات.
(2). في ج: غير.
(3). كذا في الأصول والعبارة غير واضحة. [.....]

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)

" أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ «1»" ولم يقل أفهم. وقال:" أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ «2»" ولم يقل انقلبتم. وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبها شيئين بما لا يشتبهان، لأن الشرط وجوابه بمنزلة شي واحد كالمبتدأ والخبر، فلا يجوز أن يكون فيهما استفهامان. فلا يجوز: أفإن مت أفهم، كما لا يجوز أزيد أمنطلق. وقصة لوط عليه السلام فيها جملتان، فلك أن تستفهم عن كل واحدة منهما. هذا قول الخليل وسيبويه، واختاره النحاس ومكي وغيرهما" شَهْوَةً" نصب على المصدر، أي تشتهونهم شهوة. ويجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال." بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ" نظيرة" بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ «3»" في جمعكم إلى الشرك هذه الفاحشة.

[سورة الأعراف (7): الآيات 82 الى 83]
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83)
قوله تعالى: (وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ) أي لوطا وأتباعه. ومعنى (يَتَطَهَّرُونَ) عن الإتيان في هذا المأتى. يقال: تطهر الرجل أي تنزه عن الإثم. قال قتادة: عابوهم والله بغير عيب. (مِنَ الْغابِرِينَ) أي الباقين في عذاب الله، قال ابن عباس وقتادة. غبر الشيء إذا مضى، وغبر إذا بقي. وهو من الأضداد. وقال قوم: الماضي عابر بالعين غير معجمة. والباقي غابر بالغين معجمة. حكاه ابن فارس في «4» المجمل. وقال الزجاج:" مِنَ الْغابِرِينَ" أي من الغائبين عن النجاة وقيل: لطول عمرها. قال النحاس: وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من المعمرين، أي أنها قد هرمت. والأكثر في اللغة أن يكون الغابر الباقي، قال الراجز:
فما ونى محمد مذ أن غفر ... له الإله ما مضى وما غبر

[سورة الأعراف (7): آية 84]
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)
__________
(1). راجع ج 11 ص 287.
(2). راجع ج 4 ص 226.
(3). راجع ج 13 ص 132.
(4). من ب وج وز وك.

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)

سرى لوط بأهله كما وصف الله" بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ «1»" ثم أمر جبريل، عليه السلام فأدخل جناحه تحت مدائنهم فاقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم جعل عاليها سافلها، وأمطرت عليهم حجارة من سجيل، قيل: على من غاب منهم. وأدرك امرأة لوط، وكانت معه حجر فقتلها. وكانت فيما ذكر أربع قرى. وقيل: خمس فيها أربعمائة ألف. وسيأتي في سورة" هود «2»" قصة لوط بأبين من هذا، إن شاء الله تعالى.

[سورة الأعراف (7): الآيات 85 الى 87]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87)
فيه أربع مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَإِلى مَدْيَنَ) قيل في مدين: اسم بلد وقطر. وقيل: اسم قبيلة كما يقال: بكر وتميم. وقيل: هم من ولد مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام. فمن رأى أن مدين اسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجمي. ومن رآه اسما للقبيلة أو الأرض فهو أحرى بألا يصرفه. قال المهدوي: ويروى أنه كان ابن بنت لوط. وقال مكي: كان زوج بنت لوط. واختلف في نسبه، فقال عطاء وابن إسحاق وغيرهما: وشعيب هو ابن ميكيل بن يشجر
__________
(1). راجع ج 9 ص 84. فما بعد.
(2). راجع ج 9 ص 84. فما بعد.

ابن مدين بن إبراهيم عليه السلام. وكان اسمه بالسريانية بيروت. وأمه ميكائيل بنت لوط. وزعم الشرقي بن القطامي أن شعيبا بن عيفاء بن يوبب بن مدين بن إبراهيم. وزعم ابن سمعان أن شعيبا بن جزى بن يشجر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وشعيب تصغير شعب أو شعب «1». وقال قتادة: هو شعيب بن يوبب «2». وقيل: شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم «3». والله أعلم. وكان أعمى «4»، ولذلك قال قومه:" وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً «5»". وكان يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. وكان قومه أهل كفر بالله وبخس للمكيال والميزان. (قد جاءتكم بينه من ربكم) أي بيان، وهو مجيء شعيب بالرسالة. ولم يذكر له معجزة في القرآن. وقيل: معجزته فيما ذكر الكسائي في قصص الأنبياء. الثانية- قوله تعالى: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) البخس النقص. وهو يكون في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل (صلوات الله وسلامه على جميعهم «6») وحسبنا الله ونعم الوكيل. الثالثة- قوله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) عطف على" وَلا تَبْخَسُوا". وهو لفظ يعم دقيق الفساد وجليله. قال ابن عباس: كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيبا رسولا يعمل فيها بالمعاصي وتستحل فيها المحارم وتسفك فيها الدماء. قال: فذلك فسادها. فلما بعث الله شعيبا ودعاهم إلى الله صلحت الأرض. وكل نبي بعث إلى قومه فهو صلاحهم. الرابعة- قوله تعالى: (وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ) نهاهم عن القعود بالطرق والصد عن الطريق الذي يؤدي إلى طاعة الله، وكانوا يوعدون العذاب من آمن. واختلف العلماء
__________
(1). في شرح القاموس: تصغير شعب أو أشعب: كما قالوا في تصغير أسود سويد.
(2). في ع: ثويب.
(3). وردت هذه الأسماء مضطربة في نسخ الأصل وفى المصادر التي بين أيدينا. ولم نوفق لضبطها.
(4). ليس رسول من الله أعمى وإنما شعيب الرجل الصالح صاحب موسى هو فيما قيل أعمى وبينهما ثلاثمائة سنة إذ عصمة الأنبياء تنافى ما ينفر من الصفات. مصححة.
(5). راجع ج 9 ص 84.
(6). من ع.

في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي: كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه، كما كانت قريش تفعله مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهذا ظاهر الآية. وقال أبو هريرة: هذا نهي عن قطع الطريق «1»، واخذ السلب، وكان ذلك من فعلهم. وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شي إلا خرقته فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه (- ثم تلا-" وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ" الآية. وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين، والحمد لله «2». وقال السدي أيضا: كانوا عشارين متقبلين. ومثلهم اليوم هؤلاء المكاسون الذين يأخذون ما لا يلزمهم شرعا من الوظائف المالية بالقهر والجبر، فضمنوا ما لا يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي. والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد. وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها، فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له، وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء، فإنا لله وإنا إليه راجعون! لم يبق من الإسلام إلا رسمه، ولا من الدين إلا اسمه. يعضد هذا التأويل ما تقدم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبخس. قوله تعالى: (مَنْ آمَنَ بِهِ) الضمير في" بِهِ" يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصد، وأن يعود على السبيل." عِوَجاً" قال أبو عبيدة والزجاج: كسر العين في المعاني. وفتحها في الأجرام. قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ) أي كثر عددكم، أو كثركم بالغنى بعد الفقر. أي كنتم فقراء فأغناكم." فَاصْبِرُوا" ليس هذا أمرا بالمقام على الكفر، ولكنه وعيد وتهديد. وقال: (وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ) فذكر على المعنى، ولو راعى «3» اللفظ قال: كانت.
__________
(1). في ب وج وك: الطرق.
(2). راجع ج 6 ص 147 فما بعد. [.....]
(3). الأولى: روعي لقيل.

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)

[سورة الأعراف (7): الآيات 88 الى 89]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89)
قوله تعالى: (قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) تقدم معناه. ومعنى" أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا" أي لتصيرن إلى ملتنا وقيل: كان أتباع شعيب قبل الإيمان به على الكفر أي لتعودن إلينا كما كنتم من قبل. قال الزجاج: يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء، يقال: عاد إلي من فلان مكروه، أي صار، وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك، أي لحقني ذلك منه. فقال لهم شعيب: (أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ) أي ولو كنا كارهين تجبروننا عليه، أي على الخروج من الوطن أو العود في ملتكم. أي إن فعلتم هذا أتيتم عظيما. (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها) إياس من العود إلى ملتهم. (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا) قال أبو إسحاق الزجاج: أي إلا بمشيئة الله عز وجل، قال: وهذا قول أهل السنة، أي وما يقع منا العود إلى الكفر إلا أن يشاء الله ذلك. فالاستثناء منقطع. وقيل: الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل، كما قال:" وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ «1»". والدليل على هذا أن بعده" وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا". وقيل: هو كقولك ألا أكلمك حتى يبيض الغراب، وحتى يلج الجمل في سم الخياط. والغراب لا يبيض أبدا، والجمل لا يلج (فِي سَمِّ الْخِياطِ «2»).
__________ (1). راجع ج 9 ص 84.
(2). من ز.

وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)

قوله تعالى: (وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) أي علم ما كان وما يكون." عِلْماً" نصب على التمييز." وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها" أي في القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا، بل نخرج من قريتكم مهاجرين إلى غيرها." إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ" ردنا إليها. وفية بعد، لأنه يقال: عاد للقرية ولا يقال عاد في القرية. قوله تعالى: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) أي اعتمدنا. وقد تقدم في غير موضع «1». (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ) قال قتادة: بعثه الله إلى أمتين: أهل مدين، وأصحاب الأيكة «2». قال ابن عباس: وكان شعيب كثير الصلاة، فلما (طال «3») تمادى قومه في كفرهم وغيهم، ويئس من صلاحهم، دعا عليهم فقال:" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ «4»" فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالرجفة.

[سورة الأعراف (7): الآيات 90 الى 93]
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93)
قوله تعالى: (وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) أي قالوا لمن دونهم. (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) أي هالكون. (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي الزلزلة. وقيل: الصيحة. وأصحاب الأيكة أهلكوا بالظلة «5»، على ما يأتي. قوله تعالى: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا) قال الجرجاني: قيل هذا كلام مستأنف، أي الذين كذبوا شعيبا صاروا كأنهم لم يزالوا موتى." يَغْنَوْا" يقيموا، يقال:
__________
(1). راجع ج 4 ص 189.
(2). الأيكة: الشجر الكثير الملتف.
(3). من ب وج وك.
(4). قال الفراء: فتح بمعنى حكم بلغة أهل عمان: الطبري.
(5). الظلة: سحابة فيها نار أمطرتهم بها. وقيل: سموم. راجع ج 13 ص 135.

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)

غنيت بالمكان إذا أقمت به. وغني القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها. والمغني: المنزل، والجمع المغاني. قال لبيد:
وعنيت ستا قبل مجرى داحس ... لو كان للنفس اللجوج خلود
وقال حاتم طيّ:
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... (كما الدهر في أيامه العسر واليسر) «1»

(كسبنا صروف الدهر لينا وغلظة «2») ... وكلا سقاناه بكأسهما الدهر
فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
(الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين) ابتداء خطاب، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأم وتفخيمه. ولما قالوا: من اتبع شعيبا خاسر قال الله الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول. (فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ) أي أحزن. أسيت على الشيء آسى (أسى «3»)، وأنا آس.

[سورة الأعراف (7): الآيات 94 الى 95]
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95)
قوله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ) فيه إضمار، وهو فكذب أهلها. إلا أخذناهم. (بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) تقدم القول فيه «4». (ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أي أبدلناهم بالجدب خصبا. حتى عفوا أي كثروا، عن ابن عباس. وقال ابن زيد: كثرت أموالهم وأولادهم. وعفا: من الأضداد: عفا: كثر. وعفا: درس. أعلم الله تعالى أنه أخذهم بالشدة والرخاء فلم يزدجروا ولم يشكروا. وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فنحن مثلهم. فأخذناهم بغتة أي فجأة ليكون أكثر حسرة.
__________
(1). التكملة عن ديوان حاتم.
(2). من ب وج وك.
(3). من ب وج وك.
(4). راجع ج 2 ص 243.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98)

[سورة الأعراف (7): آية 96]
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96)
قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى ) يقال للمدينة قرية لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. وقد مضى في" البقرة" مستوفى»
. (آمَنُوا) أي صدقوا. (وَاتَّقَوْا) أي الشرك. (لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) يعني المطر والنبات. وهذا في أقوام على الخصوص جرى ذكرهم. إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيرا لذنوبهم. ألا ترى أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه" اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً «2»" وعن هود" ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً «3»". فوعدهم المطر والخصب على التخصيص. يدل عليه (وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) أي كذبوا الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا.

[سورة الأعراف (7): الآيات 97 الى 98]
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98)
قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى ) الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف. نظيره:" أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ «4»". والمراد بالقرى مكة وما حولها، لأنهم كذبوا محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقيل: هو عام في جميع القرى. (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا) أي عذابنا. (بَياتاً) أي ليلا (وَهُمْ نائِمُونَ) (أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا) قرأه الحرميان وابن عامر بإسكان الواو للعطف، على معنى الإباحة، مثل" وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً «5»". جالس الحسن أو ابن سيرين. والمعنى: أو أمنوا هذه الضروب من العقوبات. أي إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الآخر.
__________
(1). راجع ج 1 ص 49.
(2). راجع ج 18 ص 301. [.....]
(3). راجع ج 9 ص 50.
(4). راجع ج 6 ص 214.
(5). راجع 19 ص 146.

أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)

ويجوز أن يكون" أو" لأحد الشيئين، كقولك: ضربت زيدا أو عمرا. وقرا الباقون بفتحها بهمزة بعدها. جعلها واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، نظيره" أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً «1»". ومعنى (ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) أي وهم فيما لا يجدي عليهم، يقال لكل من كان فيما يضره ولا يجدي عليه لاعب، ذكر النحاس. وفي الصحاح. اللعب معروف، واللعب مثله. وقد لعب يلعب. وتلعب: (لعب «2») مرة بعد أخرى. ورجل تلعابة: كثير اللعب، والتلعاب «3» (بالفتح) المصدر. وجارية لعوب.

[سورة الأعراف (7): آية 99]
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99)
قوله تعالى: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ) أي عذابه وجزاءه على مكرهم. وقيل: مكره استدراجه بالنعمة والصحة.

[سورة الأعراف (7): آية 100]
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100)
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ) أي يبين. (لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ) يريد كفار مكة ومن حولهم. (أَصَبْناهُمْ) أي أخذناهم (بذنبهم) أي بكفرهم وتكذيبهم. (وَنَطْبَعُ) أي ونحن نطبع، فهو مستأنف. وقيل: هو معطوف على أصبنا، نصيبهم ونطبع، فوقع الماضي موقع المستقبل.

[سورة الأعراف (7): آية 101]
تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101)
__________
(1). راجع ج 2 ص 39.
(2). زيادة عن كتب اللغة.
(3). في ب: تلعابة.

وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)

قوله تعالى: (تِلْكَ الْقُرى ) أي هذه القرى التي أهلكناها، وهي قرى نوح وعاد «1» ولوط وهود وشعيب المتقدمة الذكر. (نَقُصُّ) أي نتلو. (عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها) أي من أخبارها. وهي تسلية للنبي عليه السلام والمسلمين. (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) أي فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لأحييناهم، قاله مجاهد. نظيره" وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا «2»". وقال ابن عباس والربيع: كان في علم الله تعالى يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل. (بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) يريد يوم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها لا طوعا. قال السدي: آمنوا يوم أخذ عليهم الميثاق كرها فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة. وقيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة «3». نظيره" كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ «4»". (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) أي مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[سورة الأعراف (7): آية 102]
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102)
قوله تعالى: (وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ)." مِنْ" زائدة، وهي تدل على معنى الجنس، ولولا" مِنْ" لجاز أن يتوهم أنه واحد في المعنى. قال ابن عباس: يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذر، ومن نقض العهد قيل له إنه لا عهد له، أي كأنه لم يعهد. وقال الحسن: العهد الذي عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وقيل: أراد أن الكفار منقسمون، فالأكثرون منهم من لا أمانة له ولا وفاء، ومنهم من له أمانة مع كفره وإن قلوا، روي عن أبي عبيدة.

[سورة الأعراف (7): آية 103]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)
__________
(1). في ج: نوح وعاد ولوط وشعيب.
(2). راجع ج 6 ص 410.
(3). في ب وج وك: المعجزات.
(4). راجع ص 65 من هذا الجزء.

وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)

قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ) أي من بعد نوح وهود «1» وصالح ولوط وشعيب. (مُوسى ) أي موسى بن عمران (بِآياتِنا) أي بمعجزاتنا. (فَظَلَمُوا بِها) أي كفروا ولم يصدقوا بالآيات. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. قوله تعالى: (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) أي آخر أمرهم.

[سورة الأعراف (7): الآيات 104 الى 112]
وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَما ذا تَأْمُرُونَ (110) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112)
حَقِيقٌ عَلى «2» أي واجب. ومن قرأ" على ألا" فالمعنى حريص على ألا أقول. وفي قراءة عبد الله" حقيق ألا أقول" بإسقاط" على". وقيل:" عَلى " بمعنى الباء، أي حقيق بألا أقول. وكذا في قراءة أبي والأعمش" بألا أقول". كما تقول: رميت بالقوس وعلى القوس. ف" حَقِيقٌ" على هذا بمعنى محقوق. ومعنى" فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ" أي خلهم. وكان يستعملهم «3» في الأعمال الشاقة. (فَأَلْقى عَصاهُ) يستعمل في الأجسام والمعاني. وقد تقدم «4». والثعبان: الحية الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. (مبين)
__________
(1). كذا في ع. وفى بقية الأصول: نمود.
(2). قراءة نافع.
(3). في ع: يشغلهم.
(4). راجع ج 4 ص 232. [.....]

" أي حية لا لبس فيها. (وَنَزَعَ يَدَهُ) أي أخرجها وأظهرها. قيل: من جيبه أو من جناحه كما في التنزيل (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ «1») أي من غير برص. وكان موسى أسمر شديد السمرة، ثم أعاد يده إلى جيبه فعادت إلى لونها الأول. قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضئ ما بين السماء والأرض. وقيل: كانت تخرج يده بيضاء كالثلج تلوح، فإذا ردها عادت إلى مثل سائر بدنه. ومعنى (عَلِيمٌ) أي بالسحر. (مِنْ أَرْضِكُمْ) أي من ملككم معاشر القبط، بتقديمه بني إسرائيل عليكم. (فَما ذا تَأْمُرُونَ) أي قال فرعون: فماذا تأمرون. وقيل: هو من قول الملأ، أي قالوا لفرعون وحده فماذا تأمرون. كما يخاطب الجبارون والرؤساء: ما ترون في كذا. ويجوز أن يكون قالوا له ولأصحابه. و" ما" في موضع رفع، على أن" ذا" بمعنى الذي. وفي موضع نصب، على أن" ما" و" ذا" شي واحد. (قالُوا أَرْجِهْ) قرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي بغير حمزة، إلا أن ورشا والكسائي أشبعا كسرة الهاء. وقرا أبو عمرو بهمزة ساكنة والهاء مضمومة. وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته، أي أخرته. وكذلك قرأ ابن كثير وابن محيصن وهشام، إلا أنهم أشبعوا ضمة الهاء. وقرأ سائر أهل الكوفة" أَرْجِهْ" بإسكان الهاء. قال الفراء: هي لغة للعرب، يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها، وكذا هذه طلحة قد أقبلت. وأنكر البصريون هذا. قال قتادة: معنى" أَرْجِهْ" احبسه. وقال ابن عباس: أخره. وقيل:" أَرْجِهْ" مأخوذ من رجا يرجو، أي أطمعه ودعه يرجو، حكاه النحاس عن محمد بن يزيد. وكسر الهاء على الإتباع. ويجوز ضمها على الأصل. وإسكانها لحن «2» لا يجوز إلا في شذوذ من الشعر. (وَأَخاهُ) عطف على الهاء. (حاشِرِينَ) نصب على الحال. (يَأْتُوكَ) جزم، لأنه جواب الأمر ولذلك حذفت منه النون. قرأ أهل الكوفة إلا عاصما" بكل سحار" وقرأ سائر الناس" ساحِرٍ" وهما متقاربان، إلا أفعالا أشد مبالغة.
__________
(1). راجع ج 13 ص 156.
(2). كذا في الأصول وإعراب القرآن للنحاس. ويلاحظ أنها قراءة أهل الكوفة.

وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)

[سورة الأعراف (7): الآيات 113 الى 114]
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)
قوله تعالى: (وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ) وحذف ذكر الإرسال لعلم السامع. قال ابن عبد الحكم: كانوا اثني عشر نقيبا، مع كل نقيب عشرون عريفا، تحت يدي كل عريف ألف ساحر. وكان رئيسهم شمعون في قول مقاتل بن سليمان. وقال ابن جريج: كانوا تسعمائة من العريش والفيوم والإسكندرية أثلاثا. وقال ابن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألف ساحر، وروي عن وهب. وقيل: كانوا اثني عشر ألفا. وقال ابن المنكدر: ثمانين ألفا. وقيل: أربعة عشر ألفا. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الريف، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم وما والاها. وقيل: كانوا سبعين رجلا. وقيل: ثلاثة وسبعين، فالله أعلم. وكان معهم فيما روي حبال وعصي يحملها ثلاثمائة بعير. فالتقمت الحية ذلك كله. قال ابن عباس والسدي: كانت إذا فتحت فاها صار شدقها ثمانين ذراعا، واضعة فكها الأسفل على الأرض، وفكها الأعلى على سور القصر. وقيل: كان سعة فمها أربعين ذراعا، فالله أعلم. فقصدت فرعون لتبتلعه، فوثب من سريره فهرب منها واستغاث بموسى، فأخذها فإذا هي عصا كما كانت. قال وهب: مات من خوف العصا خمسة وعشرون ألفا. (قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً) أي جائزة ومالا. ولم يقل فقالوا بالفاء، لأنه أراد لما جاءوا قالوا. وقرى" إن لنا" على الخبر. وهي قراءة نافع وابن كثير. ألزموا فرعون أن يجعل لهم مالا إن غلبوا. فقال لهم فرعون: (نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي لمن أهل المنزلة الرفيعة لدينا، فزادهم على ما طلبوا. وقيل: إنهم إنما قطعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إن غلبوا. أي قالوا: يجب لنا الأجر إن غلبنا. وقرا الباقون بالاستفهام على جهة الاستخبار. استخبروا فرعون: هل يجعل لهم أجرا إن غلبوا أو لا، فلم يقطعوا على فرعون بذلك، إنما استخبروه هل يفعل ذلك، فقال لهم" نَعَمْ" لكم الأجر والقرب إن غلبتم.

قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)

[سورة الأعراف (7): الآيات 115 الى 117]
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (117)
تأدبوا مع موسى عليه السلام فكان ذلك سبب إيمانهم. و" أن" في موضع نصب عند الكسائي والفراء، على معنى إما أن تفعل الإلقاء. ومثله قول الشاعر:
قالوا الركوب فقلنا تلك عادتنا «1»

قال ألقوا قال الفراء: في الكلام حذف. والمعنى: قال لهم موسى إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا آياته. وهذا من معجز القرآن الذي لا يأتي مثله في كلام الناس، ولا يقدرون عليه. يأتي اللفظ اليسير بجمع المعاني الكثيرة. وقيل: هو تهديد. أي ابتدءوا بالإلقاء، فسترون ما يحل بكم من الافتضاح، إذا لا يجوز على موسى أن يأمرهم بالسحر. وقيل: أمرهم بذلك ليبين كذبهم وتمويههم. (فَلَمَّا أَلْقَوْا) أي الحبال والعصي (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ) أي خيلوا لهم وقلبوها عن صحة إدراكها، بما يتخيل من التمويه الذي جرى مجرى الشعوذة وخفة اليد. كما تقدم في البقرة «2» بيانه. ومعنى (عَظِيمٍ) أي عندهم، لأنه كان كثيرا وليس بعظيم على الحقيقة. قال ابن زيد: كان الاجتماع بالإسكندرية فبلغ ذنب الحية وراء البحيرة. وقال غيره: وفتحت فاها فجعلت تلقف- أي تلتقم- ما ألقوا من حبالهم وعصيهم. وقيل: كان ما ألقوا حبالا من أدم فيها زئبق فتحركت وقالوا هذه حيات. وقرا حفص" تلقف" بإسكان اللام والتخفيف. جعله مستقبل لقف يلقف. قال النحاس: ويجوز على هذه القراءة" تلقف" لأنه من لقف. وقرا الباقون بالتشديد وفتح اللام، وجعلوه مستقبل تلقف، فهي تتلقف. يقال: لقفت الشيء وتلقفته إذا أخذته أو بلعته. تلقف وتلقم
__________
(1). هذا صدر بيت وتمامه: أو النزول فإنا معشر نزل. في ب: فقلت تلك.
(2). راجع ج 2 ص 43.

فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)

وتلهم بمعنى واحد. قال أبو حاتم: وبلغني في بعض القراءات" تلقم" بالميم والتشديد. قال الشاعر:
أنت عصا موسى التي لم تزل ... تلقم ما يأفكه الساحر
ويروى: تلقف. (ما يَأْفِكُونَ) أي ما يكذبون، لأنهم جاءوا بحبال وجعلوا فيها زئبقا حتى، تحركت.

[سورة الأعراف (7): الآيات 118 الى 122]
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (122)
قوله تعالى: (فَوَقَعَ الْحَقُّ) قال مجاهد: فظهر الحق. (وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ) نصب على الحال. والفعل منه صغر يصغر صغرا وصغرا وصغارا «1». أي انقلب قوم فرعون وفرعون معهم أذلاء مقهورين مغلوبين. فأما السحرة فقد آمنوا.

[سورة الأعراف (7): الآيات 123 الى 126]
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (125) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126)
قوله تعالى: (قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) إنكار منه عليهم. (إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها) أي جرت بينكم وبينه مواطأة في هذا لتستولوا على مصر، أي كان هذا منكم في مدينة مصر قبل أن تبرزوا إلى هذه الصحراء
__________
(1). هو من باب فرح وكرم.

وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)

(فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) تهديدا لهم. قال ابن عباس: كان فرعون أول من صلب، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، الرجل اليمنى واليد اليسرى، واليد اليمنى والرجل اليسرى، عن الحسن. (وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا) قرأ الحسن بفتح القاف. قال الأخفش: هي لغة يقال: نقمت الأمر ونقمته أنكرته، أي لست تكره منا سوى أن آمنا بالله وهو الحق. (لَمَّا جاءَتْنا) آياته وبيناته. (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً) الإفراغ الصب، أي اصببه علينا عند القطع والصلب. (وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ) فقيل: إن فرعون أخذ السحرة وقطعهم على شاطئ النهر، وإنه آمن بموسى عند إيمان ستمائة ألف.

[سورة الأعراف (7): الآيات 127 الى 128]
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)
قوله تعالى: (وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) أي بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل. (وَيَذَرَكَ) بنصب الراء جواب الاستفهام، والواو نائبة عن الفاء. (وَآلِهَتَكَ) قال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام، فكان يعبد ويعبد. قال سليمان التيمي: بلغني أن فرعون كان يعبد البقر قال التيمي: فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئا؟ قال نعم، إنه كان يعبد «1» شيئا كان قد جعل في عنقه. وقيل: معنى" وَآلِهَتَكَ" أي وطاعتك، كما قيل في قول: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله «2»" إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم، فصار تمثيلا. وقرا نعيم بن ميسرة" ويذرك" بالرفع على تقدير وهو يذرك. وقرا الأشهب العقيلي" ويذرك" مجزوما مخفف يذرك لثقل الضمة. وقرا أنس
__________
(1). في زوك: أن كان ليعبد.
(2). راجع ج 8 ص 199.

ابن مالك" ونذرك" بالرفع والنون. أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى حيا. وقرا علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك" وإلاهتك" ومعناه وعبادتك. وعلى هذه القراءة كان يعبد ولا يعبد، أي ويترك عبادته لك. قال أبو بكر الأنباري: فمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال" أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «1»" و" ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي «2»" نفى أن يكون له رب وآلهة. فقيل له: ويذرك وإلاهتك، بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك. وقرأ العامة" وَآلِهَتَكَ" كما تقدم، وهي مبنية على أن فرعون ادعى الربوبية في ظاهر أمره وكان يعلم أنه مربوب. ودليل هذا قوله عند حضور الحمام" آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ" «3» فلم يقبل هذا القول منه (لما أتى به «4») بعد إغلاق (باب «5») التوبة. وكان قبل هذا الحال له إله يعبده سرا دون رب العالمين جل وعز، قال الحسن وغيره. وفي حرف أبي" أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك". وقيل:" وإلاهتك" قيل: كان يعبد بقرة، وكان إذا استحسن بقرة أمر بعبادتها، وقال: أنا ربكم ورب هذه. ولهذا قال:" فَأَخْرَجَ لَهُمْ «6» عِجْلًا جَسَداً". ذكره ابن عباس والسدي. قال الزجاج: كان له أصنام صغار يعبدها قومه تقربا إليه فنسبت إليه، ولهذا قال:" أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ". قال إسماعيل بن إسحاق: قول فرعون" أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ". يدل على أنهم كانوا يعبدون شيئا غيره. وقد قيل: إن المراد بالإلاهة على قراءة ابن عباس البقرة التي كان يعبدها. وقيل: أرادوا بها الشمس وكانوا يعبدونها. قال الشاعر:
وأعجلنا الإلاهة أن تؤبا

ثم آنس قومه فقال (سنقتل أبناءهم) بالتخفيف، قراءة نافع وابن كثير. والباقون بالتشديد على التكثير. (وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ) أي لا تخافوا جانبهم. (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) آنسهم بهذا الكلام. ولم يقل سنقتل موسى لعلمه أنه لا يقدر عليه. وعن سعيد بن جبير قال: كان فرعون قد ملئ من موسى رعبا، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار. ولما بلغ قوم
__________
(1). راجع ج 19 ص 198.
(2). راجع ج 14 ص 288.
(3). راجع ج 8 ص 337.
(4). من ب وج وز وك.
(5). من ب وج وز وك.
(6). راجع ج 11 ص 232. يلاحظ أن الآية في السامري.

قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)

موسى من فرعون هذا قال لهم موسى: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ) أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر. (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي الجنة لمن اتقى. وعاقبة كل شي: آخره، ولكنها إذا أطلقت فقيل: العاقبة لفلان فهم منه في العرف الخير.

[سورة الأعراف (7): آية 129]
قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)
قوله تعالى: (قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا) أي في ابتداء ولادتك بقتل الأبناء واسترقاق النساء. (وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا) أي والآن أعيد علينا ذلك، يعنون الوعيد الذي كان من فرعون. وقيل: الأذى من قبل تسخيرهم لبنى إسرائيل في أعمالهم إلى نصف النهار، وإرسالهم بقيته ليكتسبوا لأنفسهم. والأذى من بعد: تسخيرهم جميع النهار كله بلا طعام ولا شراب، قاله جويبر. وقال الحسن الأذى من قبل ومن بعد واحد، وهو أخذ الجزية. (قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ)" عَسى " من الله واجب، جدد «1» لهم الوعد وحققه. وقد استحلفوا في مصر في زمان داود وسليمان عليهما السلام، وفتحوا بيت المقدس مع يوشع بن نون، كما تقدم. وروي أنهم قالوا ذلك حين خرج بهم موسى وتبعهم فرعون فكان وراءهم والبحر أمامهم، فحقق الله الوعيد بأن غرق فرعون وقومه وأنجاهم. (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) تقدم نظائره. أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء، لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم.

[سورة الأعراف (7): آية 130]
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ) يعني الجدوب. وهذا معروف في اللغة، يقال: أصابتهم سنة، أي جدب. وتقديره جدب سنة. وفي الحديث: (اللهم
__________
(1). في ب وج وز وك: حدد. بالمهملة. [.....]

فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)

أجعلها عليهم سنين كسنى يوسف (. ومن العرب من يعرب النون في السنين، وأنشد الفراء:
أرى مر السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار «1» من الهلال
قال النحاس: وأنشد سيبويه هذا البيت بفتح النون، ولكن أنشد «2» في هذا مالا يجوز غيره، وهو قوله:
وقد جاوزت رأس الأربعين

وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون: أقمت عنده سنينا يا هذا، مصروفا. قال: وبنو تميم لا يصرفون ويقولون: مضت له سنين يا هذا. وسنين جمع سنة، والسنة هنا بمعنى الجدب لا بمعنى الحول. ومنه أسنت القوم أي أجدبوا. قال عبد الله بن الزبعري:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف»
(لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) أي ليتعظوا وترق قلوبهم.

[سورة الأعراف (7): آية 131]
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131)
فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) أي الخصب والسعة. (قالُوا لَنا هذِهِ) أي أعطيناها باستحقاق. (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي قحط ومرض وهي المسألة:- الثانية- (يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ) أي يتشاءموا به. نظيره" وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ «4»". والأصل" يتطيروا" أدغمت التاء في الطاء. وقرا طلحة:" تطيروا" على أنه فعل ماض. والأصل في هذا من الطيرة وزجر الطير، ثم كثر استعمالهم حتى قيل لكل
__________
(1). السرار والسرر (بفتح السين وكسرها فيهما): الليلة التي يستسر فيها القمر آخر الشهر.
(2). في ع: أنشدوا.
(3). يريد به هاشم بن عبد مناف أبا عبد المطلب جد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان يسمى عمرا.
(4). راجع ج 5 ص 282.

من تشاءم: تطير. وكانت العرب تتيمن بالسانح: وهو الذي يأتي من ناحية اليمين. وتتشاءم بالبارح: وهو الذي يأتي من ناحية الشمال. وكانوا يتطيرون أيضا بصوت الغراب، ويتأولونه البين. وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك. وهكذا الظباء إذا مضت سانحة أو بارحة، ويقولون إذا برحت:" من لي بالسانح بعد البارح «1»". إلا أن أقوى ما عندهم كان يقع في جميع الطير، فسموا الجميع تطيرا من هذا الوجه. وتطير الأعاجم إذا رأوا صبيا يذهب به إلى العلم بالغداة، ويتيمنون برؤية صبي يرجع من عند المعلم إلى بيته، ويتشاءمون برؤية السقاء على ظهره قربة مملوءة مشدودة، ويتيمنون برؤية فارغ السقاء مفتوحة (قربته «2»)، ومتشاءمون بالحمال المثقل بالحمل، والدابة الموقرة «3»، ويتيمنون بالحمال الذي وضع جمله، وبالدابة يحط عنها ثقلها. فجاء الإسلام بالنهي عن التطير والتشاؤم بما يسمع من صوت طائر ما كان، وعلى أي حال كان، فقال عليه السلام: (أقروا الطير على مكناتها «4»). وذلك أن كثيرا من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في وكرها فنفرها، فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته، وهذا هو السانح عندهم. وإن أخذت ذات الشمال رجع، وهذا هو البارح عندهم. فنهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن هذا بقول: (أقروا الطير على مكناتها) هكذا في الحديث. وأهل العربية يقولون: (وكناتها) قال امرؤ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها

والوكنة: اسم لكل وكر وعش. والوكن: موضع الطائر الذي يبيض فيه ويفرخ، وهو الخرق في الحيطان والشجر. ويقال: وكن الطائر يكن وكونا إذا حضن بيضه. وكان أيضا من العرب من لا يرى التطير شيئا، ويمدحون من كذب به. قال المرقش:
__________
(1). هذا مثل يضرب للرجل يسئ الرجل فيقال له: إنه سوف يحسن إليك. واصل ذلك أن رجلا مرت به ظباء بارحة فقيل له سوف تسنح لك فقال: من لي ... إلخ.
(2). من ع.
(3). الدابة الموقرة: التي أصابتها الوقرة وهى صدع في الساق.
(4). مكناتها بكسر الكاف وقد تفتح: أي بيضها. وهى في الأصل بيض الضباب. وقيل على أمكنتها ومساكنها. قال شمر: والصحيح في قوله على مكناتها أنها جمع المكنة والملكة: التمكن. وقال الزمخشري: ويروى: مكناتها جمع مكن ومكن جمع مكان.

ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم «1»
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وقال عكرمة: كنت عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، خير. فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شر. قال علماؤنا: وأما أقوال الطير فلا تعلق لها بما يجعل دلالة عليه، ولا لها علم بكائن فضلا عن مستقبل فتخبر به، ولا في الناس من يعلم منطق الطير، إلا ما كان الله تعال خص به سليمان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك، فالتحق التطير بجملة الباطل. والله أعلم. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ليس منا من تحلم «2» أو تكهن أو رده عن سفره تطير). وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (الطيرة شرك- ثلاثا- وما منا إلا ولكن «3» الله يذهبه بالتوكل). وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من رجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك). قيل: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: (أن يقول أحدهم اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضي لحاجته). وفي خبر آخر: (إذا وجد ذلك أحدكم فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت لا حول ولا قوة إلا بك). ثم يذهب متوكلا على الله، فإن الله يكفيه ما وجد في نفسه من ذلك، وكفاه الله تعالى ما يهمه. وقد تقدم في المائدة الفرق بين الفأل والطيرة «4». (أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) وقرا الحسن" طيرهم" جمع طائر. أي ما قدر لهم
__________ (1). الواق بكسر القاف: الصرد وهو طائر أبقع ضخم الرأس يكون في الشجر نصفه أبيض ونصفه أسود. والحاتم: الغراب الأسود.
(2). تحلم: إذا ادعى الرؤيا كاذبا.
(3). كذا في مسند أبى داود وبعض نسخ الأصل. قال ابن الأثير:" هكذا جاء في الحديث مقطوعا ولم يذكر المستثنى. أي إلا وقد يعتريه التطير، وتسبق إلى قلبه الكراهة، فحذف اختصار واعتمادا على فهم السامع ... وقوله:" ولكن الله يذهبه بالتوكل" معناه أنه إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله وسلم إليه ولم يعمل بذلك الخاطر غفره الله له ولم يؤاخذه به". وفى ب:" .. وما منا إلا من تطير .." إلخ.
(4). راجع ج 6 ص 59.

وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)

وعليهم. (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أن ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله عز وجل بذنوبهم لا من عند موسى وقومه.

[سورة الأعراف (7): آية 132]
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)
قوله تعالى: (وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ) أي قال قوم فرعون لموسى" مَهْما". قال الخليل: الأصل ما، ما، الأولى للشرط، والثانية زائدة توكيد للجزاء، كما تزاد في سائر الحروف، مثل إما وحيثما وأينما وكيفما. فكرهوا حرفين لفظهما واحد، فابدلوا من الألف الأولى هاء فقالوا مهما. وقال الكسائي: أصله مه، أي اكفف، ما تأتنا به من آية. وقيل: هي كلمة مفردة، يجازي بها ليجزم ما بعدها على تقدير إن. والجواب" فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ" (لِتَسْحَرَنا) لتصرفنا عما نحن عليه. وقد مضى في البقرة بيان هذه اللفظة «1». قيل: بقي موسى في القبط بعد إلقاء السحرة سجدا عشرين سنة يريهم الآيات إلى أن أغرق الله فرعون، فكان هذا قولهم.

[سورة الأعراف (7): آية 133]
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133)
فيه خمس مسائل: الأولى- روى إسرائيل عن سماك عن نوف الشامي قال: مكث موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آل فرعون بعد ما غلب السحرة أربعين عاما. وقال محمد بن عمان بن أبي شيبة عن منجاب: عشرين سنة، يريهم الآيات: الجراد والقمل والضفادع والدم. الثانية- قوله تعالى: (الطُّوفانَ) أي المطر الشديد حتى عاموا فيه. وقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت قال الأخفش: واحدته طوفانه. وقيل: هو مصدر كالرجحان
__________
(1). راجع ج 2 ص 200.

والنقصان، فلا يطلب له واحد. قال النحاس: الطوفان في اللغة ما كان مهلكا من موت أو سيل، أي ما يطيف بهم فيهلكهم. وقال السدي: ولم يصب بني إسرائيل قطرة من ماء، بل دخل بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم «1»، ودام عليهم سبعة أيام. وقيل: أربعين يوما. فقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن بك، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان فلم يؤمنوا. فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم ينبته قبل ذلك من الكلأ والزرع. فقالوا: كان ذلك الماء نعمة، فبعث الله عليها الجراد وهو الحيوان المعروف، جمع جرادة في المذكر والمؤنث. فإن أردت الفصل نعت فقلت رأيت جرادة ذكرا- فأكل زروعهم وثمارهم حتى أنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدم ديارهم. ولم يدخل دور بني إسرائيل منها شي. الثالثة- واختلف العلماء في قتل الجراد إذا حل بأرض فأفسد، فقيل: لا يقتل. وقال أهل الفقه كلهم: يقتل. احتج الأولون بأنه خلق عظيم من خلق الله يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم. وبما روي (لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظم). واحتج الجمهور بأن في تركها فساد الأموال، وقد رخص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتال المسلم إذا أراد أخذ مال، فالجراد إذا أرادت فساد الأموال كانت أولى أن يجوز قتلها. ألا ترى أنهم قد اتفقوا على أنه يجوز قتل الحية والعقرب؟ لأنهما يؤذيان الناس فكذلك الجراد. روى ابن ماجة عن جابر وأنس بن مالك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا دعا على الجراد قال: (اللهم أهلك كباره واقتل صغاره وأفسد بيضه واقطع دابره وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء (. قال رجل: يا رسول الله، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ قال:) إن الجراد «2» نثرة الحوت في البحر (. الرابعة: ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه. ولم يختلف العلماء في أكله على الجملة،
__________
(1). التراقي: جمع الترقوة، وهى عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين. [.....]
(2). النثره: شبه العطسة.

وأنه إذا أخذ حيا وقطعت رأسه أنه حلال باتفاق. وإن ذلك يتنزل منه منزلة الذكاة فيه. وإنما اختلفوا هل يحتاج إلى سبب يموت به إذا صيد أم لا، فعامتهم على أنه لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما مات. وحكمه عندهم حكم الحيتان، وإليه ذهب ابن نافع ومطرف وذهب مالك إلى أنه لأبد له من سبب يموت به، كقطع رءوسه أو أرجله أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يصلق أو يطرح في النار، لأنه عنده من حيوان البر فميتته محرمة. وكان الليث يكره أكل ميت الجراد، إلا ما أخذ حيا ثم مات فإن أخذه ذكاة. وإليه ذهب سعيد بن المسيب. وروى الدارقطني عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أحل لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال). وقال ابن ماجة: حدثنا أحمد ابن منيع حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي سعيد سمع أنس بن مالك يقول: كن أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتهادين الجراد على الأطباق. ذكره ابن المنذر أيضا. الخامسة- روى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إن الله تعالى خلق ألف أمة ستمائة منها في البحر وأربعمائة في البر وإن أول هلاك هذه الأمم الجراد فإذا هلكت الجراد تتابعت الأمم مثل نظام السلك إذا انقطع (. ذكره الترمذي الحكيم في (نوادر الأصول) وقال: وإنما صار الجراد أول هذه الأمم هلاكا لأنه خلق من الطينة التي فضلت من طينة آدم. وإنما تهلك الأمم لهلاك الآدمين لأنها مسخرة لهم. رجعنا إلى قصة القبط- فعاهدوا موسى أن يؤمنوا لو كشف عنهم الجراد، فدعا فكشف وكان قد بقي من زروعهم شي فقالوا: يكفينا ما بقي، ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم القمل، وهو صغار الدبى، قاله قتادة. والدبى: الجراد قبل أن يطير، الواحدة دباة. وأرض مدبية إذا أكل الدبى نباتها. وقال ابن عباس: القمل السوس الذي في الحنطة. وقال ابن زيد: البراغيث. وقال الحسن: دواب سود صغار. وقال أبو عبيدة: الحمنان، وهو ضرب من القراد، واحدها حمنانة. فأكلت دوابهم وزروعهم، ولزمت جلودهم كأنها الجدري عليهم،

ومنعهم النوم والقرار. وقال حبيب بن (أبي «1») ثابت: القمل الجعلان «2». والقمل عند أهل اللغة ضرب من القردان. قال أبو الحسن الأعرابي العدوي: القمل دواب صغار من جنس القردان، إلا أنها أصغر منها، واحدتها قملة. قال النحاس: وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير، لأنه يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم، وهي أنها كلها تجتمع في أنها تؤذيهم. وذكر بعض المفسرين أنه كان" بعين شمس «3»" كثيب من رمل فضربه موسى بعصاه فصار قملا. وواحد القمل قملة. وقيل: القمل القمل، قاله عطاء الخراساني. وفي قراءة الحسن" والقمل" بفتح القاف وإسكان الميم فتضرعوا فلما كشف عنهم لم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، جمع ضفدع «4» وهي المعروفة التي تكون في الماء، (وفيه مسألة «5» واحدة هي أن) النهي ورد عن قتلها، أخرجه أبو داود وابن ماجة بإسناد صحيح. أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق وابن ماجة عن محمد بن يحيى النيسابوري الذهلي عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد. وخرج النسائي عن عبد الرحمن بن عثمان أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتله. صححه أبو محمد عبد الحق. وعن أبي هريرة قال: الصرد أول طير صام. ولما خرج إبراهيم عليه السلام من الشام إلى الحرم في بناء البيت كانت السكينة «6» معه والصرد، فكان الصرد دليله إلى الموضع، والسكينة مقداره. فلما صار إلى البقعة وقعت السكينة على موضع البيت ونادت: ابن يا إبراهيم على مقدار ظلي، فنهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قتل الصرد لأنه كان دليل إبراهيم على البيت، وعن الضفدع لأنها كانت تصب الماء على نار إبراهيم. ولما تسلطت على فرعون جاءت فأخذت الأمكنة كلها، فلما صارت إلى التنور وثبت فيها وهي نار تسعر، طاعة لله. فجعل (الله «7» نقيقها تسبيحا. يقال: إنها أكثر الدواب تسبيحا. قال عبد الله بن عمرو: لا تقتلوا الضفدع فإن نقيقه الذي تسمعون تسبيح. فروي أنها ملأت
__________
(1). من ب وج وك. والتهذيب.
(2). الجعلان (بكسر الجيم جمع جعل كصرد) وهو دابة سوداء من دواب الأرض.
(3). عاصمة مصر يومئذ.
(4). الضفدع: بفتح الضاد والدال وبكسرهما وسكون الفاء.
(5). من ج وك.
(6). السكينة: ريح خجوج، أي سريعة الممر.
(7). من ع.

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)

فرشهم وأوعيتهم وطعامهم وشرابهم، فكان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، وإذا تكلم وثب الضفدع في فيه. فشكوا إلى موسى وقالوا: نتوب، فكشف الله عنهم ذلك فعادوا إلى كفرهم، فأرسل الله عليهم الدم فسال النيل عليهم «1» دما. وكان الإسرائيلي يغترف منه الماء، والقبطي الدم. وكان الإسرائيلي يصب الماء في فم القبطي فيصير دما، والقبطي يصب الدم في فم الإسرائيلي فيصير ماء زلالا. (آياتٍ مُفَصَّلاتٍ) أي مبينات ظاهرات، عن مجاهد. قال الزجاج: (آياتٍ مُفَصَّلاتٍ) نصب على الحال. ويروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام. وقيل: أربعون يوما. وقيل: شهر، فلهذا قال" مفصلات". (فَاسْتَكْبَرُوا) أي ترفعوا عن الإيمان بالله تعالى.

[سورة الأعراف (7): الآيات 134 الى 136]
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (136)
قوله تعالى: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ) أي العذاب. وقرى بضم الراء، لغتان. قال ابن جبير: كان طاعونا مات به من القبط في يوم واحد سبعون «2» ألفا. وقيل: المراد بالرجز ما تقدم ذكره من الآيات. (بِما عَهِدَ عِنْدَكَ)" ما" بمعنى الذي، أي بما استودعك من العلم، أو بما اختصك به فنبأك. وقيل: هذا قسم، أي بعهده عندك إلا ما دعوت لنا، ف" ما" صلة «3». (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ) أي بدعائك لإلهك حتى يكشف عنا. (لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) أي نصدقك بما جئت به. (وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ) وكانوا يستخدمونهم، على ما تقدم (إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ) يعني أجلهم الذي ضرب لهم في التغريق. (إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) أي ينقضون ما عقدوه
__________
(1). من ب وج وك وى.
(2). في ع: تسمعون.
(3). كذا في جميع نسخ الأصل، وظاهر أنها مصدرية.

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)

على أنفسهم. (فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ) واليم البحر." وَكانُوا عَنْها" أي النقمة. دل عليها" فَانْتَقَمْنا". وقيل: عن الآيات أي لم يعتبروا بها حتى صاروا كالغافلين عنها.

[سورة الأعراف (7): آية 137]
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (137)
قوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ) يريد بني إسرائيل. (الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) أي يستذلون بالخدمة. (مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا) زعم الكسائي والفراء أن الأصل" في مشارق الأرض ومغاربها" ثم حذف" في" فنصب. والظاهر أنهم ورثوا أرض القبط. فهما نصب على المفعول الصريح، يقال: ورثت المال وأورثته المال، فلما تعدى الفعل بالهمزة نصب مفعولين. والأرض هي أرض الشام ومصر. ومشارقها ومغاربها جهات الشرق والغرب بها، فالأرض مخصوصة، عن الحسن وقتادة وغيرهما. وقيل: أراد جميع الأرض، لأن بن بني إسرائيل داود وسليمان وقد ملكا الأرض. (الَّتِي بارَكْنا فِيها) أي بإخراج الزروع والثمار والأنهار. (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ هي قوله:" وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ «1»". (بِما صَبَرُوا) أي بصبرهم على أذى فرعون، وعلى أمر الله بعد أن آمنوا بموسى. (وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) يقال: عرش يعرش إذا بنى. قال ابن عباس ومجاهد: أي ما كانوا يبنون من القصور وغيرها. وقال الحسن: هو تعريش الكرم. وقرا ابن عامر وأبو بكر عن عاصم" يعرشون" بضم الراء. قال الكسائي: هي لغة تميم. وقرا إبراهيم بن أبي عبلة" يعرشون" بتشديد الراء وضم الياء.
__________
(1). راجع ج 13 ص 247.

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)

[سورة الأعراف (7): آية 138]
وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)
قوله تعالى: (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ) قرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف، والباقون بضمها. يقال: عكف يعكف ويعكف بمعنى أقام على الشيء ولزمه. والمصدر منهما على فعول. قال قتادة: كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولا بالرقة وقيل: كانت أصنامهم تماثيل بقر، ولهذا أخرج لهم السامري عجلا. (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) نظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى ذات أنواط «1» يعظمونها في كل سنة يوما: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال عليه الصلاة والسلام: (الله أكبر. قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى" اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ" لتركبن سنن في قبلكم حذو القذة «2» بالقذة حتى إنهم لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه (. وكان هذا في مخرجه إلى حنين، على ما يأتي بيانه في" براءة «3»" إن شاء الله تعالى.

[سورة الأعراف (7): الآيات 139 الى 140]
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140)
قوله تعالى:) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ) أي مهلك، والتبار: الهلاك. وكل إناء مكسر متبر. وأمر متبر. أي إن العابد والمعبود مهلكان. وقوله: (وَباطِلٌ) أي ذاهب
__________
(1). ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونه.
(2). القذة ريش الهم. قال ابن الأثير: يضرب مثلا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. [.....]
(3). راجع ج 8 ص 97.

وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)

مضمحل. (ما كانُوا يَعْمَلُونَ) كانوا صلة رائدة. (قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً) 140 أي أطلب لكم إلها غير الله تعالى. يقال: بغيته وبغيت له. (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) 140 أي على عالمي زمانكم. وقيل: فضلهم بإهلاك عدوهم، وبما خصهم به من الآيات.

[سورة الأعراف (7): آية 141]
وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
ذكرهم منته. وقيل: هو خطاب ليهود عصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أي واذكروا إذ أنجينا أسلافكم. حسب ما تقدم بيانه في سورة (البقرة «1»).

[سورة الأعراف (7): آية 142]
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
قوله تعالى:" (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)" فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله تعالى:" (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً)" ذكر أن مما كرم الله «2» به موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا فكان وعده المناجاة إكراما له. (وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ) قال ابن عباس ومجاهد ومسروق رضي الله عنهم: هي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة. أمره أن يصوم الشهر وينفرد فيه بالعبادة، فلما صامه أنكر خلوف فمه فاستاك. قيل: بعود خرنوب، فقالت الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. فزيد عليه عشر ليال من ذي الحجة. وقيل: إن الله تعالى أوحى إليه لما استاك: (يا موسى لا أكلمك حتى يعود)
__________
(1). راجع ج 1 ص 381.
(2). من ع.

فوك إلى ما كان عليه قبل، أما علمت أن رائحة الصائم أحب إلي من ريح المسك (. وأمره بصيام عشرة أيام. وكان كلام الله تعالى لموسى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) «1» غداة النحر حين فدى إسماعيل من الذبح، وأكمل لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحج. وحذفت الهاء من عشر لأن المعدود مؤنث. والفائدة في قوله:" فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" وقد علم أن ثلاثين وعشرة أربعون، لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها، فبين أن العشر سوى الثلاثين. فإن قيل: فقد قال في البقرة أربعين وقال هنا ثلاثين، فيكون ذلك من البداء. قيل: ليس كذلك، فقد قال:" وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ" والأربعون، والثلاثون والعشرة قول واحد ليس بمختلف. وإنما قال القولين على تفصيل وتأليف، قال أربعين في قول مؤلف، وقال ثلاثين، يعني شهرا متتابعا وعشرا. وكل ذلك أربعون، كما قال الشاعر:
" عشر وأربع ..."

يعني أربع عشرة، ليلة البدر. وهذا جائز في كلام العرب. الثانية- قال علماؤنا: دلت هذه الآية على أن ضرب الأجل للمواعدة سنة ماضية، ومعنى قديم أسسه الله تعالى في القضايا، وحكم به للأمم، وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال. وأول أجل ضربه الله تعالى الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات،" وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ «2» 50: 38". وقد بينا معناه فيما تقدم في هذه السورة من قوله:" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ «3»". قال ابن العربي: فإذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل فجاء الأجل ولم يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة. وقد بين الله تعالى ذلك لموسى عليه السلام فضرب له أجلا ثلاثين ثم زاده عشرا تتمة أربعين. وأبطأ موسى عليه السلام في هذه العشر على قومه، فما عقلوا جواز التأني والتأخر حتى قالوا: إن موسى ضل أو نسي، ونكثوا عهده وبدلوا بعده، وعبدوا إلها غير الله. قال ابن عباس: إن موسى قال لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، وأخلف فيكم
__________
(1). من ع.
(2). راجع ج 17 ص 23.
(3). راجع ص 218 من هذا الجزء.

هارون، فلما فصل»
موسى إلى ربه زاده الله عشرا، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل، على ما يأتي بيانه. ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدرة، كما أن الأجل مقدر. ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر: من وقت وحال وعمل، فيكون مثل ثلث المدة السالفة، كما أجل الله لموسى. فإن رأى الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز، ولكن لا بد من التربص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر، قال ابن العربي. روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة «2». قلت: وهذا أيضا أصل لأعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى. وكان هذا لطفا بالخلق، ولينفذ القيام عليهم بالحق. يقال: أعذر في الأمر أي بالغ فيه، أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده. وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم،" وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «3»". وقال" وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ «4»" قيل: هم الرسل. ابن عباس: هو الشيب. فإنه يأتي في سن الاكتهال، فهو علامة لمفارقة سن الصبا. وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العباد، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقب المنية ولقاء الله، ففيه إعذار بعد إعذار «5». الأول بالنبي عليه السلام، والثاني بالشيب، وذلك عند كمال الأربعين، قال الله تعالى:" وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ «6»". فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد أن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها «7». قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا، وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس. الثالثة- ودلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام، لقوله تعالى:" ثَلاثِينَ لَيْلَةً" لأن الليالي أوائل الشهور. وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن
__________
(1). فصل: خرج.
(2). أي لم يبق فيه موضعا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر.
(3). راجع ج 10 ص 231.
(4). راجع ج 14 ص 351.
(5). في ب: وإنذار بعد إنذار.
(6). راجع ج 16 ص 194.
(7). كذا في ج وك وهو الصواب. وفى أوب وز وى يشكرهما.

الأيام، حتى روي عنها أنها كانت تقول: صمنا خمسا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والعجم تخالف في ذلك، فتحسب بالأيام لأن معولها على الشمس. ابن العربي: وحساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك، ولهذا قال:" وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً". فيقال: أرخت تاريخا، وورخت توريخا، لغتان. قوله تعالى: (وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ) المعنى: وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها لأخيه هارون: كن خليفتي، فدل على النيابة. وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول لعلي حين خلفه في بعض مغازيه: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). فاستدل بهذا الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استخلف عليا على جميع الأمة، حتى كفر الصحابة الإمامية- قبحهم الله- لأنهم عندهم تركوا العمل الذي هو النص على استخلاف علي واستخلفوا غيره بالاجتهاد منهم. ومنهم من كفر عليا إذ لم يقم بطلب حقه. وهؤلاء لا شك في كفرهم وكفر من تبعهم على مقالتهم، ولم يعلموا أن هذا استخلاف في حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو بموته، لا يقتضي أنه متماد بعد وفاته، فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية وغيرهم. وقد استخلف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المدينة ابن أم مكتوم وغيره، ولم يلزم من ذلك استخلافه دائما بالاتفاق. على أنه قد كان هارون شرك مع موسى في أصل الرسالة، فلا يكون لهم فيه على ما راموه دلالة. والله الموفق للهداية. قوله تعالى:" وَأَصْلِحْ" أمر بالإصلاح. قال ابن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر. السامري ويغير عليه. وقيل: أي ارفق بهم، وأصلح أمرهم، وأصلح نفسك، أي كن مصلحا. ولا تتبع سبيل المفسدين أي لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن عونا للظالمين.

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

[سورة الأعراف (7): آية 143]
وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
قوله تعالى: (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا) أي في الوقت الموعود. (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) أي أسمعه كلامه من غير واسطة. (قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) سأل النظر إليه، واشتاق إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. ف (قالَ لَنْ تَرانِي) أي في الدنيا. ولا يجوز الحمل على أنه أراد: أرني آية عظيمة لأنظر إلى قدرتك، لأنه قال" إِلَيْكَ" و" قالَ لَنْ تَرانِي". ولو سأل آية لأعطاه الله ما سأل، كما أعطاه سائر الآيات. وقد كان لموسى عليه السلام فيها مقنع عن طلب آية أخرى، فبطل هذا التأويل. (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي) ضرب له مثالا مما هو أقوى من بنيته وأثبت. أي فإن ثبت الجبل وسكن فسوف تراني، وإن لم يسكن فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي. وذكر القاضي عياض عن القاضي أبي بكر بن الطيب ما معناه: أن موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خر صعقا، وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه الله له. واستنبط ذلك من قوله:" وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي". ثم قال (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) وتجلى معناه ظهر، من قولك: جلوت العروس أي أبرزتها. وجلوت السيف أبرزته من الصدإ، جلاء فيهما. وتجلى الشيء انكشف. وقيل: تجلى أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره. وقراءة أهل المدينة واهل البصرة" دكا"، يدل على صحتها" دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا" «1» وأن الجبل مذكر «2». وقرا أهل الكوفة" دكاء" أي جعله مثل أرض دكاء، وهي الناتئة «3» لا تبلغ أن تكون جبلا. والمذكر أدك، وجمع دكاء دكاوات
__________
(1). راجع ج 20 ص 54. [.....]
(2). في ب وج: قراءة.
(3). الذي في مفردات الراغب: أرض دكاء مسواة.

ودك، مثل حمراوات وحمر. قال الكسائي: الدك من الجبال: العراض، واحدها أدك. غيره: والدكاوات جمع دكاء: رواب من طين ليست بالغلاظ. والدكداك كذلك من الرمل: ما التبد بالأرض فلم يرتفع. وناقة دكاء لا سنام لها. وفي التفسير: فساخ الجبل في الأرض، فهو يذهب فيها حتى الآن. وقال ابن عباس: جعله ترابا. عطية العوفي: رملا هائلا. (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) أي مغشيا عليه، عن ابن عباس والحسن وقتادة. وقيل: ميتا، يقال: صعق الرجل فهو صعق. وصعق فهو مصعوق. وقال قتادة والكلبي: خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة، وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك قال مجاهد: من مسألة الرؤية في الدنيا. وقيل: سأل من غير استئذان، فلذلك تاب. وقيل: قال على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات. وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون. وأيضا عند أهل السنة والجماعة الرؤية جائزة. وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبين لهم أنها غير جائزة، وهذا لا يقتضي التوبة. فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي، ذكره القشيري. وقد مضى في" الأنعام «1»" بيان أن الرؤية جائزة. قال علي بن مهدي الطبري: لو كان سؤال موسى مستحيلا ما أقدم عليه مع معرفته بالله، كما لم يجز أن يقول له يا رب ألك صاحبة وولد. وسيأتي في" القيامة «2»" مذهب المعتزلة والرد عليهم، إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) قيل: بن قومي. وقيل: من بني إسرائيل في هذا العصر. وقيل: بأنك لا ترى في الدنيا لوعدك السابق، في ذلك. وفي الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لا يخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأرفع رأسي فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أصعق فيمن صعق فأفاق قبلي أو حوسب بصفته الأولى (. أو قال (كفته صعقته الأولى). وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن كعب قال: إن الله تبارك وتعالى قسم
__________
(1). راجع ج 54 من هذا الجزء.
(2). راجع ج 19 ص 105.

قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)

كلامه ورؤيته بين محمد وموسى صلى الله وسلم عليهما، فكلمه موسى مرتين، ورآه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرتين.

[سورة الأعراف (7): آية 144]
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)
قوله تعالى: (يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي) الاصطفاء: الاجتباء، أي فضلتك. ولم يقل على الخلق، لأن من هذا الاصطفاء أنه كلمه وقد كلم الملائكة وأرسله وأرسل غيره. فالمراد" عَلَى النَّاسِ" المرسل إليهم. وقرا" برسالتي" على الإفراد نافع وابن كثير. والباقون بالجمع. والرسالة مصدر، فيجوز إفرادها. ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالة فاختلفت أنواعها، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه، كما قال:" إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ «1»". فجمع لاختلاف أجناس الأصوات واختلاف المصوتين. ووحد في قوله" الصوت" لما أراد به جنسا واحدا من الأصوات. ودل هذا على أن قومه لم يشاركه في التكليم ولا واحد من السبعين، كما بيناه في" البقرة «2»". قوله تعالى: (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ) إشارة إلى القناعة، أي اقنع بما أعطيتك. (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) أي من المظهرين لإحساني إليك وفضلي عليك، يقال: دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف. والشاكر معرض للمزيد كما قال:" لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «3»". ويروى أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه الله تعالى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور الله عز وجل.

[سورة الأعراف (7): آية 145]
وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145)
__________
(1). راجع ج 14 ص 71.
(2). راجع ج 1 ص 403.
(3). راجع ج 9 ص 342.

قوله تعالى: (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) يريد التوراة. وروي في الخبر أنه قبض عليه جبريل عليه السلام بجناحه فمر به في العلا حتى أدناه حتى سمع صريف القلم حين كتب الله له الألواح، ذكره الترمذي الحكيم. وقال مجاهد: كانت الألواح من زمردة خضراء. ابن جبير: من ياقوتة حمراء. أبو العالية: من زبرجد. الحسن: من خشب، نزلت من السماء. وقيل: من صخرة صماء، لينها الله لموسى عليه السلام فقطعها بيده ثم شقها بأصابعه، فأطاعته كالحديد لداود. قال مقاتل: أي كتبنا (له «1») في الألواح كنقس الخاتم. ربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر «2» بعير. وأضاف الكتابة إلى نفسه على جهة التشريف، إذ هي مكتوبة بأمره كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر. واستمد من نهر النور. وقيل: هي كتابة أظهرها الله وخلقها في الألواح. واصل اللوح: (لوح «3») (بفتح اللام)، قال الله تعالى:" بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ «4»". فكأن اللوح تلوح فيه المعاني. ويروى أنها لوحان، وجاء بالجمع لأن الاثنين جمع. ويقال: رجل عظيم الألواح إذا كان كبير عظم اليدين والرجلين. ابن عباس: وتكسرت الألواح حين ألقاها فرفعت إلا سدسها. وقيل: بقي سبعها ورفعت ستة أسباعها. فكان في الذي رفع تفصيل كل شي، وفي الذي بقي الهدى والرحمة. وأسند أبو نعيم الحافظ عن عمرو بن دينار قال: بلغني أن موسى بن عمران نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صام أربعين ليلة، فلما ألقى الألواح تكسرت فصام مثلها فردت إليه. ومعنى" مِنْ كُلِّ شَيْءٍ" مما يحتاج إليه في دينه من الأحكام وتبيين الحلال والحرام، عن الثوري وغيره. وقيل: هو لفظ يذكر تفخيما ولا يراد به التعميم، تقول: دخلت السوق فاشتريت كل شي. وعند فلان كل شي. و" تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ «5»"." وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ «6»" وقد تقدم. (موعظة وتفصيلا لكل شي) أي لكل شي أمروا به من الأحكام، فإنه لم يكن عندهم اجتهاد، وإنما خص بذلك أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (فَخُذْها بِقُوَّةٍ) في الكلام حذف، أي فقلنا له: خذها بقوة، أي بجد ونشاط. نظيره
__________
(1). من ب، ع.
(2). الوقر (بكسر الواو): الحمل الثقيل. وعم بعضهم به الثقيل والخفيف وما بينهما.
(3). من ع. وهو الصواب. والذي في ب ى اك: اللمع. وليست بشيء. بدليل الآية الشاهد.
(4). راجع ج 19 ص 269.
(5). راجع ج 16 ص 206.
(6). راجع ج 13 ص 184.

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)

" خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ" وقد تقدم «1». (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) أي يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي، ويتدبروا الأمثال والمواعظ. نظيره" وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ «2»". وقال:" فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ «3»". والعفو أحسن من الاقتصاص. والصبر أحسن من الانتصار. وقيل: أحسنها الفرائض والنوافل، وأدونها المباح. سأريكم دار الفاسقين قال الكلبي:" دارَ الْفاسِقِينَ" ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود، والقرون التي «4» أهلكوا. وقيل: هي جهنم، عن الحسن ومجاهد. أي فلتكن منكم على ذكر، فاحذروا أن تكونوا منها. وقيل: أراد بها مصر، أي سأريكم ديار القبط ومساكن فرعون خالية عنهم، عن ابن جبير. قتادة: المعنى سأريكم منازل الكفار التي سكنوها قبلكم من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها يعني الشام. وهذان القولان يدل عليهما" وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ «5»" الآية." وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ «6»" الآية، وقد تقدم. وقرا ابن عباس وقسامة بن زهير" سأورثكم" من ورث. وهذا ظاهر. وقيل: الدار الهلاك، وجمعه أدوار. وذلك أن الله تعالى لما أغرق فرعون أوحى إلى البحر أن اقذف بأجسادهم إلى الساحل، قال: ففعل، فنظر إليهم بنو إسرائيل فأراهم هلاك الفاسقين.

[سورة الأعراف (7): الآيات 146 الى 147]
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147)
__________
(1). راجع ج 1 ص 437. [.....]
(2). راجع ج 15 ص 270، ص 243.
(3). راجع ج 15 ص 270، ص 243.
(4). في ج وك: الذين.
(5). راجع ص 272. من هذا الجزء.
(6). راجع ج 13 ص 247.

قوله تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال قتادة: سأمنعهم فهم كتابي. وقاله سفيان بن عيينة. وقيل: سأصرفهم عن الإيمان بها. وقيل: سأصرفهم عن نفعها، وذلك مجازاة على تكبرهم. نظيره:" فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ «1» قُلُوبَهُمْ". والآيات على هذا المعجزات أو الكتب المنزلة. وقيل: خلق السماوات والأرض. أي أصرفهم عن الاعتبار بها. (يتكبرون) يرون أنهم أفضل الخلق. وهذا ظن باطل، فلهذا قال: (بغير الحق) فلا يتبعون نبيا ولا يصغون إليه لتكبرهم. قوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) يعني هؤلاء المتكبرون. أخبر عنهم أنهم يتركون طريق الرشاد ويتبعون سبيل الغي والضلال، أي الكفر يتخذونه دينا. ثم علل فقال: (ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا) أي ذلك الفعل الذي فعلته بهم بتكذيبهم. (وكانوا عنها غافلين) أي كانوا في تركهم تدبر الحق كالغافلين. ويحتمل أن يكونوا غافلين عما يجازون به، كما يقال: ما أغفل فلان عما يراد به، وقرا مالك بن دينار" وإن يروا" بضم الياء في الحرفين، أي يفعل ذلك بهم. وقرا أهل المدينة وأهل البصرة" سبيل الرشد" بضم الراء وإسكان الشين. وأهل الكوفة إلا عاصما" الرشد" بفتح الراء والشين. قال أبو عبيد: فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد فقال: الرشد في الصلاح. والرشد في الدين. قال النحاس:" سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد مثل السخط والسخط، وكذا قال الكسائي. والصحيح عن أبي عمرو غير ما قال أبو عبيد. قال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال: إذا كان الرشد وسط الآية فهو مسكن، وإذا كان رأس الآية فهو محرك. قال النحاس: يعني برأس الآية نحو" وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً «2» 10" فهما عنده لغتان بمعنى واحد، إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات. ويقال: رشد يرشد، ورشد يرشد. وحكى سيبويه رشد يرشد. وحقيقة الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد، وهو ضد الخيبة".
__________
(1). راجع ج 18 ص 82.
(2). راجع ج 10 ص 358.

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)

[سورة الأعراف (7): آية 148]
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148)
قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ) أي من بعد خروجه إلى الطور. (من حليهم) هذه قراءة أهل المدينة واهل البصرة. وقرا أهل الكوفة عاصما" من حليهم" بكسر الحاء. وقرا يعقوب" من حليهم" بفتح الحاء والتخفيف. قال النحاس: جمع حلي وحلي وحلي، مثل ثدي وثدي وثدي. والأصل" حلوى" ثم أدغمت الواو في الياء فانكسرت اللام لمجاورتها الياء، وتكسر الحاء لكسرة اللام. وضمها على الأصل. (عجلا) مفعول. (جسدا) نعت أو بدل. (له خوار) رفع بالابتداء. يقال: خار يخور خوارا إذا صاح. وكذلك جأر يجأر جؤارا. ويقال: خور يخور خورا إذا جبن وضعف. وروي في قصص العجل: أن السامري، واسمه موسى بن ظفر، ينسب إلى قرية تدعى سامرة. ولد عام قتل الأبناء، وأخفته أمه في كهف جبل فغذاه جبريل فعرفه لذلك، فأخذ حين عبر البحر على فرس وديق «1» ليتقدم فرعون في البحر- قبضة من أثر حافر الفرس. وهو معنى قوله:" فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ «2» 20: 96". وكان موسى وعد قومه ثلاثين يوما، فلما أبطأ في العشر الزائد ومضت ثلاثون ليلة قال لبني إسرائيل وكان مطاعا فيهم: إن معكم حليا من حلي آل فرعون، وكان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا لذلك اليوم، فلما أخرجهم الله من مصر وغرق القبط بقي ذلك الحلي في أيديهم، فقال لهم السامري: إنه حرام عليكم، فهاتوا ما عندكم فنحرقه. وقيل: هذا الحلي ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق، وأن هارون قال لهم: إن الحلي غنيمة، وهي لا تحل لكم، فجمعها في حفرة حفرها فأخذها السامري. وقيل: استعاروا الحلي ليلة أرادوا الخروج من مصر، وأوهموا القبط أن لهم عرسا أو مجتمعا،
__________
(1). أي تشتهي الفحل.
(2). راجع ج 11 ص 238.

وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)

وكان السامري سمع قولهم" اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ «1» آلِهَةٌ". وكانت تلك الآلهة على مثال البقر، فصاغ لهم عجلا جسدا، أي مصمتا، غير أنهم كانوا يسمعون منه خوار. وقيل: قلبه الله لحما ودما. وقيل: إنه لما ألقى تلك القبضة من التراب في النار على الحلي صار عجلا له خوار، فخار خورة واحدة ولم يثن ثم قال للقوم:" هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ»
20: 88". يقول: نسيه هاهنا وذهب يطلبه فضل عنه- فتعالوا نعبد هذا العجل. فقال الله لموسى وهو يناجيه:" فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ 20: 85". فقال موسى: يا رب، هذا السامري أخرج لهم عجلا من حليهم، فمن جعل له جسدا؟- يريد اللحم والدم- ومن جعل له خوارا؟ فقال الله سبحانه: أنا فقال: وعزتك وجلالك ما أضلهم غيرك. قال صدقت يا حكيم الحكماء. وهو معنى قوله:" إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ «3»". وقال القفال: كان السامري احتال بأن جوف العجل، وكان قابل به الريح، حتى جاء من ذلك ما يحاكي الخوار، وأوهمهم أن ذلك إنما صار كذلك لما طرح في الجسد من التراب الذي كان أخذه من تراب قوائم فرس جبريل. وهذا كلام فيه تهافت «4»، قال القشيري. قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ) بين أن المعبود يجب أن يتصف بالكلام. (ولا يهديهم سبيلا) أي طريقا إلى حجة. (اتخذوه) أي إلها. (وكانوا ظالمين) أي لأنفسهم فيما فعلوا من اتخاذه «5». وقيل: وصاروا ظالمين أي مشركين لجعلهم العجل إلها.

[سورة الأعراف (7): آية 149]
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149)
قوله تعالى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ) أي بعد عود موسى من الميقات. يقال للنادم المتحير: قد سقط في يده. قال الأخفش: يقال سقط في يده، وأسقط. ومن قال: سقط في أيديهم على بناء الفاعل، فالمعنى عنده: سقط الندم، قال الأزهري والنحاس وغيرهما.
__________
(1). راجع ص 273 من هذا الجزء.
(2). راجع ج 11 ص 232 وص 294 من هذا الجزء.
(3). راجع ج 11 ص 232 وص 294 من هذا الجزء.
(4). في ب وى: متهافت.
(5). في ز: اتخاذهم. [.....]

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)

والندم يكون في القلب، ولكنه ذكر اليد لأنه يقال لمن تحصل على شي: قد حصل في يده أمر كذا، لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد، قال الله تعالى:" ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ «1» 10". وأيضا: الندم وإن حل في القلب فأثره يظهر في البدن، لأن النادم يعض يده، ويضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال الله تعالى:" فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها «2»" أي ندم." ويوم يعض الظالم على يديه «3»" أي من الندم. والنادم يضع ذقنه في يده. وقيل: أصله من الاستئسار، وهو أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره أو يكتفه، فالمرمي مسقوط به في يد الساقط. (وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا) أي انقلبوا «4» بمعصية الله. (قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) أخذوا في الإقرار بالعبودية والاستغفار. وقرا حمزة والكسائي:" لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا" بالتاء على الخطاب. وفية معنى الاستغاثة والتضرع والابتهال في السؤال والدعاء." ربنا" بالنصب على حذف النداء. وهو أيضا أبلغ في الدعاء والخضوع. فقراءتهما أبلغ في الاستكانة والتضرع، فهي أولى.

[سورة الأعراف (7): الآيات 150 الى 151]
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
قوله تعالى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً) 150 لم ينصرف" غضبان" لأن مؤنثه غضبى، ولأن الألف والنون فيه بمنزلة ألفي التأنيث في قولك حمراء. وهو نصب على الحال. و" أسفا" شديد الغضب. قال أبو الدرداء: الأسف منزلة وراء الغضب أشد من ذلك. وهو أسف وأسف وأسفان وأسوف. والأسيف أيضا الحزين. ابن عباس
__________
(1). راجع ج 12 ص 15.
(2). راجع ج 10 ص 409.
(3). راجع ج 13 ص 25.
(4). في ب وى: ابتلوا.

والسدي: رجع حزينا من صنيع قومه. وقال الطبري: أخبره الله عز وجل قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل، فلذلك رجع وهو غضبان. ابن العربي: وكان موسى عليه السلام من أعظم الناس غضبا، لكنه كان سريع الفيئة «1»، فتلك بتلك. قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: كان موسى عليه السلام إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته، ورفع شعر بدنه جبته. وذلك أن الغضب جمرة تتوقد في القلب. ولأجله أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غضب أن يضطجع. فإن لم يذهب غضبه اغتسل، فيخمدها اضطجاعه ويطفئها اغتساله. وسرعة غضبه كان سببا لصكه ملك الموت ففقأ عينه. وقد تقدم في المائدة «2» ما للعلماء في هذا. وقال الترمذي الحكيم: وإنما استجاز موسى عليه السلام ذلك لأنه كليم الله، كأنه رأى أن من اجترأ عليه أو مد إليه يدا بأذى فقد عظم الخطب فيه. ألا ترى أنه احتج عليه فقال: من أين تنزع روحي؟ أمن فمي وقد ناجيت به ربي! أم من سمعي وقد سمعت به كلام ربي! أم من يدي وقد قبضت منه «3» الألواح! أم من قدمي وقد قمت بين يديه أكلمه بالطور! أم من عيني وقد أشرق وجهي لنوره. فرجع إلى ربه مفحما. وفي مصنف أبي داود عن أبي ذر قال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لنا: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع). وروي أيضا عن أبي وائل القاص قال: دخلنا على عروة بن محمد السعدي فكلمه رجل فأغضبه، فقام ثم رجع وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ). قوله تعالى: (بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي) 150 ذم منه لهم، أي بئس العمل عملتم «4» بعدي. يقال: خلفه، بما يكره. ويقال في الخير أيضا. يقال منه: خلفه بخير أو بشر في أهله وقومه
__________
(1). الفيئة (بفتح الفاء وكسرها): الحالة من الرجوع عن الشيء الذي يكون قد لابسه الإنسان وباشره.
(2). راجع ج 6 ص 122.
(3). في ج: به.
(4). في ب: عملكم.

بعد شخوصه. (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) 150 أي سبقتموه. والعجلة: التقدم بالشيء قبل وقته، وهي مذمومة. والسرعة: عمل الشيء في أول أوقاته، وهي محمودة. قال يعقوب: يقال عجلت الشيء سبقته. وأعجلت الرجل استعجلته، أي حملته على العجلة. ومعنى" أَمْرَ رَبِّكُمْ 150" أي ميعاد ربكم، أي وعد أربعين ليلة. وقيل: أن تعجلتم سخط ربكم. وقيل: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربكم. قوله تعالى: (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ) 150 فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى: (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ) 150 أي مما اعتراه من الغضب والأسف حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، وعلى أخيه في إهمال أمرهم، قال سعيد بن جبير. ولهذا قيل: ليس الخبر كالمعاينة. ولا التفات لما روي عن قتادة إن صح عنه، ولا يصح أن إلقاءه الألواح إنما كان لما رأى فيها من فضيلة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يكن ذلك لأمته. وهذا قول ردئ ينبغي أن يضاف إلى موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أن الألواح تكسرت، وأنه رفع منها التفصيل وبقي (فيها «1») الهدى والرحمة. الثانية- وقد استدل بعض جهال المتصوفة بهذا على جواز رمي الثياب إذا اشتد طربهم على المغني. ثم منهم من يرمي بها صحاحا، ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها. قال: هؤلاء في غيبة فلا يلامون، فإن موسى عليه السلام لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل، رمى الألواح فكسرها، ولم يدر ما صنع. قال أبو الفرج الجوزي: من يصحح عن موسى عليه السلام أنه رماها رمي كاسر؟ والذي ذكر في القرآن ألقاها، فمن أين لنا أنها تكسرت؟ ثم لو قيل: تكسرت فمن أين لنا أنه قصد كسرها؟ ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا كان في غيبة، حتى لو كان بين يديه بحر من نار لخاضه. ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغني من غيره، ويحذرون من بئر لو كانت عندهم. ثم كيف تقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء. وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال: خطأ وحرام، وقد نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إضاعة المال. فقال له قائل: فإنهم لا يعقلون ما يفعلون. فقال:
__________
(1). من ب.

إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما أدخلوه على أنفسهم من التخريق وغيره مما أفسدوا، ولا يسقط عنهم خطاب الشرع، لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذا الموضع الذي يفضي إلى ذلك. كما هم منهيون عن شرب المسكر، كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا أن فيه سكر طبع، وإن كذبوا أفسدوا مع الصحو، فلا سلامة فيه مع الحالين، وتجنب مواضع الريب واجب. قوله تعالى: (وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) 150 أي بلحيته وذؤابته. وكان هارون أكبر من موسى- صلوات الله وسلامه عليهما- بثلاث سنين، وأحب إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان لين الغضب. للعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربع تأويلات الأول- أن ذلك كان متعارفا عندهم، كما كانت العرب تفعله من قبض الرجل على لحية أخيه وصاحبه إكراما وتعظيما، فلم يكن ذلك على طريق الإذلال. الثاني- أن ذلك إنما كان ليسر إليه نزول الألواح عليه، لأنها نزلت عليه في هذه المناجاة وأراد أن يخفيها عن بني إسرائيل قبل التوراة. فقال له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، لئلا يشتبه سراره على بني إسرائيل بإذلاله. الثالث- إنما فعل ذلك به لأنه وقع في نفسه أن هارون مائل مع بني إسرائيل فيما فعلوه من أمر العجل. ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء. الرابع- ضم إليه أخاه ليعلم ما لديه، فكره ذلك هارون لئلا يظن بنو إسرائيل أنه أهانه، فبين له أخوه أنهم استضعفوه، يعني عبدة العجل، وكادوا يقتلونه أي قاربوا. فلما سمع عذره قال: رب اغفر لي ولأخي، أي اغفر لي ما كان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح، ولأخي لأنه ظنه مقصرا في الإنكار عليهم وإن لم يقع منه تقصير، أي اغفر لأخي إن قصر. قال الحسن: عبد كلهم العجل غير هارون، إذ لو كان ثم مؤمن غير موسى وهارون لما اقتصر على قوله: رب اغفر لي ولأخي، ولدعا لذلك المؤمن أيضا. وقيل: استغفر لنفسه من فعله بأخيه،

فعل ذلك لموجدته عليه، إذ لم يلحق به فيعرفه ما جرى ليرجع فيتلافاهم، ولهذا قال:" يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ «1» 20: 93- 92" الآية. فبين هارون أنه إنما أقام خوفا على نفسه من القتل. فدلت الآية على أن لمن خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر أن يسكت. وقد تقدم بيان هذا في" آل عمران «2»" ابن العربي: وفيها دليل على أن الغضب لا يغير الأحكام كما زعم بعض الناس، فإن موسى عليه السلام لم يغير غضبه شيئا من أفعاله، بل اطردت على مجراها من إلقاء لوح وعتاب أخ وصك ملك. الهدوي: لأن غضبه كان لله عز وجل، وسكوته عن بني إسرائيل خوفا أن يتحاربوا أو يتفرقوا. قوله تعالى: (قالَ ابْنَ أُمَّ) 150 وكان ابن أمه وأبيه. ولكنها كلمة لين وعطف. قال الزجاج: قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه. وقرى بفتح الميم وكسرها، فمن فتح جعل" ابْنَ أُمَّ 150" اسما واحدا كخمسة عشر، فصار كقولك: يا خمسة عشر أقبلوا. ومن كسر الميم جعله مضاف إلى ضمير المتكلم ثم حذف ياء الإضافة، لأن مبنى النداء على الحذف، وأبقى الكسرة في الميم لتدل على الإضافة، كقوله:" يا عِبادِ «3» 10". يدل عليه قراءة ابن السميقع" يا بن أمي" بإثبات الياء على الأصل. وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد:"ابْنَ أُمَّ 20: 94
" بالفتح، تقديره يا بن أماه. وقال البصريون: هذا القول خطأ، لأن الألف خفيفة لا تحذف، ولكن جعل الاسمين اسما واحدا. وقال الأخفش وأبو حاتم:"ابْنَ أُمَّ 20: 94
" بالكسر كما تقول: يا غلام غلام أقبل، وهي لغة شاذة والقراءة بها بعيدة. وإنما هذا فيما يكون مضافا إليك، فأما المضاف إلى مضاف إليك فالوجه أن تقول: يا غلام غلامي، ويا بن أخي. وجوزوا يا بن أم، يا بن عم، لكثرتها في الكلام. قال الزجاج والنحاس: ولكن لها وجه حسن جيد، يجعل الابن مع الأم ومع العم اسما واحدا، بمنزلة قولك: يا خمسة عشر أقبلوا، فحذفت الياء كما حذفت من يا غلام إن القوم استضعفوني استذلوني وعدوني ضعيفا. وكادوا أي قاربوا. يقتلونني بنونين، لأنه فعل مستقبل. ويجوز الإدغام في غير «4» القرآن. فلا تشمت بى الأعداء
__________
(1). راجع ج 11 ص 236.
(2). راجع ج 4 ص 47.
(3). راجع ج 15 ص 243.
(4). راجع ج 15 ص 276 ففيه خلاف هذا.

إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)

أي لا تسرهم. والشماتة: السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا. وهي محرمة منهي عنها. وفي الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك). وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتعوذ منها ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء). أخرجه البخاري وغيره. وقال الشاعر:
إذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
وقرأ مجاهد ومالك بن دينار" تشمت" بالنصب في التاء وفتح الميم،" الأعداء" بالرفع. والمعنى: لا تفعل بي ما تشمت من أجله الأعداء، أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله أنت بي. وعن مجاهد أيضا" تشمت" بالفتح فيهما" الأعداء" بالنصب. قال ابن جني: المعنى فلا تشمت بي أنت يا رب. وجاز هذا كما قال:" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «1»" ونحوه. ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء، كأنه قال: ولا تشمت بي، الأعداء. قال أبو عبيد: وحكيت عن حميد:" فلا تشمت" بكسر الميم. قال النحاس: ولا وجه لهذه القراءة، لأنه إن كان من شمت وجب أن يقول تشمت. وإن كان من أشمت وجب أن يقول تشمت. وقوله: (وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) 150 قال مجاهد: يعني الذين عبدوا العجل. (قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «2») تقدم.

[سورة الأعراف (7): الآيات 152 الى 153]
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ). الغضب من الله العقوبة. وذلة في الحيوة الدنيا لأنهم أمروا بقتل بعضهم بعضا. وقيل: الذلة الجزية.
__________
(1). راجع ج 1 ص 207. [.....]
(2). راجع ج 3 ص 431.

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)

وفيه بعد، لأن الجزية لم تؤخذ منهم وإنما أخذت من ذرياتهم. ثم قيل: هذا من تمام كلام موسى عليه السلام، أخبر الله عز وجل به عنه، وتم الكلام. ثم قال الله تعالى:" وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ". وكان هذا القول من موسى عليه السلام قبل أن يتوب القوم بقتلهم أنفسهم، فإنهم لما تابوا وعفا الله عنهم بعد أن جرى القتل العظيم- كما تقدم بيانه في البقرة «1»- أخبرهم أن من مات منهم قتيلا فهو شهيد، ومن بقي حيا فهو مغفور له. وقيل: كان ثم طائفة أشربوا في قلوبهم العجل، أحبه، فلم يتوبوا، فهم المعنيون. بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ) وقيل: أراد من مات منهم قبل رجوع موسى من الميقات. وقيل: أراد أولادهم. وهو ما جرى على قريظة والنضير، أي سينال أولادهم. والله أعلم. (وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) أي مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين. وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ" إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ"- حتى قال-" وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ" أي المبتدعين. وقيل: إن موسى أمر بذبح العجل، فجرى منه دم وبرده بالمبرد وألقاه مع الدم في اليم وأمرهم بالشرب من ذلك الماء، فمن عبد ذلك العجل وأشربه «2» ظهر ذلك على أطراف فمه، فبذلك عرف عبدة العجل قد مضى هذا في البقرة ثم أخبر الله تعالى أن الله يقبل توبة التائب من الشرك وغيره. موضع (والذين عملوا السيئات) أي الكفر والمعاصي. (ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها) أي من بعد فعلها. (وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها) أي من بعد التوبة لغفور رحيم.

[سورة الأعراف (7): آية 154]
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
قوله تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) أي سكن. وكذلك قرأها معاوية بن قرة" سكن" بالنون واصل السكوت السكون والإمساك، يقال: جرى الوادي ثلاثا
__________
(1). راجع ج 1 ص 401.
(2). في ك: وشربه. ولعل أصل العبارة: اشربه وظهر. إلخ. راجع ج 2 ص 31.

وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)

ثم سكن، أي أمسك عن الجري. وقال عكرمة: سكت موسى عن الغضب، فهو من المقلوب. كقولك: أدخلت الأصبع في الخاتم وأدخلت الخاتم في الأصبع. وأدخلت القلنسوة في رأسي، وأدخلت رأسي في القلنسوة. (أَخَذَ الْأَلْواحَ) التي ألقاها. (وفى نسختها هدى ورحمة) أي" هُدىً" من الضلالة،" وَرَحْمَةٌ" أي من العذاب. والنسخ: نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر. ويقال للأصل الذي كتبت منه: نسخة، وللفرع نسخة. فقيل: لما تكسرت الألواح صام موسى أربعين يوما، فردت عليه وأعيدت له تلك الألواح في لوحين، ولم يفقد منها شيئا، ذكره ابن عباس. قال القشيري: فعلى هذا" وفي نسختها" أي وفيما نسخ من الألواح المتكسرة ونقل إلى الألواح الجديدة هدى ورحمة. وقال عطاء: وفيما بقي منها. وذلك أنه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها. ولكن لم يذهب من الحدود والأحكام شي. وقيل: المعنى" وفي نسختها" أي وفيما نسخ له منها من اللوح المحفوظ هدى. وقيل: المعنى وفيما كتب له فيها هدى ورحمة، فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه. وهذا كما يقال: انسخ ما يقول فلان، أي أثبته في كتابك. قوله تعالى: (لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) أي يخافون. وفي اللام ثلاثة أقوال: قول الكوفيين هي زائدة. قال الكسائي: حدثني من سمع الفرزدق يقول نقدت لها مائة درهم، بمعنى نقدتها. وقيل: هي لام أجل، المعنى: والذين هم من أجل ربهم يرهبون رياء ولا سمعة، عن الأخفش. وقال محمد بن يزيد: هي متعلقة بمصدر، المعنى: للذين هم رهبتهم لربهم. وقيل: لما تقدم المفعول حسن دخول اللام، كقول:" إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ «1»". فلما تقدم المعمول وهو المفعول ضعف عمل الفعل فصار بمنزلة ما لا يتعدى.

[سورة الأعراف (7): آية 155]
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155)
__________
(1). راجع ج 9 ص 198.

قوله تعالى: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا) مفعولان، أحدهما حذفت منه من، وأنشد سيبويه:
منا الذي اختير الرجال سماحة ... وبرا إذا هب الرياح الزعازع «1»
وقال الراعي يمدح رجلا:
اخترتك الناس إذ رثت خلائقهم ... واختل «2» من كان يرجى عنده السول
يريد: اخترتك من الناس. واصل اختار اختير، فلما تحركت الياء وقبلها فتحة قلبت ألفا، نحو قال وباع. قوله تعالى: (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) أي ماتوا. والرجفة في اللغة الزلزلة الشديدة. ويروى أنهم زلزلوا حتى ماتوا. قوله تعالى: (قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ) أي أمتهم، كما قال عز وجل:" إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ «3»"." وَإِيَّايَ 40" عطف. والمعنى: لو شئت أمتنا من قبل أن نخرج إلى الميقات بمحضر بني إسرائيل حتى لا يتهموني. أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن سفيان عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد عن علي رضي الله عنه قال: انطلق موسى وهارون صلى الله عليهما وانطلق شبر وشبير- هما ابنا هارون- فانتهوا إلى جبل فيه سرير، فقام عليه هارون فقبض روحه. فرجع موسى إلى قومه، فقالوا: أنت قتلته، حسدتنا «4» على لينه وعلى خلقه، أو كلمة نحوها، الشك من سفيان، فقال: كيف أقتله ومعي ابناه! قال: فاختاروا من شئتم، فاختاروا من كل سبط عشرة. قال: فذلك قوله:" وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا" فانتهوا إليه، فقالوا: من قتلك يا هارون؟ قال: ما قتلني
__________
(1). البيت للفرزدق، كما في شواهد سيبويه. في ديوانه: وخيرا.
(2). اختل: افتقر.
(3). راجع ج 6 ص 28.
(4). في ك: حسدا.

أحد ولكن الله توفاني. قالوا: يا موسى، ما تعصى «1». فأخذتهم الرجفة، فجعلوا يترددون «2» يمينا وشمالا، ويقول: (لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) قال فأحياهم وجعلهم أنبياء كلهم. وقيل: أخذتهم الرجفة لقولهم: أرنا الله جهرة كما قال الله تعالى:" (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ" على ما تقدم بيانه في البقرة «3». وقال ابن عباس: إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا من عبد العجل، ولم يرضوا عبادته. وقيل: هؤلاء السبعون غير من قالوا أرنا الله جهرة. وقال وهب: ما ماتوا، ولكن أخذتهم الرجفة من الهيبة حتى كادت أن تبين مفاصلهم، وخاف موسى عليهم الموت. وقد تقدم في" البقرة" عن وهب أنهم ماتوا يوما وليلة. وقيل غير هذا في معنى سبب أخذهم بالرجفة. والله أعلم بصحة ذلك. ومقصود الاستفهام في قوله:" أَتُهْلِكُنا" الجحد، أي لست تفعل ذلك. وهو كثير في كلام العرب. وإذا كان نفيا كان بمعنى الإيجاب، كما قال:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح «4»
وقيل: معناه الدعاء والطلب، أي لا تهلكنا، وأضاف إلى نفسه. والمراد القوم الذين ماتوا من الرجفة. وقال المبرد: المراد بالاستفهام استفهام استعظام، كأنه يقول: لا تهلكنا، وقد علم موسى أن الله لا يهلك أحدا بذنب غيره، ولكنه كقول عيسى:" إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ «5»". وقيل: المراد بالسفهاء السبعون. والمعنى: أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم" أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً"." إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ" أي ما هذا إلا اختبارك وامتحانك. وأضاف الفتنة إلى الله عز وجل ولم يضفها إلى نفسه، كما قال إبراهيم:" وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ «6» 80" فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى: وقال يوشع:" وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ»
". وإنما استفاد ذلك موسى عليه السلام من قوله تعالى له:
__________
(1). في ع: ما تقضى.
(2). ع: يتردون.
(3). راجع ج 1 ص 403.
(4). الراح: جمع راحة، وهى الكف.
(5). راجع ج 6 ص 377.
(6). راجع ج 13 ص 110. [.....]
(7). راجع ج 11 ص 12.

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)

" فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ «1» 20: 85". فلما رجع إلى قومه وراي العجل منصوبا للعبادة وله خوار قال (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها) أي بالفتنة. (مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ) وهذا رد على القدرية.

[سورة الأعراف (7): آية 156]
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156)
قوله تعالى: (وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً) أي وفقنا للأعمال الصالحة التي تكتب لنا بها الحسنات. (وَفِي الْآخِرَةِ) 20 أي جزاء عليها. (إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ) أي تبنا، قاله مجاهد وأبو العالية وقتادة. والهود: التوبة، وقد تقدم في البقرة «2». قوله تعالى: (قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) أي المستحقين له، أي هذه الرجفة والصاعقة عذاب مني أصيب به من أشاء. وقيل: المعنى" مَنْ أَشاءُ" أي من أشاء أن أضله. قوله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) عموم، أي لا نهاية لها أي من دخل فيها لم تعجز عنه. وقيل: وسعت كل شي من الخلق حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها. قال بعض المفسرين: طمع في هذه الآية كل شي حتى إبليس فقال: أنا شي، فقال الله تعالى: (فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فقالت اليهود والنصارى: نحن متقون، فقال الله تعالى:" الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ" الآية. فخرجت الآية عن العموم، والحمد لله. روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كتبها الله عز وجل لهذه الأمة.
__________
(1). راجع ج 11 ص 232.
(2). راجع ج 1 ص 423.

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)

[سورة الأعراف (7): آية 157]
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
فيه عشر مسائل: الأولى- روى يحيى بن أبي كثير عن نوف البكالي الحميري: لما اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربه قال الله تعالى لموسى: أن أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا تصلون حيث أدركتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرءون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهر قلوبنا، ونريد أن نقرأها إلا نظرا. فقال الله تعالى:" فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ"- إلى قوله-" الْمُفْلِحُونَ". فجعلها لهذه الأمة. فقال موسى: يا رب، اجعلني نبيهم. فقال: نبيهم منهم. قال: رب اجعلني «1» منهم. قال: إنك لن تدركهم. فقال موسى: يا رب، أتيتك بوفد بني إسرائيل، فجعلت وفادتنا لغيرنا. فأنزل الله عز وجل:" وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ «2»". فرضي موسى. قال نوف: فاحمدوا الله الذي جعل وفادة بني إسرائيل لكم. وذكر أبو نعيم أيضا هذه القصة من حديث الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن أبي عمرو السيباني «3» قال حدثني نوف البكالي «4» إذا افتتح موعظة قال: ألا تحمدون ربكم الذي حفظ غيبتكم واخذ لكم بعد سهمكم وجعل وفادة القوم لكم. وذلك أن موسى عليه السلام
__________
(1). في ج: أخرني حتى تجعلني منهم.
(2). راجع ص 302 من هذا الجزء.
(3). السيبانى في التقريب: بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة، وسيبان بطن من حمير. التهذيب.
(4). في ج وز وك وى: قال كان أبو عمرو البكالي إذا افتتح. إلخ وأبو عمرو كنية نوف ولعله يحدث عن نفسه.

وفد ببني إسرائيل فقال (الله «1») لهم: إني قد جعلت لكم الأرض مسجدا حيثما صليتم فيها تقبلت صلاتكم إلا في ثلاثة مواطن من صلى فيمن لم أقبل صلاته المقبرة والحمام والمرحاض. قالوا: لا، إلا في الكنيسة. قال: وجعلت لكم التراب طهورا إذا لم تجدوا الماء. قالوا: لا، إلا بالماء. قال: وجعلت لكم حيثما صلى الرجل فكان وحده تقبلت صلاته. قالوا: لا، إلا في جماعة. الثانية- قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) هذه الألفاظ كما ذكرنا أخرجت اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في، قوله:" فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ" وخلصت هذه العدة لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال ابن عباس وابن جبير وغيرهما. و" يَتَّبِعُونَ" يعني في شرعه ودينه وما جاء به. والرسول والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسمان لمعنيين، فإن الرسول أخص من النبي. وقدم الرسول اهتماما بمعنى الرسالة، وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم، ولذلك رد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على البراء حين قال: وبرسولك الذي أرسلت. فقال له: (قل آمنت بنبيك الذي أرسلت) خرجه في الصحيح. وأيضا فإن في قوله:" وبرسولك الذي أرسلت" تكرير الرسالة، وهو معنى واحد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه. بخلاف قوله:" ونبيك الذي أرسلت" فإنهما لا تكرار فيهما. وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، لأن الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ، وافترقا في أمر (خاص «2») وهي الرسالة. فإذا قلت: محمد رسول من عند الله تضمن ذلك أنه نبي ورسول الله. وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. الثالثة- قوله تعالى:" الْأُمِّيَّ" هو منسوب إلى الأمة الأمية، التي هي على أصل ولادتها، لم تتعلم الكتابة ولا قراءتها، قال ابن «3» عزيز. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب، قال الله تعالى:" وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ «4»". وروي في الصحيح عن ابن عمر عن النبي
__________
(1). من ج وز وى.
(2). من ك.
(3). من اوب وج وح وز وى. وابن عزيز أو عزير من علماء المالكية. وفى ل: ابن جرير. وفى ك: ابن العربي.
(4). راجع ج 13 ص 351.

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب). الحديث. وقيل: نسب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى مكة أم القرى، ذكره النحاس. الرابعة- قوله تعالى: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) روى البخاري قال: حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح قال حدثنا هلال عن عطاء بن يسار لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في التوراة. فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا «1»)، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب «2» في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلقا. (في غير البخاري «3») قال عطاء: ثم لقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلفا حرفا، إلا أن كعبا قال بلغته: قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميا. قال ابن عطية: وأظن هذا وهما أو عجمة. وقد روي عن كعب أنه قالها: قلوبا غلوفا وآذانا صموما وأعينا عموميا. قال الطبري: هي لغة حميرية. وزاد كعب في صفة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: مولده بمكة، وهجرته بطابة «4»، وملكه بالشام، وأمته الحامدون، يحمدون الله على كل حال وفي كل منزل، يوضئون أطرافهم ويأتزرون إلى أنصاف ساقهم، رعاة الشمس، يصلون الصلوات حيثما أدركتهم ولو على ظهر الكناسة «5»، صفهم في القتال مثل «6» صفهم في الصلاة. ثم قرأ" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ «7»". الخامسة- قوله تعالى: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) قال عطاء:" يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ" بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام." وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ" عبادة الأصنام، وقطع الأرحام.
__________
(1). راجع ج 14 ص 199.
(2). في ع، هـ: سخاب. بمهملة لغة في صخاب.
(3). من ب وج وك وى. [.....]
(4). طابة: طيبة وهى المدينة المنورة.
(5). كذا في كل الأصول. والكناسة: القمامة ومكانها. والصلاة لا تجوز على المزبلة. فتأمل.
(6). في ج. كصفهم.
(7). راجع ج 18 ص 81.

السادسة- قوله تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ) مذهب مالك أن الطيبات هي المحللات، فكأنه وصفها بالطيب، إذ هي لفظة تتضمن مدحا وتشريفا. وبحسب هذا نقول في الخبائث: إنها المحرمات، ولذلك قال ابن عباس: الخبائث هي لحم الخنزير والربا وغيره. وعلى هذا حلل مالك المتقذرات كالحيات والعقارب والخنافس ونحوها. ومذهب الشافعي رحمه الله أن الطيبات هي من جهة الطعم، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها، لأن عمومها بهذا الوجه من الطعم يقتضي تحليل الخمر والخنزير، بل يراها مختصة فيما حلله الشرع. ويرى الخبائث لفظا عاما في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات، فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى. والناس على هذين القولين. وقد تقدم في البقرة «1» هذا المعنى. السابعة- قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) الإصر: الثقل، قال مجاهد وقتادة وابن جبير. والإصر أيضا: العهد، قال ابن عباس والضحاك والحسن. وقد جمعت هذه الآية المعنيين، فإن بني إسرائيل قد كان أخذ عليهم عهد أن يقوموا بأعمال ثقال، فوضع عنهم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك العهد وثقل تلك الأعمال، كغسل البول، وتحليل الغنائم، ومجالسة الحائض ومؤاكلتها ومضاجعتها، فإنهم كانوا إذا أصاب ثوب أحدهم بول قرضه. وروي: جلد أحدهم. وإذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها، وإذا حاضت المرأة لم يقربوها، إلى غير ذلك مما ثبت في الحديث «2» الصحيح وغيره. الثامنة- قوله تعالى: (وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) فالأغلال عبارة مستعارة لتلك الأثقال. ومن الأثقال ترك الاشتغال يوم السبت، فإنه يروى أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه. هذا قول جمهور المفسرين ولم يكن فيهم الدية، وإنما كان القصاص. وأمروا بقتل أنفسهم علامة لتوبتهم، إلى غير ذلك. فشبه ذلك بالأغلال، كما قال الشاعر:
__________
(1). راجع ج 2 ص 207.
(2). من ع.

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)

فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئا فاستراح العواذل
فشبه حدود الإسلام وموانعه عن التخطي إلى المحظورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب. ومن هذا المعنى قول أبي أحمد بن جحش لأبي سفيان:
اذهب بها اذهب بها ... طوقتها طوق الحمامة
أي لزمك عارها. يقال: طوق فلان كذا إذا لزمه. التاسعة إن قيل: كيف عطف الأغلال وهو جمع على الإصر وهو مفرد، فالجواب أن الإصر مصدر يقع على الكثرة. وقرا ابن عامر" آصارهم" بالجمع، مثل أعمالهم. فجمعه لاختلاف ضروب المآثم. والباقون بالتوحيد، لأنه مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه مع إفراد لفظه. وقد أجمعوا على التوحيد في قوله:" وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً «1»". وهكذا كلما يرد عليك من هذا المعنى، مثل" وَعَلى سَمْعِهِمْ «2»"." لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ «3»" و" مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ «4»". كله بمعنى الجمع. العاشرة- قوله تعالى: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ) أي وقروه ونصروه. قال الأخفش: وقرا الجحدري وعيسى" وعزروه" بالتخفيف. وكذا" وعزرتموهم «5»". يقال: عزره يعزره ويعزره. و(النُّورَ) القرآن" الفلاح" الظفر بالمطلوب. وقد تقدم (هذا «6»).

[سورة الأعراف (7): آية 158]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)
__________
(1). راجع ج 3 ص 430 وج 1 ص 185 و181.
(2). راجع ج 3 ص 430 وج 1 ص 185 و181.
(3). راجع ج 9 ص 377.
(4). راجع ج 16 ص 45.
(5). راجع ج 6 ص 114.
(6). من ج وك.

وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)

ذكر أن موسى بشر به، وأن عيسى بشر به. ثم أمره أن يقول بنفسه" إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً". و(كَلِماتِهِ) كلمات الله تعالى كتبه من التوراة والإنجيل والقرآن.

[سورة الأعراف (7): آية 159]
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
أي يدعون الناس إلى الهداية. و(يَعْدِلُونَ) معناه في الحكم. وفي التفسير: إن هؤلاء قوم من وراء الصين، من وراء نهر الرمل، يعبدون الله بالحق والعدل، آمنوا بمحمد وتركوا السبت، يستقبلون قبلتنا، لا يصل إلينا منهم أحد، ولا منا إليهم أحد. فروي أنه لما وقع الاختلاف بعد موسى كانت منهم أمة يهدون بالحق، ولم يقدروا أن يكونوا بين ظهراني بني إسرائيل حتى أخرجهم الله إلى ناحية من أرضه في عزلة من الخلق، فصار لهم سرب في الأرض، فمشوا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا وراء الصين، فهم على الحق إلى الآن. وبين الناس وبينهم بحر لا يوصل إليهم بسببه. ذهب جبريل بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم ليلة المعراج فآمنوا به وعلمهم سورا من القرآن وقال لهم: هل لكم مكيال وميزان؟ قالوا: لا، قال: فمن أين معاشكم؟ قالوا: نخرج إلى البرية فنزرع، فإذا حصدنا وضعناه هناك، فإذا احتاج أحدنا إليه يأخذ حاجته. قال: فأين نساؤكم؟ قالوا: في ناحية منا، فإذا احتاج أحدنا لزوجته صار إليها في وقت الحاجة. قال: فيكذب أحدكم في حديثه؟ قالوا: لو فعل ذلك أحدنا أخذته لظى، إن النار تنزل فتحرقه. قال: فما بال بيوتكم مستوية؟ قالوا لئلا يعلو بعضنا على بعض. قال: فما بال قبوركم على أبوابكم؟ قالوا: لئلا نغفل عن ذكر الموت. ثم لما رجع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الدنيا ليلة الإسراء أنزل عليه:" وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ «1»" يعني أمة محمد عليه السلام. يعلمه أن الذي أعطيت موسى في قومه أعطيتك في أمتك. وقيل: هم الذين آمنوا بنبينا محمد عليه السلام من أهل الكتاب. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسى قبل نسخه، ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء.
__________
(1). راجع ص 329 من هذا لجزء. تأمل هذا مع كون الآية مدينة بالإجماع.

وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)

[سورة الأعراف (7): الآيات 160 الى 162]
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162)
قوله تعالى: (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً) 160 عدد نعمه على بني إسرائيل، وجعلهم أسباطا ليكون أمر كل سبط معروفا من جهة رئيسهم، فيخف الأمر على موسى. وفي التنزيل" وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً" وقد تقدم «1». وقوله:" اثنتي عشرة" والسبط مذكر لأن بعده" أُمَماً 160"" فذهب التأنيث إلى الأمم. ولو قال: اثني عشر لتذكير السبط جاز، عن الفراء. وقيل: أراد بالأسباط القبائل والفرق، فلذلك أنث العدد. قال الشاعر:
وإن قريشا كلها عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر
فذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة، فلذلك أنثها. والبطن مذكر، كما أن الأسباط جمع مذكر. الزجاج: المعنى قطعناهم اثنتي عشرة فرقة." أَسْباطاً 160" بدل من اثنتي عشرة" أُمَماً 160" نعت للأسباط. وروى المفضل عن عاصم" وَقَطَّعْناهُمُ 160" مخففا." أَسْباطاً 160" الأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليهما السلام. والأسباط مأخوذ من السبط وهو شجر تعلفه الإبل. وقد مضى في البقرة «2» مستوفى. وروى معمر عن همام بن منبه
__________
(1). راجع ج 6 ص 112. [.....]
(2). راجع ج 2 ص 140.

وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164)

عن أبى هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله عز وجل:" فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ" قالوا: حبة في شعرة. وقيل لهم:" ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً" فدخلوا متوركين على أستاههم. بِما كانُوا يَظْلِمُونَ مرفوع، لأنه فعل مستقبل وموضعه نصب. و" ما" بمعنى المصدر، أي بظلمهم. وقد مضى في" البقرة" ما في هذه الآية من المعاني والأحكام «1». والحمد لله.

[سورة الأعراف (7): الآيات 163 الى 164]
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164)
قوله تعالى: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) أي عن أهل القرية، فعبر عنهم بها لما كانت مستقرا لهم أو سبب اجتماعهم. نظيره" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها «2»". وقوله عليه السلام: (اهتز العرش لموت سعد بن معاذ) يعني أهل العرش من الملائكة، فرحا واستبشارا «3» بقدومه، رضي الله عنه. أي واسأل اليهود الذين هم جيرانك عن أخبار أسلافهم وما مسخ الله منهم قردة وخنازير. هذا سؤال تقرير وتوبيخ. وكان ذلك علامة لصدق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ أطلعه الله على تلك الأمور من غير تعلم. وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، لأنا من سبط خليله إبراهيم، ومن سبط إسرائيل وهم بكر»
الله، ومن سبط موسى كليم الله، ومن سبط ولده عزير، فنحن من أولادهم. فقال الله عز وجل لنبيه: سلهم يا محمد عن القرية، أما عذبتهم بذنوبهم، وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة.
__________ (1). راجع ج 1 ص 409.
(2). راجع ج 9 ص 245.
(3). في ج وك وع وهـ: استبشارا به أي بقدومه.
(4). زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكرى من الولد. راجع ج 6 ص 120.

واختلف في تعيين هذه القرية، فقال ابن عباس وعكرمة والسدي: هي أيلة. وعن ابن عباس أيضا أنها مدين بين أيلة والطور. الزهري: طبرية. قتادة وزيد بن أسلم: هي ساحل من سواحل الشام، بين مدين وعينون، يقال لها: مقناة. وكان اليهود يكتمون هذه القصة لما فيها من السبة عليهم. (التي كانت حاضرة البحر) أي كانت بقرب «1» البحر، تقول: كنت بحضرة الدار أي بقربها. (إذا يعدون في السبت) أي يصيدون الحيتان، وقد نهوا عنه، يقال سبت اليهود، تركوا العمل في سبتهم. وسبت الرجل للمفعول سباتا أخذه ذلك، من الخرس. وأسبت سكن فلم يتحرك. والقوم صاروا في السبت. واليهود دخلوا في السبت، وهو اليوم المعروف. وهو من الراحة والقطع. ويجمع أسبت وسبوت وأسبات. وفي الخبر عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (من احتجم يوم السبت فأصابه برص فلا يلومن إلا نفسه). قال علماؤنا: وذلك لأن الدم يجمد يوم السبت، فإذا مددته لتستخرجه لم يجر وعاد برصا. وقراءة الجماعة" يعدون". وقرا أبو نهيك" يعدون" بضم الياء وكسر العين وشد الدال. الأولى من الاعتداء والثانية من الإعداد، أي يهيئو الآلة لأخذها. وقرا ابن السميقع" في الأسبات" على جمع السبت." (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ)" وقرى" أسباتهم". شرعا أي شوارع ظاهرة على الماء كثيرة. وقال الليث: حيتان شرع رافعة رءوسها. وقيل: معناه أن حيتان البحر كانت ترد يوم السبت عنقا «2» من البحر فتزاحم أيلة. ألهمها الله تعالى أنها لا تصاد يوم السبت، لنهيه تعالى اليهود عن صيدها. وقيل: إنها كانت تشرع على أبوابهم، كالكباش البيض رافعة رءوسها. حكاه بعض المتأخرين، فتعدوا فأخذوها في السبت، قاله الحسن. وقيل: يوم الأحد، وهو الأصح على ما يأتي بيانه. (ويوم لا يسبتون) أي لا يفعلون السبت، يقال: سبت يسبت إذا عظم السبت. وقرا الحسن" يسبتون" بضم الياء، أي يدخلون في السبت، كما يقال: أجمعنا وأظهرنا وأشهرنا، أي دخلنا في الجمعة والظهر والشهر. لا تأتيهم أي حيتانهم. كذلك نبلوهم أي نشدد
__________
(1). حاضرة البحر فيه معنى التعظيم. قال أبو حيان في البحر: يحتمل أن يريد معنى الحاضرة عل جهة التعظيم لها أي هي الحاضرة في قرى البحر إلخ.
(2). أي طوائف يقال: جاء القوم عنقا عنقا، أي قطيعا قطيعا.

عليهم في العبادة ونختبرهم. والكاف في موضع نصب. (بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) أي بفسقهم. وسيل الحسين بن الفضل: هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتا، والحرام يأتيك جزفا جزفا؟ قال: نعم، في قصة داود وأيلة" إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ". وروي في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن داود عليه السلام، وأن إبليس أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فاتخذوا الحياض، فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. وروى أشهب عن مالك قال: زعم ابن رومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطا ويضع فيه وهقة «1»، وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتد وتركه كذلك إلى الأحد، ثم تطرق الناس حين رأوا من صنع هذا لا يبتلى حتى كثر صيد الحوت، ومشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده، فقامت فرقة من بني إسرائيل ونهت، وجاهرت بالنهي واعتزلت. وقيل «2»: إن الناهين قالوا: لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس لشأنا، فعلوا على الجدار فنظروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم. قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم. فعلى هذا القول إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين. ويكون المعنى في قوله تعالى (وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) أي قال الفاعلون للواعظين حين وعظوهم: إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا؟ فمسخهم الله قردة. (قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) أي قال الواعظون: موعظتنا إياكم معذرة (إلى «3» ربكم)، أي إنما يجب علينا أن نعظكم لعلكم تتقون. أسند
__________
(1). الوهق (بالتحريك وتسكن الهاء): الحبل في طرفيه أنشوطة يطرح في عنق الدابة والإنسان حتى تؤخذ. والأنشوطة: عقدة يسهل انحلالها، إذا أخذ بأحد طرفيها انفتحت كعقدة التكة.
(2). في ب وج وع وى: ويقال.
(3). من ب وج وك وى.

هذا القول الطبري عن ابن الكلبي. وقال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق، وهو الظاهر من الضمائر في الآية. فرقة عصمت وصادت، وكانوا نحوا من سبعين ألفا. وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص، وإن هذه الطائفة قالت للناهية: لم تعظون قوما- تريد العاصية- الله مهلكهم أو معذبهم على غلبة الظن، وما عهد من فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية. فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إلى الله لعلهم يتقون. ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية: ولعلكم تتقون، بالكاف. ثم اختلف بعد هذا، فقالت فرقة: إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي، قاله ابن عباس. وقال أيضا: ما أدري ما فعل بهم، وهو الظاهر من الآية. وقال عكرمة: قلت لابن عباس لما قال ما أدري ما فعل بهم: ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نحوا، فكساني حلة. وهذا مذهب الحسن. ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غير قوله:" وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا". وقوله:" وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ" الآية. وقرا عيسى وطلحة" معذرة" بالنصب. ونصبه عند الكسائي من وجهين: أحدهما على المصدر. والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة. وهي قراءة حفص عن عاصم. والباقون بالرفع: وهو الاختيار، لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم: لم تعظون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة. ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليك من كذا، يريد اعتذارا، لنصب. هذا قول سيبويه. ودلت الآية على القول بسد الذرائع. وقد مضى في (البقرة). ومضى فيها الكلام في الممسوخ هل ينسل أم لا، مبينا «1». والحمد لله. ومضى في" آل عمران" و" المائدة" الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر «2». ومضى في (النساء «3») اعتزال أهل الفساد ومجانبتم، وأن من جالسهم كان مثلهم، فلا معنى للإعادة.
__________
(1). راجع ج 1 ص 439 فما بعد.
(2). راجع ج 4 ص 46 وج 6 ص 253.
(3). راجع ج 5 ص 417 فما بعد.

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)

[سورة الأعراف (7): آية 165]
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165)
والنسيان يطلق على الساهي. والعامد: التارك، لقوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) أي تركوه عن قصد، ومنه" نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ «1»". ومعنى (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) أي شديد. وفيه إحدى عشرة قراءة: الأولى- قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي" بئيس" على وزن فعيل. الثانية- قراءة أهل مكة" بئيس" بكسر الباء والوزن واحد. والثالثة- قراءة أهل المدينة" بيس" الباء مكسورة بعدها ياء ساكنة بعدها سين مكسورة منونة، وفيها «2» قولان. قال الكسائي: الأصل فيه" بئيس" خفيفة الهمزة، فالتقت ياءان فحذفت إحداهما وكسر أوله: كما يقال: رغيف وشهيد. وقيل: أراد" بئس" على وزن فعل، فكسر أوله وخفف الهمزة وحذف الكسرة، كما يقال: رحم ورحم. الرابعة- قراءة الحسن، الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة بعدها سين مفتوحة. الخامسة- قرأ أبو عبد الرحمن المقرئ" بئس" الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مكسورة منونة. السادسة- قال يعقوب القارئ: وجاء عن بعض القراء" بعذاب بئس" الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مفتوحة. السابعة- قراءة الأعمش" بئيس" على وزن فيعل. وروي عنه" بيأس" على وزن فيعل. وروي عنه" بئس" بباء مفتوحة وهمزة مشددة مكسورة، والسين في كله مكسورة منونة، أعني قراءة الأعمش. العاشرة- قراءة نصر بن عاصم «3»" بعذاب بيس" الباء مفتوحة والياء مشددة بغير همز. قال يعقوب القارئ: وجاء عن بعض القراء" بئيس" الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة بعدها ياء مفتوحة. فهذه إحدى عشرة قراءة ذكرها النحاس. قال علي بن سليمان: العرب تقول جاء ببنات بيس أي بشيء ردئ. فمعنى" بعذاب بيس" بعذاب ردئ. وأما قراءة الحسن فزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها، قال: لأنه لا يقال مررت برجل بئس، حتى يقال: بئس الرجل، أو بئس رجلا. قال النحاس: وهذا مردود من
__________
(1). راجع ج 8 ص 199. [.....]
(2). في ج: وقيل فيها قولان.
(3). نصر بن عاصم الليثي البصري.

فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)

كلام أبي حاتم، حكى النحويون: إن فعلت كذا وكذا فبها ونعمت. يريدون فيها ونعمت الخصلة. والتقدير على قراءة الحسن: بعذاب بئس العذاب.

[سورة الأعراف (7): آية 166]
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166)
قوله تعالى: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ) أي فلما تجاوزوا في معصية الله. (قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) يقال: خسأته فخسأ، أي باعدته وطردته. وقد تقدم في البقرة «1». ودل على أن المعاصي سبب «2» النقمة: وهذا لا خفاء به. فقيل: قال لهم ذلك بكلام يسمع، فكانوا كذلك. وقيل: المعنى كوناهم قردة.

[سورة الأعراف (7): آية 167]
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)
أي أعلم أسلافهم أنهم إن غيروا ولم يؤمنوا بالنبي الأمي بعث الله عليهم من يعذبهم. وقال أبو علي:" أذن" بالمد، أعلم. و" أذن" بالتشديد، نادى. وقال قوم: آذن وأذن بمعنى أعلم، كما يقال: أيقن وتيقن. قال زهير:
فقلت تعلم إن للصيد غرة ... فإلا تضعيها فإنك قاتلة
وقال آخر:
تعلم إن شر الناس حي ... ينادى في شعارهم يسار
أي اعلم «3». ومعنى" يَسُومُهُمْ" يذيقهم، وقد تقدم في (البقرة «4»). قيل: المراد بخت نصر. وقيل: العرب. وقيل: أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أظهر، فإنهم الباقون إلى يوم القيامة. والله أعلم. قال ابن عباس:" سُوءَ الْعَذابِ" هنا أخذ الجزية. فإن قيل: فقد
__________
(1). راجع ج 1 ص 443.
(2). في ع: تسبب.
(3). قال أبو حيان في البحر: أجرى مجرى فعل القسم ولذلك أجيب بما يجاب به القسم. وكذا قال الزمخشري.
(4). راجع ج 1 ص 384.

وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)

مسخوا، فكيف تؤخذ منهم الجزية؟ فالجواب أنها تؤخذ من أبنائهم وأولادهم، وهم أذل قوم، وهم اليهود. وعن سعيد بن جبير" سُوءَ الْعَذابِ" قال: الخراج، ولم يجب نبي قط الخراج، إلا موسى عليه السلام هو أول من وضع الخراج، فجباه ثلاث عشرة سنة، ثم أمسك، ونبينا عليه السلام.

[سورة الأعراف (7): آية 168]
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)
قوله تعالى: (وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً) أي فرقناهم في البلاد. أراد به تشتيت أمرهم، فلم تجمع لهم كلمة. (منهم الصالحون) رفع على الابتداء. والمراد من آمن بمحمد عليه السلام. ومن لم يبدل منهم ومات نسخ شرع موسى. أو هم الذين وراء الصين، كما سبق. (وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) منصوب على الظرف. قال النحاس: ولا نعلم أحدا رفعه. والمراد الكفار منهم. (وَبَلَوْناهُمْ) أي اختبرناهم. (بِالْحَسَناتِ) أي بالخصب والعافية. (وَالسَّيِّئاتِ) أي الجدب والشدائد. (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ليرجعوا عن كفرهم.

[سورة الأعراف (7): آية 169]
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169)
قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) يعني أولاد الذين فرقهم في الأرض. قال أبو حاتم:" الخلف" بسكون اللام: الأولاد الواحد والجميع فيه سواء. و" الخلف" بفتح اللام البدل، ولدا كان أو غريبا. وقال ابن الأعرابي:" الخلف" بالفتح الصالح، وبالجزم الطالح. قال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب

ومنه قيل للرديء من الكلام: خلف. ومنه المثل السائر" سكت ألفا ونطق خلفا". فخلف في الذم بالإسكان، وخلف بالفتح في المدح. هذا هو المستعمل المشهور. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله". وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر. قال حسان بن ثابت:
لنا القدم الأولى إليك وخلقنا ... لأولنا في طاعة الله تابع
وقال آخر:
إنا وجدنا خلفا بئس الخلف ... أغلق عنا بابه ثم حلف «1»
لا يدخل البواب إلا من عرف ... عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف
ويروى: خضف، أي ردم «2». والمقصود من الآية الذم. (وَرِثُوا الْكِتابَ) قال المفسرون: هم اليهود، ورثوا كتاب الله فقرءوه وعلموه، وخالفوا حكمه وأتوا محارمه مع دراستهم له. فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا. يأخذون عرض هذا الأدنى ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم ونهمهم. (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا) وهم لا يتوبون. ودل على أنهم لا يتوبون. قوله تعالى: (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) والعرض: متاع الدنيا، بفتح الراء. وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير. والإشارة في هذه الآية إلى الرشا والمكاسب الخبيثة. ثم ذمهم باغترارهم في قولهم (سَيُغْفَرُ لَنا) وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ارتكبوها، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصرون، وإنما يقول سيغفر لنا من أقلع وندم. قلت: وهذا الوصف الذي ذم الله تعالى به هؤلاء موجود فينا. أسند الدارمي أبو محمد: حدثنا محمد بن المبارك حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يكنى أبا عمرو عن معاذ
__________
(1). كذا وردت هذه الأبيات في الأصول. والذي في اللسان" مادة خضف".
إنا وجدنا خلفا بئس الخلف ... عبدا إذا ما ناء بالحمل خضف
أغلق عنا بابه ثم حلف ... لا يدخل البواب إلا من عرف

(2). الردم: الضراط.

بن جبل رضي الله عنه قال: سيبلى القرآن في صدور أقوام كما يبلى الثوب فيتهافت، يقرءونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا سنبلغ، وإن أساءوا قالوا سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئا. وقيل: إن الضمير في" يَأْتِهِمْ" ليهود المدينة، أي وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عرض مثله يأخذوه كما أخذه أسلافهم. قوله تعالى: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) فيه مسألتان. الأولى- قوله تعالى: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ) يريد التوراة. وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام، وألا يميل الحكام بالرشا إلى الباطل. قلت: وهذا الذي لزم هؤلاء واخذ عليهم به الميثاق في قول الحق، لازم لنا على لسان نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكتاب ربنا، على ما تقدم بيانه في (النساء «1»). ولا خلاف فيه في جميع الشرائع، والحمد لله. الثانية- قوله تعالى: (وَدَرَسُوا ما فِيهِ) أي قرءوه، وهم قريبو عهد به. وقرا أبو عبد الرحمن وادرسوا ما فيه فأدغم «2» التاء في الدال. قال ابن زيد: كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون له كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له. وقال ابن عباس:" أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ" وقد قالوا الباطل في غفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به. وقال ابن زيد: يعني في الأحكام التي يحكمون بها، كما ذكرنا. وقال بعض العلماء إن معنى" وَدَرَسُوا ما فِيهِ" أي محوه بترك العمل به والفهم له، من قولك: درست الريح الآثار، إذا محتها. وخط دارس وربع دارس، إذا امحى وعفا أثره. وهذا المعنى مواطئ- أي موافق- لقوله
__________
(1). راجع ج 6 ص 7 فما بعدها.
(2). كذا في الأصول، والعبارة كما في البحر: أصله تدارسوا، أي فأدغم.

وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)

تعالى:" نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ «1» 10" الآية. وقوله:" فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ «2»". حسب ما تقدم بيانه في (البقرة).

[سورة الأعراف (7): آية 170]
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)
قوله تعالى:" وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ 170" أي بالتوراة، أي بالعمل بها، يقال: مسك به وتمسك به أي استمسك به. وقرا أبو العالية وعاصم في رواية أبي بكر" يمسكون" بالتخفيف من أمسك يمسك. والقراءة الأولى أولى، لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يمدحون. فالتمسك بكتاب الله والدين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك. وقال كعب بن زهير:
فما تمسك بالعهد الذي زعمت ... إلا كما تمسك الماء الغرابيل
فجاء به على طبعه يذم بكثرة نقض العهد.

[سورة الأعراف (7): آية 171]
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)
قوله تعالى (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ)" نَتَقْنَا" معناه رفعنا. وقد تقدم بيانه في البقرة." كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ" أي كأنه لارتفاعه سحابة تظل." خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ" أي بجد. وقد مضى في البقرة «3» إلى آخر الآية.

[سورة الأعراف (7): الآيات 172 الى 174]
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
__________
(1). راجع ج 2 ص 41.
(2). راجع ج 4 ص 304.
(3). راجع ج 1 ص 436.

فيه ست مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ) أي واذكر لهم مع ما سبق من تذكير المواثيق في كتابهم ما أخذت من المواثيق من العباد يوم الذر. وهذه آية مشكلة وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه فقال قوم: معنى الآية أن الله تعالى أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض. قالوا: معنى" أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ" دلهم بخلقه على توحيده، لأن كل بالغ يعلم ضرور أن له ربا واحدا." أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ" أي قال. فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم، والإقرار منهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض:" قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ «1»". ذهب إلى هذا القفال وأطنب. وقيل: إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وإنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها. قلت: وفي الحديث عن النبي صلى الله عيلة وسلم غير هذين القولين، وأنه تعالى أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم عليه السلام. وروى مالك في موطئة أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سئل عن هذه الآية" وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ" فقال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل عنها، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت
__________
(1). راجع ج 15 ص 344. [.....]

هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعلمون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون". فقال رجل: ففيم العمل؟ قال فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار". قال أبو عمر: هذا حديث منقطع الإسناد، لأن مسلم بن يسار لم يلق عمر. وقال فيه يحيى بن معين: مسلم بن يسار لا «1» يعرف، بينه وبين عمر نعيم بن ربيعة، ذكره النسائي، ونعيم غير معروف بحمل العلم. لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم. روى الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها (من ذريته «2») إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال يا رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا؟ فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال رب كم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم عليه السلام جاءه ملك الموت فقال أو لم يبق من عمري أربعون سنة قال أو لم تعطها ابنك داود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته". في غير الترمذي: فحينئذ أمر بالكتاب والشهود. في رواية: فرأى فيهم الضعف والغني والفقير (والذليل «3») والمبتلى والصحيح. فقال (له «4») آدم: يا رب، ما هذا؟ ألا سويت بينهم! قال: أردت أن أشكر. وروى عبد الله بن عمرو عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال" أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس". وجعل الله لهم عقولا كنملة سليمان، واخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره. فأقروا بذلك والتزموه، وأعلمهم
__________
(1). في ك: مسلم بن يسار يعرف. لعله الصواب.
(2). الزيادة عن صحيح الترمذي.
(3). من ج.
(4). من ج.

بأنه سيبعث إليهم الرسل، فشهد بعضهم على بعض. قال أبي بن كعب: وأشهد عليهم السماوات السبع، فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد. واختلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال، فقال ابن عباس: ببطن نعمان، واد إلى جنب عرفة. و(روي «1») عنه أن ذلك برهبا- أرض بالهند- الذي هبط فيه آدم عليه السلام. وقال يحيى بن سلام قال ابن عباس في هذه الآية: أهبط الله آدم بالهند، ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال:" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا" قال يحيى قال الحسن: ثم أعادهم في صلب آدم عليه السلام. وقال الكلبي: بين مكة والطائف. وقال السدي: في السماء الدنيا حين أهبط من الجنة إليها مسح على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنى ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم ادخلوا الجنة برحمتي. وأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء وقال لهم ادخلوا النار ولا أبالي. قال ابن جريج: خرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء، وكل نفس مخلوقة للنار سوداء. الثانية- قال ابن العربي (رحمه الله «2»):" فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يذنبوا، أو يعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم إليه، قلنا: ومن أين يمتنع ذلك، أعقلا أم شرعا؟ فإن قيل: لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك. قلنا: لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه، وربنا تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسئلون ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق، ولا تحمل أفعال العباد على أفعال الإله، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله، والخلق بأجمعهم له، صرفهم كيف شاء، وحكم بينهم «3» بما أراد، وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلة وشفقة الجنسية وحب الثناء والمدح، لما يتوقع فذلك من الانتفاع، والباري تعالى متقدس عن ذلك كله، فلا يجوز أن يعتبر به". واختلف في هذه الآية، هل هي خاصة أو عامة. فقيل: الآية خاصة، لأنه تعالى قال:" مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ" فخرج من هذا (الحديث «4») من كان من ولد آدم لصلبه. وقال جل وعز: (أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل) فخرج منها كل من لم يكن له آباء مشركون.
__________
(1). من ك.
(2). من ع.
(3). في ى: وحكيم فيهم كما أراد.
(4). من ج.

وقيل: هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء. وقيل: بل هي عامة لجميع الناس، لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلا فغذي وربي، وأن له مدبرا وخالقا. فهذا معنى" وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ". ومعنى (قالُوا بَلى ) 30 أي إن ذلك واجب عليهم. فلما اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الرب ثم ذهلوا عنه ذكرهم بأنبيائه وختم الذكر بأفضل أصفيائه لتقوم حجته عليهم فقال له:" فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ»
". ثم مكنه من الصيطرة، وأتاه السلطنة، ومكن له دينه في الأرض. قال الطرطوشي «2»: إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة، كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه". الرابعة- وقد استدل بهذه الآية من قال: إن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره في، الميثاق الأول. ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول. وهذا القائل يقول: أطفال المشركين في الجنة، وهو الصحيح في الباب. وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار، والصحيح ما ذكرناه. وسيأتي الكلام في هذا في" الروم «3»" إن شاء الله. وقد أتينا عليها في كتاب" التذكرة" والحمد لله. الخامسة- قوله تعالى:" مِنْ ظُهُورِهِمْ" بدل اشتمال من قوله" مِنْ بَنِي آدَمَ". وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم، وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظ. ووجه النظم على هذا: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم. وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه. وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره. فاستغنى عن ذكره لقوله:" مِنْ بَنِي آدَمَ". (ذُرِّيَّتَهُمْ) قرأ الكوفيون وابن كثير بالتوحيد وفتح التاء، وهي تقع للواحد والجمع، قال الله تعالى:" هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً «4»" فهذا للواحد، لأنه إنما سأل هبة ولد فبشر بيحيى. وأجمع القراء على التوحيد في قوله:" مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ «5»" ولا شي أكثر من ذرية آدم. وقال:" وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ" فهذا للجمع. وقرا الباقون
__________
(1). راجع ج 20 ص 37.
(2). في ى" الطرلوسى" بالسين المهملة.
(3). راجع ج 14 ص 24 فما بعد.
(4). راجع ج 4 ص 69 فما بعد.
(5). راجع ج 11 ص 120.

" ذرياتهم" بالجمع، لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شي وهو الجمع، لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة، أعقاب بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله، فجمع لهذا المعنى. السادسة- قوله تعالى: (بَلى ) تقدم القول فيها في" البقرة" عند قوله بلى من كسب سيئة مستوفى، فتأمله هناك «1». (أن يقولوا)" أو يقولوا" قرأ أبو عمرو بالياء فيهما. ردهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله، وهو قول:" مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ". وقوله:" قالُوا بَلى 30" أيضا لفظ غيبة. وكذا" وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ"" وَلَعَلَّهُمْ" فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة. وقرا الباقون بالتاء فيهما، ردوه على لفظ الخطاب المتقدم في قوله:" أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ". ويكون" شَهِدْنا 130" من قول الملائكة. لما قالوا" بَلى " قالت الملائكة:" شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا"" أو تقولوا" أي لئلا تقولوا. وقيل: معنى ذلك أنهم لما قالوا بلى، فأقروا له بالربوبية، قال الله تعالى للملائكة: اشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا. وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي. وقال ابن عباس وأبي بن كعب: قوله" شَهِدْنا 130" هو من قول بني آدم، والمعنى: شهدنا أنك ربنا وإلهنا، وقال ابن عباس: أشهد بعضهم على بعض، فالمعنى على هذا قالوا بلى شهد بعضنا على بعض، فإذا كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على" بلى" ولا يحسن الوقف عليه إذا كان من قول بني آدم، لأن" أن" متعلقة بما قبل بلى، من قوله:" وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ" لئلا يقولوا. وقد روى مجاهد «2» عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم الست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا". أي شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا. فهذا يدل على التاء. قال مكي: وهو الاختيار لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه. وقد قيل: إن قوله" شهدنا" من قول الله تعالى والملائكة. والمعنى: فشهدنا على إقراركم، قاله أبو مالك، وروي عن السدي أيضا.
__________
(1). راجع ج 2 ص 11. [.....]
(2). في ع: عن مجاهد.

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)

(وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ) أي اقتدينا بهم. (أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) بمعنى: لست تفعل هذا. ولا عذر للمقلد في التوحيد.

[سورة الأعراف (7): آية 175]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175)
ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة. واختلف في تعيين الذي أوتي الآيات فقال ابن مسعود وابن عباس: هو بلعام بن باعوراء، ويقال ناعم «1»، من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام، وكان بحيث إذا نظر رأى العرش. وهو المعني بقوله" وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا" ولم يقل آية، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه. ثم صار بحيث (أنه «2») كان أول من صنف كتابا (في «3») أن" ليس للعالم صانع". قال مالك ابن دينار: بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان، فأعطاه وأقطعه فاتبع دينه وترك دين موسى، ففيه نزلت هذه الآيات. (روى «4») المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: كان بلعام قد أوتي النبوة، «5» وكان مجاب الدعوة، فلما أقبل موسى في بني إسرائيل يريد قتال الجبارين، سأل الجبارون بلعام بن باعوراء أن يدعوا على موسى فقام ليدعو فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه. فقيل له في ذلك، لا أقدر على أكثر مما تسمعون، واندلع لسانه على صدره. فقال: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، وسأمكر لكم، فإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنى، فإن وقعوا فيه هلكوا، ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في الزنى، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا. وقد ذكر هذا الخبر بكماله الثعلبي وغيره. وروي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل موسى مدينة الجبارين، فاستجيب له وبقي في التيه «6». فقال موسى: يا رب، بأي ذنب بقينا في التيه. فقال: بدعاء بلعام. قال: فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه. فدعا موسى أن ينزع الله عنه الاسم الأعظم،
__________
(1). في ع وز وى: بلعم. وفي ز: ويقال: بلعم. وفي ى: ويقال: باعر.
(2). من ع.
(3). من ع.
(4). من ع.
(5). قوله: أوتى النبوة. فليتأمل كيف يؤتى النبوة ثم يضل فإنه مناف لعصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
(6). التيه: موضع بين مصر والعقبة.

فسلخه الله ما كان عليه، وقال أبو حامد في (آخر «1») كتاب منهاج العارفين له: وسمعت بعض العارفين يقول إن بعض الأنبياء سأل الله تعالى عن أمر بلعام وطرد بعد تلك الآيات والكرامات، فقال الله تعالى: لم يشكرني يوما من الأيام على ما أعطيته، ولو شكرني على ذلك مرة لما سلبته. وقال عكرمة: كان بلعام نبيا وأوتي كتابا. وقال مجاهد: إنه أوتي النبوة، فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه. قال الماوردي: وهذا غير صحيح، لأن الله تعالى لا يصطفي لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم: نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت، وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسده وكفر به. وهو الذي قال فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" آمن شعره وكفر قلبه". وقال سعيد بن المسيب: نزلت في أبي عامر بن صيفي، وكان يلبس المسوح في الجاهلية، فكفر بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وذلك أنه دخل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة فقال: يا محمد، ما هذا الذي جئت به؟ قال:" جئت بالحنيفية دين إبراهيم". قال: فإني عليها. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها". فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" نعم أمات الله الكاذب منا كذلك" وإنما قال هذا يعرض برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث خرج من مكة. فخرج أبو عامر إلى الشام ومر إلى قيصر وكتب إلى المنافقين: استعدوا فإني آتيكم من عند قيصر بجند لنخرج محمدا من المدينة، فمات بالشام وحيدا. وفية نزل:" وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ «2» 10" وسيأتي في براءة. وقال ابن عباس في رواية: نزلت في رجل كان له ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها" البسوس" فكان له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة واحدة. فقال: لك واحدة، فما تأمرين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة
__________
(1). من ج وك وهـ وى.
(2). راجع ج 8 ص 252 فما بعد.

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)

في بني إسرائيل. فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحه. فذهب فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: لا صبر لنا عن هذا، وقد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها كما كانت، فدعا فعادت إلى ما كانت، وذهبت الدعوات فيها. والقول الأول أشهر وعليه الأكثر. قال عبادة بن الصامت: نزلت في قريش، آتاهم الله آياته التي أنزلها الله تعالى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فانسلخوا منها ولم يقبلوها. قال ابن عباس: كان بلعام من مدينة الجبارين. وقيل: كان من اليمن. (فَانْسَلَخَ مِنْها) أي من معرفة الله تعالى، أي نزع منه العلم الذي كان يعلمه. وفي الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على ابن آدم (. فهذا مثل علم بلعام وأشباهه، نعوذ بالله منه، ونسأل التوفيق والممات على التحقيق. والانسلاخ: الخروج، يقال: انسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه. وقيل: هذا من المقلوب، أي انسلخت الآيات منه. (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ) أي لحق به، يقال: أتبعت القوم أي لحقتهم. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، انتظروا خروج محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكفروا به.

[سورة الأعراف (7): الآيات 176 الى 177]
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177)
قوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ) يريد بلعام. أي لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة. (بِها) أي بالعمل بها. (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ) أي ركن إليها، عن

ابن جبير والسدي. مجاهد: سكن إليها، أي سكن إلى لذاتها. واصل الإخلاد اللزوم. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه. قال زهير:
لمن الديار غشيتها بالغرقد ... كالوحي في حجر المسيل المخلد «1»
يعني المقيم، فكأن المعنى لزم لذات الأرض فعبر عنها بالأرض، لأن متاع الدنيا على وجه الأرض. (وَاتَّبَعَ هَواهُ) أي ما زين له الشيطان. وقيل: كان هواه مع الكفار. وقيل: اتبع رضا زوجته، وكانت رغبت في أموال حتى حملته على الدعاء على موسى. (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) ابتداء وخبر. (إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) شرط وجوابه. وهو في موضع الحال، أي فمثله كمثل الكلب لاهثا. والمعنى: أنه على شي واحد لا يرعوي عن المعصية، كمثل الكلب الذي هذه حالته. فالمعنى: أنه لاهث على كل حال، طردته أو لم تطرده. قال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، كذلك الذي يترك الهدى لا فؤاد له، وإنما فؤاده منقطع. قال القتيبي: كل شي يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش. فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته ضل وإن تركته ضل، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث، كقول تعالى:" وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ «2»". قال الجوهري: لهث الكلب" بالفتح" يلهث لهثا ولهاثا" بالضم" إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش، وكذلك الرجل إذا أعيا. وقوله تعالى" إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ" لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا، وإذا تركته شد عليك ونبح، فيتعب نفسه مقبلا عليك ومدبرا عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. قال الترمذي الحكيم في نوادر «3» الأصول:
__________
(1). الغرقد: هو بقيع الغرقد، مقابر بالمدينة. والذي في ديوانه" بالفدفد" وهو الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع. الوحى: الكتاب، وإنما جعله في حجر المسيل لأنه أصلب. عن شرح الديوان.
(2). راجع ص 341 من هذا الجزء.
(3). من ز.

إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت الفؤاد، وإنما لهاثه لموت فؤاده. وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن. وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الأرض شمت به العدو، فذهب إلى السباع فأشلاهم «1» على آدم، فكان الكلب من أشدهم طلبا. فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسى بمدين وجعلها آية له إلى فرعون وملئه، وجعل فيها سلطانا عظيما وكانت من آس الجنة، فأعطاها آدم (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومئذ «2») ليطرد بها السباع عن نفسه، وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع يده على رأسه، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا، وألف به وبولده إلى يومنا هذا، لوضع يده على رأسه، وصار حارسا من حراس ولده. وإذا أدب وعلم الاصطياد تأدب وقبل التعليم «3»، وذلك قوله:" تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ «4»". السدي: كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب. وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به. وقيل: هو في كل منافق. والأول أصح. قال مجاهد في قوله تعالى:" فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ" أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث. وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه. وقال غيره: هذا شر تمثيل، لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بكلب لاهث أبدا، حمل عليه أو لم يحمل عليه، فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان. وقيل: من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يخفه على جهة الابتداء بالجفاء، ثم تهدأ طائشته بنيل كل عوض «5» خسيس. ضربه الله مثلا للذي قبل الرشوة في الدين حتى انسلخ من آيات ربه. فدلت الآية لمن تدبرها على ألا يغتر أحد بعمله ولا بعلمه، إذ لا يدري بما يختم له. ودلت على منع أخذ الرشوة لإبطال حق أو تغييره. وقد مضى بيانه في" المائدة «6»". ودلت أيضا على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها، لأن الله تعالى أخبر أنه أعطى هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وألا يقبل منه إلا بحجة.
__________
(1). الإشلاء: الإغراء.
(2). من ع، ى. [.....]
(3). في ع: وصار ذا أدب وعلم.
(4). راجع ج 6 ص 65 وص 183.
(5). في ع: غرض.
(6). راجع ج 6 ص 65 وص 183.

مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)

قوله تعالى: (ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) أي هو مثل جميع الكفار. وقوله:" ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ" يقال: ساء الشيء قبح، فهو لازم، وساء يسوء مساءة، فهو متعد، أي قبح مثلهم. وتقديره: ساء مثلا مثل القوم، فحذف المضاف، ونصب" مَثَلًا" على التمييز. قال الأخفش: فجعل المثل القوم مجازا. والقوم مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ. التقدير: ساء المثل مثلا هو مثل القوم. وقدره أبو علي: ساء مثلا مثل القوم. وقرا عاصم الجحدري والأعمش" ساء مثل القوم" رفع مثلا بساء.

[سورة الأعراف (7): آية 178]
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178)
تقدم معناه في غير هذه موضع. وهذه الآية ترد على القدرية كما سبق، وترد على من قال إن الله تعالى هدى جميع المكلفين ولا يجوز أن يضل أحدا.

[سورة الأعراف (7): آية 179]
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179)
أخبر تعالى أنه خلق للنار أهلا بعدله. ثم وصفهم فقال:" لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها" بمنزلة من لا يفقه، لأنهم لا ينتفعون بها، ولا يعقلون ثوابا ولا يخافون عقابا. (أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ) بها الهدى. (وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها) المواعظ. وليس الغرض نفي الإدراكات عن حواسهم جملة. كما بيناه في (البقرة «1»). (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) لأنهم لا يهتدون إلى ثواب، فهم كالأنعام، أي همتهم الأكل والشرب، وهم أضل لأن الأنعام تبصر منافعها
__________
(1). راجع ج 1 ص 214.

وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)

ومضارها وتتبع مالكها، وهم بخلاف ذلك. وقال عطاء: الأنعام تعرف الله، والكافر لا يعرفه. وقيل: الأنعام مطيعة لله تعالى، والكافر غير مطيع. (أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) أي تركوا التدبر وأعرضوا عن الجنة والنار.

[سورة الأعراف (7): آية 180]
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (180)
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) 180 فيه ست مسائل: الأولى- قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) 180 أمر بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحدين. قال مقاتل وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من المسلمين، كان يقول في صلاته: يا رحمان يا رحيم. فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى:" وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها 180". الثانية- جاء في كتاب الترمذي وسنن ابن ماجة وغيرهما حديث عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نص فيه (أن لله) تسعة وتسعين اسما، في أحدهما ما ليس في الآخر. وقد بينا ذلك في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). قال ابن عطية- وذكر حديث الترمذي- وذلك الحديث ليس بالمتواتر، وإن كان قد قال فيه أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. وإنما المتواتر منه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة". ومعنى" أَحْصاها" عدها وحفظها. وقيل غير هذا مما بيناه في كتابنا. وذكرنا هناك تصحيح حديث الترمذي، وذكرنا من الأسماء ما اجتمع عليه وما اختلف فيه مما وقفنا عليه في كتب أئمتنا ما ينيف على مائتي اسم. وذكرنا قبل تعيينها في مقدمة الكتاب اثنين وثلاثين فصلا فيما يتعلق بأحكامها، فمن أراده وقف عليه هناك وفي غيره من الكتب الموضوعة في هذا الباب. والله الموفق (للصواب «1»)، لا رب سواه.
__________
(1). من ج وك.

الثالثة- واختلف العلماء من هذا الباب في الاسم والمسمى، وقد ذكرنا ما للعلماء من ذلك في" الكتاب الأسنى". قال ابن الحصار: وفي هذه الآية وقوع الاسم على المسمى ووقوعه على التسمية. فقوله:" وَلِلَّهِ" وقع على المسمى، وقوله:" الْأَسْماءُ" وهو جمع اسم واقع على التسميات. يدل على صحة ما قلناه قوله:" فَادْعُوهُ بِها 180"، والهاء في قوله:" فَادْعُوهُ 180" تعود على المسمى سبحانه وتعالى، فهو المدعو. والهاء في قوله" بِها" تعود على الأسماء، وهي التسميات التي يدعى بلا بغيرها. هذا الذي يقتضيه لسان العرب. ومثل ذلك قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد" الحديث. وقد تقدم في البقرة شي من هذا «1». والذي يذهب إليه أهل الحق أن الاسم هو المسمى، أو صفة له تتعلق به، وأنه غير التسمية. قال ابن العربي عند كلامه على قوله تعالى:" وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى 180": فيه ثلاثة أقوال. قال بعض علمائنا: في ذلك دليل على أن الاسم المسمى، لأنه لو كان غيره لوجب أن تكون الأسماء لغير الله تعالى. الثاني: قال آخرون: المراد به التسميات، لأنه سبحانه واحد والأسماء جمع. قلت- ذكر ابن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات إجماعا من المتأولين لا يجوز غيره. وقال القاضي أبو بكر في كتاب التمهيد: وتأويل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة" أي أن له تسعة وتسعين تسمية بلا خلاف، وهي عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى، منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به، وأسماؤه العائدة إلى نفسه هي هو، وما تعلق بصفة له فهي أسماء له. ومنها صفات لذاته. ومنها صفات أفعال. وهذا هو تأويل قوله تعالى:" وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها 180" أي التسميات الحسنى. الثالث- قال آخرون منهم: ولله الصفات. الرابعة- سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله. والحسنى مصدر وصف به. ويجوز أن يقدر
__________
(1). راجع المسألة الثانية ج 1 ص 281.

" الْحُسْنى " فعلى، مؤنث الأحسن، كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكبر والحسن. وعلى الأول أفرد كما أفرد وصف ما لا يعقل، كما قال تعالى:" مَآرِبُ أُخْرى «1» 20: 18" و" يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ «2» 10". الخامسة- قوله تعالى: (فَادْعُوهُ بِها) 180 أي اطلبوا منه بأسمائه، فيطلب بكل اسم ما يليق به، تقول يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رازق ارزقني، يا هادي اهدني، يا فتاح افتح لي، يا تواب تب علي، هكذا. فإن دعوت باسم عام قلت: يا مالك ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا لطيف ارزقني. وإن دعوت بالأعم الأعظم فقلت: يا الله، فهو متضمن لكل اسم. ولا تقول: يا رزاق اهدني، إلا أن تريد يا رزاق ارزقني الخير. قال ابن العربي: وهكذا، رتب دعاءك تكن من المخلصين. وقد تقدم في" البقرة «3»" شرائط الدعاء وفى هذه السورة أيضا «4». الحمد لله. السادسة- أدخل القاضي أبو بكر بن العربي عدة من الأسماء في أسمائه سبحانه، مثل متم نوره، وخير الوارثين، وخير الماكرين، ورابع ثلاثة، وسادس خمسة، والطيب، والمعلم، وأمثال ذلك. قال ابن الحصار: واقتدى في ذلك بابن برجان «5»، إذ ذكر في الأسماء" النظيف" وغير ذلك مما لم يرد في كتاب ولا سنة. قلت: أما ما ذكر من قوله:" مما لم يرد في كتاب ولا سنة" فقد جاء في صحيح مسلم" الطيب". وخرج الترمذي" النظيف". وخرج عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في دعائه (رب اعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر علي" الحديث. وقال فيه: حديث حسن صحيح. فعلى هذا جائز أن يقال: يا خير الماكرين امكر لي ولا تمكر علي. والله أعلم. وقد ذكرنا" الطيب، والنظيف" في كتابنا وغيره مما جاء
__________
(1). راجع ج 11 ص 185.
(2). راجع ج 14 ص 264.
(3). راجع ج 2 ص 308.
(4). راجع ص 223 من هذا الجزء.
(5). برجان (بفتح الياء وتشديد الراء): هو عبد السلام ابن عبد الرحمن بن أبى الرحال محمد بن عبد الرحمن أبو الحكم اللخمي الإفريقي ثم الإشبيلي الصوفي المفسر. مات بمراكش سنة 536 (عن طبقات المفسرين).

ذكره في الأخبار، وعن السلف الأخيار، وما يجوز أن يسمى به ويدعى، وما يجوز أن يسمى به ولا يدعى، وما لا يجوز أن يسمى به ولا يدعى. حسب ما ذكره الشيخ أبو الحسن الأشعري. وهناك يتبين لك ذلك إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) 180 فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى:" يُلْحِدُونَ 180" الإلحاد: الميل وترك القصد، يقال: ألحد الرجل في الدين. وألحد إذا مال. ومنه اللحد في القبر، لأنه في ناحيته. وقرى" يلحدون" لغتان والإلحاد يكون بثلاثة أوجه أحدها: بالتغيير فيها كما فعله المشركون، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسموا بها أوثانهم، فاشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان قاله ابن عباس وقتادة. الثاني- بالزيادة فيها. الثالث- بالنقصان منها، كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه، ويذكرون بغير ما يذكر من أفعاله، إلى غير ذلك مما لا يليق به. قال ابن العربي:" فحذار منها، ولا يدعون أحدكم إلا بما في كتاب الله والكتب الخمسة، وهي البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي. فهذه الكتب التي يدور الإسلام عليها، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذروا ما سواها، ولا يقولن أحدكم أختار دعاء كذا وكذا، فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الثانية- معنى الزيادة في الأسماء التشبيه، والنقصان التعطيل. فإن المشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه، والمعطلة سلبوه ما اتصف به، ولذلك قال أهل الحق: إن ديننا طريق بين طريقين، لا بتشبيه ولا بتعطيل. وسيل الشيخ أبو الحسن البوشنجي عن التوحيد فقال: إثبات ذات غير مشبهة بالذوات، ولا معطلة من الصفات. وقد قيل في قوله تعالى:" وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ 180" معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم. فالآية على هذا منسوخة بالقتال، قاله ابن زيد. وقيل: معناه الوعيد، كقوله تعالى:" ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ

وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)

وَحِيداً
»
" وقوله:" ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا «2»". وهو الظاهر من الآية، لقول تعالى: سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ 180. والله أعلم.

[سورة الأعراف (7): آية 181]
وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)
في الخبر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (هم هذه الأمة). وروي أنه قال: (هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها) وقرا هذه الآية وقال:" إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم". فدلت الآية على أن الله عز وجل لا يخلي الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق.

[سورة الأعراف (7): آية 182]
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182)
أخبر تعالى عمن كذب بآياته أنه سيستدرجهم. قال ابن عباس: هم أهل مكة. والاستدراج هو الأخذ بالتدريج، منزلة بعد منزلة. والدرج: لف الشيء، يقال: أدرجته ودرجته. ومنه أدرج الميت في أكفانه. وقيل: هو من الدرجة، فالاستدراج أن يحط درجة بعد درجة إلى المقصود. قال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة. وقيل لذي النون: ما أقصى ما يخدع به العبد؟ قال: بالألطاف والكرامات، لذلك قال سبحانه وتعالى:" سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ" نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر، وأنشدوا:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر

[سورة الأعراف (7): آية 183]
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)
قوله تعالى: (وَأُمْلِي لَهُمْ) أي أطيل لهم المدة وأمهلهم وأؤخر عقوبتهم. (إِنَّ كَيْدِي) أي مكري. (مَتِينٌ) أي شديد قوي. وأصله من المتن، وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب
__________
(1). راجع ج 19 ص 69.
(2). راجع ج 10 ص 2. [.....]

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)

الصلب. قيل: نزلت في المستهزئين من قريش قتلهم الله في ليلة واحدة بعد أن أمهلهم مدة. نظيره" حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً «1»". وقد تقدم.

[سورة الأعراف (7): آية 184]
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) أي فيما جاءهم به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والوقف على" يَتَفَكَّرُوا" حسن. ثم قال:" ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ" رد لقولهم:" يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ «2»". وقيل: نزلت بسبب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام ليلة على الصفا يدعو قريشا، فخذا فخذا، فيقول:" يا بني فلان". يحذرهم بأس الله وعقابه. فقال قائلهم: إن صاحبهم هذا لمجنون، بات يصوت حتى الصباح.

[سورة الأعراف (7): آية 185]
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)
فيه أربع مسائل: الأولى- قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا) عجب من إعراضهم عن النظر في آياته، ليعرفوا كمال قدرته، حسب ما بيناه في سورة (البقرة «3»). والملكوت من أبنية المبالغة ومعناه الملك العظيم. وقد تقدم «4». الثانية- استدل بهذه الآية- وما كان مثلها من قوله تعالى:" قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «5» 10: 101" وقوله تعالى:" أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها «6» 50: 6" وقوله:
__________
(1). راجع ج 6 ص 425.
(2). راجع ج 10 ص 4.
(3). راجع ج 1 ص 185.
(4). راجع ص 23 من هذا الجزء.
(5). راجع ج 8 ص 386.
(6). راجع ج 17 ص 5.

" أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ «1»" الآية. وقوله:" وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ «2»"- من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته. قالوا: وقد ذم الله تعالى من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال:" لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها" الآية. وقد اختلف العلماء في أول الواجبات، هل هو النظر والاستدلال، أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة. فذهب القاضي وغيره إلى أن أول الواجبات النظر والاستدلال، لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته. وإلى هذا ذهب البخاري رحمه الله حيث بوب في كتابه (باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل:" فاعلم أنه لا إله إلا الله «3»)". قال القاضي: من لم يكن عالما بالله فهو جاهل، والجاهل به كافر. قال ابن رشد في مقدماته: وليس هذا بالبين، لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد، وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله إلى الاعتبار به في غير ما آية. قال: وقد استدل الباجي على من قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلد مؤمنين. قال: فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال. قال: وأيضا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم: لا يحل لكم قتلنا، لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل. قال: وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم، وألا يقتلوا حتى ينظروا يستدلوا. قلت: هذا هو الصحيح في الباب، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف (ذكر صفة كمال الإيمان) أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن
__________
(1). راجع ج 20 ص 34.
(2). راجع ج 17 ص 40.
(3). راجع ج 16 ص 241.

لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام- وهو بالغ صحيح العقل- أنه مسلم. وإن رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد. وقال أبو حفص الزنجاني وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني يقول: أول الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى، فيتقدم وجوب الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله. قال: وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق، لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال. فلو قلنا: إن أول الواجبات المعرفة بالله لأدى إلى تكفير الجم الغفير والعدد الكثير، وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس، وذلك بعيد، لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطع بأن أكثر أهل الجنة أمته، وأن أمم الأنبياء كلهم صف واحد وأمته ثمانون صفا. وهذا بين لا إشكال فيه. والحمد لله. الثالثة- ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر، فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه. وقد أورد على بعضهم هذا فقال: لا تشنع علي بكثرة أهل النار. أو كما قال. قلت: وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه، لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين، واقتحموا في تكفير عامة المسلمين. أي هذا من قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول، وانتهره أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لقد حجرت واسعا". خرجه البخاري والترمذي وغيرهما من الأئمة. أترى هذا الأعرابي عرف الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان؟ وأن رحمته وسعت كل شي، وكم من مثله محكوم له بالإيمان. بل اكتفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك. ألا تراه لما قال للسوداء:" أين الله"؟ قالت: في السماء. قال:" من أنا"؟ قالت:

أنت رسول الله. قال:" أعتقها فإنها مؤمنة". ولم يكن هناك نظر ولا استدلال، بل حكم بإيمانهم من أول وهلة، وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة. والله أعلم. الرابعة- ولا يكون النظر أيضا والاعتبار في الوجوه الحسان من المرد والنسوان. قال أبو الفرج الجوزي: قال أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد، وربما زينته بالحلي والمصبغات من الثياب، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع. وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم. قال أبو الفرج: وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل لم يحل الله النظر إلا على صور لا ميل للنفس إليها، ولا حظ للهوى فيها، بل عبرة لا يمازجها شهوة، ولا يقارنها لذة. ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة، ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا، كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة. فمن قال: أنا أجد «1» من الصور المستحسنة عبرا كذبناه. وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا كذبناه، وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين. وقال بعض الحكماء: كل شي في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، ولذلك قال تعالى:" لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ «2» تَقْوِيمٍ" وقال:" وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ «3»". وقد بينا وجه التمثيل في أول" الأنعام «4»". فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ومتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقا إلى كونه خلقا سويا، يعان بالأغذية ويربى بالرفق، ويحفظ باللين حتى يكتسب القوى، ويبلغ الأشد. وإذا هو قد قال: أنا، وأنا، ونسي حين أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، وسيعود مقبورا، فيا ويحه إن كان محسورا. قال الله تعالى" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ"- إلى قوله-" تُبْعَثُونَ «5»" فينظر أنه عبد مربوب مكلف، مخوف بالعذاب إن قصر، مرتجيا «6» بالثواب إن ائتمر «7»، فيقبل على عبادة مولاه (فإنه «8») وإن كان لا يراه يراه
و(لا «9») يخشى الناس
__________
(1). في ى: آخذ
(2). راجع ج 20 ص 113.
(3). راجع ج 17 ص 40.
(4). راجع ج 6 ص 387.
(5). راجع ج 12 ص 108. [.....]
(6). من ز. وفى ى: فرحا.
(7). في ع: إن شمر.
(8). من ع
(9). في ع: إن شمر.

مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)

والله أحق أن يخشاه، ولا يتكبر على أحد من عباد الله، فإنه مؤلف من أقذار، مشحون من أوضار «1»، صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار. وقال ابن العربي: وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العلمية:
كيف يزهو من رجيعه «2» ... أبد الدهر ضجيعه
فهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه
وهو يدعوه إلى الحش ... «3» بصغر فيعطيه
قوله تعالى: (وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) معطوف على ما قبله، أي وفيما خلق الله من الأشياء. (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت، فهو في موضع خفض معطوف على ما قبله. وقال ابن عباس: أراد باقتراب الأجل يوم بدر ويوم أحد. (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) أي بأي قرآن غير ما جاء به محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «4») يصدقون. وقيل: الهاء للأجل، على معنى بأي حديث بعد الأجل يؤمنون حين لا ينفع الإيمان، لأن الآخرة ليست بدار تكليف.

[سورة الأعراف (7): آية 186]
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)
بين أن إعراضهم لأن الله أضلهم. وهذا رد على القدرية. (وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ) بالرفع على الاستئناف. وقرى بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها. (يَعْمَهُونَ) أي يتحيرون. وقيل: يترددون. وقد مضى في أول البقرة «5» مستوفى.
__________
(1). الزيادة عن ابن العربي. والأوضار: الأوساخ.
(2). الرجيع: العذرة والروث.
(3). الحش بالتثليث: النخل المجتمع، ويكنى به عن بيت الخلاء، لما كان من عادتهم التغوط في البساتين. في ع: بعلم. وفى ى: بحصر.
(4). من ع.
(5). راجع ج 1 ص 209.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)

[سورة الأعراف (7): آية 187]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187)
قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها)" أَيَّانَ" سؤال عن الزمان، مثل متى. قال الراجز:
أيان تقضي حاجتي إيانا ... أما ترى لنجحها أوانا
وكانت اليهود تقول للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم. وروي أن المشركين قالوا ذلك لفرط الإنكار. و" مُرْساها" في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، والخبر" أَيَّانَ". وهو ظرف مبني على الفتح، بني لأن فيه معنى الاستفهام. و" مُرْساها" بضم الميم، من أرساها الله، أي أثبتها، أي متى مثبتها، أي متى وقوعها. وبفتح الميم من رست، أي ثبتت ووقفت، ومنه" وَقُدُورٍ راسِياتٍ «1»". قال قتادة: أي ثابتات. (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) ابتداء وخبر، أي لم يبينها لأحد، حتى يكون العبد أبدا على حذر (لا يُجَلِّيها) أي لا يظهرها." لِوَقْتِها" أي في وقتها" إِلَّا هُوَ" والتجلية: إظهار الشيء، يقال: جلا لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه. ومعنى (ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خفي علمها على أهل السماوات والأرض). وكل ما خفي، علمه فهو ثقيل على الفؤاد. وقيل: كبر مجيئها على أهل السماوات والأرض، عن الحسن وغيره. ابن جريج والسدي: عظم وصفها «2» على أهل السماوات والأرض. وقال قتادة: وغيره: المعنى تطيقها السماوات والأرض لعظمها: لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضب. وقيل: المعنى ثقلت المسألة «3» عنها. (لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) أي فجأة، مصدر في موضع الحال (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ)
__________
(1). راجع ج 14 ص 376.
(2). في ع: وقعها.
(3). في ز: غم.

قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)

عنها) أي عالم بها كثير السؤال عنها. قال ابن فارس: الحفي العالم بالشيء. والحفي المستقصي في السؤال. قال الأعشى:
فإن تسألي عني فيأرب سائل ... خفي عن الأعشى به حيث أصعدا
يقال: أحفى في المسألة وفي الطلب، فهو محف وحفي على التكثير، مثل مخصب وخصيب. قال محمد بن يزيد: المعنى يسألونك كأنك حفي بالمسألة عنها، أي ملح. يذهب إلى أنه ليس في الكلام تقديم وتأخير. وقال ابن عباس وغيره: هو على التقديم والتأخير، والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بهم أي حفي ببرهم وفرح بسؤالهم. وذلك لأنهم قالوا: بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا بوقت الساعة. (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ليس هذا تكريرا، ولكن أحد المسلمين لوقوعها والآخر لكنهها.

[سورة الأعراف (7): آية 188]
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)
قوله تعالى: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا) أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا، فكيف أملك علم الساعة. وقيل: لا أملك لنفسي الهدى والضلال. (إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) في موضع نصب بالاستثناء. والمعنى: إلا ما شاء الله أن يملكني يمكنني منه. وأنشد سيبويه:
مهما شاء بالناس يفعل «1»

وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته. وقيل: لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب. وقال ابن عباس: لو كنت أعلم سنة الجدب لهيات لها في زمن الخصب ما يكفيني. وقيل: المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها. وقيل:
__________
(1). عجز بيت للأسود بن يعفر: والبيت:
ألا هل لهذا الدهر من متعلل ... عن الناس مهما
. إلخ.

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)

المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح، عن الحسن وابن جريج. وقيل: المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه. وكله مراد، والله أعلم. (وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) هذا استئناف كلام، أي ليس بي جنون، لأنهم نسبوه إلى الجنون. وقيل: هو متصل، والمعنى لو علمت الغيب لما مسني سوء ولحذرت،" ودل على هذا قوله تعالى: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ «1»".

[سورة الأعراف (7): الآيات 189 الى 190]
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)
فيه سبع مسائل: الأولى- قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم. (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) يعني حواء. (لِيَسْكُنَ إِلَيْها) ليأنس بها ويطمئن، وكان هذا كله في الجنة. ثم ابتدأ بحالة أخرى هي في الدنيا بعد هبوطهما فقال: (فَلَمَّا تَغَشَّاها) كناية عن الوقاع. (حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً) كل ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو حمل بالفتح. وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حمل بالكسر. وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر. وقال أبو سعيد السيرافي: يقال في حمل المرأة حمل وجمل، يشبه مرة لاستبطانه بحمل المرأة، ومرة لبروزه وظهوره بحمل الدابة. والحمل أيضا مصدر حمل عليه يحمل حملا إذا صال. (فَمَرَّتْ بِهِ) يعني المني، أي استمرت بذلك الحمل الخفيف. يقول: تقوم وتقعد وتقلب، ولا تكترث بحمله إلى أن ثقل، عن الحسن ومجاهد وغيرهما. وقيل:
__________
(1). من ج. وفى ب: إن أنا إلا نذير وبشير. [.....]

المعنى فاستمر بها الحمل، فهو من المقلوب، كما تقول: أدخلت القلنسوة في رأسي. وقرا عبد الله بن عمر" فمارت به" بألف والتخفيف، من مار يمور إذا ذهب وجاء وتصرف. وقرا ابن عباس ويحيى بن يعمر" فمرت به" خفيفة من المرية، أي شكت فيما أصابها، هل هو حمل أو مرض، أو نحو ذلك. الثانية- قوله تعالى: (فَلَمَّا أَثْقَلَتْ) صارت ذات ثقل، كما تقول: أثمر النخل. وقيل: دخلت في الثقل، كما تقول: أصبح وأمسى. (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما) الضمير في" دَعَوَا" عائد على آدم وحواء. وعلى هذا القول روي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو. وهذا يقوي قراءة من قرأ" فمرت به" بالتخفيف. فجزعت بذلك، فوجد إبليس السبيل إليها. قال الكلبي: إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال: ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: إني أخاف أن يكون بهيمة. فقالت ذلك لآدم عليه السلام. فلم يزالا في هم من ذلك. ثم عاد إليها فقال: هو من الله بمنزلة، فإن دعوت الله فولدت إنسانا أفتسمينه «1» بي؟ قالت نعم. قال: فإني أدعو الله. فأتاها وقد ولدت فقال: سميه باسمي. فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث- ولو سمى لها نفسه لعرفته- فسمته عبد الحارث. ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث، في الترمذي وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات، فلا يعول عليها من لم قلب، فإن آدم وحواء عليهما السلام وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، على أنه قد سطر وكتب. قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" خدعهما مرتين (خدعهما) في الجنة وخدعهما في الأرض". وعضد هذا بقراءة السلمي" أتشركون" بالتاء. ومعنى (صالحا) يريد ولدا سويا. (فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما) 190 واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء، وهي: الثالثة- قال المفسرون: كان شركا في التسمية والصفة، لا في العباد والربوبية. وقال أهل المعاني: إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث،
__________
(1). في الأصول فتسميه.

لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربه، كما قال حاتم:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلا تيك من شيمة العبد
وقال قوم: إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم عليه السلام، وهو الذي يعول عليه. فقوله:" جَعَلا لَهُ 190" يعني الذكر والأنثى الكافرين، ويعنى به الجنسان. ودل على هذا (فتعالى الله عما يشركون) ولم يقل يشركان. وهذا قول حسن. وقيل: المعنى" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ" من هيئة واحدة وشكل واحد" وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها" أي من جنسها" فَلَمَّا تَغَشَّاها" يعني الجنسين. وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية، فإذا آتاهما الولد صالحا سليما سويا كما أراداه صرفاه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ما من مولود إلا يولد على الفطرة- في رواية (على هذه «1») الملة- أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه". قال عكرمة: لم يخص بها آدم، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم. وقال الحسين بن الفضل: وهذا أعجب إلى أهل النظر، لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبي الله آدم. وقرا أهل المدينة وعاصم" شركا" على التوحيد. وأبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع، على مثل فعلاء، جمع شريك. وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى، وهي صحيحة على حذف المضاف، أي جعلا له ذا شرك، مثل" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا له شركاء. الرابعة- ودلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض. روى ابن القاسم ويحيى عن مالك قال: أول الحمل يسر»
وسرور، وآخره مرض من الأمراض. وهذا الذي قاله مالك:" إنه مرض من الأمراض" يعطيه ظاهر قوله:" دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما" وهذه الحالة مشاهدة في الحمال، ولأجل عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها شهادة، كما ورد في الحديث «3».
__________
(1). من هـ وى.
(2). في ج وا ول وز: بشر.
(3). في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمبطلون شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت يجمع شهيدة" أي تموت وفى بطنها ولد. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حيان والحكم.

وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله. ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه. وقال أبو حنيفة والشافعي: وإنما يكون ذلك في الحامل بحال الطلق، فأما قبل ذلك فلا. واحتجوا بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة. قلنا: كذلك أكثر الأمراض غالبه السلامة، وقد يموت من لم يمرض. الخامسة- قال مالك: إذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث. ومن طلق زوجته وهي حامل طلاقا بائنا فلما أتى عليها ستة أشهر فأراد ارتجاعها لم يكن له ذلك، لأنها مريضة ونكاح المريضة لا يصح. السادسة- قال يحيى: وسمعت مالكا يقول في الرجل يحضر القتال: إنه إذا زحف في الصف للقتال لم يجز له أن يقضي في ما له شيئا إلا في الثلث، وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال. ويلتحق بهذا المحبوس للقتل في قصاص. وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعي وغيرهما. قال ابن العربي: وإذا استوعبت النظر لم ترتب في أن المحبوس على القتل أشد حالا من المريض، وإنكار ذلك غفلة في النظر، فإن سبب الموت موجود عندهما، كما أن المرض سبب الموت، قال الله تعالى:" وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ". وقال رويشد الطائي:
يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت «1»
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولا يبرئكم إني أنا الموت
ومما يدل على هذا قوله تعالى:" إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ «2» 10". فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة: الحال الشديدة إنما هي المبارزة، وقد أخبر الله عز وجل عن مقاومة «3» العدو وتداني الفريقين بهذه الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر، ومن سوء الظنون بالله، ومن زلزلة القلوب واضطرابها،
__________
(1). الصوت: الجرس، مذكر. وإنما أنثه هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة، على معنى الصيحة أو الاستغاثة.
(2). راجع ج 14 ص 144.
(3). في ج: مقاربة.

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)

هل هذه حالة ترى على المريض أم لا؟ هذا ما لا يشك فيه منصف، وهذا لمن ثبت في اعتقاده، وجاهد في الله حق جهاده، وشاهد الرسول وآياته، فكيف بنا؟ السابعة- وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهول، هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل. فقال ابن القاسم: حكمه حكم الصحيح. وقال ابن وهب وأشهب: حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر. قال القاضي أبو محمد: وقولهما أقيس، لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل. قال ابن العربي: وابن القاسم لم يركب البحر، ولا رأى دودا على عود. ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها، ويتحقق التوكل والتفويض فليركب البحر.

[سورة الأعراف (7): الآيات 191 الى 192]
أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192)
قوله تعالى: (أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً) أي أيعبدون ما لا يقدر على خلق شيء. (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) أي الأصنام مخلوقة. وقال:" يُخْلَقُونَ" بالواو والنون لأنهم اعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع، فأجريت مجرى الناس، كقوله:" فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «1»". وقوله:" يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا «2» مَساكِنَكُمْ". (وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ) أي إن الأصنام، لا تنصر ولا تنتصر.

[سورة الأعراف (7): آية 193]
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193)
قوله تعالى: (إِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ) قال الأخفش: أي وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم. (سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) قال أحمد
__________
(1). راجع ج 11 ص 286 وج 15 ص 32.
(2). راجع ج 13 ص 169.

إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)

ابن يحيى: لأنه رأس آية. يريد أنه قال:" أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ" ولم يقل أم صمتم. وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد. وقيل: المراد من سبق في علم الله أنه لا يؤمن. وقرى" لا يَتَّبِعُوكُمْ" مشددا ومخففا" لغتان بمعنى. وقال بعض أهل اللغة:" أتبعه"- مخففا- إذا مضى خلفه ولم يدركه. و" اتبعه"- مشددا- إذا مضى خلفه فأدركه.

[سورة الأعراف (7): الآيات 194 الى 196]
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) حاجهم في عبادة الأصنام." تدعون" تعبدون. وقيل: تدعونها آلهة." من دون الله" أي من غير الله. وسميت الأوثان عباد الأنها مملوكة لله مسخرة. الحسن: المعنى أن الأصنام مخلوقة أمثالكم. ولما اعتقد المشركون أن الأصنام تضر وتنفع أجراها مجرى الناس فقال: (فَادْعُوهُمْ)
ولم يقل فادعوهن. وقال:" عباد"، وقال:" إِنَّ الَّذِينَ" ولم يقل إن التي. ومعنى" فَادْعُوهُمْ" أي «1» فاطلبوا منهم النفع والضر. أن عبادة الأصنام تنفع. قال ابن عباس: معنى فادعوهم فاعبدوهم. ثم وبخهم الله تعالى وسفه عقولهم فقال:" أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها" الآية. أي أنتم أفضل منهم فكيف تعبدونهم. والغرض بيان جهلهم، لأن المعبود يتصف بالجوارح. وقرا سعيد بن جبير:" إن الذين تدعون من دون الله عباد اأمثالكم" بتخفيف" إن" وكسرها لالتقاء الساكنين، ونصب" عباد ا" بالتنوين،" أمثالكم" بالنصب. والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عباد اأمثالكم، أي هي حجارة وخشب، فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه.
__________
(1). من ج.

قال النحاس: وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات: أحدها: أنها مخالفة للسواد. والثانية- أن سيبويه يختار الرفع في خبر إن إذا كانت بمعنى ما، فيقول: إن زيد منطلق، لأن عمل" ما" ضعيف، و" إن" بمعناها فهي أضعف منها. والثالثة- إن الكسائي زعم أن" إن" لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى" ما"، إلا أن يكون بعدها إيجاب، كما قال عز وجل:" إن الكافرون إلا في غرور «1»"." فليستجيبوا لكم" الأصل أن تكون اللام مكسورة، فحذفت الكسرة لثقلها. ثم قيل: في الكلام حذف، المعنى: فادعوهم إلى أن يتبعوكم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة. وقرا أبو جعفر وشيبة" أم لهم أيد يبطشون بها" بضم الطاء، وهي لغة. واليد والرجل الإذن مؤنثات يصغرن بالهاء. وتزاد في اليد ياء في التصغير، ترد إلى أصلها فيقال: يدية بالتشديد لاجتماع الياءين. قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ) أي الأصنام. (ثم كيدون) أنتم وهي. (فلا تنظرون) أي فلا تؤخرون. والأصل" كيدوني" حذفت الياء لأن الكسرة تدل عليها. وكذا" فلا تنظرون". والكيد المكر. والكيد الحرب، يقال: غزا فلم يلق كيدا. (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ) أي الذي يتولى نصري وحفظي الله. وولي الشيء: الذي يحفظه ويمنع عنه الضرر. والكتاب: القرآن. (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) أي يحفظهم. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جهارا غير مرة يقول:" ألا إن آل أبي- يعني «2» فلانا- ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين". وقال الأخفش: وقرى" إن ولي الله الذي نزل الكتاب" يعني جبريل. النحاس. هي قراءة عاصم الجحدري. والقراءة الأولى أبين، لقوله:" وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ".
__________
(1). راجع ج 18 ص 218.
(2). في شرح النوري على صحيح مسلم:" هذه الكناية بقوله: يعنى فلانا، هي من بعض الرواة خشي أن يسميه فيترتب عليه مفسدة وفتنة، إما في حق نفسه، وإما في حقه وحق غيره فكنى عنه ... قال القاضي عياض رضى الله عنه قيل: إن المكنى عنه ها هنا هو الحكم بن أبى العاص والله أعلم".

وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197)

[سورة الأعراف (7): الآيات 197 الى 198]
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198)
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر. (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى ) شرط، والجواب (لا يَسْمَعُوا). (وَتَراهُمْ) مستأنف. (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ) في موضع الحال. يعني الأصنام. ومعنى النظر فتح العينين المنظور إليه، وتراهم كالناظرين إليك. وخبر عنهم بالواو وهي جماد لا تبصر، لأن الخبر جرى على فعل من يعقل. وقيل: كانت لهم أعين من جواهر مصنوعة فلذلك قال" وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ" وقيل: المراد بذلك المشركون، أخبر عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم.

[سورة الأعراف (7): آية 199]
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199)
فيه ثلاث مسائل: الأولى- هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله: (خُذِ الْعَفْوَ) دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين ودخل في قوله: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة. قلت: هذه الخصال تحتاج إلى بسط، وقد جمعها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجابر بن سليم. قال جابر بن سليم أبو جري: ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال:" وعليك السلام". فقلت: إنا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء، فعلمني كلمات ينفعني الله بها. قال:" ادن" ثلاثا، فدنوت فقال:" أعد علي" فأعدت عليه فقال: (اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى (. قال أبو جري: فوالذي نفسي بيده، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا. أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه. وروى أبو سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال:" إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق". وقال ابن الزبير: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله:" خذ العفو وأمر بالعرف" قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال: إن جبريل نزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما هذا يا جبريل"؟ فقال:" لا أدري حتى أسأل العالم" في رواية" لا أدري حتى أسأل ربي" فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال:" إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك". فنظمه بعض الشعراء فقال:
مكارم الأخلاق في ثلاثة ... وممن كملت فيه فذلك الفتى «1»
إعطاء من تحرمه ووصل من ... تقطعه والعفو عمن اعتدى
وقال جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). وقال الشاعر:
__________
(1). في ك، ع، هـ: وفى ا، ز: الغنى.

كل الأمور تزول عنك وتنقضي ... إلا الثناء فإنه لك باقي
ولو أنني خيرت كل فضيلة ... ما اخترت غير مكارم الأخلاق
وقال سهل بن عبد الله: كلم الله موسى بطور سيناء. قيل له: بأي شي أوصاك؟ قال: بتسعة أشياء، الخشية في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغني، وأمرني أن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة. قلت: وقد روي عن نبينا محمد أنه قال، (أمرني ربي بتسع الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمني واصل من قطعني وأعطي من حرمني وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا نظري عبرة (. وقيل: المراد بقوله:" خُذِ الْعَفْوَ" أي الزكاة، لأنها يسير من كثير. وفية بعد، لأنه من عفا إذا درس. وقد يقال: خذ العفو منه، أي لا تنقص عليه وسامحه. وسبب النزول يرده، والله أعلم. فإنه لما أمره بمحاجة المشركين دله على مكارم الأخلاق، فإنها سبب جر المشركين إلى الإيمان. أي اقبل من الناس ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر، تقول: أخذت حقي عفوا صفوا، أي سهلا. الثانية- قوله تعالى: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) أي بالمعروف. وقرا عيسى بن عمر" العرف" بضمتين، مثل الحلم، وهما لغتان. والعرف والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس. قال الشاعر:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
وقال عطاء:" وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ" يعني بلا إله إلا الله. الثالثة- قوله تعالى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) أي إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم، صيانة له عليهم ورفعا لقدره عن مجاوبتهم. وهذا وإن

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)

كان خطابا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه. وقال ابن زيد وعطاء: هي منسوخة بآية السيف. وقال مجاهد وقتادة: هي محكمة، وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا. فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال سأستأذن لك عليه، فاستأذن لعيينة. فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر حتى هم بأن يقع به. فقال الحر، يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه عليه السلام (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا «1» عند كتاب الله عز وجل. قلت: فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على أنها محكمة لا منسوخة. وكذلك استعملها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، على ما يأتي بيانه. وإذا كان الجفاء على السلطان تعمدا واستخفافا بحقه فله تعزيره. وإذا كان غير ذلك فالإعراض والصفح والعفو، كما فعل الخليفة العدل.

[سورة الأعراف (7): آية 200]
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)
فيه مسألتان: الأولى- لما نزل قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) قال عليه السلام:" كيف يا رب والغضب" فنزلت:" وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ 200" ونزغ الشيطان: وساوسه. وفية لغتان: نزغ ونغز، يقال: إياك والنزاغ والنغاز، وهم المورشون «2». الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون، ومن
__________ (1). أي لا يتجاوز حكمه. [.....]
(2). التوريش: التحريش، يقال: ورش بين القوم وأرش.

الشيطان أدنى وسوسة. قال سعيد بن المسيب: شهدت عثمان وعليا وكان بينهما نزغ من الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئا، ثم لم يبرحا حتى استغفر كل واحد منهما لصاحبه. ومعنى (يَنْزَغَنَّكَ) 200: يصيبنك ويعرض لك عند الغضب وسوسة بما لا يحل. (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) 200 أي اطلب النجاة من ذلك بالله. فأمر تعالى أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه والاستعاذة به، ولله المثل الأعلى. فلا يستعاذ من الكلاب إلا برب الكلاب. وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنع من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك. الثانية- النغز والنزغ والهمز والوسوسة سواء، قال الله تعالى:" وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ «1»" وقال:" مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ «2»". واصل النزغ الفساد، يقال: نزغ بيننا، أي أفسد. ومنه قوله:" نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي «3»" أي أفسد. وقيل: النزغ الإغواء والإغراء، والمعنى متقارب. قلت: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته (. وفية عن عبد الله قال: سئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوسوسة قال:) تلك محض الإيمان (. وفي حديث أبي هريرة:) ذلك صريح الإيمان) والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره، إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم. فكأنه قال جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه، لصحة إيمانكم، وعلمكم بفسادها. فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها
__________
(1). راجع ج 12 ص 148.
(2). راجع ج 20 ص 261.
(3). راجع ج 9 ص 264.

إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)

والجزع منها صادرا عن الإيمان. وأما أمره بالاستعاذة فلكون تلك الوساوس من آثار الشيطان. وأما الأمر بالانتهاء فعن الركون إليها والالتفات نحوها. فمن كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه نفعه وانتفع به. وأما من خالجته الشبهة وغلب عليه الحس ولم يقدر على الانفكاك عنها فلا بد من مشافهته بالدليل العقلي، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا عدوى". وقال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فمن أعدى الأول" فاستأصل الشبهة من أصلها. فلما يئس الشيطان من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإغراء والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الألقيات. والوساوس: الترهات، فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوعها عندهم فجاءوا- كما في الصحيح- فقالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال:" أو قد وجدتموه"؟ قالوا: نعم. قال: (ذلك صريح الإيمان رغما للشيطان حسب ما نطق به القرآن في قوله:" إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ «1»". فالخواطر التي ليست بمستقره ولا اجتلبتها الشبهة فهي التي تدفع بالإعراض عنها، وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة. والله أعلم. وقد مضى في آخر البقرة «2» هذا المعنى، والحمد لله.

[سورة الأعراف (7): الآيات 201 الى 202]
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202)
فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا) 20 يريد الشرك والمعاصي. (إذا مسهم طيف من الشيطان) هذه قراءة أهل البصرة واهل مكة. وقراءة أهل المدينة واهل الكوفة" طائف". وروي عن سعيد بن جبير" طيف" بتشديد الياء. قال النحاس: كلام العرب في مثل هذا" طيف" بالتخفيف، على أنه مصدر من طاف يطيف. قال الكسائي:
__________
(1). راجع ج 10 ص 38 وص 28 فما بعدها.
(2). راجع ج 3 ص 428.، فما بعد.

هو مخفف من" طيف" مثل ميت وميت. قال النحاس: ومعنى" طيف" في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم، وكذا معنى طائف. وقال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن طيف، فقال: ليس في المصادر فيعل. قال النحاس: ليس هو بمصدر، ولكن يكون بمعنى طائف. والمعنى إن الذين اتقوا المعاصي إذا لحقهم شي تفكروا في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية، وقيل: الطيف والطائف معنيان مختلفان فالأول- التخيل. والثاني- الشيطان نفسه. فالأول مصدر طاف الخيال يطوف طيفا، ولم يقولوا من هذا طائف في اسم الفاعل. قال السهيلي: لأنه تخيل لا حقيقة له. فأما قوله:" فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ «1»" فلا يقال فيه: طيف، لأنه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل. قال الزجاج: طفت عليهم أطوف، وطاف الخيال يطيف. وقال حسان:
فدع هذا ولكن من لطيف ... يؤرقني إذا ذهب العشاء
مجاهد: الطيف الغضب. ويسمى الجنون والغضب والوسوسة طيفا، لأنه لمة من الشيطان تشبه بلمة «2» الخيال. (فإذا هم مبصرون) أي منتهون. وقيل: فإذا هم على بصيرة. وقرا سعيد بن جبير:" تَذَكَّرُوا 20" بتشديد الذال. ولا وجه له في العربية، ذكره النحاس. الثانية- قال عصام بن المصطلق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي عليهما السلام، فأعجبني سمته وحسن روائه، فأثار مني الحسد ما كان يجنه صدري لأبيه من البغض، فقلت: أنت ابن أبي طالب! قال نعم. فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إلي نظرة عاطف رءوف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم" خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ" فقرأ إلى قوله:" فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ 20" ثم قال لي: خفض عليك، استغفر الله لي ولك إنك لو استعنتنا أعناك، ولو استرفدتنا أرفدناك،
__________
(1). راجع ج 18 ص 238 فما بعد.
(2). الله الخطرة بالقلب.

ولو استرشدتنا أرشدناك. فتوسم في الندم على ما فرط مني فقال:" لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «1»" أمن أهل الشام أنت؟ قلت نعم. فقال:
شنشنة أعرفها من أخزم «2»

حياك الله وبياك، وعافاك، وآداك «3»، انبسط «4» إلينا في حوائجك وما يعرض لك، تجدنا عند أفضل ظنك، إن شاء الله. قال عصام: فضاقت علي الأرض بما رحبت، ووددت أنها ساخت بي، ثم تسللت منه لواذا «5»، وما على وجه الأرض أحب إلي منه ومن أبيه. قوله تعالى: (وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) 20 قيل: المعنى وإخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس تمدهم الشياطين في الغي. وقيل للفجار إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم. وقد سبق فهذه الآية ذكر الشيطان. هذا أحسن ما قيل فيه، وهو قول قتادة والحسن والضحاك ومعنى" لا يُقْصِرُونَ 20" أي لا يتوبون ولا يرجعون. وقال الزجاج: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصرا ولا أنفسهم ينصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي، لأن الكفار إخوان الشياطين. ومعنى الآية: إن المؤمن إذا مسه طيف من الشيطان تنبه عن قرب، فأما المشركون فيمدهم الشيطان. و" لا يُقْصِرُونَ 20" قيل: يرجع إلى الكفار على القولين جميعا. وقيل: يجوز أن يرجع إلى الشيطان. قال قتادة: المعنى ثم لا يقصرون عنهم ولا يرحمونهم. والإقصار: الانتهاء عن الشيء، أي لا تقصر الشياطين في مدهم الكفار بالغي. وقوله:" فِي الغَيِّ 20" يجوز أن يكون متصلا بقوله:
__________
(1). راجع ج 9 ص 255 فما بعد.
(2). الشنشة (بكسر الشين): العادة والطبيعة. قال الأصمعي: وهذا بيت رجز تمثل به لأبى أخزم الطائي وهو:
إن بنى زملوني بالدم ... شنشة أعرفها من أخزم

من يلق آساد الرجال يكلم

قال ابن برى: وكان أخزم عاقا لأبيه، فمات وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وأدموه، فقال ذلك، أي إنهم أشبهوا أباهم في العقوق.
(3). قوله: حباك الله وبياك، أي ملك واعتمدك بالتحية. وبياك: معناه وبواك منزلا، إلا أنها لما جاءت مع حياك تركت همزتها وقلبت واوها ياء ... وآداك: فواك وأعانك.
(4). الانبساط: ترك الاحتشام.
(5). اللواذ: الاستتار.

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)

" يَمُدُّونَهُمْ 20" ويجوز أن يكون متصلا بالإخوان. والغي: الجهل. وقرا نافع" يمدونهم" بضم الياء وكسر الميم. والباقون بفتح الياء وضم الميم. وهما لغتان مد وأمد. ومد أكثر، بغير الألف، قاله مكي. النحاس: وجماعة من أهل العربية ينكرون قراءة أهل المدينة، منهم أبو حاتم وأبو عبيد، قال أبو حاتم: لا أعرف لها وجها، إلا أن يكون المعنى يزيدونهم في الغي. وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا كثر شي شيئا بنفسه مده، وإذا كثره «1» بغيره قيل أمده، نحو" يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ «2» مُسَوِّمِينَ". وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتج لقراءة أهل المدينة قال: يقال مددت له في كذا أي زينته له واستدعيته أن يفعله. وأمددته فكذا أي أعنته برأي أو غير ذلك. قال مكي: والاختيار الفتح، لأنه يقال: مددت في الشر، وأمددت في الخير، قال الله تعالى:" وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ «3»". فهذا يدل على قوة الفتح في هذا الحرف، لأنه في الشر، والغي هو الشر، ولأن الجماعة عليه. وقرا عاصم الجحدري" يمادونهم في الغي". وقرا عيسى بن عمر" يقصرون" بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف. الباقون" يقصرون" بضده، وهما لغتان. قال امرؤ القيس:
سما لك شوق بعد ما كان أقصرا

[سورة الأعراف (7): آية 203]
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
قوله تعالى: (وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ) 20 أي تقرؤها عليهم. (قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها) 20 لولا بمعنى هلا، ولا يليها على هذا المعنى إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا. وقد تقدم القول فيها في البقرة مستوفى «4». ومعنى" اجْتَبَيْتَها 20" اختلقتها من نفسك. فأعلمهم أن الآيات من قبل الله
__________
(1). في الأصول: مده. [.....]
(2). راجع ج 4 ص 160.
(3). راجع ج 1 ص 207.
(4). راجع ج 2 ص 91.

وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)

عز وجل، وأنه لا يقرأ عليهم إلا ما أنزل عليه. يقال: اجتبيت الكلام أي ارتجلته واختلقته واخترعته إذا جئت به من عند نفسك. (قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) 20 أي من عند الله لا من عند نفسي. (هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) 20 يعني القرآن، جمع بصيرة، هي الدلالة والعبرة. أي هذا الذي دللتكم به على أن وجل واحد. بصائر، أي يستبصر بها. وقال الزجاج:" بَصائِرُ 10" أي طرق. والبصائر طرق الدين. قال الجعفي:
راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وأى «1»
" وَهُدىً" رشد وبيان." وَرَحْمَةٌ" أي ونعمة.

[سورة الأعراف (7): آية 204]
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)
فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى: (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) 20 قيل: إن هذا نزل في الصلاة، روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر والزهري وعبيد الله بن عمير وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب. قال سعيد: كان المشركون يأتون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض بمكة:" لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ «2»". فأنزل الله جل وعز جوابا لهم" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا 20". وقيل: إنها نزلت في الخطبة، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وزيد بن أسلم والقاسم بن مخيمرة ومسلم بن يسار وشهر بن حوشب وعبد الله بن المبارك. وهذا ضعيف، لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها، قاله ابن العربي. النقاش: والآية مكية، ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة. وذكر الطبري عن سعيد بن جبير أيضا أن هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام فهو عام. وهو الصحيح
__________
(1). راجع ص 57 من هذا الجزء.
(2). راجع ج 15 ص 355.

لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات. قال النقاش: أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة. النحاس: وفي اللغة يجب أن يكون في كل شي، إلا أن يدل دليل على اختصاص شي. وقال الزجاج: يجوز أن يكون" فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا 20" اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه. والإنصات: السكوت للاستماع والإصغاء والمراعاة. انصت ينصت إنصاتا، ونصت أيضا، قال الشاعر:
قال الإمام عليكم أمر سيدكم ... فلم نخالف وأنصتنا كما قالا
ويقال: أنصتوه وأنصتوا له، قال الشاعر:
إذا قالت حذام فأنصتوها ... فإن القول ما قالت حذام
وقال بعضهم في قوله" فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا 20": كان هذا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصا ليعيه عنه أصحابه. قلت: هذا فيه بعد، والصحيح القول بالعموم، لقوله:" لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" والتخصيص يحتاج إلى دليل. وقال عبد الجبار بن أحمد في فوائد القرآن له: إن المشركين كانوا يكثرون اللغط والشغب تفنتا وعنادا، على ما حكاه الله عنهم:" وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ". فأمر الله المسلمين حالة أداء الوحي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة وأن يستمعوا، ومدح الجن على ذلك فقال:" وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ «1»" الآية. وقال محمد بن كعب القرظي: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه، إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا مثل قوله، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة. فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث، فنزل:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 20" فأنصتوا. وهذا يدل على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة في هذه الآية: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم، كم بقي، فأنزل الله تعالى:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا 20".
__________
(1). راجع ج 16 ص 210.

وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)

وعن مجاهد هذا أيضا: كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم، فنزل قوله تعالى:" لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ". وقد مضى في الفاتحة الاختلاف في قراءة المأموم خلف الإمام. ويأتي في" الجمعة «1»" حكم الخطبة، إن شاء الله تعالى.

[سورة الأعراف (7): آية 205]
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205)
قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً) 20 نظيره" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً «2»" وقد تقدم. قال أبو جعفر النحاس: ولم يختلف في معنى" وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ 20" أنه في الدعاء. قلت: قد روي عن ابن عباس أنه يعني بالذكر القراءة في الصلاة. وقيل: المعنى اقرأ القرآن بتأمل وتدبر." تَضَرُّعاً" مصدر، وقد يكون في موضع الحال." وَخِيفَةً" معطوف عليه. وجمع خيفة خوف، لأنه بمعنى الخوف، ذكره النحاس. واصل خيفة خوفة، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. خاف الرجل يخاف خوفا وخيفة ومخافة، فهو خائف، وقوم خوف على الأصل، وخيف على اللفظ. وحكى الفراء أنه يقال أيضا في جمع خيفة خيف. قال الجوهري: والجيفة الخوف، والجمع خيف، وأصله الواو. (وَدُونَ الْجَهْرِ) 20 أي دون الرفع في القول. أي أسمع نفسك، كما قال:" وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «3» 110" أي بين الجهر والمخافتة. ودل هذا على أن رفع الصوت بالذكر ممنوع. على ما تقدم في غير موضع. (بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) 20 قال قتادة وابن زيد: الآصال العشيات. والغدو جمع غدوة. وقرا أبو مجلز" بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ 20" وهو مصدر آصلنا، أي دخلنا في العشي. والآصال جمع أصل، مثل طنب وأطناب، فهو جمع الجمع، والواحد أصيل، جميع على أصل، عن الزجاج.
__________
(1). راجع ج 18 ص 97 فما بعد.
(2). راجع ص 223 من هذا الجزء.
(3). راجع ج 10 ص 342 فما بعد.

إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)

الأخفش: الآصال جمع أصيل، مثل يمين وأيمان. الفراء: أصل جمع أصيل، وقد يكون أصل واحدا، كما قال الشاعر:
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل

الجوهري: الأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أصل وآصال وأصائل، كأنه جمع أصيلة، قال الشاعر:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
ويجمع أيضا على أصلان، مثل بعير وبعران، ثم صغروا الجمع فقالوا أصيلان، ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال، ومنه قول النابغة:
وقفت فيها أصيلالا أسائلها ... عيّت جوابا وما بالربع من أحد
وحكى اللحياني: لقيته أصيلالا. (ولا تكن من الغافلين) أي عن الذكر.

[سورة الأعراف (7): آية 206]
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) 20 يعني الملائكة بإجماع. وقال:" عِنْدَ رَبِّكَ 20" والله تعالى بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته، وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده، عن الزجاج. وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله. وقيل: لأنهم رسل الله، كما يقال: عند الخليفة جيش كثير. وقيل: هذا على جهة التشريف لهم، وأنهم بالمكان المكرم، فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة." وَيُسَبِّحُونَهُ 20" أي ويعظمونه وينزهونه عن كل سوء." وَلَهُ يَسْجُدُونَ 20" قيل: يصلون. وقيل: يذلون، خلاف أهل المعاصي.

الثانية: والجمهور من العلماء في أن هذا موضع سجود للقارئ. وقد اختلفوا في عدد سجود القرآن، فأقصى ما قيل: خمس عشرة. أولها خاتمة الأعراف، وآخرها خاتمة العلق. وهو قول ابن حبيب وابن وهب- في رواية- وإسحاق. ومن العلماء من زاد سجدة الحجر قوله تعالى:" وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ" على ما يأتي «1» بيانه إن شاء الله تعالى. فعلى هذا تكون ست عشرة. وقيل: أربع عشرة، قاله ابن وهب في الرواية الأخرى عنه. فأسقط ثانية الحج. وهو قول أصحاب الرأي والصحيح سقوطها، لأن الحديث لم يصح بثبوتها. ورواه ابن ماجة وأبو داود في سننهما عن عبد الله بن منين من بني عبد كلال عن عمرو بن العاص أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان. وعبد الله بن منين لا يحتج به، قاله أبو محمد عبد الحق. وذكر أبو داود أيضا من حديث عقبة بن عامر قال قلت: يا رسول الله، أفي سورة الحج سجدتان؟. قال:" نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما". في إسناده عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف جدا. وأثبتهما الشافعي وأسقط سجدة ص. وقيل: إحدى عشرة سجدة، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل. وهو مشهور مذهب مالك. وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهم. وفي سنن ابن ماجة عن أبي الدرداء قال: سجدت مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شي، الأعراف والرعد والنحل وبنى إسرائيل ومريم والحج سجدة والفرقان وسليمان سورة النمل والسجدة وص وسجدة الحواميم. وقيل: عشر، وأسقط آخرة الحج وص وثلاث المفصل، ذكر عن ابن عباس. وقيل: إنها أربع، سجدة آلم تنزيل وحم تنزيل والنجم والعلق. وسبب الخلاف اختلاف النقل في الأحاديث والعمل، واختلافهم في الأم المجرد بالسجود في القرآن، هل المراد به سجود التلاوة أو سجود الفرض في الصلاة؟ الثالثة- واختلفوا في وجوب سجود التلاوة، فقال مالك والشافعي: ليس بواجب. وقال أبو حنيفة: هو واجب. وتعلق بأن مطلق الأمر بالسجود على الوجوب، وبقوله عليه السلام:" إذا قرأ ابن آدم سجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله". وفي رواية
__________
(1). راجع ج 10 ص 63.

أبي كريب" يا ويلي"، وبقوله عليه السلام إخبارا عن إبليس لعنه الله:" أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" أخرجه مسلم. ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحافظ عليه. وعول علماؤنا على حديث عمر الثابت- خرجه البخاري- أنه قرأ آية سجدة على المنبر (فنزل «1») فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود، فقال:" أيها الناس على رسلكم! إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء". وذلك بمحضر الصحابة (رضي الله عنهم أجمعين «2») من الأنصار والمهاجرين. فلم ينكر عليه أحد فثبت الإجماع به في ذلك. وأما قول:" أمر ابن آدم بالسجود" فإخبار عن السجود الواجب. ومواظبة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدل على الاستحباب! والله أعلم. الرابعة- ولا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس ونية واستقبال قبلة ووقت. إلا ما ذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير طهارة. وذكره ابن المنذر عن الشعبي. وعلى قول الجمهور هل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده وتكبير وتسليم؟ اختلفوا في ذلك، فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع للتكبير لها. وقد روي في الأثر عن ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا سجد كبر، وكذلك إذا رفع كبر. ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة. واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة، وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء، ولا سلام لها عند الجمهور. وذهب جماعة من السلف وإسحاق إلى أنه يسلم منها. وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام. وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب. والأول أولى، لقوله عليه السلام:" مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" وهذه عبادة لها تكبير، فكان لها تحليل كصلاة الجنازة بل أولى، لأنها فعل وصلاة الجنازة قول. وهذا اختيار ابن العربي. الخامسة- وأما وقته فقيل: يسجد في سائر الأوقات مطلقا، لأنها صلاة لسبب. وهو قول الشافعي وجماعة. وقيل: ما لم يسفر الصبح، أو ما لم تصفر الشمس بعد العصر «3».
__________
(1). من ابن عربي.
(2). من ك.
(3). من ك وع وفى هـ: بعد الصبح. وهو خطأ ناسخ.

وقيل: لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر. وقيل: يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر. وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا. وسبب الخلاف معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح. واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين، والله أعلم. السادسة- فإذا سجد يقول في سجوده: اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا. رواه ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذكره ابن ماجة. السابعة- فإن قرأها في صلاة، فإن كان في نافلة سجد إن كان منفردا أو في جماعة وأمن التخليط فيها. وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها فالمنصوص جوازه. وقيل: لا يسجد. وأما في الفريضة فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها، سواء كانت صلاة سر أو جهر، جماعة أو فرادى. وهو معلل بكونها زيادة في أعداد سجود الفريضة. وقيل: معلل بخوف التخليط على الجماعة، وهذا أشبه. وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط. الثامنة- روى البخاري عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ" إذا السماء انشقت" فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. انفرد بإخراجه. وفية:" وقيل لعمران بن حصين: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها؟ قال: أرأيت لو قعد لها! كأنه لا يوجبه عليه. وقال سلمان: ما لهذا غدونا «1». وقال عثمان «2»: إنما السجدة على من استمعها. وقال الزهري: لا يسجد إلا أن يكون طاهرا، فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة، فإن كنت راكبا فلا عليك، حيث كان وجهك. وكان السائب لا يسجد لسجود القاص «3»" والله أعلم.
__________ (1). في ك وهـ: عدونا. [.....]
(2). في ك:" عمر"
(3). القاص (بتشديد الصاد المهملة): الذي يقرأ القصص والأخبار والمواعظ، لكونه ليس قاصدا لتلاوة القرآن. وفي ع: القصاص.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)

تفسير سورة الأنفال
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنفال مدنية بدرية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء. وقال ابن عباس: هي مدنية إلا سبع آيات، من قوله تعالى:" وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا «1» 30" إلى آخر السبع آيات.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الأنفال (8): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)
فيه ست مسائل: الأولى- روى عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بدر فلقوا العدو، فلما هزمهم الله اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واستولت طائفة على العسكر والنهب، فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل، نحن الذين طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أنتم أحق به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لئلا ينال العدو منه غرة. وقال الذين استلووا على العسكر والنهب: ما أنتم بأحق منا، هو لنا، نحن حويناه واستولينا عليه، فأنزل الله عز وجل: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). فقسمه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن فواق بينهم. قال أبو عمر: قال أهل العلم بلسان العرب: استلووا أطافوا وأحاطوا، يقال: الموت مستلو على العباد. وقوله:" فقسمه عن فواق" يعني عن سرعة. قالوا: والفواق ما بين حلبتي الناقة. يقال: انتظره فواق ناقة، أي هذا
__________
(1). راجع ص 395. من هذا الجزء.

المقدار. ويقولونها بالضم والفتح: فواق وفواق. وكان هذا قبل أن ينزل:" وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ" الآية. وكان المعنى عند العلماء: أي إلى الله وإلى الرسول الحكم فيها والعمل بها بما يقرب من الله تعالى. وذكر محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الأشدق عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول، فقسمه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بواء. يقول: على السواء. فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين وروي في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال: اغتنم أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقلت: نفلني هذا السيف، فأنا من قد علمت حاله. قال:" رده من حيث أخذته" فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض «1» لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه. قال: فشد لي صوته (رده من حيث أخذته) فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، قال: فشد لي صوته" رده من حيث أخذته" فأنزل الله" يسألونك عن الأنفال". لفظ مسلم. والروايات كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية. الثانية: الأنفال واحدها نفل بتحريك الفاء، قال «2»:
إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل
أي خير غنيمة. والنفل: اليمين، ومنه الحديث" فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم". والنفل الانتفاء، ومنه الحديث" فانتفل من ولدها". والنفل: نبت معروف. والنفل: الزيادة على الواجب، وهو التطوع. وولد الولد نافلة، لأنه زيادة على الولد. والغنيمة نافلة، لأنها
__________
(1). القبض بالتحريك بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم.
(2). القائل هو ليد، كما اللسان (مادة النقل).

زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فضلت على الأنبياء بست- وفيها- وأحلت لي الغنائم". والأنفال: الغنائم أنفسها. قال عنترة:
إنا إذا احمر الوغى نروي القنا

ونعف عند مقاسم الأنفال أي الغنائم. الثالثة- واختلف العلماء في محل الأنفال على أربعة أقوال: الأول- محلها فيما شد عن الكافرين إلى المسلمين أو أخذ بغير حرب. الثاني- محلها الخمس. الثالث- خمس الخمس. الرابع- رأس الغنيمة، حسب ما يراه الإمام. ومذهب مالك رحمه الله أن الأنفال مواهب الإمام من الخمس، على ما يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة الأخماس نفل، وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معينون وهم الموجفون «1»، والخمس مردود قسمه إلى اجتهاد الإمام. واهلة غير معينين. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم". فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد، وإنما يكون من حق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو الخمس. هذا هو المعروف من مذهبه وقد روي عنه أن ذلك من خمس الخمس. وهو قول ابن المسيب والشافعي وأبي حنيفة. وسبب الخلاف حديث ابن عمر، رواه مالك قال: بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سرية قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا. هكذا رواه مالك على الشك في رواية يحيى عنه، وتابعه على ذلك جماعة رواة الموطأ إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فقال فيه: فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا ولم يشك. وذكر الوليد بن مسلم والحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر قال: بعثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جيش قبل نجد- في رواية الوليد: أربعة آلاف- وانبعثت سرية من الجيش- في رواية الوليد: فكنت ممن خرج فيها- فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا، اثني عشر بعيرا، ونقل أهل السرية بعيرا بعيرا، فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا، ذكره أبو داود. فاحتج بهذا من
__________
(1). الموجفون: المحصلون بخيل وركاب. والإيجاف: سرعة السير.

يقول: إن النفل إنما يكون من جملة الخمس. وبيانه أن هذه السرية لو نزلت على أن أهلها كانوا عشرة مثلا أصابوا في غنيمتهم مائة وخمسين، أخرج منها خمسها ثلاثين وصار لهم مائة وعشرون، قسمت على عشرة وجب لكل واحد اثنا عشر بعيرا، اثنا عشر بعيرا، ثم أعطي القوم من الخمس بعيرا بعيرا، لأن خمس الثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة. فإذا عرفت ما للعشرة عرفت ما للمائة والألف وأزيد. واحتج من قال: إن ذلك كان من خمس الخمس بأن قال: جائز أن يكون هناك ثياب تباع ومتاع غير الإبل، فأعط من لم يبلغه البعير قيمة البعير من تلك العروض. ومما يعضد هذا ما روى مسلم في بعض طرق هذا الحديث: فأصبنا إبلا وغنما، الحديث. وذكر محمد بن إسحاق في هذا الحديث أن الأمير نفلهم قبل القسم، وهذا يوجب أن يكون النفل من رأس الغنيمة، وهو خلاف قول مالك. وقول من روى خلافه أولى لأنهم حفاظ، قاله أبو عمر رحمه الله. وقال مكحول والأوزاعي: لا ينفل بأكثر من الثلث، وهو قول الجمهور من العلماء. قال الأوزاعي: فإن زادهم فليف لهم ويجعل ذلك من الخمس. وقال الشافعي: ليس في النفل حد لا يتجاوزه الإمام. الرابعة- ودل حديث ابن عمر على ما ذكره الوليد والحكم عن شعيب عن نافع أن السرية إذا خرجت من العسكر فغنمت أن العسكر شركاؤهم. وهذه مسألة وحكم لم يذكره في الحديث غير شعيب عن نافع، ولم يختلف العلماء فيه، والحمد لله. الخامسة- واختلف العلماء في الإمام يقول قبل القتال: من هدم كذا من الحصن فله كذا، ومن بلغ إلى موضع كذا فله كذا، ومن جاء برأس فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا، يضريهم «1». فروي عن مالك أنه كرهه. وقال: هو قتال على الدنيا. وكان لا يجيزه. قال الثوري: ذلك جائز ولا بأس به. قلت: وقد جاء هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا". الحديث بطوله.
__________
(1). التضرية: الإغراء.

وفي رواية عكرمة عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من فعل كذا وكذا وأتى مكان كذا وكذا فله كذا". فتسارع الشبان وثبت الشيوخ مع الرايات، فلما فتح لهم جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به دوننا، فقد كنا ردءا لكم، فأنزل الله تعالى:" وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ" ذكره إسماعيل بن إسحاق أيضا. وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن عبد الله البجلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشام: هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وسبي؟. وقال بهذا جماعة فقهاء الشام: الأوزاعي ومكحول وابن حيوة وغيرهم. ورأوا الخمس من جملة الغنيمة، والنفل بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر، وبه قال إسحاق وأحمد وأبو عبيد. قال أبو عبيد: والناس اليوم على أن لا نفل من جهة الغنيمة حتى تخمس. وقال مالك: لا يجوز أن يقول الإمام لسرية: ما أخذتم فلكم ثلثه. قال سحنون: يريد ابتداء. فإن نزل «1» مضى، ولهم أنصباؤهم في الباقي. وقال سحنون: إذا قال الإمام لسرية ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه، فهذا لا يجوز، فإن نزل «2» رددته، لأن هذا حكم شاذ لا يجوز ولا يمضى. السادسة- واستحب مالك رحمه الله ألا ينفل الإمام إلا ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف. ومنع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهبا أو فضة أو لؤلؤا ونحوه. وقال بعضهم: النفل جائز من كل شي. وهو الصحيح لقول عمر ومقتضى الآية، والله أعلم. السابعة- قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) أمر بالتقوى والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللهم أصلح ذات البين، أي الحال التي يقع بها الاجتماع. فدل هذا على التصريح بأنه شجر بينهم اختلاف، أو مالت النفوس إلى التشاح، كما هو منصوص في الحديث. وتقدم معنى التقوى «3»، أي اتقوا الله في أقوالكم، وأفعالكم، وأصلحوا ذات بينكم. (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) في الغنائم ونحوها. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي إن سبيل المؤمن أن يمتثل ما ذكرنا. وقيل:" إن" بمعنى" إذ".
__________
(1). في ز وك: ترك.
(2). في ز وك: ترك.
(3). راجع ج 1 ص 161.

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)

[سورة الأنفال (8): الآيات 2 الى 4]
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (. فيه ثلاث مسائل: الأولى- قال العلماء: هذ الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة. والوجل: الخوف. وفي مستقبله أربع لغات: وجل يوجل ويأجل وييجل وييجل، حكاه سيبويه. والمصدر وجل جلا ومؤجلا، بالفتح. وهذا مؤجلة (بالكسر) للموضع والاسم. فمن قال: يأجل في المستقبل جعل الواو ألفا لفتحه ما قبلها. ولغة القرآن الواو" قالُوا لا تَوْجَلْ «1»" ومن قال:" ييجل" بكسر الياء فهي على لغة بني أسد، فإنهم يقولون: أنا إيجل، ونحن نيجل، وأنت تيجل، كلها بالكسر. ومن قال:" ييجل" بناه على هذه اللغة، ولكنه فتح الياء كما فتحوها في يعلم، ولم تكسر الياء في يعلم لاستثقالهم الكسر على الياء. وكسرت في" ييجل" لتقوي إحدى الياءين بالأخرى. والأمر منه" ايجل" صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وتقول: إني منه لأوجل. ولا يقال في المؤنث: وجلاء: ولكن وجلة. وروى سفيان عن السدي في قوله جل وعز:" الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ" قال: إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له: اتق الله، ووجل قلبه. الثانية- وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره. وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه. ونظير هذه الآية" وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ. الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ «2»". وقال" وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ «3» اللَّهِ". فهذا يرجع إلى كمال
__________
(1). راجع ج 10 ص 34.
(2). راجع ج 12 ص 58 فما بعد.
(3). راجع ج 9 ص 314 فما بعد.

المعرفة وثقه القلب. والوجل: الفزع من عذاب الله، فلا تناقض. وقد جمع الله بين المعنيين في قوله" اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ «1»". أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله. فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام «2» من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير. فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله. ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال:" وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ «3»". فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم. ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم، فمن كان مستنا فليستن، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا، والجنون فنون. روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أحفوه «4» في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال:" سلوني لا تسألوني عن شي إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا". فلما سمع ذلك القوم ارموا «5» ورهبوا أن يكون بين (يدي) «6» أمر قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لأف رأسه في ثوبه يبكي. وذكر الحديث. وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا «7» ولا قمنا.
__________
(1). راجع ج 15 ص 248. [.....]
(2). الطغام والطغامة: أرذال الناس وأوغادهم.
(3). راجع ج 6 ص 258.
(4). أي أكثروا عليه. أحفى في السؤال وألحف بمعنى ألح.
(5). أرحم الرجل إرماما: إذا سكت فهو مرم.
(6). زيادة عن صحيح مسلم.
(7). زفن" من باب ضرب": رقص، وأصله الدفع الشديد والضرب بالرجل: كما يفعل الراقص.

كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)

الثالثة- قوله تعالى: (وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً) أي تصديقا. فإن إيمان هذه الساعة زيادة على إيمان أمس، فمن صدق ثانيا وثالثا فهو زيادة تصديق بالنسبة إلى ما تقدم. وقيل: هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة، وقد مضى هذا المعنى" في آل عمران «1»". (وعلى ربهم يتوكلون) تقدم معنى التوكل في" آل عمران «2»" أيضا. (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) تقدم في أول سورة" البقرة «3»". (أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) أي الذي استوى في الإيمان ظاهرهم وباطنهم. ودل هذا على أن لكل حق حقيقة، وقد قال عليه السلام لحارثة:" إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك"؟ الحديث. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، أمؤمن أنت؟ فقال له: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا به مؤمن. وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى:" إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ"- إلى قوله-" أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا" فوالله ما أدري أنا منهم أم لا. وقال أبو بكر الواسطي: من قال أنا مؤمن بالله حقا، قيل له: الحقيقة تشير إلى إشراف واطلاع وإحاطة، فمن فقده بطل دعواه فيها. يريد بذلك ما قاله أهل السنة: إن المؤمن الحقيقي من كان محكوما له بالجنة، فمن لم يعلم ذلك من سر حكمته تعالى فدعواه بأنه مؤمن حقا غير صحيح.

[سورة الأنفال (8): آية 5]
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5)
قوله تعالى: (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. أي مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق. والمعنى: امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا، لأن بعض
__________
(1). راجع ج 4 ص 280 و189.
(2). راجع ج 4 ص 280 و189.
(3). راجع ج 1 ص 164.

يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)

الصحابة قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جعل لكل من أتى بأسير شيئا قال: يبقى أكثر الناس بغير شي. فموضع الكاف في" كما" نصب كما ذكرنا. وقال الفراء أيضا. قال أبو عبيدة: هو قسم، أي والذي أخرجك، فالكاف بمعنى الواو، وما بمعنى الذي. وقال سعيد بن مسعدة: المعنى أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. قال وقال بعض العلماء" كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ" فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. وقال عكرمة: المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك. وقيل:" كَما أَخْرَجَكَ" متعلق بقوله" لَهُمْ دَرَجاتٌ" المعنى: لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم. أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له، فأنجزك وعدك. وأظفرك بعدوك وأوفى لك، لأنه قال عز وجل:" وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ". فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا ينجزكم ما وعدكم به في الآخرة. وهذا قول حسن ذكره النحاس واختاره. وقيل: الكاف في" كَما" كاف التشبيه، ومخرجه على سبيل، المجازاة، كقول القائل لعبده: كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقويتك وأزحت علتك، فخذهم الآن فعاقبهم بكذا. وكما كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكذا. وكما أحسنت إليك فاشكرني عليه. فقال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغشاكم النعاس أمنة منه- يعني به إياه ومن معه- وأنزل من السماء ماء ليطهركم به، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين، فاضربوا فوق الأعناق وأضربوا منهم كل بنان. كأنه يقول: قد أزحت عللكم، وأمددتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع، وهو المقتل، لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. والله أعلم. (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ) أي لكارهون ترك مكة وترك أموالهم وديارهم.

[سورة الأنفال (8): آية 6]
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)

وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)

قوله تعالى: (يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ) مجادلتهم: قولهم لما ندبهم إلى العير وفات العير وأمرهم بالقتال ولم يكن معهم كبير أهبة شق ذلك عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة. ومعنى" فِي الْحَقِّ" أي في القتال." بَعْدَ ما تَبَيَّنَ 10" لهم أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله. وقيل: بعد ما تبين لهم أن الله وعدهم إما الظفر بالعير أو بأهل مكة، وإذ فات العير فلا بد من أهل مكة والظفر بهم. فمعنى الكلام الإنكار لمجادلتهم. (كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ) كراهة للقاء القوم. (وَهُمْ يَنْظُرُونَ) أي يعلمون أن ذلك واقع بهم، قال الله تعالى:"وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ
«1»" أي يعلم.

[سورة الأنفال (8): الآيات 7 الى 8]
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)
قوله تعالى: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ)" إِحْدَى" في موضع نصب مفعول ثان." أَنَّها لَكُمْ" في موضع نصب أيضا بدلا من" إِحْدَى". وتودون أي تحبون (أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحد. والشوكة: السلاح. والشوك: النبت الذي له حد، ومنه رجل شائك السلاح، أي حديد السلاح. ثم يقلب فيقال: شاكي السلاح. أي تودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ولا فيها حرب، عن الزجاج. (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ) أي أن يظهر الإسلام. والحق حق أبدا، ولكن إظهاره تحقيق له من حيث إنه إذا لم يظهر أشبه الباطل." بِكَلِماتِهِ" أي بوعده، فإنه وعد نبيه ذلك في سورة" الدخان" فقال:" يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ «2»" أي من أبي جهل وأصحابه. وقال:" لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ «3»". وقيل:" بِكَلِماتِهِ" أي
__________
(1). راجع ج 19 ص 183.
(2). راجع ج 16 ص 133.
(3). راجع ج 8 ص 121. فما بعده.

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)

بأمره، إياكم أن تجاهدوهم. (وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ) أي يستأصلهم بالهلاك. (لِيُحِقَّ الْحَقَّ) أي يظهر دين الإسلام «1» ويعزه. (وَيُبْطِلَ الْباطِلَ) أي الكفر. وإبطاله إعدامه، كما أن إحقاق الحق إظهاره" بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ «2» زاهِقٌ". (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).

[سورة الأنفال (8): الآيات 9 الى 10]
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)
قول تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) الاستغاثة: طلب الغوث والنصر. غوث الرجل قال: وا غوثاه. والاسم الغوث والغواث والغواث. واستغاثني فلان فأغثته، والاسم الغياث «3»، عن الجوهري. وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة «4» عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم ائتني ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض (. فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى:" إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ" فأمده الله بالملائكة. وذكر الحديث. (مردفين) بفتح الدال قراءة نافع. والباقون بالكسر اسم فاعل، أي متتابعين، تأتي فرقة بعد فرقة، وذلك أهيب في العيون. و" مردفين" بفتح الدال على ما لم يسم فاعله، لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة، أي أنزلوا إليهم لمعونتهم على
__________
(1). في ج: دين الله.
(2). راجع ج 11 ص 277. [.....]
(3). صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها.
(4). الذي في صحيح مسلم:" ... تسعة عشر ..". والمشهور: ثلاثمائة وثلاثة عشر كما يأتي.

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)

الكفار. فمردفين بفتح الدال نعت لألف. وقيل: هو حال من الضمير المنصوب في" مُمِدُّكُمْ". أي ممدكم في حال إردافكم بألف من الملائكة، وهذا مذهب مجاهد. وحكى أبو عبيدة أن ردفني وأردفني واحد. وأنكر أبو عبيد أن يكون أردف بمعنى ردف، قال لقول الله عز وجل:" تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ «1»" ولم يقل المردفة. قال النحاس ومكي وغيرهما: وقراءة كسر الدال أولى، لأن أهل التأويل على هذه القراءة يفسرون. أي أردف بعضهم بعضا، ولأن فيها معنى الفتح على ما حكى أبو عبيدة، ولأن عليه أكثر القراء. قال سيبويه: وقرا بعضهم" مردفين" بفتح الراء وشد الدال. وبعضهم" مردفين" بكسر الراء. وبعضهم" مردفين" بضم الراء. والدال مكسورة مشددة في القراءات الثلاث. فالقراءة الأولى تقديرها عند سيبويه مرتدفين، ثم أدغم التاء في الدال، وألقى حركتها على الراء لئلا يلتقي ساكنان. والثانية كسرت فيها الراء لالتقاء الساكنين. وضمت الراء في الثالثة اتباعا لضمة الميم، كما تقول: (رد ورد «2» ورد) يا هذا. وقرا جعفر بن محمد وعاصم الجحدري:" بآلف" جمع ألف، مثل فلس وأفلس. وعنهما أيضا" بألف". وقد مضى في" آل عمران" ذكر نزول الملائكة وسيماهم وقتالهم. وتقدم فيها القول في معنى قوله:" وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى «3»". والمراد الإمداد. ويجوز أن يكون الإرداف. (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) نبه على أن النصر من عنده جل وعز لا من الملائكة، أي لولا نصره لما انتفع بكثرة العدد بالملائكة. والنصر من عند الله يكون بالسيف ويكون بالحجة.

[سورة الأنفال (8): آية 11]
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11)
قوله تعالى: (إِذْ «4» يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ) مفعولان. وهي قراءة أهل المدينة، وهي حسنة لإضافة الفعل إلى الله عز وجل لتقدم ذكره في قوله:" وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ".
__________
(1). راجع ج 19 ص 193.
(2). من ك، هـ، ج.
(3). راجع ج 4 ص 190 وص 198.
(4). هي قراءة نافع.

ولأن بعده" وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ" فأضاف الفعل إلى الله عز وجل. فكذلك الإغشاء يضاف إلى الله عز وجل ليتشاكل الكلام. وقرا ابن كثير وأبو عمرو" يغشاكم النعاس" بإضافة الفعل إلى النعاس. دليله" أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى «1»" في قراءة من قرأ بالياء أو بالتاء، فأضاف الفعل إلى النعاس أو إلى الأمنة. والأمنة هي النعاس، فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى القوم. وقرا الباقون" يغشيكم" بفتح الغين وشد الشين." النعاس" بالنصب على معنى قراءة نافع، لغتان بمعنى غشى وأغشى، قال الله تعالى:" فَأَغْشَيْناهُمْ «2»". وقال:" فَغَشَّاها ما غَشَّى «3»". وقال:" كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ «4» 10: 27". قال مكي: والاختيار ضم الياء والتشديد ونصب النعاس، لأن بعده" أَمَنَةً مِنْهُ" والهاء في" مِنْهُ 60" لله، فهو الذي يغشيهم النعاس، ولأن الأكثر عليه. وقيل: أمنة من العدو و" أَمَنَةً" مفعول من أجله أو مصدر، يقال: أمن أمنة وأمنا وأمانا، كلها سواء. والنعاس حالة الآمن الذي لا يخاف. وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها، فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، ولكن الله ربط جأشهم. وعن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح، ذكره البيهقي «5». الماوردي: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان:- أحدهما: أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني: أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم، كما يقال: الأمن منيم، والخوف مسهر. وقيل: غشاهم في حال التقاء الصفين. وقد مضى مثل هذا في يوم أحد في" آل عمران". قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) ظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر. وقال ابن أبي نجيح: كان المطر قبل النعاس. وحكى الزجاج: أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه، وبقي المؤمنون لا ماء لهم، فوجست «6» نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا
__________
(1). راجع ج 4 ص 241.
(2). راجع ج 15 ص 9.
(3). راجع ج 17 ص 118.
(4). راجع ج 8 ص 332.
(5). في ك، ى: والماوردي.
(6). وجست: وقع في نفوسهم الفزع.

كذلك، فقال بعضهم في نفوسهم بإلقاء الشيطان إليهم: نزعم أنا أولياء الله وفينا رسول وحالنا هذه والمشركون على الماء. فأنزل الله المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية، فشربوا وتطهروا وسقوا الظهر «1» وتلبدت السبخة «2» التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام المسلمين وقت القتال. وقد قيل: إن هذ الأحوال كانت قبل وصولهم إلى بدر، وهو أصح، وهو الذي ذكره ابن إسحاق في سيرته وغيره. وهذا اختصاره: قال ابن عباس لما أخبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأبي سفيان أنه مقبل من الشام ندب المسلمين إليهم وقال:" هذه عير قريش فيها الأموال فأخرجوا إليهم لعل الله أن ينفلكموها" قال: فانبعث معه من خف، وثقل قوم وكرهوا الخروج، وأسرع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «3» لا يلوي على من تعذر، ولا ينتظر من غاب ظهره، فسار في ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه من مهاجري وأنصاري. وفي البخاري عن البراء بن عازب قال: كان المهاجرون يوم بدر نيفا وثمانين، وكان الأنصار نيفا وأربعين ومائتين. وخرج أيضا عنه قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، على عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوز معه إلا مؤمن. وذكر البيهقي عن أبي أيوب الأنصاري قال: فخرجنا- يعنى إلى بدر- فلما سرنا يوما أو يومين أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نتعاد، ففعلنا فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فأخبرنا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدتنا، فسر بذلك وحمد الله وقال:" عدة أصحاب طالوت". قال ابن إسحاق: وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يلقى حربا فلم يكثر استعدادهم. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد استنفر لكم الناس، فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا
__________
(1). الظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب.
(2). السبخة (محركة): أرض ذات ملح ونز. والمراد بها هنا الأرض التي تسوخ فيها الأرجل. [.....]
(3). لا يلوى: لا يقف ولا ينظر.

يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد عرض لها في أصحابه، ففعل ضمضم. فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، وخرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، وقام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل" فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ" ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد- يعني مدينة الحبشة- لجالدنا معك من دونه «1»، فسر بذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعا له بخير. ثم قال:" أشيروا علي أيها الناس" يريد الأنصار. وذلك أنهم عدد الناس، وكانوا حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذممنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتخوف ألا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا بالمدينة، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو بغير بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلمه سعد بن معاذ- وقيل سعد بن عبادة، ويمكن أنهما تكلما جميعا في ذلك اليوم- فقال: يا رسول الله، كأنك تريدنا معشر الأنصار؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أجل) فقال: إنا قد آمنا بك واتبعناك، فامض لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم". فمضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسبق قريشا إلى ماء بدر. ومنع قريشا من السبق إليه مطر عظيم أنزله الله عليهم، ولم يصب منه المسلمين إلا ما شد لهم دهس الوادي وأعانهم على المسير. والدهس: الرمل اللين الذي تسوخ فيه الأرجل. فنزل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فأشار عليه الحباب
__________
(1). في ج: من دونها.

ابن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك وقال له: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال عليه السلام:" بل هو الرأي والحرب والمكيدة". فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونعور «1» ما وراءه من القلب «2»، ثم نبني عليه حوضا فنملأه فنشرب ولا يشربون. فاستحسن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك من رأيه، وفعله. ثم التقوا فنصر الله نبيه والمسلمين، فقتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين، وانتقم منهم للمؤمنين، وشفى الله صدر رسوله عليه السلام وصدور أصحابه من غيظهم. وفي ذلك يقول حسان:
عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحي في الورق القشيب «3»
تداولها الرياح وكل جون ... من الوسمي منهمر سكوب «4»
فأمسى ربعها خلقا وأمست ... يبابا «5» بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم ... ورد حرارة الصدر الكئيب «6»
وخبر بالذي لا عيب فيه ... بصدق غير إخبار الكذوب
بما صنع الإله غداة بدر ... لنا في المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب
فلاقيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب
أمام محمد قد وازروه ... على الأعداء في لفح الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرب خاظي الكعوب «7»
__________
(1). عور عيون المياه: إذا دفنها وسدها.
(2). القلب: جمع قليب، وهى البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها رب ولا حافر تكون في البراري.
(3). الوحى: الكتابة. والقشيب: الجديد.
(4). الجون: السحاب. والوسمي: المطر الذي يأتي في الربيع.
(5). اليباب: الخراب.
(6). الكئيب: الحزين.
(7). الخاظى: الكثير اللحم، والمراد الضخم العظيم، أو ذو الشرف والمجد.

بنو الأوس الغطارف وازرتها ... بنو النجار في الدين الصليب «1»
فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا بالجبوب «2»

وشيبة قد تركنا في رجال ... ذوي نسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب في القليب «3»
ألم تجدوا كلامي كان حقا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا، ولو نطقوا لقالوا ... أصبت وكنت ذا رأي مصيب
وهنا ثلاث مسائل: الأولى- قال مالك: بلغني أن جبريل عليه السلام قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كيف أهل بدر فيكم)؟ قال:" خيارنا" فقال:" إنهم كذلك فينا". فدل هذا على أن شرف المخلوقات ليس بالذوات، وإنما هو بالأفعال. فللملائكة أفعالها الشريفة من المواظبة على التسبيح الدائم. ولنا أفعالنا بالإخلاص بالطاعة. وتتفاضل الطاعات بتفضيل الشرع لها، وأفضلها الجهاد، وأفضل الجهاد يوم بدر، لأن بناء الإسلام كان عليه. الثانية- ودل خروج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلقى العير على جواز النفير للغنيمة لأنها كسب حلال. وهو يرد ما كره مالك من ذلك، إذ قال: ذلك قتال على الدنيا، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله دون من يقاتل للغنيمة، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين فرغ من بدر: عليك بالعير، ليس دونها شي. فناداه العباس وهو في الأسرى: لا يصلح هذا. فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ولم)؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
__________
(1). الغطارف: جمع الغطريف، وهو السيد الشريف السخي. ولصليب: الشديد المتين.
(2). الجبوب: وجه الأرض.
(3). كباكب: جمع كبكبة وهى الجماعة الكثيرة. والقليب: البئر.

إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)

" صدقت". وعلم ذلك العباس بحديث أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبما كان من شأن بدر، فسمع ذلك في أثناء الحديث. الثالثة- روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك قتلى بدر ثلاثا، ثم قام عليهم فناداهم فقال: (يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا". فسمع عمر قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا رسول الله، كيف يسمعون، وأنى يجيبون وقد جيفوا؟ قال: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا). ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في القليب، قليب بدر." جيفوا" بفتح الجيم والياء، ومعناه أنتنوا فصاروا جيفا. وقول عمر:" يسمعون" استبعاد على ما جرت به (حكم «1») العادة. فأجابه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنهم يسمعون كسمع الأحياء. وفي هذا ما يدل على أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم) الحديث. أخرجه الصحيح. قوله تعالى: (وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) الضمير في" بِهِ" عائد على الماء الذي شد دهس الوادي، كما تقوم. وقيل: هو عائد على ربط القلوب، فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب.

[سورة الأنفال (8): آية 12]
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12)
__________
(1). من ج، ك، هـ.

قوله تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) العامل في" إذ، يثبت" أي يثبت به الأقدام ذلك الوقت. وقيل: العامل" لِيَرْبِطَ" أي وليربط إذ يوحي. وقد يكون التقدير: اذكر" إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ" في موضع نصب، والمعنى: بأني معكم، أي بالنصر والمعونة." مَعَكُمْ" بفتح العين ظرف، ومن أسكنها فهي عنده حرف. (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) أي بشروهم بالنصر أو القتال معهم أو الحضور معهم من غير قتال، فكان الملك يسير أمام الصف في، صورة الرجل ويقول: سيروا فإن الله ناصركم. ويظن المسلمون أنه منهم، وقد تقدم في" آل «1» عمران" أن الملائكة قاتلت ذلك اليوم. فكانوا يرون رءوسا تندر «2» عن الأعناق من غير ضارب يرونه. وسمع بعضهم قائلا يسمع قوله ولا يرى شخصه: أقدم حيزوم «3». وقيل: كان هذا التثبيت ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمؤمنين نزول الملائكة مددا. قوله تعالى: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) تقدم في آل عمران بيانه. (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) هذا أم للملائكة. وقيل: للمؤمنين، أي اضربوا الأعناق، و" فَوْقَ" زائدة، قاله الأخفش والضحاك وعطية. وقد روى المسعودي قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله وإنما بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق). وقال محمد بن يزيد: هذا خطأ، لأن" فَوْقَ" تفيد معنى فلا يجوز زيادتها، ولكن المعنى أنهم أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها. وقال ابن عباس: كل هام وجمجمة. وقيل: أي ما فوق الأعناق، وهو الرؤوس، قال عكرمة. والضرب على الرأس أبلغ، لأن أدنى شي يؤثر في الدماغ. وقد مضى شي من هذا المعنى في" النساء" وأن" فَوْقَ" ليست بزائدة، عند قوله:" فَوْقَ اثْنَتَيْنِ «4»". واضربوا منهم كل بنان قال الزجاج: واحد البنان بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء. والبنان مشتق من
__________
(1). راجع ج 4 ص 190، ص 232. [.....]
(2). ندر: سقط.
(3). حيزوم: ام فرس من خيل الملائكة.
(4). راجع ج 5 ص 63.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)

قولهم: أبن الرجل بالمكان إذا أقام به. فالبنان يعتمل به ما يكون للإقامة والحياة. وقيل: المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين. وهو عبارة عن الثبات في الحرب وموضع الضرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء. قال عنترة:
وكان فتى الهيجاء يحمي ذمارها ... ويضرب عند الكرب كل بنان
ومما جاء أن البنان الأصابع قول عنترة أيضا:
وأن الموت طوع يدي إذا ما ... وصلت بنانها بالهندواني
وهو كثير في أشعار العرب، البنان: الأصابع. قال ابن فارس: البنان الأصابع، ويقال: الأطراف. وذكر بعضهم أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التي بها يستقر الإنسان ويبن «1» وقال الضحاك: البنان كل مفصل.

[سورة الأنفال (8): الآيات 13 الى 14]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (13) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (14)
"لِكَ
" في موضع رفع على الابتداء، والتقدير: ذلك الأمر، أو الأمر ذلك."اقُّوا اللَّهَ
" أي أولياءه. والشقاق: أن يصير كل واحد في شق. وقد تقدم «2». (ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ) قال الزجاج:" ذلِكُمْ" رفع بإضمار الأمر أو القصة، أي الأمر ذلكم فذوقوه. ويجوز أن يكون في موضع نصب ب" ذوقوا 10" كقولك: زيدا فاضربه. ومعنى الكلام التوبيخ للكافرين." وَأَنَّ" في موضع رفع عطف على ذلكم. قال الفراء: ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى وبأن للكافرين. قال: ويجوز أن يضمر واعلموا أن. الزجاج: لو جاز إضمار واعلموا لجاز زيد منطلق
__________
(1). بن بالمكان: أقام.
(2). راجع ج 2 ص 143.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)

وعمرا جالسا، بل كان يجوز في الابتداء زيدا منطلقا، لأن المخبر معلم، وهذا لا يقوله أحد من النحويين.

[سورة الأنفال (8): الآيات 15 الى 16]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)
فيه سبع مسائل: الأولى- قوله تعالى: (زَحْفاً) الزحف الدنو قليلا قليلا. وأصله الاندفاع على الألية، ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا. والتزاحف: التداني والتقارب، يقال: زحف إلى العدو زحفا. وازدحف القوم، أي مشى بعضهم إلى بعض. ومنه زحاف الشعر، وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر. يقول: إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية: والأدبار جمع دبر. والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها بشعة على الفار، ذامه له. الثانية- أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين «1»، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين «2» من المشركين فالفرض ألا يفروا أمامهم. فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف. ومن فر من ثلاثة فليس بفار من الزحف، ولا يتوجه عليه الوعيد. والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة. وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة: إنه يراعى الضعف والقوة والعدة، فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس «3» من مائة فارس إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم. وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا
__________
(1). في ب، ج، هـ، ك: مؤمنة.
(2). في ج، هـ: أمام.
(3). في ج، هـ: أمام.

مما زاد على، المائتين، فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين فيجوز الانهزام، والصبر أحسن. وقد وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام. قلت: ووقع في تاريخ فتح الأندلس، أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، فالتقى وملك الأندلس لذريق وكان في سبعين ألف عنان، فزحف إليه طارق وصبر له فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكا يسأل عن القوم يلقون العدو أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهم يسير، أيقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فأذنوهم. الثانية- واختلف الناس هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟ فروي عن أبي سعيد الخدري أن ذلك مخصوص بيوم بدر، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن أبي حبيب والضحاك، وبه قال أبو حنيفة. وأن ذلك خاص بأهل بدر فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. قال الكيا: وهذا فيه نظر، لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالخروج ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيمن خف معه. ويروى عن ابن عباس وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. احتج الأولون بما ذكرنا، وبقوله تعالى:" يَوْمَئِذٍ" فقالوا: هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف. وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين" ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ «1»" ولم يقع على ذلك تعنيف. وقال الجمهور من العلماء: إنما ذلك إشارة
__________
(1). راجع ج 8 ص 96.

إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى:" إِذا لَقِيتُمُ". وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ. والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات- وفية- والتولي يوم الزحف) وهذا نص في المسألة. وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا. وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف عن الكثرة، على ما يأتي بيانه. الرابعة- قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة من فر من الزحف، ولا يجوز لهم الفرار وإن فر إمامهم، ومن يولهم يومئذ دبره الآية. قال: ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا، فإن بلغ اثني عشر ألفا لم يحل لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف، لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية. قلت: رواه أبو بشر وأبو سلمة العاملي، وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو متروك. قالا: حدثنا الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وغلم قال: (يا أكثم بن الجون اغز مع غير قومك يحسن خلقك وتكرم على رفقائك. يا أكثم بن الجون خير الرفقاء أربعة وخير الطلائع أربعون وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة (. وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه وهو قوله للعمري «1» العابد إذ سأله هل لك سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام وبدلها؟ فقال: إن كان معك اثنا عشر ألفا فلا سعة لك في ذلك.
__________
(1). العمرى (بضم العين وفتح الميم) وهو عبد الله بن عمر العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، كان من أزهد أهل زمانه. مات سنة 184 هـ (عن أنساب السمعاني).

الخامسة- فإن فر فليستغفر الله عز وجل. روى الترمذي عن بلال بن يسار بن زيد قال: حدثني أبي عن جدي سمع النبي صلى الله عيلة وسلم يقول:" من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له وإن كان قد فر من الزحف". قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. السادسة- قوله تعالى: (إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ) التحرف: الزوال عن جهة الاستواء. فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير منهزم، وكذلك المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضا. روى أبو داود عن عبد الله بن عمر أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: فحاص «1» الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، قال: فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبونا بالغضب. فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد. قال: فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا. قال: فجلسنا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا، نحن الفرارون، فأقبل إلينا فقال:" لا بل أنتم العكارون" قال: فدنونا فقبلنا يده. فقال: (أنا فئة المسلمين). قال ثعلب: العكارون هم العطافون. وقال غيره: يقال للرجل الذي يولي عند الحرب ثم يكر راجعا: عكر واعتكر. وروى جرير عن منصور عن إبراهيم قال: انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، هلكت! فررت من الزحف. فقال عمر: أنا فئتك. وقال محمد بن سيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إلي لكنت له فئة، فأنا فئة كل مسلم. وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة، لأن الفئة هنا المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا. وعلى القول الآخر يكون كبيرة، لأن الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة للحرب. هذا على قول الجمهور أن الفرار من الزحف كبيرة. قالوا: وإنما كان ذلك القول
__________
(1). خاص: جال، أي جالوا جولة يطلبون الفرار.

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)

من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمر على جهة الحيطة على المؤمنين، إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارا. والله أعلم. وفي قوله:" والتولي يوم الزحف" ما يكفي. السابعة- قوله تعالى: (فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي استحق الغضب. واصل" باء" رجع وقد تقدم «1». (وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ) أي مقامه. وهذا لا يدل على الخلود، كما تقدم في غير موضع. وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم غفر له وإن كان قد فر من الزحف".

[سورة الأنفال (8): الآيات 17 الى 18]
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18)
قوله تعالى (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ) أي يوم بدر. روي أن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم ما فعل: قتلت كذا، فعلت كذا، فجاء من ذلك تفاخر «2» ونحو ذلك. فنزلت الآية إعلاما بأن الله تعالى هو المميت والمقدر لجميع الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بتكسبه وقصده. وهذه الآية ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق «3» لهم. فقيل: المعنى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم. وقيل: ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم. (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) مثله،" وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ". واختلف العلماء في هذا الرمي على أربعة أقوال: الأول- إن هذا الرمي إنما كان في حصب «4» رسول الله صلى الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم حنين، رواه ابن وهب عن مالك. قال مالك: ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه ذلك. وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضا.
__________
(1). راجع ج 1 ص 430.
(2). في هـ: مفاخر.
(3). في ى: من خلق لهم. [.....]
(4). أي رمى في وجه العدو بالحصى.

الثاني- أن هذا كان يوم أحد حين رمى أبي بن خلف بالحربة في عنقه، فكر أبي منهزما. فقال له المشركون: والله ما بك من بأس. فقال: والله لو بصق علي لقتلني. أليس قد قال: بل أنا أقتله. وكان أوعد أبي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقتل بمكة، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بل أنا أقتلك" فمات عدو الله من ضربة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرجعه إلى مكة، بموضع يقال له" سرف «1»". قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: لما كان يوم أحد أقبل أبي مقنعا في الحديد على فرسه لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريه قتله. قال موسى بن عقبة قال سعيد بن المسيب: فاعترض له رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخلوا طريقه، فاستقبله مصعب بن عمير يقي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقتل مصعب ابن عمير، وأبصر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع، فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم. قال سعيد: فكسر ضلعا من أضلاعه، فقال: ففي ذلك نزل" وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ". وهذا ضعيف، لأن الآية نزلت عقيب بدر. الثالث- أن المراد السهم الذي رمى به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حصن خيبر، فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه. وهذا أيضا فاسد، وخيبر وفتحها أبعد من أحد بكثير. والصحيح في صورة قتل ابن أبي الحقيق غير هذا. الرابع- أنها كانت يوم بدر، قال ابن إسحاق. وهو أصح، لأن السورة بدرية، وذلك أن جبريل عليه السلام قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خذ قبضة من التراب) فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما من المشركين، من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، وقاله ابن عباس، وسيأتي. قال ثعلب: المعنى" وَما رَمَيْتَ" الفزع والرعب في قلوبهم" إِذْ رَمَيْتَ" بالحصباء فانهزموا" وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى " أي أعانك وأظفرك. والعرب تقول: رمى الله لك، أي أعانك وأظفر وصنع لك. حكى هذا أبو عبيدة
__________
(1). سرف: موضع قريب من التنعيم وبه تروج رسول الله أم المؤمنين ميمونة الهلالية وبه توفيت ودفنت رضى الله عنها.

إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)

في كتاب المجاز. وقال محمد بن يزيد: وما رميت بقوتك، إذ رميت، ولكنك بقوة الله رميت. (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً) البلاء ها هنا النعمة. واللام تتعلق بمحذوف، أي وليبلي المؤمنين فعل ذلك. (ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ) قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو. وقراءة أهل الكوفة (مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ). وفي التشديد معنى المبالغة. وروي عن الحسن" مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ" بالإضافة والتخفيف «1». والمعنى: أن الله عز وجل يلقى في قلوبهم الرعب حتى يتشتتوا ويتفرق جمعهم فيضعفوا. والكيد: المكر. وقد تقدم «2».

[سورة الأنفال (8): آية 19]
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)
قوله تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) شرطه وجوابه. وفية ثلاثة أقوال: يكون خطابا للكفار، لأنهم استفتحوا فقالوا: اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصره عليه، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما. وكان هذا القول منهم وقت خروجهم لنصره العير. وقيل: قاله أبو جهل وقت القتال. وقال النضر بن الحارث: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم. وهو ممن قتل ببدر. والاستفتاح: طلب النصر، أي قد جاءكم الفتح ولكنه كان للمسلمين عليكم. أي فقد جاءكم ما بان به الأمر، وانكشف لكم الحق." وَإِنْ تَنْتَهُوا" (أي «3») عن الكفر (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ). (وَإِنْ تَعُودُوا) أي إلى هذا القول وقتال محمد. (نَعُدْ) إلى نصر المؤمنين. (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ) أي (عن «4») جماعتكم (شَيْئاً). (وَلَوْ كَثُرَتْ) أي في العدد. الثاني- يكون خطابا للمؤمنين، أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وإن" تَنْتَهُوا" أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم والأسرى قبل الإذن،" فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ". و" وَإِنْ تَعُودُوا" أي إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم. كما قال:" لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ" الآية «5».
__________
(1). هذه القراءة عاصم رواية حفص. قال في البحر: وقرا باقى السبعة والحسن وأبو رجاء والأعمش وابن محيصن من أوهن وأضافه حفص.
(2). راجع ج 5 ص 280.
(3). من هـ وج وب.
(4). من ج.
(5). راجع ج 8 ص 50.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)

والقول الثالث- أن يكون" إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ" خطابا للمؤمنين، وما بعده للكفار. أي وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى مثل وقعة بدر. القشيري: والصحيح أنه خطاب للكفار، فإنهم لما نفروا إلى نصر العير تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أهدى الطائفتين، وأفضل الدينين. المهدوي: وروي أن المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها، أي يستنصرون قلت: ولا تعارض لاحتمال أن يكونوا فعلوا الحالتين. (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) بكسر الألف على الاستئناف، وبفتحها عطف على قوله:" وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ". أو على قوله:" أَنِّي مَعَكُمْ". والمعنى: ولأن الله، والتقدير لكثرتها وأن الله. أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت.

[سورة الأنفال (8): آية 20]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) 20 الخطاب للمؤمنين المصدقين. أفردهم بالخطاب دون المنافقين إجلالا لهم. جدد الله عليهم الأمر بطاعة الله والرسول ونهاهم عن التولي عنه. هذا قول الجمهور. وقالت فرقة: الخطاب بهذه الآية إنما هو للمنافقين. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال ابن عطية: وهذا وإنما كان محتملا على بعد فهو ضعيف جدا، لأن «1» الله تعالى وصف من خاطب في هذه الآية بالإيمان. والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء. وأبعد من هذا من قال: إن الخطاب لبني إسرائيل، فإنه أجنبي من «2» الآية. (وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ) 20 التولي الإعراض. وقال" عَنْهُ" ولم يقل عنهما لأن طاعة الرسول طاعته، وهو كقوله تعالى:" وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «3»".
__________
(1). في ب وج وهـ: لأجل.
(2). في ى: في الآية.
(3). راجع ج 8 ص 193 فما بعد.

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)

(وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ) 20 ابتداء وخبر في موضع الحال. والمعنى: وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين في القرآن.

[سورة الأنفال (8): الآيات 21 الى 22]
وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22)
قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا) أي كاليهود أو المنافقين أو المشركين. وهو من سماع الأذن. (وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) أي لا يتدبرون ما سمعوا، ولا يفكرون فيه، فهم بمنزلة من لم يسمع وأعرض عن الحق. نهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. فدلت الآية على أن قول المؤمن: سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله. فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحمها فأي سمع عنده وأى طاعة! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافقين الذي يظهر الإيمان، ويسر الكفر، وذلك هو المراد بقوله:" وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ". يعني بذلك المنافقين، أو اليهود أو المشركين، على مما تقدم. ثم أخبر تعالى أن الكفار شر ما دب على الأرض. وفي البخاري عن ابن عباس" إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ" قال: هم نفر من بني عبد الدار. والأصل أشر، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. وكذا خير، الأصل أخير.

[سورة الأنفال (8): آية 23]
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ) قيل: الحجج والبراهين، إسماع تفهم. ولكن سبق علمه بشقاوتهم (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) أي لو أفهمهم لما آمنوا بعد علمه الأزلي بكفرهم. وقيل: المعنى لأسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم، لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الزجاج: لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه. (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) إذ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)

[سورة الأنفال (8): آية 24]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)
فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف. والاستجابة: الإجابة. و(يحييكم) أصله يحييكم، حذفت الضمة من الياء لثقلها. ولا يجوز الإدغام. قال أبو عبيدة: معنى" اسْتَجِيبُوا" أجيبوا، ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام، ويتعدى أجاب دون لام. قال الله تعالى:" يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ «1»". وقد يتعدى استجاب بغير لام، والشاهد له قول الشاعر «2»:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
تقول: أجابه وأجاب عن سؤاله. والمصدر الإجابة. والاسم الجابة، بمنزلة الطاقة والطاعة. تقول: أساء سمعا فأساء جابة «3». هكذا يتكلم بهذا الحرف. والمجاوبة والتجاوب: التحاور. وتقول: إنه لحسن الجيبة (بالكسر) أي الجواب. (لِما يُحْيِيكُمْ) متعلق بقوله:" اسْتَجِيبُوا". المعنى: استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم. وقيل: اللام بمعنى إلى، أي إلى ما يحييكم، أي يحيي دينكم ويعلمكم. وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه، وهذا إحياء مستعار، لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية، وقيل: المراد بقوله" لِما يُحْيِيكُمْ" الجهاد، فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدو إذا لم
__________
(1). راجع ج 16 ص 217.
(2). هو كعب بن سعد الغنوي يرث ى أخاه أبا المغوار.
(3). أصل هذا المثل على ما ذكر الزبير بن بكار أنه كان لسهل بن عمر بن مضعوف فقال له إنسان: أين أمك (بفتح الهمزة وتشديد الميم المضمومة) أي أين قصدك، فظن أنه يقول له: أين أمك، (بضم الهمزة والميم) فقال: ذهبت تشترى دقيقا. فقال أبوه: أساء سمعا ... إلخ. (عن اللسان).

يغز غزا، وفي غزوه الموت، والموت في الجهاد الحياة الأبدية، قال الله عز وجل:" وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ «1»" والصحيح العموم كما قال الجمهور. الثانية- روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي. فقال:" ألم يقل الله عز وجل" اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ" وذكر الحديث. وقد تقدم في الفاتحة «2». وقال الشافعي رحمه الله: هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا أتي به في الصلاة لا تبطل، لأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإجابة وإن كان في الصلاة. قلت: وفية حجة لقول الأوزاعي: لو أن رجلا يصلي فأبصر غلاما يريد أن يسقط في، بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن بذلك بأس. والله أعلم. الثالثة- قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) قيل: إنه يقتضي النص منه على خلقه تعالى الكفر والإيمان فيحول بين المرء الكافر وبين الإيمان الذي أمره به، فلا يكتسبه إذا لم يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو الكفر. وهكذا المؤمن يحول بينه وبين الكفر. فبان بهذا النص أنه تعالى خالق لجميع اكتساب «3» العباد خيرها وشرها. وهذا معنى قوله عليه السلام:" لا، ومقلب القلوب". وكان فعل الله تعالى ذلك عدلا فيمن أضله وخذله، إذ لم يمنعهم حقا وجب عليه فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم. قال السدي: يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلا بإذنه، ولا يكفر أيضا إلا بإذنه، أي بمشيئته. والقلب موضع الفكر. وقد تقدم في" البقرة «4»" بيانه. وهو بيد الله، متى شاء حال بين العبد وبينه بمرض أو آفة كيلا يعقل. أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل. وقال مجاهد: المعنى يحول بين المرء
__________
(1). راجع ج 4 ص 268. [.....]
(2). راجع ج 1 ص 108.
(3). أي أفعالهم إذ هي مخلوقة له سبحانه والاكتساب للعبد.
(4). راجع ج 1 ص 187.

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)

وعقله حتى لا يدري ما يصنع. وفي التنزيل:" إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ «1» قَلْبٌ 50: 37" أي عقل. وقيل: يحول بينه وبينه بالموت، فلا يمكنه استدراك ما فات. وقيل: خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا. وقيل: المعنى يقلب الأمور من حال إلى حال، وهذا جامع. واختيار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله عز وجل. (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) عطف. قال الفراء: ولو استأنفت فكسرت،" وَأَنَّهُ 130" كان صوابا.

[سورة الأنفال (8): آية 25]
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25)
فيه مسألتان: الأولى- قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب. وكذلك تأول فيها الزبير بن العوام فإنه قال يوم الجمل، وكان سنة ست وثلاثين: ما علمت أنا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب ذلك الوقت. وكذلك تأول الحسن البصري والسدي وغيرهما. قال السدي: نزلت (الآية «2») في أهل بدر خاصة، فأصابتهم الفتنة يوم الجمل فاقتتلوا. وقال ابن عباس رضي الله عنه: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر فيما بينهم فيعمهم الله بالعذاب. وعن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يكون بين ناس من أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستن بهم فيها ناس بعدهم يدخلهم الله بها النار (. قلت: وهذه التأويلات هي التي تعضدها الأحاديث الصحيحة، ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت له: يا رسول الله، انهلك وفينا
__________
(1). راجع ج 17 ص 22.
(2). من ج.

الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث". وفي صحيح الترمذي:) إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده) وقد تقدمت هذه الأحاديث. وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا «1» على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نوذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا". ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة. وفية استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عملت هلك الكل. وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا لا نساكنكم. وبهذا قال السلف رضي الله عنهم. روى ابن وهب عن مالك أنه قال: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها. واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. خرجه الصحيح. وروى البخاري عن ابن عمر قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم". فهذا يدل على أن الهلاك العام منه ما يكون طهرة للمؤمنين ومنه ما يكون نقمة للفاسقين. وروى مسلم عن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: عبث «2» رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه، فقلت: يا رسول الله، صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: (العجب، إن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم". فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق
__________
(1). استهموا: افترعوا.
(2). عبث: معناه اضطرب بجسمه. وقيل: حرك أطرافه كمن يأخذ شيئا أو يدفعه.

قد يجمع الناس. قال:" نعم، فيهم المستبصر «1» والمحبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله تعالى على نياتهم". فإن قيل: فقد قال الله تعالى" وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «2»"." كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ «3»"." لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ «4»". وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب. فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت «5» عليه فكلهم عاص. هذا بفعله وهذا برضاه. وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة «6»، قاله ابن العربي. وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا. ومقصود الآية: واتقوا فتنة تتعدى الظالم، فتصيب الصالح والطالح. الثانية- واختلف النحاة في دخول النون في" لا تُصِيبَنَّ". قال الفراء: هو بمنزلة قولك: انزل عن الدابة لا تطرحنك، فهو جواب الأمر بلفظ النهي، أي إن تنزل عنها لا تطرحنك. ومثله قوله تعالى:" ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ «7»". أي إن تدخلوا لا يحطمنكم، فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء. وقيل: لأنه خرج مخرج القسم، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي ألا على جواب القسم. وقال أبو العباس المبرد: إنه نهي بعد أمر، والمعنى النهي للظالمين، أي لا تقربن الظلم. وحكى سيبويه: لا أرينك ها هنا، أي لا تكن ها هنا، فإنه من كان ها هنا رأيته. وقال الجرجاني: المعنى اتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة. فقوله" لا تُصِيبَنَّ" نهي في موضع وصف النكرة، وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا. وقرا علي وزيد بن ثابت وأبي وابن مسعود" لتصيبن" بلا ألف. قال المهدوي: من قرأ" لتصيبن" جاز أن يكون مقصورا من" لا تصيبن" حذفت الألف كما حذفت من" ما" وهي أخت" لا" في نحو أم والله لأفعلن، وشبهه. ويجوز أن تكون مخالقة لقراءة الجماعة، فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة.
__________
(1). المستبصر: هو المستبين للأمر، القاصد لذلك عمدا. والمجبور: المكره.
(2). راجع ج 7 ص 155 فما بعد. وج 10 ص 230 وج 17 ص 113.
(3). راجع ج 19 ص 82 فما بعد.
(4). راجع ج 3 ص 424 فما بعد.
(5). كذا في ب وج وهـ وك وى. وفى ز: سكتوا.
(6). عبارة ابن العربي:" فانتظم الذنب بالعقوبة".
(7). راجع ج 13 ص 169 فما بعد. [.....]

وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)

[سورة الأنفال (8): آية 26]
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)
قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ) قال الكلبي: نزلت في المهاجرين، يعني وصف حالهم قبل الهجرة وفي ابتداء الإسلام. (مُسْتَضْعَفُونَ) نعت. (فِي الْأَرْضِ) أي أرض مكة. (تَخافُونَ) نعت. (أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ) في موضع نصب. والخطب: الأخذ بسرعة. (النَّاسُ) رفع على الفاعل. قتادة وعكرمة: هم مشركو قريش. وهب بن منبه: فارس والروم. (فَآواكُمْ) قال ابن عباس: إلى الأنصار. السدي: إلى المدينة، والمعنى واحد. أوى إليه (بالمد): ضم إليه. واوي إليه (بالقصر): انضم إليه. (وَأَيَّدَكُمْ) قواكم. (بِنَصْرِهِ) أي بعونه «1». وقيل: بالأنصار. وقيل: بالملائكة يوم بدر. (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) أي الغنائم. (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) قد تقدم معناه «2».

[سورة الأنفال (8): آية 27]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)
روي أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بني قريظة بالذبح. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت هذه الآية. فلما نزلت شد نفسه إلى سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب الله علي. الخبر مشهور «3». وعن عكرمة قال: لما كان شأن قريظة بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليا رضي الله عنه فيمن كان عنده من الناس، فلما انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجاء جبريل عليه السلام على فرس أبلق فقالت عائشة رضي الله عنها: فلكأني أنظر إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسح الغبار عن وجه
__________
(1). في ج وك وهـ وى: بقوته.
(2). راجع ج 1 ص 397.
(3). راجع ج 8 ص 242.

جبريل عليهما السلام، فقلت: هذا دحية يا رسول الله؟ فقال:" هذا جبريل عليه السلام". قال:" يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم (؟ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" فكيف لي بحصنهم" فقال جبريل:" فإني أدخل فرسي هذا عليهم". فركب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرسا معروري «1»، فلما رآه علي رضي الله عنه قال: يا رسول الله، لا عليك ألا تأتيهم، فإنهم يشتمونك. فقال:" كلا إنها ستكون تحية". فأتاهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: (يا إخوة القردة والخنازير) فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فحاشا! فقالوا: لا ننزل على حكم محمد، ولكنا ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزل. فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بذلك طرقني الملك سحرا". فنزل فيهم" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ". نزلت في أبي لبابة، أشار إلى بني قريظة حين قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، لا تفعلوا فإنه الذبح، وأشار إلى حلقه. وقيل: نزلت الآية في أنهم يسمعون الشيء من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيلقونه إلى المشركين ويفشونه. وقيل: المعنى بغلول الغنائم. ونسبتها إلى الله، لأنه هو «2» الذي أمر بقسمتها. وإلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه المؤدي عن الله عز وجل والقيم بها. والخيانة: الغدر وإخفاء الشيء، ومنه: (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ «3») 40: 19 وكان عليه السلام يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة). خرجه النسائي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول، فذكره. (وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ)
في موضع جزم، نسقا على الأول. وقد يكون على الجواب، كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. والأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد. وسميت أمانة لأنها يؤمن معها من منع الحق، مأخوذ من الأمن. وقد تقدم في" النساء" القول في أداء الأمانات والودائع «4» وغير ذلك. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي ما في الخيانة من القبح والعار. وقيل: تعلمون أنها أمانة.
__________
(1). عريانا.
(2). من ج.
(3). راجع ج 15 ص 301 فما بعد.
(4). راجع ج 5 ص 255.

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)

[سورة الأنفال (8): آية 28]
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)
قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)
كان لأبي لبابة أموال وأولاد في بني قريظة: وهو الذي حمله على ملاينتهم، فهذا إشارة إلى ذلك. (فِتْنَةٌ) 10
أي اختبار، امتحنهم بها. (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)
فآثروا حقه على حقكم.

[سورة الأنفال (8): آية 29]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
قد تقدم معنى" التقوى". وكان الله عالما بأنهم يتقون أم لا يتقون. فذكر بلفظ الشرط، لأنه خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضا. فإذا اتقى العبد ربه- وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه- وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال، جعل له بين الحق والباطل فرقانا، ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا. قال ابن وهب: سألت مالكا عن قوله سبحانه وتعالى:" إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً" قال: مخرجا، ثم قرأ" وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً «1»". وحكى ابن القاسم وأشهب عن مالك مثله سواء، وقاله مجاهد قبله. وقال الشاعر:
ما لك من طول الأسى فرقان ... بعد قطين رحلوا وبانوا
وقال آخر:
وكيف أرجّي الخلد والموت طالبي ... وما لي من كأس المنية فرقان
ابن إسحاق:" فُرْقاناً" فصلا بين الحق والباطل، وقال ابن زيد. السدي: نجاة. الفراء: فتحا ونصرا. وقيل: في الآخرة، فيدخلكم الجنة ويدخل الكفار النار.
__________
(1). راجع ج 18 ص 157 فما بعد.

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)

[سورة الأنفال (8): آية 30]
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30)
هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في دار الندوة، فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه، ورصدوه على باب منزل طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج، فأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله عز وجل أن يعمى عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رؤوسهم ترابا ونهض. فلما أصبحوا خرج عليهم علي فأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد فات ونجا. الخبر مشهور في السيرة وغيرها. ومعنى" لِيُثْبِتُوكَ 30" ليحبسوك، يقال: أثبته إذا حبسته. وقال قتادة:" لِيُثْبِتُوكَ 30" وثاقا. وعنه أيضا وعبد الله بن كثير: ليسجنوك. وقال أبان بن تغلب وأبو حاتم: ليثخنوك بالجراحات والضرب الشديد. قال الشاعر:
فقلت ويحكما ما في صحيفتكم ... قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا
(أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) 30 عطف. (وَيَمْكُرُونَ) 30 مستأنف. والمكر: التدبير في الأمر في خفية. (وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) ابتداء وخبر. والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون.

[سورة الأنفال (8): آية 31]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)
نزلت في النضر بن الحارث، كان خرج إلى الحيرة في التجارة فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكسرى وقيصر، فلما قص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبار من مضى قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا. وكان هذا وقاحة وكذبا. وقيل: إنهم توهموا أنهم

وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)

يأتون بمثله، كما توهمت سحرة موسى، ثم راموا ذلك فعجزوا عنه وقالوا عنادا: إن هذا إلا أساطير الأولين. وقد تقدم «1».

[سورة الأنفال (8): آية 32]
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32)
القراء على نصب" الحق" على خبر (كانَ). ودخلت (هُوَ) للفصل. ويجوز (هُوَ الْحَقَّ) بالرفع. (مِنْ عِنْدِكَ) قال الزجاج: ولا أعلم أحدا قرأ بها. ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها ولكن القراءة سنة، لا يقرأ فيها إلا بقراءة مرضية. واختلف فيمن قال هذه المقالة، فقال مجاهد وابن جبير: قائل هذا هو النضر بن الحارث. أنس بن مالك: قائله أبو جهل، رواه البخاري ومسلم. ثم يجوز أن يقال: قالوه لشبهة كانت في صدورهم، أو على وجه العناد والإبهام على الناس أنهم على بصيرة، ثم حل بهم يوم بدر ما سألوا حكي أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود، فقال اليهودي: ممن أنت؟ قال: من قريش. فقال: أنت من القوم الذين قالوا:" اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ" الآية. فهلا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له! إن هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس: وأنت يا إسرائيلي، من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه، وأنجى موسى وقومه، حتى قالوا:" اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «2»" فقال لهم موسى:" إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ" فأطرق اليهودي مفحما. (فَأَمْطِرْ) أمطر في العذاب. ومطر في الرحمة، عن أبي عبيدة. وقد تقدم.

[سورة الأنفال (8): آية 33]
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
__________
(1). راجع ج 6 ص 404.
(2). راجع ص 273 من هذا الجزء.

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)

لما قال أبو جهل:" اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ" الآية، نزلت" وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ" كذا في صحيح مسلم. وقال ابن عباس: لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها والمؤمنون، يلحقوا بحيث أمروا. (وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ابن عباس: كانوا يقولون في الطواف: غفرانك. والاستغفار وإن وقع من الفجار يدفع به ضرب من الشرور والإضرار. وقيل: إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم. أي وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين، فلما خرجوا عذبهم الله يوم بدر وغيره،. قاله الضحاك وغيره. وقيل: إن الاستغفار هنا يراد به الإسلام. أي" وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" أي يسلمون، قاله مجاهد وعكرمة. وقيل:" وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" أي في أصلابهم من يستغفر الله. روي عن مجاهد أيضا. وقيل: معنى" يَسْتَغْفِرُونَ" لو استغفروا. أي لو استغفروا لم يعذبوا. استدعاهم إلى الاستغفار، قاله قتادة وابن زيد. وقال المدائني عن بعض العلماء قال: كان رجل من العرب في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسرفا على نفسه، لم يكن يتحرج، فلما أن توفي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبس الصوف ورجع عما كان عليه، وأظهر الدين والنسك. فقيل له: لو فعلت هذا والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي لفرح بك. قال: كان لي أمانان، فمضى واحد وبقي الآخر، قال الله تبارك وتعالى:" وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ" فهذا أمان. والثاني" وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ".

[سورة الأنفال (8): آية 34]
وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34)
قوله تعالى: (وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ) المعنى: وما يمنعهم من أن يعذبوا. أي إنهم مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب، ولكن لكل أجل كتاب، فعذبهم الله

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)

بالسيف بعد خروج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي ذلك نزلت:" سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ «1» 70: 1" وقال الأخفش: إن" إِنْ" زائدة. قال النحاس: لو كان كما قال لرفع" يُعَذِّبَهُمُ"." وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ" أي إن المتقين أولياؤه.

[سورة الأنفال (8): الآيات 35 الى 37]
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37)
قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عراة، يصفقون ويصفرون، فكان ذلك عبادة في ظنهم والمكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق، قاله مجاهد والسدي وابن عمر رضي الله عنهم. ومنه قول عنترة:
وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم «2»
أي تصوت. ومنه مكت است الدابة إذا نفخت بالريح. قال السدي: المكاء الصفير، على لحن «3» طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء. قال الشاعر:
إذا غرد المكاء في غير روضة ... فويل لأهل الشاء والحمرات
قتادة: المكاء ضرب بالأيدي، والتصدية صياح. وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون (ويصعقون «4»). وذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت. وروى ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه
__________
(1). راجع ج 18 ص 278.
(2). الحليل: الزوج. ويروى: وخليل بالخاء المعجمة. الفريصة: الموضع الذي يرعد من الدابة والإنسان إذا خاف. والأعلم: المشقوق الشفة العليا.
(3). من ج وهـ وك وز وى. وفى ب: نحو.
(4). من ب وج وهـ وز ك وى. [.....]

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38)

قال: المكاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم. والتصدية: الصفير، يريدون أن يشغلوا بذلك محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الصلاة. قال النحاس: المعروف في اللغة ما روي عن ابن عمر. حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال: مكا يمكو ومكاء إذا صفر. وصدى يصدي تصدية إذا صفق، ومنه قول عمرو بن الإطنابة «1»:
وظلوا جميعا لهم ضجة ... مكاء لدى البيت بالتصدية
أي بالتصفيق. سعيد بن جبير وابن زيد: معنى التصدية صدهم عن البيت، فالأصل على هذا تصدده، فأبدل من أحد الدالين ياء. (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) أي المؤمن من الكافر. وقيل: هو عام في كل شي، من الأعمال والنفقات وغير ذلك.

[سورة الأنفال (8): آية 38]
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38)
فيه مسائل: الأولى- قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول للكفار هذا المعنى، وسواء قال بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية: ولو كان كما ذكر الكسائي أنه في مصحف عبد الله بن مسعود" قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم" لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها، هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ. الثانية- قوله تعالى: (إِنْ يَنْتَهُوا) يريد عن الكفر. قال ابن عطية: ولا بد، والحامل على ذلك جواب الشرط" يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَد