روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
/////////

 حمل المصحف

دعائي

فسبحان الله وبحمده  عدد خلقه وزنة عرشه  ورضا نفسه ومداد كلماته} أقولها ما حييت وبعد موتي  والي يوم الحساب وارحم  واغفر اللهم لوالديَّ ومن مات من اخوتي واهلي والمؤمنين منذ خَلَقْتَ الخلق الي يوم الحساب آمين وفرِّجِ كربي وردَّ اليَّ عافيتي وارضي عني في الدارين  واعِنِّي علي أن اُنْفِقها في سبيلك يا ربي اللهم فرِّج كربي واكفني همي واكشف البأساء والضراء عني وعنا.. وردَّ إليَّ عافيتي وثبتني علي دينك الحق ولا تُزِغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب اللهم وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وتوفنا مع الأبرار وألِّفْ بين قلوبنا اجمعين.يا عزيز يا غفار ... اللهم واشفني شفاءاً لا يُغَادر سقما واعفو عني وعافني وارحمني وفرج كربي واكفني همي واعتقني مما أصابني من مكروه أنت تعلمه واعتقني من النار وقني عذاب القبر وعذاب جهنم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال ومن المأثم والمغرم ومن غلبة الدين وقهر الرجال اللهم آمين *اللهم ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عُقَد لساني واغنني بك عمن سواك يارب

الثلاثاء، 14 يونيو 2022

مجلد17. و18. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي

 مجلد17. و18. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي

17.  مجلد17. الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي
المؤلف : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى : 671هـ)


قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)

[سورة طه (20): الآيات 72 الى 76]
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)
قوله تعالى: (قالُوا) يعني السحرة (لَنْ نُؤْثِرَكَ) 20: 72 أي لن نختارك (عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ) 20: 72 قال ابن عباس: يريد من اليقين والعلم. وقال عكرمة وغيره: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة، فلهذا قالوا:" لَنْ نُؤْثِرَكَ 20: 72". وكانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟ فقيل لها: غلب موسى وهرون، فقالت: آمنت برب موسى وهرون. فأرسل إليها فرعون فقال: أنظروا أعظم صخرة فإن مضت «1» على قولها فألقوها عليها، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأبصرت منزلها في الجنة، فمضت على قولها فانتزع روحها، وألقيت الصخرة على جسدها وليس في جسدها «2» روح. وقيل: قال مقدم السحرة لمن يثق به لما رأى من عصا موسى ما رأى: انظر إلى هذه الحية هل تخوفت؟ «3» فتكون جنيا أو لم تتخوف فهي من صنعة الصانع الذي لا يعزب عليه مصنوع، فقال: ما تخوفت، فقال: آمنت برب هرون وموسى. (وَالَّذِي فَطَرَنا) 20: 72 قيل: هو معطوف على" ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ 20: 72" أي لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ولا على الذي فطرنا أي خلقنا. وقيل: هو قسم أي والله لن نؤثرك. (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ) 20: 72 التقدير: ما أنت قاضيه. وليست" ما" ها هنا التي تكون مع الفعل بمنزلة المصدر، لان تلك توصل بالأفعال، وهذه موصولة بابتداء وخبر.
__________
(1). في ب وا وج وط وك: مرت.
(2). في اوب وط وك وي: وليس فيها روح. [.....]
(3). في ب وج وط: (تجوفت أو لم تتجوف- ما تجوفت) بالجيم.

قال ابن عباس: فاصنع ما أنت صانع. وقيل: فاحكم ما أنت حاكم، أي من القطع والصلب. وحذفت الياء من قاض في الوصل لسكونها وسكون التنوين. واختار سيبويه إثباتها في الوقف لأنه قد زالت علة [التقاء «1»] الساكنين. (إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) 20: 72 أي إنما ينفذ أمرك فيها. وهي منصوبة على الظرف، والمعنى: إنما تقضى في متاع هذه الحياة الدنيا. أو وقت هذه الحياة الدنيا، فتقدر حذف المفعول. ويجوز أن يكون التقدير: إنما تقضي أمور هذه الحياة الدنيا، فتنتصب انتصاب المفعول و" ما" كافة لان. وأجاز الفراء الرفع على أن تجعل" ما" بمعنى الذي وتحذف الهاء من تقضي ورفعت" هذه الحياة الدنيا". (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا) 20: 73 أي صدقنا بالله وحده لا شريك له وما جاءنا به موسى. (لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا) يريدون الشرك الذي كانوا عليه. (وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ)" ما" في موضع نصب معطوفة على الخطايا. وقيل: لا موضع لها وهى نافية، أي ليغفر لنا خطايانا من السحر وما أكرهتنا عليه. النحاس: والأول أولى. المهدوي: وفية بعد، لقولهم:" إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ" «2» وليس هذا بقول مكرهين، ولان الإكراه ليس بذنب، وإن كان يجوز أن يكونوا أكرهوا على تعليمه صغارا. قال الحسن: كانوا يعلمون السحر أطفالا ثم عملوه مختارين بعد. ويجوز أن يكون" ما" في موضع رفع بالابتداء ويضمر الخبر، والتقدير: وما أكرهتنا عليه من السحر موضوع عنا. و" مِنَ السِّحْرِ" على هذا القول والقول الأول يتعلق ب"- أَكْرَهْتَنا 20: 73". وعلى أن" ما" نافية يتعلق ب"- خَطايانا 20: 73". (وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ) أي ثوابه خير وأبقى فحذف المضاف، قاله ابن عباس. وقيل: الله خير لنا منك وأبقى عذابا لنا من عذابك لنا وهو جواب قوله:" وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى 20: 71" وقيل: الله خير لنا إن أطعناه، وأبقى عذابا منك إن عصيناه. قوله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً) 20: 74 قيل: هو من قول السحرة لما آمنوا. وقيل: ابتداء كلام من الله عز وجل. والكناية في" إِنَّهُ" ترجع إلى الامر والشأن. ويجوز إن من يأت، ومنه قول الشاعر:
إن من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء «3»
__________
(1). من ب وج وط وك وى.
(2). راجع ج 7 ص 258.
(3). البيت للأخطل وهو نصراني.

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)

أراد إنه من يدخل، أي أن الامر هذا، وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة. والمجرم الكافر. وقيل: الذي يقترف المعاصي ويكتسبها. والأول أشبه لقوله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ) 20: 74 وهذه صفة الكافر المكذب الجاحد- على ما تقدم بيانه في سورة (النساء) «1» وغيرها- فلا ينتفع بحياته ولا يستريح بموته. قال الشاعر:
ألا من لنفس لا تموت فينقضي ... شقاها ولا تحيا حياة لها طعم
وقيل: نفس الكافر معلقة في حنجرته أخبر الله تعالى عنه فلا يموت بفراقها، ولا يحيا باستقرارها. ومعنى. (مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً) 20: 74 من يأت موعد ربه. ومعنى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً) 20: 75 أي يمت عليه ويوافيه مصدقا به. (قَدْ عَمِلَ) أي وقد عمل" الصَّالِحاتِ" أي الطاعات وما أمر به ونهى عنه. (فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ) 20: 75 أي الرفيعة التي قصرت دونها الصفات. ودل قوله:" وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً 20: 75" على أن المراد بالمجرم المشرك. قوله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ) بيان للدرجات وبدل منها، والعدن الإقامة. وقد تقدم «2» بيانه. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أي من تحت غرفها وسررها (الْأَنْهارُ) من الخمر والعسل واللبن والماء. وقد تقدم. (خالِدِينَ فِيها) أي ماكثين دائمين. (وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى) 20: 76 أي من تطهر من الكفر والمعاصي. ومن قال هذا من قول السحرة قال: لعل السحرة سمعوه من موسى أو من بني إسرائيل إذ كان فيهم بمصر أقوام، وكان فيهم أيضا المؤمن من آل فرعون. قلت: ويحتمل أن يكون ذلك إلهاما من الله لهم أنطقهم بذلك لما آمنوا، والله أعلم.

[سورة طه (20): الآيات 77 الى 79]
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (79)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي) 20: 77 تقدم الكلام في هذا مستوفى. (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً) 20: 77 أي يابسا لا طين فيه ولا ماء. وقد مضى في (البقرة) «3»
__________
(1). راجع ج 5 ص 253.
(2). راجع ج 10 ص 396.
(3). راجع ج 1 ص 389 فما بعد.

ضرب موسى البحر وكنيته إياه وإغراق فرعون فلا معنى للإعادة. (لا تَخافُ دَرَكاً) 20: 77 أي لحاقا من فرعون وجنوده." ولا تخشى" قال ابن جريج قال أصحاب موسى [له «1»]: هذا فرعون قد أدركنا، وهذا البحر قد غشينا، فأنزل الله تعالى:" لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى 20: 77" أي لا تخاف دركا من فرعون ولا تخشى غرقا من البحر أن يمسك إن غشيك. وقرا حمزة" لا تخف" على أنه جواب الامر. التقدير إن تضرب لهم طريقا في البحر لا تخف. و" لا تَخْشى 20: 77" مستأنف على تقدير: ولا أنت تخشى. أو يكون مجزوما والألف مشبعة من فتحة، كقوله:" فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا" «2» [الأحزاب: 67] أو يكون على حد قول الشاعر: «3»
كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا

على تقدير حذف الحركة كما تحذف حركة الصحيح. وهذا مذهب الفراء. وقال آخر:
هجوت زبان ثم جئت معتذرا ... من هجو زبان لم تهجو ولم تدع
وقال آخر «4»:
ألم يأتيك والإنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
قال النحاس: وهذا من أقبح الغلط أن يحمل كتاب الله عز وجل على الشذوذ من الشعر، وأيضا فإن الذي جاء به من الشعر لا يشبه من الآية شيئا، لان الياء والواو مخالفتان للألف، لأنهما تتحركان والألف لا تتحرك، وللشاعر إذا اضطر أن يقدرهما متحركتين ثم تحذف الحركة للجزم، وهذا محال في الالف، والقراءة الاولى أبين لان بعده" وَلا تَخْشى 20: 77" مجمع عليه بلا جزم، وفيها ثلاث تقديرات: الأول- أن يكون" لا تَخافُ 20: 77" في موضع الحال من المخاطب، التقدير: فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا غير خائف ولا خاش. الثاني أن يكون في موضع النعت للطريق، لأنه معطوف على يبس الذي هو صفة، ويكون التقدير: لا تخاف فيه، فحذف الراجع من الصفة. والثالث- أن يكون منقطعا خبر ابتداء محذوف تقديره: وأنت لا تخاف.
__________
(1). من ب وج وز وط وك وى.
(2). راجع ج 14 ص 249.
(3). هو عبد يغوث بن وقاص من شعراء الجاهلية. وصدر البيت:
وتضحك مني شيخة عبشمية

(4). البيت من أبيات لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي وكان قد نشأت بينه وبين الربيع بن زياد شحناء في شأن درع فاستاق إبل الربيع وباعها بمكة من عبد الله بن جدعان القرشي.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)

قوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) 20: 78 أي أتبعهم ومعه جنوده، وقرى" فاتبعهم" بالتشديد فتكون الباء في" بِجُنُودِهِ 20: 78" عدت الفعل إلى المفعول الثاني، لان اتبع يتعدى إلى مفعول واحد. أي تبعهم ليلحقهم بجنوده أي مع جنوده كما يقال: ركب الأمير بسيفه أي مع سيفه. ومن قطع" فأتبع" يتعدى إلى مفعولين: فيجوز أن تكون الباء زائدة، ويجوز أن يكون اقتصر على مفعول واحد. يقال: تبعه وأتبعه ولحقه وألحقه بمعنى واحد. وقوله:" بجنوده" في موضع الحال، كأنه قال: فأتبعهم سائقا جنوده. (فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ) 20: 78 أي أصابهم من البحر ما غرقهم، وكرر على معنى التعظيم والمعرفة بالأمر. (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى ) 20: 79 أي أضلهم عن الرشد وما هداهم إلى خير ولا نجاة، لأنه قدر أن موسى عليه السلام ومن معه لا يفوتونه، لان بين أيديهم البحر. فلما ضرب موسى البحر بعصاه أنفلق منه اثنا عشر طريقا وبين الطرق الماء قائما كالجبال. وفي سورة الشعراء:" فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ" «1» أي الجبل الكبير، فأخذ كل سبط طريقا. وأوحى الله إلى أطواد الماء أن تشبكي فصارت شبكات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض، فكان هذا من أعظم المعجزات، وأكبر الآيات، فلما أقبل فرعون وراي الطرق في البحر والماء قائما أوهمهم أن البحر فعل هذا لهيبته، فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم. وقيل إن قوله:" وَما هَدى 20: 79" تأكيد لاضلاله إياهم. وقيل: هو جواب قول فرعون:" ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ 40: 29" «2» [غافر: 29] فكذبه الله تعالى. وقال ابن عباس" وَما هَدى 20: 79" أي ما هدى نفسه بل أهلك نفسه وقومه.

[سورة طه (20): الآيات 80 الى 82]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (82)
__________
(1). راجع ج 13 ص 100 فما بعد.
(2). راجع ج 15 ص 305 فما بعد.

قوله تعالى: (يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ) 20: 80 لما أنجاهم من فرعون قال لهم هذا ليشكروه. (وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ) 20: 80" جانِبَ" نصب على المفعول الثاني ل" واعدنا" ولا يحسن أن ينتصب على الظرف، لأنه ظرف مكان محض غير مبهم. وإنما تتعدى الافعال والمصادر إلى ظروف المكان بغير حرف جر إذا كانت مبهمة. قال مكي: هذا أصل لا خلاف فيه، وتقدير الآية. وواعدناكم إتيان جانب الطور، ثم حذف المضاف. قال النحاس: أي أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام. وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة، فالوعد كان لموسى ولكن خوطبوا به لان الوعد كان لأجلهم. وقرا أبو عمرو" ووعدناكم" بغير ألف واختاره أبو عبيد، لان الوعد إنما هو من الله تعالى لموسى خاصة، والمواعدة لا تكون إلا من اثنين. وقد مضى في (البقرة) «1» هذا المعنى. و" الْأَيْمَنَ" نصب، لأنه نعت للجانب وليس للجبل يمين ولا شمال، فإذا قيل: خذ عن يمين الجبل فمعناه خذ على يمينك من الجبل. وكان الجبل على يمين موسى إذ أتاه. (وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ) 20: 80 أي في التيه. وقد تقدم القول فيه «2». (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) أي من لذيذ الرزق. وقيل: من حلاله إذ لا صنع فيه لآدمي فتدخله شبهة. (وَلا تَطْغَوْا) أي لا تحملنكم السعة والعافية أن تعصوا، لان الطغيان التجاوز إلى ما لا يجوز. وقيل: المعنى، أي لا تكفروا النعمة ولا تنسوا [شكر النعم ولا شكر «3»] المنعم بها عليكم. وقيل: أي ولا تستبدلوا بها شيئا آخر كما قال:" أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ" «4» [البقرة: 61] وقيل: لا تدخروا منه لأكثر من يوم وليلة، قال ابن عباس: فيتدود عليهم ما ادخروه، ولولا ذلك ما تدود طعام أبدا. (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) 20: 81 أي يجب وينزل، وهو منصوب بالفاء في جواب النهي من قوله:" وَلا تَطْغَوْا". (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ) 20: 81 قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والكسائي:" فَيَحِلَّ 20: 81" بضم الحاء (وَمَنْ يَحْلِلْ) 20: 81 بضم اللام الاولى. والباقون بالكسر وهما لغتان. وحكى
__________
(1). راجع ج 1 ص 394 وص 406. [.....]
(2). من ب وط وى.
(3). من ب وط وى.
(4). من ب وط وى.

أبو عبيدة وغيره: أنه يقال حل يحل إذا وجب وحل يحل إذا نزل. وكذا قال الفراء: الضم من الحلول بمعنى الوقوع والكسر من الوجوب. والمعنيان متقاربان إلا أن الكسر أولى، لأنهم قد أجمعوا على قوله:" وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ" «1» [هود: 39]. وغضب الله عقابه ونقمته وعذابه." فَقَدْ هَوى 20: 81" قال الزجاج: فقد هلك، أي صار إلى الهاوية وهي قعر النار، من هوى يهوي هويا أي سقط من علو إلى سفل، وهوى فلان أي مات. وذكر ابن المبارك: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال حدثنا ثعلبة بن مسلم عن أيوب بن بشير عن شفى الأصبحي «2» قال: إن في جهنم جبلا يدعى صعودا يطلع فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يرقاه، قال الله تعالى:" سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً
" «3» [المدثر: 17] وإن في جهنم قصرا يقال له هوى يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفا قبل أن يبلغ أصله «4» قال الله تعالى" وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى 20: 81" وذكر الحديث، وقد ذكرناه في كتاب" التذكرة". قوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ) 20: 82 أي من الشرك. (وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) 20: 82 أي أقام على إيمانه حتى مات عليه، قاله سفيان الثوري وقتادة وغيرهما. وقال ابن عباس: أي لم يشك في إيمانه، ذكره الماوردي والمهدوي. وقال سهل بن عبد الله التستري وابن عباس أيضا: أقام على السنة والجماعة، ذكره الثعلبي. وقال أنس: أخذ بسنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكره المهدوي، وحكاه الماوردي عن الربيع بن أنس. وقول خامس: أصاب العمل، قاله ابن زيد، وعنه أيضا تعلم العلم ليهتدي كيف يفعل، ذكر الأول المهدوي، والثاني الثعلبي. وقال الشعبي ومقاتل والكلبي: علم أن لذلك ثوابا وعليه عقابا، وقاله الفراء. وقول ثامن:" ثُمَّ اهْتَدى 20: 82" في ولاية أهل بيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قاله ثابت البناني. والقول الأول أحسن هذه الأقوال- إن شاء الله- وإليه يرجع سائرها. قال وكيع عن سفيان: كنا نسمع في قوله عز وجل:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ 20: 82" أي من الشرك" وَآمَنَ 110" أي بعد الشرك" وَعَمِلَ صالِحاً" صلى وصام" ثُمَّ اهْتَدى 20: 82" مات على ذلك.
__________
(1). راجع ج 9 ص 33.
(2). بالتصغير بن ماتع (بالتاء المثناة الفوقية) الأصبحي.
(3). راجع ج 19 ص 72.
(4). في ك: قعره.

وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)

[سورة طه (20): الآيات 83 الى 89]
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (83) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (84) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (88) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (89)
قوله تعالى: (وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ) 20: 83 أي ما حملك على أن تسبقهم. قيل: عنى بالقوم جميع بني إسرائيل، فعلى هذا قيل: استخلف هرون على بني إسرائيل، وخرج معه بسبعين رجلا للميقات. فقوله: (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي) 20: 84 ليس يريد أنهم يسيرون خلفه متوجهين إليه، بل أراد أنهم بالقرب مني ينتظرون عودي إليهم. وقيل: لا بل كان أمر هرون بأن يتبع في بني إسرائيل أثره ويلتحقوا به. وقال قوم: أراد بالقوم السبعين الذين اختارهم، وكان موسى لما قرب من الطور سبقهم شوقا إلى سماع كلام الله. [عز وجل «1»] وقيل: لما وفد إلى طور سينا بالوعد اشتاق إلى ربه وطالت عليه المسافة من شدة الشوق إلى الله تعالى، فضاق به الامر حتى شق قميصه، ثم لم يصبر حتى خلفهم ومضى وحده، فلما وقف في مقامه قال الله تبارك وتعالى:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى 20: 83" فبقي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متحيرا عن الجواب [لهذه «2» الكلمة لما استقبله من صدق الشوق فأعرض عن الجواب ] وكنى عنه بقوله:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي 20: 84" وإنما سأله السبب الذي أعجله بقوله" ما" فأخبر عن مجيئهم بالأثر. ثم قال: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) 20: 84 فكنى عن
__________
(1). من ى. وفي ك: تعالى.
(2). من اوب وج وز وط وك وى.

ذكر الشوق وصدقه «1» إلى ابتغاء الرضا. ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله:" وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى 20: 84" قال: شوقا. وكانت عائشة رضى الله عنها إذا آوت إلى فراشها تقول: هاتوا المجيد. فتؤتى بالمصحف فتأخذه في صدرها وتنام معه تتسلى بذلك، رواه سفيان عن معسر عن عائشة رضى الله عنها. وكان عليه الصلاة والسلام إذا أمطرت السماء خلع ثيابه وتجرد حتى يصيبه المطر ويقول:" إنه حديث عهد بربي" فهذا من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وممن بعده من قبيل الشوق، ولذلك قال الله تبارك اسمه فيما يروى عنه:" طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشوق". وقال ابن عباس: كان الله عالما ولكن قال:" وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ 20: 83" رحمة لموسى، وإكراما له بهذا القول، وتسكينا لقلبه، ورقة «2» عليه، فقال مجيبا لربه:" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي 20: 84". قال أبو حاتم قال عيسى: بنو تميم يقولون:" هم أولى" مقصورة مرسلة، واهل الحجاز يقولون" أُولاءِ" ممدودة. وحكى الفراء" هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي 20: 84" وزعم أبو إسحاق الزجاج: أن هذا لا وجه له. قال النحاس: وهو كما قال، لان هذا ليس مما يضاف فيكون مثل هداي. ولا يخلو من إحدى جهتين: إما أن يكون اسما مبهما فإضافته محال، وإما أن يكون بمعنى الذين فلا يضاف أيضا، لان ما بعده من تمامه وهو معرفة. وقرا ابن أبي إسحاق ونصر ورويس عن يعقوب" على إثري" بكسر الهمزة وإسكان الثاء وهو بمعنى أثر، لغتان." وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى 20: 84" أي عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني. يقال: رجل عجل وعجل وعجول وعجلان بين العجلة، والعجلة خلاف البطء. قوله تعالى: (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) 20: 85 أي اختبرناهم وامتحناهم بأن يستدلوا على الله عز وجل. (وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) 20: 85 أي دعاهم إلى الضلالة أو هو سببها. وقيل: فتناهم ألقيناهم في الفتنة: أي زينا لهم عبادة العجل، ولهذا قال موسى:" إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ" «3» [الأعراف: 155]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان السامري من قوم يعبدون البقر «4»، فوقع بأرض مصر فدخل في دين بني إسرائيل بظاهره، وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر. وقيل: كان رجلا
__________
(1). في ب وج وك وى: وصرفه.
(2). المراد بالرقة هنا التعطف.
(3). راجع ج 7 ص 294 فما بعد.
(4). أي من أهل الهند كما في بعض الاخبار.

من القبط، وكان جارا لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيما من عظماء بني إسرائيل، من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان. قوله تعالى: (فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً) 20: 86 حال وقد مضى في (الأعراف) «1» بيانه مستوفى. (قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً) 20: 86 وعدهم عز وجل الجنة إذا أقاموا على طاعته، ووعدهم أنه يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى، ليعملوا بما فيها فيستحقوا ثواب عملهم. وقيل: وعدهم النصر والظفر. وقيل: وعده قوله:" وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ 20: 82" الآية. (أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) 20: 86 أي أفنسيتم، كما قيل، والشيء قد ينسى لطول العهد. (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) 20: 86" يَحِلَّ" أي يجب وينزل. والغضب العقوبة والنقمة. والمعنى: أم أردتم أن تفعلوا فعلا يكون سبب حلول غضب الله بكم، لان أحدا لا يطلب غضب الله «2»، بل قد يرتكب ما يكون سببا للغضب. (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي) 20: 86 لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من الطور. وقيل: وعدهم على أثره للميقات فتوقفوا. (قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا) 20: 87 بفتح الميم، وهي قراءة نافع وعاصم وعيسى بن عمر. قال مجاهد والسدي: ومعناه بطاقتنا. ابن زيد: لم نملك أنفسنا أي كنا مضطرين. وقرا ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر" بِمَلْكِنا 20: 87" بكسر الميم. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنها اللغة العالية. وهو مصدر ملكت الشيء أملكه ملكا. والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف، كأنه قال: بملكنا الصواب بل أخطأنا فهو اعتراف منهم بالخطإ. وقرا حمزة والكسائي:" بملكنا" بضم الميم والمعنى بسلطاننا. أي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك. ثم قيل قوله:" قالُوا" عام يراد به الخاص، أي قال الذين ثبتوا على طاعة الله إلى أن يرجع إليهم من الطور:" ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا 20: 87" وكانوا أثني عشر ألفا وكان جميع بني إسرائيل ستمائة ألف. (وَلكِنَّا حُمِّلْنا) 20: 87 بضم الحاء وتشديد الميم مكسورة، قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص ورويس. الباقون بفتح الحرفين خفيفة. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنهم حملوا حلى القوم
__________
(1). راجع ج 7 ص 286 فما بعد. [.....]
(2). في ب وج وز وط وك: غضب الرب.

معهم وما حملوه كرها. (أَوْزاراً) 20: 87 أي أثقالا (مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ) 20: 87 أي من حليهم، وكانوا استعاروه حين أرادوا الخروج مع موسى عليه السلام، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة. وقيل: هو ما أخذوه من آل فرعون، لما قذفهم البحر إلى الساحل. وسميت أوزارا بسبب أنها كانت آثاما. أي لم يحل لهم أخذها ولم تحل لهم الغنائم، وأيضا فالاوزار هي الأثقال في اللغة. (فَقَذَفْناها) 20: 87 أي ثقل علينا حمل ما كان معنا من الحلي فقذفناه في النار ليذوب، أي طرحناه فيها. وقيل: طرحناه إلى السامري لترجع فترى فيها رأيك. قال قتادة: إن السامري قال لهم حين استبطأ القوم موسى: إنما احتبس عليكم من أجل ما عندكم من الحلي، فجمعوه ودفعوه إلى السامري فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلا، ثم ألقى عليه قبضة من أثر فرس الرسول وهو جبريل عليه السلام. وقال معمر: الفرس الذي كان عليه جبريل هو الحياة، فلما ألقى عليه القبضة صار عجلا جسدا له خوار. والخوار صوت البقر. وقال ابن عباس: لما انسكبت الحلي في النار، جاء السامري وقال لهارون: يا نبي الله أألقي ما في يدي- وهو يظن أنه كبعض ما جاء به غيره من الحلي- فقذف التراب فيه، وقال: كن عجلا جسدا له خوار، فكان كما قال للبلاء والفتنة، فخار خورة واحدة لم يتبعها مثلها. وقيل: خوارة وصوته كان بالريح، لأنه كان عمل فيه خروقا فإذا دخلت الريح في جوفه خار ولم تكن فيه حياة. وهذا قول مجاهد. وعلى القول الأول كان عجلا من لحم ودم، وهو قول الحسن وقتادة والسدي. وروى حماد عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مر هرون بالسامري وهو يصنع العجل فقال: ما هذا؟ فقال: ينفع ولا يضر، فقال: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه، فقال: اللهم إني أسألك أن يخور. وكان إذا خار سجدوا، وكان الخوار من أجل دعوة هرون. قال ابن عباس: خار كما يخور الحي من العجول. وروى أن موسى قال: يا رب هذا السامري أخرج لهم عجلا جسدا له خوار من حليهم، فمن جعل الجسد والخوار؟ قال الله تبارك وتعالى: أنا. قال موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وعزتك وجلالك وارتفاعك وعلوك وسلطانك ما أضلهم غيرك. قال: صدقت يا حكيم

وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)

الحكماء. وقد تقدم هذا كله في سورة (الأعراف) «1». (فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى ) 20: 88 أي قال السامري ومن «2» تبعه وكانوا ميالين إلى التشبيه، إذ قالوا" اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ". الأعراف: 138" (فَنَسِيَ) أي فضل موسى [وذهب «3»] بطلبه فلم يعلم مكانه، وأخطأ الطريق إلى ربه. وقيل: معناه فتركه موسى هنا وخرج يطلبه. أي ترك موسى إلهه هنا. وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: أي فنسي موسى أن يذكر لكم أنه إلهه. وقيل: الخطاب خبر عن السامري. أي ترك السامري ما أمره به موسى من الايمان فضل، قاله ابن الاعرابي. فقال الله تعالى محتجا عليهم:" أَفَلا يَرَوْنَ 20: 89" أي يعتبرون ويتفكرون. في (أن)- هـ لا (يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا) أي لا يكلمهم. وقيل: لا يعود إلى الخوار والصوت. (وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) 20: 89 فكيف يكون إلها؟! والذي يعبده موسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضر وينفع ويثيب ويعطى ويمنع. و" أَلَّا يَرْجِعُ 20: 89" تقديره أنه لا يرجع فلذلك ارتفع الفعل فخففت" أن" وحذف الضمير. وهو الاختيار في الرؤية والعلم والظن. قال
في فتية من سيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
وقد يحذف «4» مع التشديد، قال:
فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ... ولكن زنجي عظيم المشافر
أي ولكنك.

[سورة طه (20): الآيات 90 الى 93]
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (91) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ) 20: 90 أي من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم (يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ) 20: 90 أي ابتليتم وأضللتم به، أي بالعجل. (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ) 20: 90
__________
(1). راجع ج 7 ص فما 284 بعد
(2). في ب وج وط وك وى: تابعه
(3). عبارة الحلالين يقتضيها المقام
(4). في ط وك: يجوز. أى الحذف

لا العجل. (فَاتَّبِعُونِي) في عبادته. (وَأَطِيعُوا أَمْرِي) 20: 90 لا أمر السامري. أو فاتبعوني في مسيري إلى موسى ودعوا العجل. فعصوه و(قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ) 20: 91 أي لن نزال مقيمين على عبادة العجل (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ) 20: 91 فينظر هل يعبده كما عبدناه، فتوهموا أن موسى يعبد العجل، فاعتزلهم هرون في أثنى عشر ألفا، الذين «1» لم يعبدوا العجل فلما رجع موسى وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل قال للسبعين معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى هرون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله غضبا و(قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا) 20: 92 أي أخطئوا الطريق وكفروا. (أَلَّا تَتَّبِعَنِ) 20: 93" لا" زائدة أي أن تتبع أمري ووصيتي. وقيل: ما منعك عن اتباعي في الإنكار عليهم. وقيل: معناه هلا قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم لقاتلتهم على كفرهم. وقيل: ما منعك من اللحوق بي لما فتنوا. (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) 20: 93 يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله تعالى عصيان منك لي، قاله ابن عباس. وقيل: معناه هلا فارقتهم فتكون مفارقتك إياهم تقريعا لهم وزجرا. ومعنى:" أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي 20: 93" قيل: إن أمره ما حكاه الله تعالى عنه" وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ" «2» [الأعراف: 142]، فلما أقام معهم ولم يبالغ في منعهم والإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره. مسألة- وهذا كله أصل في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييره ومفارقة أهله، وأن المقيم بينهم لا سيما إذا كان راضيا حكمه كحكمهم. وقد مضى هذا المعنى في آل عمران والنساء والمائدة والانعام والأعراف والأنفال. وسيل الامام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم- حرس الله مدته- أنه أجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شي من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، [يرحمكم الله «3»] وهذا القول الذي يذكرونه
__________
(1). كذا في ب وج وط وى. والذي في ا: من الذين.
(2). راجع ج 7 ص 277.
(3). من ب وط وى.

قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98)

يا شيخ كف عن الذنوب ... قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحا ... ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى ... ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه «1». الجواب:- يرحمك الله- مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل، وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى، وإنما كان يجلس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لاحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق.

[سورة طه (20): الآيات 94 الى 98]
قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (95) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (97) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (98)
قوله تعالى:َا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي)
ابن عباس: أخذ شعره بيمينه ولحيته بيساره، لان الغيرة في الله ملكته، أي لا تفعل هذا فيتوهموا أنه منك استخفاف
__________
(1). في ب وج وط وك: وجوه.

أو عقوبة. وقد قيل: إن موسى عليه السلام إنما فعل هذا على غير استخفاف ولا عقوبة كما يأخذ الإنسان بلحية نفسه. وقد مضى هذا في (الأعراف) «1» مستوفى. والله عز وجل أعلم بما أراد نبيه عليه السلام.ِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ) 20: 94
أي خشيت أن أخرج وأتركهم وقد أمرتني أن أخرج معهم فلو خرجت لاتبعني قوم ويتخلف مع العجل قوم، وربما أدى الامر إلى سفك الدماء، وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال فتلومني على ذلك. وهذا جواب هرون لموسى السلام عن قوله" أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي 20: 93" وفي الأعراف" إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ 150" [الأعراف: 150] لأنك أمرتني أن أكون معهم. وقد تقدم. ومعنىَ- لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) 20: 94
لم تعمل بوصيتي في حفظ [- هم، لأنك أمرتني أن أكون معهم «2»]، قاله مقاتل. وقال أبو عبيدة: لم تنتظر عهدي وقدومي. فتركه موسى ثم أقبل على السامري ف (- قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ) 20: 95 أي، ما أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت؟ قال قتادة: كان السامري عظيما في بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة ولكن عدو الله نافق بعد ما قطع البحر مع موسى، فلما مرت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أصنام لهم" قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ" [الأعراف: 138] فاغتنمها السامري وعلم أنهم يميلون إلى عبادة العجل فاتخذ العجل. ف"- قالَ 30" السامري مجيبا لموسى:" بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ 20: 96" يعني: رأيت ما لم يروا، رأيت جبريل عليه السلام على فرس الحياة، فألقى في نفسي أن أقبض من أثره قبضة، فما ألقيته على شي إلا صار له روح ولحم ودم فلما سألوك أن تجعل لهم إلها زينت لي نفسي ذلك. وقال علي رضى الله عنه: لما نزل جبريل ليصعد بموسى عليه السلام إلى السماء، أبصره السامري من بين الناس فقبض قبضة من أثر الفرس. وقيل قال السامري: رأيت جبريل على الفرس وهى تلقي خطوها مد البصر فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها فما ألقيته على شي إلا صار له روح ودم. وقيل: رأى جبريل يوم نزل على رمكة «3» وديق، فتقدم خيل فرعون في ورود البحر. ويقال: إن أم السامري جعلته حين وضعته في غار خوفا
__________
(1). راجع ج 7 ص 289 فما بعد وص 286 وص 253.
(2). من ب وج وط وك.
(3). الرمكة: الفرس والبرذونة التي تتخذ النسل معرب. وهي هنا الفرس. والوديق: التي تشتهي الفحل.

من أن يقتله فرعون، فجاءه جبريل عليه السلام، فجعل كف السامري في فم السامري، فرضع العسل واللبن فاختلف إليه فعرفه من حينئذ. وقد تقدم هذا المعنى في" الأعراف" «1». ويقال: إن السامري سمع كلام موسى عليه السلام، حيث عمل تمثالين من شمع أحدهما ثور والآخر فرس فألقاهما في النيل طلب قبر يوسف عليه السلام وكان في تابوت من حجر في النيل فأتى به الثور على قرنه، فتكلم السامري بذلك الكلام الذي سمعه من موسى، وألقى القبضة في جوف العجل فخار. وقرا حمزة والكسائي والأعمش وخلف:" بما لم تبصروا" بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. وقرا أبي بن كعب وابن مسعود والحسن وقتادة" فقبصت قبصة" بصاد غير معجمة. وروي عن الحسن ضم القاف من" قَبْضَةً 20: 96" والصاد غير معجمة. الباقون: (قبضت قبضة) بالضاد المعجمة. والفرق بينهما أن القبض بجميع الكف، والقبص بأطراف الأصابع، ونحوهما الخضم والقضم، والقبضة بضم القاف القدر المقبوض، ذكره المهدوي. ولم يذكر الجوهري" قبصة" بضم القاف والصاد غير معجمة، وإنما ذكر" القبضة" بضم القاف والضاد المعجمة وهو ما قبضت عليه من شي، يقال: أعطاه قبضة من سويق أو تمر أي كفا منه، وربما جاء بالفتح. قال: والقبض بكسر القاف والصاد غير المعجمة العدد الكثير من الناس، قال الكميت:
لكم مسجدا الله المزوران والحصى ... لكم قبصه من بين أثرى واقترى «2»
(فَنَبَذْتُها) 20: 96 أي طرحتها في العجل. (وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) 20: 96 أي زينته، قاله الأخفش. وقال ابن زيد: حدثتني نفسي. والمعنى متقارب. قوله تعالى: (قالَ فَاذْهَبْ) 20: 97 أي قال له موسى فاذهب أي من بيننا (فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ) 20: 97 أي لا أمس ولا أمس طول الحياة. فنفاه موسى عن قومه وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له. [والله أعلم «3»] قال الشاعر:
تميم كرهط السامري وقوله ... ألا لا يريد السامري مساسا
__________
(1). راجع ج 7 ص 274.
(2). أي من بين مثر ومقل. [.....]
(3). من ك.

قال الحسن: جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه عقوبة له ولمن كان منه إلى يوم القيامة، وكان الله عز وجل شدد عليه المحنة، بأن جعله لا يماس أحدا ولا يمكن من أن يمسه أحد، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا. ويقال: ابتلى بالوسواس واصل الوسواس من ذلك الوقت. وقال قتادة: بقاياهم إلى اليوم يقولون ذلك- لا مساس- وإن مس واحد من غيرهم أحدا منهم حم كلاهما في الوقت. ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال الله تعالى له: لا تقتله فإنه سخي. ويقال لما قال له موسى:" فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس" خاف فهرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش، لا يجد أحدا من الناس يمسه حتى صار كالقائل: لا مساس، لبعده عن الناس وبعد الناس عنه، كما قال الشاعر:
حمال رايات بها قناعسا ... حتى تقول الأزد لا مسابسا «1»
مسألة: هذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وألا يخالطوا، وقد فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بكعب بن مالك والثلاثة «2» الذين خلفوا. ومن التجأ إلى الحرم وعليه قتل لا يقتل عند بعض الفقهاء، ولكن لا يعامل ولا يبايع ولا يشارى، وهو إرهاق إلى الخروج. ومن هذا القبيل التغريب في حد الزنى، وقد تقدم جميع هذا كله في موضعه، فلا معنى لإعادته. والحمد لله وحده. وقال هرون القارئ: ولغة العرب لا مساس بكسر السين وفتح الميم، وقد تكلم النحويون فيه، فقال سيبويه: هو مبني على الكسر كما يقال اضرب الرجل. وقال أبو إسحاق: لا مساس نفي وكسرت السين لان الكسرة من علامة التأنيث، تقول: فعلت يا امرأة «3». قال النحاس وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: إذا أعتل الشيء من ثلاث جهات وجب أن يبني، وإذا أعتل من جهتين وجب ألا ينصرف، لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء، فمساس ودراك اعتل من ثلاث جهات: منها أنه معدول، ومنها أنه مؤنث، وأنه معرفة، فلما وجب البناء فيه وكانت الالف قبل السين ساكنة كسرت السين لالتقاء الساكنين، كما تقول: اضرب الرجل. ورأيت أبا إسحاق
__________
(1). كذا في الأصول ولم نقف عليه.
(2). في ك: وصاحبيه.
(3). كذا في النحاس. والذي في الأصول: فعلت المرأة.

يذهب إلى أن هذا القول خطأ، وألزم أبا العباس إذا سمى أمرة بفرعون يبنيه، وهذا لا يقوله أحد. وقال الجوهر في الصحاح: وأما قول العرب لا مساس مثال قطام فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المس. وقرا أبو حيوة" لا مِساسَ 20: 97". (وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ) 20: 97 يعني يوم القيامة. والموعد مصدر، أي إن لك وعدا لعذابك. وقرا ابن كثير وأبو عمرو:" تخلفه" بكسر اللام وله معنيان: أحدهما- ستأتيه ولن تجده مخلفا، كما تقول: أحمدته أي وجدته محمودا. والثاني- على التهديد أي لا بد لك من أن تصير إليه. الباقون بفتح اللام، بمعنى: إن الله لن يخلفك إياه. قوله تعالى: (وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ) 20: 97 أي دمت وأقمت عليه." عاكِفاً 20: 97" أي ملازما، وأصله ظللت، قال: «1»
خلا أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس
أي أحسسن. وكذلك قرأ الأعمش بلامين على الأصل. وفي قراءة ابن مسعود:" ظلت" بكسر الظاء. يقال: ظللت أفعل كذا إذا فعلته نهارا وظلت وظلت، فمن قال: ظلت حذف اللام الاولى تخفيفا، ومن قال: ظلت ألقى حركة اللام على الظاء. (لَنُحَرِّقَنَّهُ) 20: 97 قراءة العامة بضم النون وشد الراء من حرق يحرق. وقرا الحسن وغيره: بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء من أحرقه يحرقه. وقرا علي وابن عباس وأبو جعفر وابن محيصن وأشهب العقيلي" لنحرقنه" بفتح النون وضم الراء خفيفة، من حرقت الشيء أحرقه حرقا بردته وحككت بعضه ببعض، ومنه قولهم: حرق نابه يحرقه ويحرقه أي سحقه حتى سمع له صريف، فمعنى هذه القراءة لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد المحرق. والقراءتان الأوليان معناهما الحرق بالنار. وقد يمكن جمع ذلك فيه، قال السدي: ذبح العجل فسال منه كما يسيل من العجل إذا ذبح، ثم برد عظامه بالمبرد وحرقه. وفي حرف ابن مسعود:" لنذبحنه ثم لنحرقنه" واللحم والدم إذا أحرقا
__________
(1). هو أبو زبيد والشوس (بالتحريك) قال ابن سيده: أن ينظر بإحدى عينيه ويميل وجهه في شق العين التي ينظر بها ويكون ذلك خلقة ويكون من الكبر والتيه والغضب.

كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104)

صارا رمادا فيمكن تذريته في اليم فأما الذهب فلا يصير رمادا وقيل: عرف موسى ما صير به الذهب رمادا، وكان ذلك من آياته. ومعنى" لَنَنْسِفَنَّهُ 20: 97" لنطيرنه. وقرا أبو رجاء" لننسفنه" بضم السين لغتان، والنسف نفض الشيء ليذهب به الريح وهو التذرية، والمنسف ما ينسف به الطعام، وهو شي متصوب «1» الصدر أعلاه مرتفع، والنسافة ما يسقط منه، يقال: اعزل النسافة وكل الخالص. ويقال: أتانا فلان كأن لحيته منسف، حكاه أبو نصر أحمد بن حاتم. والمنسفة آلة يقلع بها البناء، ونسفت البناء نسفا قلعته، ونسفت البعير الكلا ينسفه بالكسر إذا اقتلعه بأصله، وانتسفت الشيء اقتلعته، عن أبي زيد. قوله تعالى: (إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) 20: 98 لا العجل، أي وسع كل شي علمه، يفعل الفعل عن العلم، ونصب على التفسير. وقرا مجاهد وقتادة" وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً 20: 98".

[سورة طه (20): الآيات 99 الى 104]
كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (100) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (101) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (103)
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (104)
قوله تعالى: (كَذلِكَ) الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف. أي كما قصصنا عليك خبر موسى" كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ 20: 99" قصصا كذلك من أخبار ما قد سبق، ليكون تسلية لك، وليدل على صدقك. (وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) 20: 99 يعني القرآن. وسمي القرآن ذكرا، لما فيه من الذكر كما سمي الرسول ذكرا، لان الذكر كان ينزل عليه. وقيل:" آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً 20: 99" أي شرفا، كما قال تعالى" وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ" «2» [الزخرف: 44] أي شرف وتنويه باسمك.
__________
(1). في ب وز: منصوب.
(2). راجع ج 16 ص 93.

قوله تعالى: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ) 20: 100 أي القرآن فلم يؤمن به، ولم يعمل بما فيه (فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً) 20: 100 أي إثما عظيما وحملا ثقيلا. (خالِدِينَ فِيهِ) 20: 101 يريد مقيمين فيه، أي في جزائه وجزاؤه جهنم. (وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا) 20: 101 يريد بئس الحمل حملوه يوم القيامة. وقرا داود ابن رفيع:" فإنه يحمل". قوله تعالى: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) قراءة العامة" يُنْفَخُ" بضم الياء على الفعل المجهول. وقرا أبو عمرو وابن أبي إسحاق بنون مسمى الفاعل. واستدل أبو عمرو بقوله تعالى:" وَنَحْشُرُ" بنون. وعن ابن هرمز" ينفخ" بفتح الياء أي ينفخ إسرافيل. أبو عياض:" فِي الصُّورِ". الباقون:" فِي الصُّورِ" وقد تقدم هذا في (الانعام) «1» مستوفى وفي كتاب (التذكرة). وقرا طلحة بن مصرف" ويحشر" بضم الياء" المجرمون" رفعا بخلاف المصحف. والباقون" وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ 20: 102" أي المشركين. (زُرْقاً) 20: 102 حال من المجرمين، والزرق خلاف الكحل. والعرب تتشاءم بزرق العيون وتذمه، أي تشوه خلقتهم بزرقة عيونهم وسواد وجوههم. وقال الكلبي والفراء:" زُرْقاً 20: 102" أي عميا. وقال الأزهري: [أي «2»] عطاشا قد ازرقت أعينهم من شدة العطش، وقاله الزجاج، قال: لان سواد العين يتغير ويزرق من العطش. وقيل: إنه الطمع الكاذب إذا تعقبته الخيبة، يقال: ابيضت عيني لطول انتظاري لكذا. وقول خامس: إن المراد بالزرقة شخوص البصر من شدة الخوف، قال الشاعر:
لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كل ضبي من اللؤم أزرق
يقال: رجل أزرق العين، والمرأة زرقاء بينة الزرق. والاسم الزرقة. وقد زرقت عينه بالكسر وازرقت عينه ازرقاقا، وازراقت عينه ازريقاقا. وقال سعيد بن جبير: قيل لابن عباس في قوله:" وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً 20: 102" وقال في موضع آخر:" وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا" «3» [الاسراء: 97] فقال: إن ليوم القيامة حالات، فحالة يكونون فيها زرقا، وحالة عميا. (يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ) 20: 103 أصل الخفت في اللغة السكون، ثم قيل لمن خفض صوته خفته. [والمعنى «4»]
__________
(1). راجع ج 7 ص 20 فما بعد.
(2). من ك.
(3). راجع ج 10 ص 333.
(4). من ب وج وط وك.

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)

يتسارون، قاله مجاهد، أي يقول بعضهم لبعض في الموقف سرا (إِنْ لَبِثْتُمْ) أي ما لبثتم يعني في الدنيا، وقيل: في القبور (إِلَّا عَشْراً) 20: 103 يريد عشر ليال. وقيل: أراد ما بين النفختين وهو أربعون سنة، يرفع العذاب في تلك المدة عن الكفار.- في قول ابن عباس- فيستقصرون تلك المدة. أو مدة مقامهم في الدنيا لشدة ما يرون من أهوال يوم القيامة، ويخيل إلى أمثلهم أي أعدلهم قولا وأعقلهم وأعلمهم عند نفسه أنهم ما لبثوا إلا يوما واحدا يعني لبثهم في الدنيا، عن قتادة، فالتقدير: إلا مثل يوم. وقيل: إنهم من شدة هول المطلع نسوا ما كانوا فيه من نعيم الدنيا رأوه كيوم. وقيل: أراد بيوم لبثهم ما بين النفختين، أو لبثهم في القبور على ما تقدم." وعشرا" و" يوما" منصوبان ب"- لبثتم".

[سورة طه (20): الآيات 105 الى 110]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (105) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (106) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (108) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (109)
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110)
قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ) 20: 105 أي عن حال الجبال يوم القيامة. (فَقُلْ) [فقد «1»] جاء هذا بفاء وكل سؤال في القرآن" قل" بغير فاء إلا هذا، لان المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط. وقد علم الله أنهم يسألونه عنها، فأجابهم قبل السؤال، وتلك أسئلة تقدمت سألوا عنها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء الجواب عقب السؤال، فلذلك كان بغير فاء، وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد، فتفهمه. (يَنْسِفُها) 20: 105 يطيرها." نَسْفاً 20: 97" قال ابن الاعرابي وغيره: يقلعها قلعا من أصولها ثم يصيرها رملا يسيل سيلا، ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا. قال: ولا يكون العهن من الصوف إلا المصبوغ، ثم كالهباء المنثور. (فَيَذَرُها) 20: 106 أي يذر مواضعها (قاعاً صَفْصَفاً) 20: 106 القاع الأرض الملساء
__________
(1). من ك.

بلا نبات ولا بناء «1»، قاله ابن الاعرابي. وقال الجوهري: والقاع المستوي من الأرض والجمع أقوع وأقواع وقيعان صارت الواو ياء لكسر ما قبلها. وقال الفراء: القاع مستنقع الماء والصفصف القرعاء. الكلبي: هو الذي لا نبات فيه. وقيل: المستوي من الأرض كأنه على صف واحد في استوائه، قاله مجاهد. والمعنى واحد في القاع والصفصف، فالقاع الموضع المنكشف، والصفصف المستوي الأملس. وأنشد سيبويه «2»:
وكم دون بيتك من صفصف ... ودكداك رمل وأعقادها
و" قاعاً 20: 106" نصب على الحال والصفصف. (لا تَرى ) 20: 107 في موضع الصفة. (فِيها عِوَجاً) 20: 107 قال ابن الاعرابي: العوج التعوج في الفجاج. والأمت النبك. وقال أبو عمرو: الأمت النباك وهي التلال الصغار واحدها نبك، أي هي أرض مستوية لا انخفاض فيها ولا ارتفاع. تقول: امتلأ فما به أمت، وملأت القربة مليا لا أمت فيه، أي لا استرخاء فيه. والأمت في اللغة المكان المرتفع. وقال ابن عباس:" عوجا" ميلا. قال: والأمت الأثر مثل الشراك. وعنه أيضا" عِوَجاً" واديا" وَلا أَمْتاً 20: 107" رابية. وعنه أيضا: العوج [الانخفاض «3»] والأمت الارتفاع وقال قتادة:" عِوَجاً" صدعا. (وَلا أَمْتاً) 20: 107 أي أكمة. وقال يمان: الأمت الشقوق في الأرض. وقيل: الأمت أن يغلظ مكان في الفضاء أو الجبل ويدق في مكان، حكاه الصولي. قلت: وهذه الآية تدخل في باب الرقي، ترقى بها الثآليل وهي التي تسمى عندنا" بالبراريق" واحدها" بروقه"، تطلع في الجسد وخاصة في اليد: تأخذ ثلاث أعواد من تبن الشعير، يكون في طرف كل عود عقدة، تمر كل عقدة على الثآليل وتقرأ الآية مرة، ثم تدفن الأعواد في مكان ندي، تعفن وتعفن الثآليل فلا يبقى لها أثر، جربت ذلك في نفسي وفي غيري فوجدته نافعا إن شاء الله تعالى «4». قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ) 20: 108 يريد إسرافيل عليه السلام إذا نفخ في الصور (لا عِوَجَ لَهُ) 20: 108 أي لا معدل لهم عنه، أي عن دعائه لا يزيغون ولا ينحرفون بل يسرعون إليه ولا يحيدون
__________
(1). في ك: ماء.
(2). البيت للأعشى وقد وصف بعد المسافة بينه وبين الممدوح الذي قصده ليستوجب بذلك جائزته. والدكداك: من الرمل المستوي. الاعقاد (جمع) عقدة وهو المنعقد من الرمل المتراكب. [.....]
(3). زيادة يقتضيها المعنى.
(4). في ك: نافعا بالله ولله الحمد. وفي ز: نافعا بإذن الله والحمد لله.

عنه. وعلى هذا أكثر العلماء. وقيل:" لا عوج له" أي لدعائه. وقيل: يتبعون الداعي اتباعا لا عوج له، فالمصدر مضمر، والمعنى: يتبعون صوت الداعي للمحشر، نظيره:" واستمع يوم يناد المنادي من مكان قريب" «1» [ق: 41] الآية. وسيأتي. (وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ) 20: 108 أي ذلت وسكنت، عن ابن عباس قال: لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع، فكل لسان ساكت هناك للهيبة. (لِلرَّحْمنِ) أي من أجله. (فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) 20: 108 الهمس الصوت الخفي، قاله مجاهد. عن ابن عباس: الحس الخفي. الحسن وابن جريج: هو صوت وقع الاقدام بعضها على بعض إلى المحشر، ومنه قول الراجز:
وهن يمشين بنا هميسا

يعني صوت أخفاف الإبل في سيرها. ويقال للأسد الهموس، لأنه يهمس في الظلمة، أي يطأ وطئا خفيا. قال رؤبة يصف نفسه بالشدة:
ليث يدق الأسد الهموسا ... والاقهبين «2» الفيل والجاموسا
وهمس الطعام، أي مضغه وفوه منضم، قال الراجز:
لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالي خمسا

يأكلن ما أصنع همسا همسا

وقيل: الهمس تحريك الشفة واللسان. وقرا أبي بن كعب:" فلا ينطقون إلا همسا". والمعنى متقارب، أي لا يسمع لهم نطق ولا كلام ولا صوت أقدام. وبناء" هـ م س" أصله الخفاء كيفما تصرف، ومنه الحروف المهموسة، وهي عشرة يجمعها قولك:" حثه شخص فسكت" وإنما سمي الحرف مهموسا لأنه ضعف الاعتماد من موضعه حتى جرى معه النفس. قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ) 20: 109" مَنْ" في موضع نصب على الاستثناء الخارج من الأول، أي لا تنفع الشفاعة أحدا إلا شفاعة من أذن له الرحمن. (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا) 20: 109 أي رضي قوله في الشفاعة. وقيل: المعنى، أي إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، وكان له قول يرضى. قال ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله.
__________
(1). راجع ج 17 ص 26.
(2). سمى الفيل والجاموس أقهبين للونهما وهو الغيرة.

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112)

قوله تعالى: (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي من أمر الساعة. (وَما خَلْفَهُمْ) من أمر الدنيا قاله قتادة. وقيل: يعلم ما يصيرون إليه من ثواب أو عقاب" وَما خَلْفَهُمْ" ما خلفوه وراءهم في الدنيا. ثم قيل: الآية عامة في جميع الخلق. وقيل: المراد الذين يتبعون الداعي. والحمد لله. قوله تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) 20: 110 الهاء في" بِهِ" لله تعالى، أي أحد لا يحيط به علما، إذ الإحاطة مشعرة بالحد ويتعالى الله عن التحديد. وقيل: تعود على العلم، أي أحد لا يحيط علما بما يعلمه الله. وقال الطبري: الضمير في" أَيْدِيهِمْ" و" خَلْفَهُمْ" و" يُحِيطُونَ" يعود على الملائكة، أعلم الله من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها.

[سورة طه (20): الآيات 111 الى 112]
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (112)
قوله تعالى: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ) 20: 111 أي ذلت وخضعت، قاله ابن الاعرابي وغيره. ومنه قيل للأسير عان. قال أمية بن أبي الصلت:
مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وقال أيضا
وعنا له وجهي وخلقي كله ... في الساجدين لوجهه مشكورا
قال الجوهري: عنا يعنو خضع وذل وأعناه غيره، ومنه قوله تعالى:" وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ 20: 111". ويقال أيضا: عنا فيهم فلان أسيرا، أي قام فيهم على إساره واحتبس. وعناه غيره تعنية حبسه. والعاني الأسير. وقوم عناة ونسوة عوان. وعنت أمور نزلت. وقال ابن عباس:" عَنَتِ" ذلت. وقال مجاهد: خشعت. الماوردي: والفرق بين الذل والخشوع «1»- وإن تقارب معناهما- أن الذل أن يكون ذليل النفس، والخشوع «2» أن يتذلل لذي طاعة. وقال الكلبي" عَنَتِ" أي علمت. عطية العوفي: استسلمت. وقال طلق
__________
(1). في ك: الخضوع.
(2). في ك: الخضوع.

ابن حبيب: إنه وضع الجبهة والأنف على الأرض في السجود. النحاس:" وَعَنَتِ الْوُجُوهُ 20: 111" في معناه قولان: أحدهما: أن هذا في الآخرة. وروى عكرمة عن ابن عباس" وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ 20: 111" قال: الركوع والسجود، ومعنى" عَنَتِ" في اللغة القهر والغلبة، ومنه فتحت البلاد عنوة أي غلبة، قال الشاعر «1»:
فما أخذوها عنوة عن مودة ... ولكن ضرب المشرفي استقالها

وقيل: هو من العناء بمعنى التعب، وكنى عن الناس بالوجوه، لان أثار الذل إنما تتبين في الوجه. (لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) 20: 111 وفي القيوم ثلاث تأويلات، أحدها: أنه القائم بتدبير الخلق. الثاني- أنه القائم على كل نفس بما كسبت. الثالث- أنه الدائم الذي لا يزول ولا يبيد. وقد مضى في (البقرة) «2» هذا. (وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) 20: 111 أي خسر من حمل شركا. قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) 20: 112 لان العمل لا يقبل من غير إيمان. و" مَنْ" في قوله" مِنَ الصَّالِحاتِ" للتبعيض، أي شيئا من الصالحات. وقيل: للجنس. (فَلا يَخافُ) 20: 112 قرأ ابن كثير ومجاهد وابن محيصن:" يخف" بالجزم جوابا لقوله:" وَمَنْ يَعْمَلْ 110". الباقون" يَخافُ 20: 112" رفعا على الخبر، أي فهو لا يخاف، أو فإنه لا يخاف. (ظُلْماً) أي نقصا لثواب طاعته، ولا زيادة عليه في سيئاته. (وَلا هَضْماً) 20: 112 بالانتقاص من حقه. والهضم النقص والكسر، يقال: هضمت ذلك من حقي أي حططته وتركته. وهذا يهضم الطعام أي ينقص ثقله. وامرأة هضيم الكشح ضامرة البطن. الماوردي: والفرق بين الظلم والهضم أن الظلم المنع من الحق كله، والهضم المنع من بعضه، والهضم ظلم وإن افترقا من وجه، قال المتوكل الليثي:
إن الأذلة واللئام لمعشر ... مولاهم المتهضم المظلوم
قال الجوهري: ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم. وتهضمه أي ظلمه واهتضمه إذا ظلمه وكسر عليه حقه.
__________
(1). أنشده الفراء لكثير كما في (اللسان).
(2). راجع ج 3 ص 271 فما بعد.

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)

[سورة طه (20): الآيات 113 الى 114]
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (113) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)
قوله تعالى: (وَكَذلِكَ) أي كما بينا لك في هذه السورة من البيان ف (- كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا) 20: 113 أي بلغة العرب. (وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ) 20: 113 أي بينا ما فيه من التخويف والتهديد والثواب والعقاب. (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي يخافون الله فيجتنبون معاصيه، ويحذرون عقابه. (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) 20: 113 أي موعظة. وقال قتادة: حذرا وورعا. وقيل: شرفا، فالذكر هاهنا بمعنى الشرف، كقوله:" وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ" «1» [الزخرف 44]. وقيل: أي ليتذكروا العذاب الذي توعدوا به. وقرا الحسن:" أو نحدث" بالنون، وروي عنه رفع الثاء وجزمها. قوله تعالى: (فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) 20: 114 لما عرف العباد عظيم نعمه، وإنزال القرآن نزه نفسه عن الأولاد والأنداد فقال:" فَتَعالَى اللَّهُ" أي جل الله (الْمَلِكُ الْحَقُّ) 20: 114، أي ذو الحق. (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) 20: 114 علم نبيه كيف يتلقى القرآن. قال ابن عباس: كان عليه السلام يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا على الحفظ، وشفقة على القرآن مخافة النسيان، فنهاه الله عن ذلك وأنزل:" وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ 20: 114". وهذا كقوله تعالى:" لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
" «2» [القيامة: 16] على ما يأتي. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا تتله قبل أن تتبينه. وقيل:" وَلا تَعْجَلْ 20: 114" أي لا تسل إنزاله" مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ 20: 114" أي يأتيك" وَحْيُهُ". وقيل: المعنى لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله. وقال الحسن: نزلت في رجل لطم وجه امرأته، فجاءت إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تطلب القصاص، فجعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها القصاص فنزل" الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ" «3» [النساء 34] ولهذا قال:" وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً 20: 114" أي فهما، لأنه عليه السلام حكم بالقصاص وأبى الله ذلك. وقرا ابن مسعود وغيره:" من قبل أن نقضي" بالنون وكسر الضاد" وحيه" بالنصب.
__________
(1). راجع ج 16 ص 93.
(2). راجع ج 19 ص 104.
(3). راجع ج 5 ص 168.

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)

[سورة طه (20): آية 115]
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) 20: 115 قرأ الأعمش باختلاف عنه" فَنَسِيَ 20: 88" بإسكان الياء وله معنيان: أحدهما- ترك، أي ترك الامر والعهد، وهذا قول مجاهد وأكثر المفسرين ومنه" نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ" «1» [التوبة 67]. و[وثانيهما «2»] قال ابن عباس:" نسي" هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ الإنسان من أنه عهد إليه فنسي. قال ابن زيد: نسى ما عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوه إبليس. وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم عليه السلام في ذلك الوقت مأخوذا بالنسيان، وأن كان النسيان عنا اليوم مرفوعا. ومعنى" مِنْ قَبْلُ" أي من قبل أن يأكل من الشجرة، لأنه نهى عنها. والمراد تسلية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي طاعة بني آدم الشيطان أمر قديم، أي إن نقض هؤلاء العهد فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي: حكاه القشيري وكذلك الطبري. أي وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي، ويخالفوا رسلي، ويطيعوا إبليس فقدما فعل ذلك أبوهم آدم. قال ابن عطية: وهذا التأويل ضعيف، وذلك كون آدم مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء وآدم إنما عصى بتأويل، ففي هذا غضاضة عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما الظاهر في الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا يعجل بالقرآن، مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي فعوقب، ليكون أشد في التحذير، وأبلغ في العهد إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والعهد ها هنا في معنى الوصية،" ونسي" معناه ترك، ونسيان الذهول لا يمكن هنا، لأنه لا يتعلق بالناسي عقاب. والعزم المضي على المعتقد في أي شي كان، وآدم عليه السلام قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده. والشيء الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة، وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو له. واختلف في معنى قوله: (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) 20: 115 فقال ابن عباس وقتادة: لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة، ومواظبة على التزام الامر. قال
__________
(1). راجع ج 18 ص 43.
(2). زيادة يقتضيها السياق.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)

النحاس: وكذلك هو في اللغة، يقال: لفلان عزم أي صبر وثبات على التحفظ من المعاصي حتى يسلم منها، ومنه." فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ" «1» [الأحقاف: 35]. وعن ابن عباس أيضا وعطية العوفي: حفظا لما أمر به، أي لم يتحفظ مما نهيته حتى نسي وذهب عن علم ذلك بترك الاستدلال، وذلك أن إبليس قال له: إن أكلتها خلدت في الجنة يعني عين تلك الشجرة، فلم يطعه فدعاه إلى نظير تلك الشجرة مما دخل في عموم النهي وكان يجب أن يستدل عليه فلم يفعل، وظن أنها لم تدخل في النهي فأكلها تأويلا، ولا يكون ناسيا للشيء من يعلم أنه معصية. وقال ابن زيد:" عَزْماً 20: 115" محافظة على أمر الله. وقال الضحاك: عزيمة أمر. ابن كيسان: إصرارا ولا إضمارا للعود إلى الذنب. قال القشيري: والأول أقرب إلى تأويل الكلام، ولهذا قال قوم: آدم لم يكن من أولي العزم من الرسل، لان الله تعالى قال:" وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً 20: 115". وقال المعظم: كان الرسل أولو العزم، وفي الخبر:" ما من نبي إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ما خلا يحيى بن زكريا" فلو خرج آدم بسبب خطيئته من جملة أولى العزم لخرج جميع الأنبياء سوى يحيى. وقد قال أبو أمامة: أن أحلام بني آدم جمعت منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة، ووضعت في كفة ميزان، ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم، وقد قال الله تبارك وتعالى:" وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً 20: 115"

[سورة طه (20): الآيات 116 الى 119]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (116) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (117) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (119)
قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى ) تقدم في (البقرة) «2» مستوفى. (فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما) 20: 117 نهي، ومجازه
__________
(1). راجع ج 16 ص 220. [.....]
(2). راجع ج 1 ص 291 فما بعد.

لا تقبلا منه فيكون ذلك سببا لخروجكما" مِنَ الْجَنَّةِ"" فَتَشْقى 20: 117" يعني أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد، ولم يقل: فتشقيا لان المعنى معروف، وآدم عليه السلام هو المخاطب، وهو المقصود. وأيضا لما كان الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص. وقيل: الا خرج واقع عليهما والشقاوة على آدم وحده، وهو شقاوة البدن، ألا ترى أنه عقبه بقوله:" إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى 20: 118" أي في الجنة" وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى 20: 119" فأعلمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب والمسكن، وأنك إن ضيعت الوصية، وأطعت العدو أخرجكما من الجنة فشقيت تعبا ونصبا، أي جعت وعريت وظمئت وأصابتك الشمس، لأنك ترد إلى الأرض إذا أخرجت من الجنة. وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيان: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها على بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه الآية أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الاربعة: الطعام والشراب والكسوة والمسكن، فإذا أعطاها هذه الاربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور، فأما هذه الاربعة فلا بد لها منها، لان بها إقامة المهجة. قال الحسن المراد بقوله:" فَتَشْقى 20: 117" شقاء الدنيا، لا يرى ابن آدم إلا ناصبا. وقال الفراء: هو أن يأكل من كد يديه. وقال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فهو شقاؤه الذي قال الله تبارك وتعالى. وقيل: لما أهبط من الجنة كان من أول شقائه أن جبريل أنزل عليه حبات من الجنة، فقال: يا آدم ازرع هذا، فحرث وزرع، ثم حصد ثم درس ثم نقى ثم طحن ثم عجن ثم خبز، ثم جلس ليأكل بعد التعب، فتدحرج رغيفه من يده حتى صار أسفل الجبل، وجرى وراءه آدم حتى تعب وقد عرق جبينه، قال: يا آدم فكذلك رزقك بالتعب والشقاء، ورزق ولدك من بعدك ما كنت في الدنيا. قوله تعالى: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى . وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ) 20: 119- 118 فيه مسألتان:

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)

الاولى- قوله تعالى: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها) 20: 118 أي في الجنة (وَلا تَعْرى ) 20: 118." وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها 20: 119" أي لا تعطش. والظمأ العطش." وَلا تَضْحى 20: 119" أي تبرز للشمس فتجد حرها. إذ ليس في الجنة شمس، إنما هو ظل ممدود، كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. قال أبو العالية: نهار الجنة هكذا: وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. قال أبو زيد: ضحا الطريق يضحو ضحوا إذا بدا لك وظهر. وضحيت وضحيت" بالكسر" ضحا عرقت. وضحيت أيضا للشمس ضحاء ممدود برزت وضحيت" بالفتح" مثله، والمستقبل أضحى في اللغتين جميعا، قال عمر بن أبي ربيعة:
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر
وفي الحديث أن ابن عمر رأى رجلا محرما قد استظل، فقال: أضح لمن أحرمت له. هكذا يرويه المحدثون بفتح الالف وكسر الحاء من أضحيت. وقال الأصمعي: إنما هو اضح لمن أحرمت له، بكسر الالف وفتح الحاء من ضحيت أضحى، لأنه أمره بالبروز للشمس، ومنه قوله تعالى:" وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى 20: 119" وأنشد:
ضحيت له كي أستظل بظله ... إذا الظل أضحى في القيامة قالصا
وقرا أبو عمرو والكوفيون إلا عاصما في رواية أبو بكر عنه" وَأَنَّكَ" بفتح الهمزة عطفا على" أَلَّا تَجُوعَ 20: 118". ويجوز أن يكون في موضع رفع عطفا على الموضع، والمعنى: ولك أنك لا تظمأ فيها. الباقون بالكسر على الاستئناف، أو على العطف على" إِنَّ لَكَ" «1».

[سورة طه (20): الآيات 120 الى 122]
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (120) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (121) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (122)
__________
(1). في الأصول في هذه الآية مسألتان ولكن المثبت مسألة واحدة. ولعل الثانية هي القراءة.

قوله تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ) 20: 120 تقدم في (الأعراف) «1». (قالَ) 30 يعني الشيطان: (يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ) 20: 120 وهذا يدل على المشافهة، وأنه دخل الجنة في جوف الحية على ما تقدم في (البقرة) «2» بيانه، وتقدم هناك تعيين الشجرة، وما للعلماء فيها فلا معنى للإعادة. (فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) 20: 121 تقدم في (الأعراف) «3» مستوفى. وقال الفراء:" وَطَفِقا" في العربية أقبلا، قال وقيل: جعل يلصقان عليهما ورق التين. قوله تعالى: (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ) 20: 121 فيه ست مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَعَصى ) 20: 121 تقدم في (البقرة) «4» القول في ذنوب الأنبياء. وقال بعض المتأخرين من علمائنا والذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بذلك عن نفوسهم وتنصلوا منها، واستغفروا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها، وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزرى بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور، وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك، فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات، وفى حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم، وعلو أقدارهم، إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة، مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهم صلوات الله وسلامه عليهم- وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح في رتبتهم «5»، بل قد تلافاهم، واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليه وسلامه. الثانية- قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يجوز لاحد منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه، أو قول نبيه، فأما أن يبتدئ ذلك من قبل
__________
(1). راجع ج 7 ص 177.
(2). راجع ج 1 ص 308 فما بعد.
(3). راجع ج 7 ص 180.
(4). راجع ج 1 ص 305.
(5). في ب وج وز وط: رتبهم.

نفسه فليس بجائز لنا في آبائنا الأدنين إلينا، المماثلين لنا، فكيف في أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبي المقدم، الذي عذره الله سبحانه وتعالى وتاب عليه وغفر له. قلت: وإذا كان هذا في المخلوق لا يجوز، فالأخبار عن صفات الله عز وجل كاليد والرجل والإصبع والجنب والنزول إلى غير ذلك أولى بالمنع، وأنه لا يجوز الابتداء بشيء من ذلك إلا في أثناء قراءة كتابه أو سنة رسوله، ولهذا قال الامام مالك بن أنس رضي الله عنه: من وصف شيئا من ذات الله عز وجل مثل قوله:" وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ" «1» [المائدة 64] فأشار بيده إلى عنقه قطعت يده، وكذلك في السمع والبصر يقطع ذلك منه، لأنه شبه الله تعالى بنفسه. الثالثة- روى الأئمة واللفظ [المسلم «2»] عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال [له «3»] آدم يا موسى اصطفاك الله عز وجل بكلامه وخط لك بيده يا موسى: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى ثلاثا" «4» قال المهلب قوله:" فحج آدم موسى" أي غلبه بالحجة. قال الليث بن سعد: إنما صحت الحجة في هذه القصة لآدم على موسى عليهما السلام من أجل أن الله تعالى قد غفر لآدم خطيئته وتاب عليه، فلم يكن لموسى أن يعيره بخطيئة قد غفرها الله تعالى له، ولذلك قال آدم: أنت موسى الذي آتاك الله التوراة، وفيها علم كل شي، فوجدت فيها أن الله قد قدر علي المعصية، وقدر على التوبة منها، وأسقط بذلك اللوم عني أفتلومني أنت والله لا يلومني وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له: إن عثمان فر يوم أحد، فقال ابن عمر: ما على عثمان ذنب لان الله تعالى قد عفا عنه بقوله:" وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ" «5» [آل عمران: 155]. وقد قيل: إن آدم عليه السلام أب وليس تعييره من بره أن لو كان مما يعير به غيره، فإن الله تبارك وتعالى يقول في الأبوين الكافرين:" وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً" «6» [لقمان: 15] ولهذا إن إبراهيم عليه السلام لما قال له أبوه وهو كافر:" لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا. قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ" «7» [مريم: 46] فكيف بأب هو نبي قد اجتباه ربه وتاب عليه وهدى.
__________
(1). راجع ج 6 ص 238.
(2). في الأصول: اللفظ للبخاري. والتصويب عن صحيح مسلم.
(3). من ب وج وك.
(4). ثلاثا: أي قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فحج آدم موسى) ثلاث مرات.
(5). راجع ج 4 ص 243.
(6). راجع ج 14 ص 63.
(7). راجع ص 111 من هذا الجزء. [.....]

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)

الرابعة- وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة، فإن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول تلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت وقد قدر الله على ذلك، والامة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه، ولوم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه. الخامسة- قوله تعالى:" فَغَوى 20: 121" أي ففسد عليه عيشه، حكاه النقاش وأختاره القشيري. وسمعت شيخنا الأستاذ المقرئ أبا جعفر القرطبي يقول:" فَغَوى 20: 121" ففسد عيشه بنزوله إلى الدنيا، والغي الفساد، وهو تأويل حسن وهو أولى من تأويل من يقول:" فَغَوى 20: 121" معناه ضل، من الغي الذي هو ضد الرشد. وقيل: معناه جهل موضع رشده، أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهى عنها، والغي الجهل. وعن بعضهم" فَغَوى 20: 121"" فبشم من كثرة الأكل، الزمخشري: وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفا، فيقول في فنى وبقي: فنى وبقي وهم بنو طي- تفسير خبيث. السادسة- قال القشيري أبو نصر قال قوم يقال: عصى آدم وغوى ولا يقال له عاص ولا غاو كما أن من خاط مرة يقال له: خاط ولا يقال له خياط ما لم يتكرر منه الخياطة. وقيل: يجوز للسيد أن يطلق في عبده عند معصيته ما لا يجوز لغيره أن يطلقه، وهذا تكلف، وما أضيف من هذا إلى الأنبياء فإما أن تكون صغائر، أو ترك الاولى، أو قبل النبوة. قلت: هذا حسن. قال الامام أبو بكر بن فورك رحمه الله تعالى: كان هذا من آدم قبل النبوة، ودليل ذلك قوله تعالى:" ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى 20: 122" فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وإذا كان هذا قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب وجها واحدا، لان قبل النبوة لا شرع علينا في تصديقهم، فإذا بعثهم الله تعالى إلى خلقه وكانوا مأمونين في الأداء معصومين لم يضر ما قد سلف منهم من الذنوب. وهذا نفيس والله أعلم.

[سورة طه (20): الآيات 123 الى 127]
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (124) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (126) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (127)

قوله تعالى: (قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً) 20: 123 خطاب آدم وإبليس." مِنْها" أي من الجنة. وقد قال لإبليس:" اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً" [الأعراف 18] فلعله أخرج من الجنة إلى موضع من السماء، ثم أهبط إلى الأرض. (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) تقدم في (البقرة) «1» أي أنت عدو للحية ولإبليس وهما عدوان لك. وهذا يدل على أن قوله:" اهْبِطا 20: 123" ليس خطابا لآدم وحواء، لأنهما ما كانا متعاديين، وتضمن هبوط آدم هبوط حواء. (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) أي رشدا وقولا حقا. وقد تقدم في (البقرة) «2». (فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ) يعني الرسل والكتب. (فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ) 20: 123 قال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وتلا الآية. وعنه: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، ثم تلا الآية. (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) 20: 124
أي ديني، وتلاوة كتابي، والعمل بما فيه. وقيل: عما أنزلت من الدلائل. ويحتمل أن يحمل الذكر على الرسول، لأنه كان منه الذكر. (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) 20: 124 أي عيشا ضيقا، يقال: منزل ضنك وعيش ضنك يستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث والجمع، قال عنترة:
إن يلحقوا أكرر وإن يستحلموا ... أشدد وإن يلفوا بضنك أنزل
وقال أيضا:
إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
وقرى:" ضنكى" على وزن فعلى: ومعنى ذلك أن الله عز وجل جعل مع الدين التسليم والقناعة والتوكل عليه وعلى قسمته، فصاحبه ينفق مما رزقه الله- عز وجل- بسماح وسهولة
__________
(1). راجع ج 1 ص 319 فما بعد.
(2). راجع ج 1 ص 328 فما بعد.

ويعيش عيشا رافغا «1»، كما قال الله تعالى:" فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً" «2» [النحل 97]. والمعرض عن الدين مستول عليه الحرص الذي لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا، مسلط عليه الشح، الذي يقبض يده عن الإنفاق، فعيشه ضنك، وحاله مظلمة، كما قال بعضهم: لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوش عليه رزقه، وكان في عيشة ضنك. وقال عكرمة:" ضَنْكاً 20: 124" كسبا حراما. الحسن: طعام الضريع والزقوم. وقول رابع وهو الصحيح أنه عذاب القبر، قاله أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود، ورواه أبو هريرة مرفوعا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد ذكرناه في كتاب" التذكرة"، قال أبو هريرة: يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، وهو المعيشة الضنك. (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ) 20: 124 قيل: أعمى في حال وبصيرا في حال، وقد تقدم في آخر" سبحان" «3» [الاسراء 1] وقيل: أعمى عن الحجة، قاله مجاهد. وقيل: أعمى عن جهات الخير، لا يهتدي لشيء منها. وقيل: عن الحيلة في دفع العذاب عن نفسه، كالأعمى الذي لا حيلة له فيما لا يراه. (قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى ) 20: 125 أي بأي ذنب عاقبتني بالعمى. (وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً) 20: 125 أي في الدنيا، وكأنه يظن أنه لا ذنب له. وقال ابن عباس ومجاهد: أي" لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى 20: 125" عن حجتي" وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً 20: 125" أي عالما بحجتي، القشيري: وهو بعيد إذ ما كان للكافر حجة في الدنيا. (قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا) 20: 126 أي قال الله تعالى له" كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا 20: 126" أي دلالاتنا «4» على وحدانيتنا وقدرتنا. (فَنَسِيتَها) 20: 126 أي تركتها ولم تنظر فيها، وأعرضت عنها. (وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ) 20: 126 أي تترك في العذاب، يريد جهنم. (وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ) 20: 127 أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن، وعن النظر في المصنوعات، والتفكير فيها، وجاوز الحد في المعصية. (وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ) 20: 127 أي لم يصدق بها. (وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ) 20: 127 أي أفظع من المعيشة الضنك، وعذاب القبر. (وَأَبْقى ) أي أدوم وأثبت، لأنه لا ينقطع ولا ينقضي.
__________
(1). عيش أرفغ ورافغ ورفيغ.
(2). راجع ج 10 ص 174.
(3). راجع ج 10 ص 333.
(4). في ك: دلائلنا.

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)

[سورة طه (20): الآيات 128 الى 130]
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (128) وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (130)
قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ) 20: 128 يريد أهل مكة، أي أفلم يتبين لهم خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا وخرجوا في التجارة طلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية خاوية، أي أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ما حل بالكفار قبلهم. وقرا ابن عباس والسلمى وغيرهما:" نهد لهم" بالنون وهي أبين. و" يَهْدِ 100" بالياء مشكل لأجل الفاعل، فقال الكوفيون:" كَمْ" الفاعل، النحاس: وهذا خطأ لان" كم" استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها وقال الزجاج: المعنى أو لم يهد لهم الامر بإهلاكنا من أهلكنا. وحقيقة" يهد" على الهدى، فالفاعل هو الهدى تقديره: أفلم يهد الهدى لهم. قال الزجاج:" كَمْ" في موضع نصب ب"- أَهْلَكْنا". قوله تعالى: (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً) 20: 129 فيه تقديم وتأخير، أي ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما، قاله قتادة. واللزام الملازمة، أي لكان العذاب لازما لهم. وأضمر اسم كان. قال الزجاج: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) عطف على" كَلِمَةٌ". قتادة: والمراد القيامة، وقاله القتبي وقيل: تأخيرهم إلى يوم بدر. قوله تعالى: (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) 20: 130 أمره تعالى بالصبر على أقوالهم: إنه ساحر، إنه كاهن، إنه كذاب، إلى غير ذلك. والمعنى: لا تحفل بهم، فإن لعذابهم وقتا مضروبا لا يتقدم ولا يتأخر. ثم قيل: هذا منسوخ بآية القتال. وقيل: ليس منسوخا، إذ لم يستأصل الكفار بعد آية القتال بل بقي المعظم منهم.

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)

قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) 20: 130 قال أكثر المتأولين: هذا إشارة إلى الصلوات الخمس" قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ 20: 130" صلاة الصبح (وَقَبْلَ غُرُوبِها) 20: 130 صلاة العصر (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ) 20: 130 العتمة (وَأَطْرافَ النَّهارِ) 20: 130 المغرب والظهر، لان الظهر في آخر طرف النهار الأول، وأول طرف النهار الآخر، فهي في طرفين منه، والطرف الثالث غروب الشمس وهو وقت المغرب. وقيل: النهار ينقسم قسمين فصلهما الزوال، ولكل قسم طرفان، فعند الزوال طرفان، الآخر من القسم الأول والأول من القسم الآخر، فقال عن الطرفين أطرافا على نحو" فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما" «1» [التحريم: 4] وأشار إلى هذا النظر ابن فورك في المشكل. وقيل: النهار للجنس فلكل يوم طرف، وهو إلى جمع لأنه يعود في كل نهار. و" آناءِ اللَّيْلِ" ساعاته وواحد الآناء إني وإني وأنى. وقالت فرقة: المراد بالآية صلاة التطوع، قاله الحسن. قوله تعالى: (لَعَلَّكَ تَرْضى ) 20: 130 بفتح التاء، أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به. وقرا الكسائي وأبو بكر عن عاصم" ترضى" بضم التاء، أي لعلك تعطى ما يرضيك.

[سورة طه (20): الآيات 131 الى 132]
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (132)
قوله تعالى: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ) 20: 131 وقد تقدم معناه في (الحجر) «2»." أَزْواجاً" مفعول ب"- مَتَّعْنا". و" زَهْرَةَ 20: 131" نصب على الحال. وقال الزجاج:" زَهْرَةَ 20: 131" منصوبة بمعنى" مَتَّعْنا" لان معناه جعلنا لهم الحياة الدنيا زهرة، أو بفعل مضمر وهو" جعلنا" أي جعلنا لهم زهرة الحياة الدنيا، عن الزجاج أيضا. وقيل: هي بدل من الهاء في" بِهِ" على الموضع كما تقول: مررت به أخاك. وأشار الفراء إلى نصبه على الحال، والعامل فيه" مَتَّعْنا" قال: كما تقول مررت به المسكين، وقدره: متعناهم به زهرة في الحياة الدنيا وزينة فيها. ويجوز أن ينتصب على المصدر مثل" صُنْعَ اللَّهِ" و" وَعَدَ اللَّهُ" وفيه
__________
(1). راجع ج 18 ص 188.
(2). راجع ج 10 ص 56 فما بعد.

نظر. والأحسن أن ينتصب على الحال ويحذف التنوين لسكونه وسكون اللام من الحياة، كما قرئ:" ولا الليل سابق النهار" «1» بنصب النهار بسابق على تقدير حذف التنوين لسكونه وسكون اللام، وتكون" الحياة" مخفوضة على البدل من" ما" في قوله:" إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ" فيكون التقدير: ولا تمدن عينيك إلى الحياة الدنيا زهرة أي في حال زهرتها. ولا يحسن أن يكون" زهرة" بدلا من" ما" على الموضع في قوله:" إِلى ما مَتَّعْنا" لان" لِنَفْتِنَهُمْ 20: 131" متعلق ب"- مَتَّعْنا" و" زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا 20: 131" يعني زينتها بالنبات. والزهرة، بالفتح في الزاي والهاء نور النبات. والزهرة بضم الزاي وفتح الهاء النجم. وبنو زهرة بسكون الهاء، قاله ابن عزيز. وقرا عيسى بن عمر" زهرة" بفتح الهاء مثل نهر ونهر. ويقال: سراج زاهر أي له بريق. وزهر الأشجار ما يروق من ألوانها. وفي الحديث: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أزهر اللون أي نير اللون، يقال لكل شي مستنير: زاهر، وهو أحسن الألوان. (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) 20: 131 أي لنبتليهم. وقيل: لنجعل ذلك فتنة لهم وضلالا، ومعنى الآية: لا تجعل يا محمد لزهرة الدنيا وزنا، فإنه لا بقاء لها." وَلا تَمُدَّنَّ 20: 131" أبلغ من لا تنظرن، لان الذي يمد بصره، إنما يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه: مسألة: قال بعض الناس سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو رافع مولى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: نزل ضيف برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأرسلني عليه السلام إلى رجل من اليهود، وقال قل له يقول لك محمد: نزل بنا ضيف ولم يلف عندنا بعض الذي يصلحه، فبعني كذا وكذا من الدقيق، أو أسلفني إلى هلال رجب فقال: لا، إلا برهن: قال: فرجعت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبرته فقال:" والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه اذهب بدرعي إليه" ونزلت الآية تعزية له عن الدنيا. قال ابن عطية: وهذا معترض أن يكون سببا، لان السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي بهذه القصة التي ذكرت، وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أن الله تعالى
__________
(1). راجع ج 15 ص 32 فما بعد.

وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل، ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والاعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا، إذ ذلك منصرم عنهم صائر إلى خزي. قلت: وكذلك ما روى عنه عليه السلام أنه مر بإبل بني المصطلق وقد عبست «1» في أبوالها [وأبعارها «2»] من السمن فتقنع بثوبه ثم مضى، لقوله عز وجل:" وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ 20: 131" الآية. ثم سلاه فقال:" وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى 20: 131" أي ثواب الله على الصبر وقلة المبالاة بالدنيا أولى، لأنه يبقى والدنيا تفنى. وقيل: يعني بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من البلاد والغنائم. قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ) 20: 132 أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم، ويصطبر عليها ويلازمها: وهذا الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويدخل في عمومه جميع أمته، واهل بيته على التخصيص. وكان عليه السلام بعد نزول هذه الآية يذهب كل صباح إلى بيت فاطمة وعلى رضوان الله عليهما فيقول" الصلاة". ويروى أن عروة بن الزبير رضى الله عنه كان إذا رأى شيئا من أخبار السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله، وهو يقرأ" وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ 20: 131" الآية إلى قوله:" وَأَبْقى 20: 71" ثم ينادي بالصلاة: الصلاة يرحمكم الله، ويصلي: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره لصلاة الليل ويصلي وهو يتمثل بالآية. قوله تعالى: (لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً) 20: 132 أي لا نسئلك أن ترزق نفسك وإياهم، وتشتغل عن الصلاة بسبب الرزق، بل نحن نتكفل برزقك وإياهم، فكان عليه السلام إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة. وقد قال الله تعالى" وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ" «3» [الذاريات 56]. قوله تعالى: (وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ) 20: 132 أي الجنة لأهل التقوى، يعني العاقبة المحمودة وقد تكون لغير التقوى عاقبة ولكنها مذمومة فهي كالمعدومة،
__________
(1). عبست في أبوالها: هو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها وذلك إنما يكون من الشحم.
(2). الزيادة من (النهاية) لابن الأثير.
(3). راجع ج 17 ص 55.

وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)

[سورة طه (20): الآيات 133 الى 135]
وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (135)
قوله تعالى: (وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) 20: 133 يريد كفار مكة، أي لولا يأتينا محمد بآية توجب العلم الضروري. أو بآية ظاهرة كالناقة والعصا. أو هلا يأتينا بالآيات التي نقترحها نحن كما أتى الأنبياء من قبله: قال الله تعالى: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ) 20: 133 يريد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها. وقرى" الصحف" بالتخفيف. وقيل: أو لم تأتيهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه في الكتب المتقدمة من البشارة. وقيل: أو لم يأتهم إهلاكنا الأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات، فما يؤمنهم إن أتتهم الآيات أن يكون حالهم حال أولئك. وقرا أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو ويعقوب وابن أبي إسحاق وحفص:" أولم تأتيهم" بالتاء لتأنيث البينة. الباقون بالياء لتقدم الفعل ولان البينة هي البيان والبرهان فردوه إلى المعنى، وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وحكى الكسائي" أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى 20: 133" قال: ويجوز على هذا" بينة ما في الصحف الاولى". قال النحاس إذا نونت" بَيِّنَةُ" ورفعت جعلت" ما" بدلا منها وإذا نصبتها فعلى الحال، والمعنى: أو لم يأتهم ما في الصحف الاولى مبينا. قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ) 20: 134 أي من قبل بعثة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونزول القرآن (لَقالُوا) أي يوم القيامة (رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) 20: 134 أي هلا أرسلت إلينا رسولا. (فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى ) 20: 134 وقرى:" نَذِلَّ وَنَخْزى 20: 134" على

ما لم يسم فاعله. وروى أبو سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الهالك في الفترة والمعتوه والمولود قال: (يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ولا رسول- ثم تلا-" وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا 20: 134"- الآية- ويقول المعتوه رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود رب لم أدرك العمل فترفع لهم نار فيقول لهم ردوها وادخلوها- قال- فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل [قال «1»] فيقول الله تبارك وتعالى إياك عصيتم فكيف رسلي لو أتتكم (. ويروى موقوفا عن أبي سعيد قوله وفية نظر وقد بيناه في كتاب" التذكرة" وبه احتج من قال: إن الأطفال وغيرهم يمتحنون في الآخرة." فَنَتَّبِعَ" 20: 134 نصب بجواب التخصيص." آياتِكَ" يريد ما جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ 20: 134" أي في العذاب" وَنَخْزى 20: 134" في جهنم، قاله ابن عباس. وقيل:" مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ 20: 134" في الدنيا بالعذاب" وَنَخْزى 20: 134" في الآخرة بعذابها. (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ) 20: 135 أي قل لهم يا محمد كل متربص، أي كل المؤمنين والكافرين منتظر دوائر الزمان ولمن يكون النصر. (فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى ) 20: 135 يريد الدين المستقيم والهدى والمعنى: فستعلمون بالنصر من اهتدى إلى دين الحق. وقيل: فستعلمون يوم القيامة من اهتدى إلى طريق الجنة. وفي هذا ضرب من الوعيد والتخويف والتهديد ختم به السورة. وقرى" فسوف تعلمون". قال أبو رافع: حفظته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذكره الزمخشري. و" من" في موضع رفع عند الزجاج. وقال الفراء: يجوز أن يكون في موضع نصب مثل." والله يعلم المفسد من المصلح" «2». قال أبو إسحاق: هذا خطأ، لان الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و" من" ها هنا استفهام في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: فستعلمون أصحاب الصراط السوي نحن أم أنتم؟. قال النحاس: والفراء يذهب إلى أن معنى." مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ 20: 135" من لم يضل وإلى أن معنى." وَمَنِ اهْتَدى 20: 135
" من ضل ثم اهتدى. وقرا يحيى بن يعمر وعاصم الجحدري" فسيعلمون من أصحاب
__________
(1). من ب وج وز وط وك وى.
(2). راجع ج 3 ص 66. [.....]

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)

الصراط السوا" بتشديد الواو بعدها ألف التأنيث على فعلى بغير همزة، وتأنيث الصراط شاذ قليل، قال الله وتعالى:" اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ" «1» [الفاتحة: 6] فجاء مذكرا في هذا وفي غيره، وقد رد هذا أبو حاتم قال: إن كان من السوء وجب أن يقال السوأى وإن كان من السواء وجب أن يقال: السيا بكسر السين والأصل السويا. قال الزمخشري: وقرى" السواء" بمعنى الوسط والعدل، أو المستوي. النحاس وجواز قراءة يحيى بن يعمر والجحدري أن يكون الأصل" السوأى" والساكن ليس بحاجز حصين، فكأنه قلب الهمزة ضمة فأبدل منها واوا كما يبدل منها ألف إذا انفتح ما قبلها. تمت والحمد لله وحده.

[سورة الأنبياء]
سورة الأنبياء مكية في قول الجميع وهي مائة واثنتا عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الأنبياء (21): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)
قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ) قال عبد الله بن مسعود: الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهن من تلادي يريد من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التلاد. وروي أن رجلا من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يبني جدارا فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل" اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ" فنفض يده من البنيان، وقال: والله لا بنيت أبدا وقد اقترب الحساب." اقْتَرَبَ" أي قرب الوقت
__________
(1). راجع ج 1 ص 146 فما بعد.

الذي يحاسبون فيه على أعمالهم." لِلنَّاسِ" قال ابن عباس: المراد بالناس هنا المشركون بدليل قوله تعالى:" إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ" إلى قوله:" أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ". وقيل: الناس عموم وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش، يدل على ذلك ما بعد من الآيات، ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله، وطابت نفسه بالتوبة، ولم يركن إلى الدنيا، فكأن ما كان لم يكن إذا ذهب، وكل آت قريب، والموت لا محالة آت، وموت كل إنسان قيام ساعته، والقيامة أيضا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى. وقال الضحاك: معنى" اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ" أي عذابهم يعني أهل مكة، لأنهم استبطئوا ما وعدوا به من العذاب تكذيبا، وكان قتلهم يوم بدر. النحاس ولا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للناس، لئلا يتقدم مضمر على مظهر لا يجوز أن ينوي به التأخير. (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) ابتداء وخبر. ويجوز النصب في غير القرآن على الحال. وفيه وجهان: أحدهما:" وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ" يعني بالدنيا عن الآخرة. الثاني- عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهذه الواو عند سيبويه بمعنى" إذ" وهي التي يسميها النحويون واو الحال، كما قال الله تبارك وتعالى:" يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ" «1» [آل عمران: 154]. قوله تعالى: (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ)" مُحْدَثٍ" نعت ل"- ذِكْرٍ". وأجاز الكسائي والفراء" محدثا" بمعنى ما يأتيهم محدثا، نصب على الحال. وأجاز الفراء أيضا رفع" مُحْدَثٍ" على النعت للذكر، لأنك لو حذفت" مِنْ" رفعت ذكرا، أي ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث، يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة، وآية بعد آية، كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت، لا أن القرآن مخلوق. وقيل: الذكر ما يذكرهم به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويعظهم به. وقال:" مِنْ رَبِّهِمْ" لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا ينطق إلا بالوحي، فوعظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتحذيره ذكر، وهو محدث، قال الله تعالى:" فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ" «2» [الغاشية: 21]. ويقال: فلان في مجلس
__________
(1). راجع ج 4 ص 242.
(2). راجع ج 20 ص 37.

الذكر. وقيل: الذكر الرسول نفسه، قاله الحسين بن الفضل بدليل ما في سياق الآية" هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ" [الأنبياء: 3] ولو أراد بالذكر القرآن لقال: هل هذا إلا أساطير الأولين، ودليل هذا التأويل قوله تعالى:" وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ. وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ" «1» [القلم: 52- 51] يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال:" قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً. رَسُولًا 10" [الطلاق: 11- 10]." إِلَّا اسْتَمَعُوهُ" يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو القرآن من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو من أمته." وَهُمْ يَلْعَبُونَ" الواو واو الحال يدل عليه" لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ" ومعنى." يَلْعَبُونَ" أي يلهون. وقيل: يشتغلون، فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين: أحدهما: بلذاتهم. الثاني: بسماع ما يتلى عليهم. وإن حمل تأويله على الشغل احتمل ما يتشاغلون به وجهين: أحدهما- بالدنيا لأنها لعب، كما قال الله تعالى:" إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ" «2» [محمد: 36]. الثاني: يتشاغلون بالقدح فيه، والاعتراض عليه. قال الحسن: كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل وقيل. يستمعون القرآن مستهزئين. قوله تعالى: (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) أي ساهية قلوبهم، معرضة عن ذكر الله، متشاغلة عن التأمل والتفهم، من قول العرب: لهيت عن ذكر الشيء إذا تركته وسلوت عنه ألهى لهيا ولهيانا. و" لاهِيَةً" نعت تقدم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع المنعوت في جميع الاعراب، فإذا تقدم النعت الاسم انتصب كقوله:" خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ" [القلم: 43] و" وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها" «3» [الإنسان: 14] و" لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ" قال الشاعر:
لعزة موحشا طلل ... يلوح «4» كأنه خلل
أراد: طلل موحش. وأجاز الكسائي والفراء" لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ" بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية. وأجاز غيرهما: الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر وعلى إضمار مبتدأ. وقال الكسائي: ويجوز أن يكون المعنى، إلا استمعوه لاهية قلوبهم. (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب، ثم بين من هم فقال:" الَّذِينَ ظَلَمُوا" أي الذين أشركوا، ف"- الَّذِينَ ظَلَمُوا" بدل من الواو في" أَسَرُّوا" وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم، ولا يوقف على هذا
__________
(1). راجع ج 18 ص 255 فما بعد وص 297
(2). راجع ج 16 ص 257
(3). راجع ج 19 ص 136
(4). هو كثير عزة أي تلوح آثاره وتتبين تبين الوشي في خلل السيوف، وهي أغشية الأغماد واحدتها خلة.

القول على" النَّجْوَى 20: 62". قال المبرد وهو كقولك: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله فبنو بدل من الواو في انطلقوا. وقيل: هو رفع على الذم، أي هم الذين ظلموا: وقيل: على حذف القول، التقدير: يقول الذين ظلموا وحذف القول، مثل" وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ" [الرعد: 24- 23]. واختار هذا القول النحاس، قال: والدليل على صحة هذا الجواب أن بعده" هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ" [الأنبياء: 3]. وقول رابع: يكون منصوبا بمعنى أعني الذين ظلموا: وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم، ولا يوقف على هذا الوجه على" النَّجْوَى 20: 62" ويوقف على الوجوه الثلاثة المتقدمة قبله، فهذه خمسة أقوال: وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وهو حسن، قال الله تعالى:" ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ" «1» [المائدة: 71]: وقال الشاعر:
بك نال النضال دون المساعي ... فاهتدين النبال للأغراض
وقال آخر: «2»
ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه
وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، مجازه: والذين ظلموا أسروا النجوى. أبو عبيدة:" أَسَرُّوا" هنا من الأضداد، فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم، ويحتمل أن يكونوا أظهروه وأعلنوه: قوله تعالى: (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي تناجوا بينهم وقالوا: هل هذا الذكر الذي هو الرسول، أو هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم، لا يتميز عنكم بشيء، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق كما تفعلون: وما علموا أن الله عز وجل بين أنه لا يجوز أن يرسل إليهم إلا بشرا ليتفهموا ويعلمهم: (أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ) أي إن الذي جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سحر، فكيف تجيئون إليه وتتبعونه؟ فأطلع الله نبيه عليه السلام على ما تناجوا به: و" السِّحْرَ 10" في اللغة كل مموه لا حقيقة له ولا صحة. (وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ). [قيل معناه «3»" وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ" [أنه إنسان مثلكم مثل:" وأنتم تعقلون" لان العقل البصر بالأشياء. وقيل: المعنى، أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر: وقيل: المعنى، أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق، ومعنى الكلام التوبيخ.
__________
(1). راجع ج 6 ص 247.
(2). هو الفرزدق يهجو عمرو بن عفراء. ودياف: موضع بالجزيرة، وهم نبط الشام. والسليط، الزيت.
(3). من ب وج وز وط وك وى.

قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 4 الى 6]
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)
قوله تعالى: (قالَ «1» رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي لا يخفي عليه شي مما يقال في السماء والأرض. وفي مصاحف أهل الكوفة" قالَ رَبِّي" أي قال محمد ربي يعلم القول، أي هو عالم بما تناجيتم به. وقيل: إن القراءة الاولى أولي لأنهم أسروا هذا القول فأظهر الله عز وجل عليه نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمره أن يقول لهم هذا، قال النحاس: والقراءتان صحيحتان وهما بمنزلة الآيتين، وفيهما من الفائدة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر وأنه قال كما أمر. قوله تعالى: (بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ) قال الزجاج: أي قالوا الذي يأتي به أضغاث أحلام. وقال غيره: أي قالوا هو أخلاط كالاحلام المختلطة، أي أهاويل رآها في المنام، قال معناه مجاهد وقتادة، ومنه قول الشاعر:
كضغث حلم غر منه حالمه

وقال القتبي: إنها الرؤيا الكاذبة، وفية قول الشاعر:
أحاديث طسم أو سراب بفدفد ... ترقرق للساري وأضغاث حالم
وقال اليزيدي: الأضغاث ما لم يكن له تأويل. وقد مضى هذا في" يوسف" «2». فلما رأوا أن الامر ليس كما قالوا انتقلوا عن ذلك فقالوا: (بَلْ قالُوا) ثم انتقلوا عن ذلك فقالوا:" بَلْ هُوَ شاعِرٌ" أي هم متحيرون لا يستقرون على شي: قالوا مرة سحر، ومرة أضغاث أحلام، ومرة افتراه، ومرة شاعر. وقيل: أي قال فريق إنه ساحر: وفريق إنه أضغاث أحلام، وفريق إنه افتراه، وفريق إنه شاعر. والافتراء الاختلاق، وقد تقدم.
__________
(1). (قل) على الامر قراءة (نافع).
(2). راجع ج 9 ص 200 فما بعد.

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)

(فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) أي كما أرسل موسى بالعصا وغيرها من الآيات ومثل ناقة صالح. وكانوا عالمين بأن القرآن ليس بسحر ولا رؤيا ولكن قالوا: ينبغي أن يأتي بآية نقترحها، ولم يكن لهم الاقتراح بعد ما رأوا آية واحدة. وأيضا إذا لم يؤمنوا بآية هي من جنس ما هم أعلم الناس به، ولا مجال للشبهة فيها فكيف يؤمنون بآية غيرها، ولو أبرأ الأكمه والأبرص لقالوا: هذا من باب الطب، وليس ذلك من صناعتنا، وإنما كان سؤالهم تعنتا إذ كان الله أعطاهم من الآيات ما فيه كفاية. وبين الله عز وجل أنهم لو كانوا يؤمنون لأعطاهم ما سألوه لقوله عز وجل:" وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ" «1» [الأنفال: 23]. قوله تعالى: (ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ) قال ابن عباس: يريد قوم صالح وقوم فرعون. (أَهْلَكْناها) يريد كان في علمنا هلاكها: (أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ) يريد يصدقون، أي فما آمنوا بالآيات فاستؤصلوا فلو رأى هؤلاء ما اقترحوا لما آمنوا، لما سبق من القضاء بأنهم لا يؤمنون أيضا، وإنما تأخر عقابهم لعلمنا بأن في أصلابهم من يؤمن: و" من" زائدة في قوله:" مِنْ قَرْيَةٍ" كقوله:" فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ" «2» [الحاقة: 47]:

[سورة الأنبياء (21): الآيات 7 الى 10]
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (10)
قوله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي «3» إِلَيْهِمْ) هذا رد عليهم في قولهم:" هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ" [الأنبياء: 3] وتأنيس لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي لم يرسل قبلك إلا رجالا.
__________
(1). راجع ج 7 ص 388.
(2). راجع ج 18 ص 276. [.....]
(3). (يوحى) بالياء قراءة نافع.

(فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) يريد أهل التوراة والإنجيل الذين آمنوا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قاله سفيان: وسماهم أهل الذكر، لأنهم كانوا يذكرون خبر الأنبياء مما لم تعرفه العرب: وكان كفار قريش يراجعون أهل الكتاب في آمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن، أي فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، قال جابر الجعفي: لما نزلت هذه الآية قال علي رضي الله عنه نحن أهل الذكر: وقد ثبت بالتواتر أن الرسل كانوا من البشر، فالمعنى لا تبدءوا بالإنكار وبقولكم ينبغي أن يكون الرسول من الملائكة، بل ناظروا المؤمنين ليبينوا لكم جواز أن يكون الرسول من البشر: والملك لا يسمى رجلا، لان الرجل يقع على ماله ضد من لفظه تقول: رجل وامرأة، ورجل وصبي فقوله:" إِلَّا رِجالًا 10" من بني آدم: وقرا حفص وحمزة والكسائي:" نوحي إليهم". مسألة- لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المراد بقول الله عز وجل:" فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" وأجمعوا على أن الأعمى لأبد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم. قوله تعالى: (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ) الضمير في" جَعَلْناهُمْ 10: 73" للأنبياء، أي لم نجعل الرسل قبلك خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام وشراب.- (وَما كانُوا خالِدِينَ) يريد لا يموتون وهذا جواب لقولهم:" ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ" [المؤمنون: 33] وقولهم:" مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ" «1» [الفرقان: 7]. و" جَسَداً" اسم جنس، ولهذا لم يقل أجسادا، وقيل: لم يقل أجسادا، لأنه أراد وما جعلنا كل واحد منهم جسدا. والجسد البدن، تقول منه: تجسد كما تقول من الجسم تجسم. والجسد أيضا الزعفران أو نحوه من الصبغ، وهو الدم أيضا، قال النابغة:
وما أهريق على الأنصاب من جسد «2»
__________
(1). راجع ج 13 ص 4.
(2). صدر البيت:
فلا لعمر الذي مسحت كعبته

أقسم بالله أولا ثم بالدماء التي كانت تصب في الجاهلية على الأنصاب.

وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)

وقال الكلبي: والجسد هو المتجسد الذي فيه الروح يأكل ويشرب، فعلى مقتضى هذا القول يكون ما لا يأكل ولا يشرب جسما وقال مجاهد: الجسد ما لا يأكل ولا يشرب، فعلى مقتضى هذا القول يكون ما يأكل ويشرب نفسا ذكره الماوردي. قوله تعالى: (ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ) يعني الأنبياء، أي بإنجائهم ونصرهم وإهلاك مكذبيهم. (وَمَنْ نَشاءُ) أي الذين صدقوا الأنبياء. (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) أي المشركين. قوله تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً) 10 يعني القرآن. (فِيهِ ذِكْرُكُمْ) 10 رفع بالابتداء والجملة في موضع نصب لأنها نعت لكتاب، والمراد بالذكر هنا الشرف، أي فيه شرفكم، مثل" وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ" «1» [الزخرف: 44]. ثم نبههم بالاستفهام الذي معناه التوقيف فقال عز وجل: (أَفَلا تَعْقِلُونَ). وقيل: فيه ذكركم أي ذكر أمر دينكم، وأحكام شرعكم وما تصيرون إليه من ثواب وعقاب، أفلا تعقلون هذه الأشياء التي ذكرناها؟! وقال مجاهد:" فِيهِ ذِكْرُكُمْ 10" أي حديثكم. وقيل: مكارم أخلاقكم، ومحاسن أعمالكم. وقال سهل بن عبد الله: العمل بما فيه حياتكم. قلت: وهذه الأقوال بمعنى والأول يعمها، إذ هي شرف كلها، والكتاب شرف لنبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه معجزته، وهو شرف لنا إن عملنا بما فيه، دليله قوله عليه السلام: (القرآن حجة لك أو عليك).

[سورة الأنبياء (21): الآيات 11 الى 15]
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (14) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (15)
__________
(1). راجع ج 16 ص 93 فما بعد.

قوله تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً) يريد مدائن كانت باليمن. وقال أهل التفسير والاخبار: إنه أراد أهل حضور «1» وكان بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مهدم، وقبر شعيب هذا باليمن بجبل يقال له ضنن «2» كثير الثلج، وليس بشعيب صاحب مدين، لان قصة حضور قبل مدة عيسى عليه السلام، وبعد مئين من السنين من مدة سليمان عليه السلام، وأنهم قتلوا نبيهم وقتل أصحاب الرس في ذلك التاريخ نبيا لهم اسمه حنظلة بن صفوان، وكانت حضور بأرض الحجاز من ناحية الشام، فأوحى الله إلى أرميا أن ايت بخت نصر فأعلمه أني قد سلطته على أرض العرب وأني منتقم بك منهم، وأوحى الله إلى أرميا أن أحمل معد بن عدنان على البراق إلى أرض العراق، كي لا تصيبه النقمة والبلاء معهم، فإني مستخرج من صلبه نبيا في آخر الزمان اسمه محمد، فحمل معد وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فكان مع بني إسرائيل إلى أن كبر وتزوج امرأة اسمها معانة، ثم إن بخت نصر نهض بالجيوش، وكمن للعرب في مكان- وهو أول من اتخذ المكامن فيما ذكروا- ثم شن الغارات على حضور فقتل وسبى وخرب العامر، ولم يترك بحضور أثرا، ثم انصرف راجعا إلى السواد. و" كَمْ" في موضع نصب ب"- قَصَمْنا". والقصم الكسر، يقال: قصمت ظهر فلان وانقصمت سنه إذا انكسرت والمعنى به هاهنا الإهلاك. وأما الفصم (بالفاء) فهو الصدع في الشيء من غير بينونة، قال الشاعر: «3»
كأنه دملج من فضة نبه ... في ملعب من عذارى الحي مفصوم
ومنه الحديث (فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا). وقوله:" كانَتْ ظالِمَةً" أي كافرة، يعني أهلها. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر موضع الايمان. (وَأَنْشَأْنا) أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم (قَوْماً آخَرِينَ). (فَلَمَّا أَحَسُّوا) أي رأوا عذابنا، يقال: أحسست منه ضعفا. وقال الأخفش:" أَحَسُّوا" خافوا وتوقعوا. (إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ) أي يهربون ويفرون. والركض العدو بشدة الوطي. والركض
__________
(1). وتروى حضوراء (بالألف الممدودة) وفي ح الجمل بوزن شكور.
(2). كذا في الأصول: الأب ففيه ضئن كثير الملح صححه في الهامش.
(3). هو ذو الرمة يذكر غزالا شبهه وهو نائم بدملج فضة قد طرح ونسى. ونبه: أي منسى نسيته العذارى في الملعب.

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)

تحريك الرجل، ومنه قوله تعالى:" ارْكُضْ بِرِجْلِكَ" «1» [ص: 42] وركضت الفرس برجلي استحثته ليعدو ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا وليس بالأصل، والصواب ركض الفرس على ما لم يسم فاعله فهو مركوض. (لا تَرْكُضُوا) أي لا تفروا. وقيل: إن الملائكة نادتهم لما انهزموا استهزاء بهم وقالت:" لا تَرْكُضُوا". (وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ) أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، والمترف المتنعم، يقال: أترف على فلان أي وسع عليه في معاشه. وإنما أترفهم الله عز وجل كما قال:" وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا" «2» [المؤمنون: 33]. (لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) أي لعلكم تسألون شيئا من دنياكم، استهزاء بهم، قاله قتادة. وقيل: المعنى" لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ" عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به. وقيل: المعنى" لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ" أي تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول البأس بكم، قيل لهم ذلك استهزاء وتقريعا وتوبيخا. (قالُوا يا وَيْلَنا) لما قالت لهم الملائكة:" لا تَرْكُضُوا" ونادت يا لثارات الأنبياء! ولم يروا شخصا يكلمهم عرفوا أن الله عز وجل هو الذي سلط عليهم عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، فعند ذلك قالوا" يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ" فاعترفوا بأنهم ظلموا حين لا ينفع الاعتراف. (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ) أي لم يزالوا يقولون:" يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ". (حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً) أي بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، قاله مجاهد. وقال الحسن: أي بالعذاب. (خامِدِينَ) أي ميتين. والخمود الهمود كخمود النار إذا طفئت فشبه خمود الحياة بخمود النار كما يقال لمن مات قد طفئ تشبيها بانطفاء النار.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 16 الى 18]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)
__________
(1). راجع ج 15 ص 211.
(2). راجع ج 12 ص 121 فما بعد.

قوله تعالى: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) أي عبثا وباطلا، بل للتنبيه على أن لها خالقا قادرا يجب امتثال أمره، وأنه يجازي المسيء والمحسن أي ما خلقنا السماء والأرض ليظلم بعض الناس بعضا ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به ثم يموتوا ولا يجازوا، ولا يؤمروا في الدنيا بحسن ولا ينهوا عن قبيح. وهذا اللعب المنفي عن الحكيم ضده الحكمة. قوله تعالى: (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً) لما أعتقد قوم أن له ولدا قال:" لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً" واللهو المرأة بلغة اليمن، قاله قتادة. وقال عقبة بن أبي جسرة- وجاء طاوس وعطاء ومجاهد يسألونه عن قوله تعالى:" لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً"- فقال: اللهو الزوجة، وقاله الحسن. وقال ابن عباس: اللهو الولد، وقاله الحسن أيضا. قال الجوهري: وقد يكنى باللهو عن الجماع. قلت: ومنه قول امرئ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي
وإنما سمي الجماع لهوا لأنه ملهى للقلب، كما قال: «1»
وفيهن ملهى للصديق ومنظر

الجوهري- وقوله تعالى:" لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً" قالوا امرأة ويقال: ولدا. (لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا) أي من عندنا لا من عندكم. قال ابن جريج: من أهل السماء لا من أهل الأرض. قيل: أراد الرد على من قال إن الأصنام بنات الله، أي كيف يكون منحوتكم ولدا لنا. وقال ابن قتيبة: الآية رد على النصارى. (إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) قال قتادة ومقاتل وابن. جريج والحسن: المعنى ما كنا فاعلين، مثل" إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ" «2» [فاطر: 23] أي ما أنت إلا نذير. و" أَنْ" بمعنى الجحد وتم الكلام عند قوله:" لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا". وقيل: إنه على معنى الشرط، أي إن كنا فاعلين ذلك ولكن لسنا بفاعلين ذلك لاستحالة أن يكون لنا ولد، إذ لو كان ذلك لم نخلق جنة
__________
(1). هو زهير بن أبي سلمى والبيت من معلقته وتمامه:
أنيق لعين الناظر المتوسم

(2). راجع ج 14 ص ...

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)

ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا. وقيل: لو أردنا أن نتخذ ولدا على طريق التبني لاتخذناه من عندنا من الملائكة. ومال إلى هذا قوم، لان الإرادة قد تتعلق بالتبني فأما اتخاذ الولد فهو محال، والإرادة لا تتعلق بالمستحيل، ذكره القشيري. قوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ) القذف الرمي، أي نرمي بالحق على الباطل. (فَيَدْمَغُهُ) أي يقهره ويهلكه. واصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة «1». والحق هنا القرآن، والباطل الشيطان في قول مجاهد، قال: وكل ما في القرآن من الباطل فهو الشيطان. وقيل: الباطل كذبهم ووصفهم الله عز وجل بغير صفاته من الولد وغيره. وقيل: أراد بالحق الحجة، وبالباطل شبههم. وقيل: الحق المواعظ، والباطل المعاصي، والمعنى متقارب. والقرآن يتضمن الحجة والموعظة. (فَإِذا هُوَ زاهِقٌ) أي هالك وتالف، قاله قتادة. (وَلَكُمُ الْوَيْلُ) أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم الرب بما لا يجوز وصفه. وقال ابن عباس: الويل واد في جهنم، وقد تقدم «2»." مِمَّا تَصِفُونَ" أي مما تكذبون، عن قتادة ومجاهد، نظيره:" سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ" «3» [الانعام: 139] أي بكذبهم. وقيل: مما تصفون الله به من المحال وهو اتخاذه سبحانه الولد.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 19 الى 21]
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)
قوله تعالى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ملكا وخلقا فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه. (وَمَنْ عِنْدَهُ) يعني الملائكة الذين ذكرتم أنهم بنات الله. (لا يَسْتَكْبِرُونَ) أي لا يأنفون (عَنْ عِبادَتِهِ) والتذلل له. (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) أي يعيون، قاله قتادة. مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب، [يقال ]: حسر البعير يحسر حسورا أعيا وكل، واستحسر وتحسر مثله، وحسرته أنا حسرا يتعدى ولا يتعدى،
__________
(1). راجع ج 2 ص 7 فما بعد.
(2). راجع ج 2 ص 7 فما بعد.
(3). راجع ج 7 ص 95 فما بعد. [.....]

لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)

وأحسرته أيضا فهو حسير. وقال ابن زيد: لا يملون. ابن عباس: لا يستنكفون. وقال أبو زيد: لا يكلون. وقيل: لا يفشلون، ذكره ابن الاعرابي، والمعنى واحد. (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) 20 أي يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائما. (لا يَفْتُرُونَ) 20 أي لا يضعفون ولا يسأمون، يلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس. قال عبد الله بن الحرث سألت كعبا فقلت: أما لهم شغل عن التسبيح؟ أما يشغلهم عنه شي؟ فقال: من هذا؟ فقلت: من بني عبد المطلب، فضمني إليه وقال: يا ابن أخي هل يشغلك شي عن النفس؟! إن التسبيح لهم بمنزلة النفس. وقد استدل بهذه الآية من قال: إن الملائكة أفضل من بني آدم. وقد تقدم «1» والحمد لله. قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) قال المفضل: مقصود هذا الاستفهام الجحد، أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الأحياء. وقيل:" أَمِ" بمعنى" هل" أي هل أتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى. ولا تكون" أَمِ" هنا بمعنى بل، لان ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن تقدر" أم" مع الاستفهام فتكون" أم" المنقطعة فيصح المعنى، قاله المبرد. وقيل:" أَمِ" عطف على المعنى أي أفخلقنا السماء والأرض لعبا، أو هذا الذي أضافوه إلينا من عندنا فيكون لهم موضع شبهة؟ أو هل ما اتخذوه من الآلهة في الأرض يحيى الموتى فيكون موضع شبهة؟. وقيل:" لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ 10" [الأنبياء: 10] ثم عطف عليه بالمعاتبة، وعلى هذين التأويلين تكون" أم" متصلة. وقرا الجمهور:" يُنْشِرُونَ" بضم الياء وكسر الشين من أنشر الله الميت فنشر أي أحياه فحيي. وقرا الحسن: بفتح الياء، أي يحيون ولا يموتون.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 22 الى 24]
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)
__________
(1). راجع ج 1 ص 289 فما بعد.

قوله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) أي لو كان في السموات والأرضين آلهة غير الله معبودون لفسدتا. قال الكسائي وسيبويه:" إلا" بمعنى غير فلما جعلت إلا في موضع غير أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير، كما قال:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وحكى سيبويه: لو كان معنا رجل إلا زيد لهلكنا. وقال الفراء:" إِلَّا" هنا في موضع سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسد أهلها. وقال غيره: أي لو كان فيهما إلهان لفسد التدبير، لان أحدهما إن أراد شيئا والآخر ضده كان أحدهما عاجزا: وقيل: معنى" لَفَسَدَتا" أي خربتا وهلك من فيهما بوقوع التنازع بالاختلاف الواقع بين الشركاء. (فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) نزه نفسه وأمر العباد أن ينزهوه عن أن يكون له شريك أو ولد. قوله تعالى: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) قاصمة للقدرية وغيرهم. قال ابن جريج المعنى. لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه وهو يسأل الخلق عن عملهم، لأنهم عبيد. بين بهذا أن من يسأل غدا عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح للإلهية. وقيل: لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون. وروي عن علي رضي عنه أن رجلا قال له يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يعصى؟ قال: أفيعصي ربنا قهرا؟ قال: أرأيت إن منعني. الهدى ومنحني الردى أأحسن إلي أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو يؤتيه من يشاء. ثم تلا الآية:" لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ". وعن ابن عباس قال: لما بعث الله عز وجل موسى وكلمه، وأنزل عليه التوراة، قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لاطعت، ولو شئت ألا تعصى ما عصيت، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه: إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون. قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) أعاد التعجب في اتخاذ الآلهة من دون الله مبالغة في التوبيخ، أي صفتهم كما تقدم في الإنشاء والأحياء، فتكون" أَمِ" بمعنى هل على ما تقدم، فليأتوا بالبرهان على ذلك. وقيل: الأول احتجاج من حيث المعقول، لأنه قال:" هُمْ يُنْشِرُونَ" ويحيون الموتى، هيهات! والثاني احتجاج بالمنقول، أي هاتوا برهانكم من

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)

هذه الجهة، ففي أي كتاب نزل هذا؟ في القرآن، أم في الكتب المنزلة على سائر الأنبياء؟ (هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ) بإخلاص التوحيد في القرآن (وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) في التوراة والإنجيل، وما أنزل الله من الكتب، فانظروا هل في كتاب من هذه الكتب أن الله أمر باتخاذ آلهة سواه؟ فالشرائع لم تختلف فيما يتعلق بالتوحيد، وإنما اختلفت في الأوامر والنواهي. وقال قتادة: الإشارة إلى القرآن، المعنى:" هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ" بما يلزمهم من الحلال والحرام" وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي" من الأمم ممن نجا بالايمان وهلك بالشرك. وقيل:" ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ" بما لهم من الثواب على الايمان والعقاب على الكفر." وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي" من الأمم السالفة فيما يفعل بهم في الدنيا، وما يفعل بهم في الآخرة. وقيل: معنى الكلام الوعيد والتهديد، أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وحكى أبو حاتم: أن يحيى بن يعمر وطلحة ابن مصرف قرأ" هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي" بالتنوين وكسر الميم، وزعم أنه لا وجه لهذا. وقال أبو إسحاق الزجاج في هذه القراءة: المعنى، هذا ذكر مما أنزل إلي ومما هو معي وذكر من قبلي. وقيل: ذكر كائن من قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي. (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ) وقرا ابن محيص والحسن:" الحق" بالرفع بمعنى هو الحق وهذا هو الحق وعلى هذا يوقف على" لا يَعْلَمُونَ" ولا يوقف عليه على قراءة النصب. (فَهُمْ مُعْرِضُونَ) أي عن الحق وهو القرآن، فلا يتأملون حجة التوحيد.

[سورة الأنبياء (21): آية 25]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)
قوله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ) «1» وقرا حفص وحمزة والكسائي:" نُوحِي إِلَيْهِ" بالنون، لقوله:" أَرْسَلْنا". (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) أي قلنا للجميع لا إله إلا الله، فأدل العقل شاهدة أنه لا شريك له، والنقل عن جميع الأنبياء موجود، والدليل إما معقول وإما منقول. وقال قتادة: لم يرسل نبي إلا بالتوحيد، والشرائع مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن، وكل ذلك على الإخلاص والتوحيد.
__________
(1). (يوحى) بالياء قراءة (نافع).

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 26 الى 29]
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)
قوله تعالى: (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ) نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونهم طمعا في شفاعتهم لهم. وروى معمر عن قتادة قال قالت اليهود- قال معمر في روايته- أو طوائف من الناس: خاتن إلى الجن والملائكة من الجن، فقال الله عز وجل:" سُبْحانَهُ" تنزيها له. (بَلْ عِبادٌ) أي بل هم عباد (مُكْرَمُونَ) أي ليس كما زعم هؤلاء الكفار. ويجوز النصب عند الزجاج على معنى بل اتخذ عبادا مكرمين. وأجازه الفراء على أن يرده على ولد، أي بل لم نتخذهم ولدا، بل اتخذناهم عبادا مكرمين. والولد ها هنا للجمع، وقد يكون الواحد والجمع ولدا. ويجوز أن يكون لفظ الولد للجنس، كما يقال لفلان مال. (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ) أي لا يقولون حتى يقول، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم. (وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) أي بطاعته وأوامره." يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون، قال ابن عباس. وعنه أيضا:" ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ" الآخرة" وَما خَلْفَهُمْ" الدنيا، ذكر الأول الثعلبي، والثاني القشيري. (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) قال ابن عباس: هم أهل شهادة أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد: هم كل من رضي الله عنه، والملائكة يشفعون غدا في الآخرة كما في صحيح مسلم وغيره، وفي الدنيا أيضا، فإنهم يستغفرون للمؤمنين ولمن في الأرض، كما نص عليه التنزيل على ما يأتي. (وَهُمْ) يعني الملائكة (مِنْ خَشْيَتِهِ) يعني من خوفه (مُشْفِقُونَ) أي خائفون لا يأمنون مكره.

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)

قوله تعالى: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ) قال قتادة والضحاك وغيرهما: عنى بهذه الآية إبليس حيث أدعى الشركة، ودعا إلى عبادة نفسه وكان من الملائكة، ولم يقل أحد من الملائكة إني إله غيره. وقيل: الإشارة إلى جميع الملائكة، أي فذلك القائل (نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ). وهذا دليل على أنهم وإن أكرموا بالعصمة فهم متعبدون، وليسوا مضطرين إلى العبادة كما ظنه بعض الجهال. وقد استدل ابن عباس بهذه الآية على أن محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل أهل السماء. وقد تقدم في" البقرة" «1». (كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) أي كما جزينا هذا بالنار فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعهما.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 30 الى 33]
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا) 30 قراءة العامة" أَوَلَمْ 260" بالواو. وقرا ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد" ألم تر" بغير واو وكذلك هو في مصحف مكة." أَوَلَمْ يَرَ 30" بمعنى يعلم." الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً 30" قال الأخفش:" كانَتا" لأنهما صنفان، كما تقول العرب: هما لقاحان أسودان، وكما قال الله عز وجل:" إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا" «2» [فاطر: 41] قال أبو إسحاق:" كانَتا" لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد بسماء، ولان السموات كانت سماء واحدة، وكذلك الأرضون. وقال:" رَتْقاً 30"
__________
(1). راجع ج 3 ص 261 فما بعد.
(2). راجع ج 14 ص 356.

ولم يقل رتقين، لأنه مصدر، والمعنى: كانتا ذواتي رتق. وقرا الحسن:" رتقا" بفتح التاء. قال عيسى بن عمر: هو صواب وهي لغة. والرتق السد ضد الفتق، وقد رتقت الفتق أرتقه فارتتق أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج. قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة: يعني أنها كانت شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء. وكذلك قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحا بوسطها «1» ففتحها بها، وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا. وقول ثان قاله مجاهد والسدي وأبو صالح: كانت السموات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرضين كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا. وحكاه القتبي في عيون الاخبار له، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله عز وجل:" أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما 30" قال: كانت السماء مخلوقة وحدها والأرض مخلوقة وحدها، ففتق من هذه سبع سموات، ومن هذه سبع أرضين، خلق الأرض العليا فجعل سكانها الجن والانس، وشق فيها الأنهار وأنبت فيها الأثمار، وجعل فيها البحار وسماها رعاء، عرضها مسيرة خمسمائة عام، ثم خلق الثانية مثلها في العرض والغلظ وجعل فيها أقواما، أفواههم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس، وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور الغنم، فإذا كان عند اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج، واسم تلك الأرض الدكماء، ثم خلق الأرض الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام، ومنها هواء إلى الأرض. الرابعة خلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود، ولها أذناب مثل أذناب الخيل الطوال، يأكل بعضها بعضا فتسلط على بني آدم. ثم خلق الله الخامسة [مثلها «2»] في الغلظ والطول والعرض فيها سلاسل وأغلال وقيود لأهل النار. ثم خلق الله الأرض السادسة واسمها ماد، فيها حجارة سود بهم، ومنها خلقت تربة آدم عليه السلام، تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود العظيم، وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم وأيديهم، فذلك قوله عز وجل:" وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ" «3» [البقرة: 24] ثم خلق الله الأرض السابعة واسمها عربية وفيها جهنم، فيها بابان اسم
__________
(1). في ب وج وك: توسطتها.
(2). زيادة يقتضيها السياق.
(3). راجع ج 18 ص 194.

الواحد سجين و[اسم «1»] الآخر الفلق «2»، فأما سجين فهو مفتوح وإليه ينتهي كتاب الكفار، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون، وأما الفلق «3» فهو مغلق لا يفتح إلى يوم القيامة. وقد مضى في" البقرة" «4» أنها سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام، وسيأتي له في آخر" الطلاق" «5» زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وقول ثالث قاله عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس أيضا فيما ذكر المهدوي: إن السموات كانت رتقا لا تمطر، والأرض كانت رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات، نظيره قوله عز وجل:" وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ. وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ" «6» [الطارق: 12- 11]. واختار هذا القول الطبري،، لان بعده:" وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ 30". قلت: وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة، ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية، ليدل على كمال قدرته، وعلى البعث والجزاء. وقيل:
يهون عليهم إذا يغضبو ... ن سخط العداة وإرغامها
ورتق الفتوق وفتق الرتو ... ق ونقض الأمور وإبرامها
وفي قوله تعالى: (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) 30 ثلاث تأويلات: أحدها: أنه خلق كل شي من الماء، قاله قتادة. الثاني- حفظ حياة كل شي بالماء. الثالث- وجعلنا من ماء الصلب كل شي حي، قاله قطرب." وَجَعَلْنا" بمعنى خلقنا. وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له من حديث أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله! إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني، أنبئني عن كل شي، قال: (كل شي خلق من الماء) الحديث، قال أبو حاتم قول أبي هريرة:" أنبئني عن كل شي"" أراد به عن كل شي خلق من الماء" والدليل على صحة هذا جواب المصطفى إياه حيث قال: (كل شي خلق من الماء) وإن لم يكن مخلوقا. وهذا احتجاج آخر سوى ما تقدم من كون السموات والأرض رتقا. وقيل: الكل قد يذكر بمعنى البعض كقوله:" وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ" «7» [النمل: 23]
__________
(1). من ب وج وز وك.
(2). من ب وج وز وك.
(3). من ب وج وز وك.
(4). راجع ج 1 ص 258 فما بعد.
(5). راجع ج 18 ص 174.
(6). راجع ج 20 ص 10.
(7). راجع ج 13 ص 184. [.....]

وقوله:" تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ" «1» [الأحقاف: 25] والصحيح العموم، لقوله عليه السلام: (كل شي خلق من الماء) والله أعلم. (أَفَلا يُؤْمِنُونَ) 30 أي أفلا يصدقون بما يشاهدون، وأن ذلك لم يكن بنفسه، بل لمكوّن كوّنه، ومدبر أوجده، ولا يجوز أن يكون ذلك المكون محدثا. قوله تعالى: (وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ) أي جبالا ثوابت. (أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) أي لئلا تميد بهم، ولا تتحرك ليتم القرار عليها، قاله الكوفيون. وقال البصريون: المعنى كراهية أن تميد. والميد التحرك والدوران. يقال: ماد رأسه، أي دار. ومضى في" النحل" «2» مستوفي. (وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً) يعني في الرواسي، عن ابن عباس. والفجاج المسالك. والفج الطريق الواسع بين الجبلين. وقيل: وجعلنا في الأرض فجاجا أي مسالك، وهو اختيار الطبري، لقوله: (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) أي يهتدون إلى السير في الأرض. (سُبُلًا) تفسير الفجاج، لان الفج قد يكون طريقا نافذا مسلوكا وقد لا يكون. وقيل: ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم. قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) أي محفوظا من أن يقع ويسقط على الأرض، دليله قوله تعالى:" وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ" «3» [الحج: 65]. وقيل: محفوظا بالنجوم من الشياطين، قاله الفراء. دليله قوله تعالى:" وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ" «4» [الحجر: 17]. وقيل: محفوظا من الهدم والنقض، وعن أن يبلغه أحد بحيلة. وقيل: محفوظا فلا يحتاج إلى عماد. وقال مجاهد: مرفوعا. وقيل: محفوظا من الشرك والمعاصي. (وَهُمْ) يعني الكفار (عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) قال مجاهد: يعني الشمس والقمر. وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع، لأنه الفاعل لها. بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى، إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرا واحدا فيستحيل أن يكون له شريك.
__________
(1). راجع ج 16 ص 205 فما بعد.
(2). راجع ج 10 ص 90 وص 10.
(3). راجع ج 12 ص 92 فما بعد.
(4). راجع ج 10 ص 90 وص 10.

قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) ذكرهم نعمة أخرى: جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه لمعايشهم. (الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) أي وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، لتعلم الشهور والسنون والحساب، كما تقدم في" سبحان" «1» بيانه. (كُلٌّ) يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار (فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. قال الله تعالى وهو أصدق القائلين:" وَالسَّابِحاتِ «2» سَبْحاً" ويقال للفرس الذي يمد يده في الجري سابح. وفية من النحو أنه لم يقل: يسبحن ولا تسبح، فمذهب سيبويه: أنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، أخبر عنهن بالواو والنون ونحوه قال الفراء. وقد تقدم هذا المعنى في" يوسف" «3». وقال الكسائي: إنما قال:" يَسْبَحُونَ" لأنه رأس آية، كما قال الله تعالى:" نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ" «4» [القمر: 44] ولم يقل منتصرون. وقيل: الجري للفلك فنسب إليها. والأصح أن السيارة تجري في الفلك، وهي سبعة أفلاك دون السموات المطبقة، التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري ثم زحل، والثامن فلك البروج، والتاسع الفلك الأعظم. والفلك واحد أفلاك النجوم. قال أبو عمرو: ويجوز أن يجمع على فعل مثل أسد وأسد وخشب وخشب. واصل الكلمة من الدوران، ومنه فلكة المغزل، لاستدارتها. ومنه قيل: فلك ثدي المرأة تفليكا، وتفلك استدار. وفي حديث ابن مسعود: تركت فرسي كأنه يدور في فلك. كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم. قال ابن زيد: الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر. قال: وهي بين السماء والأرض. وقال قتادة: الفلك استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء. وقال مجاهد: الفلك كهيئة حديد الرحى وهو قطبها. وقال الضحاك: فلكها مجراها وسرعة مسيرها. وقيل: الفلك موج مكفوف ومجرى الشمس والقمر فيه، والله أعلم.
__________
(1). راجع ج 10 ص 227 فما بعد.
(2). راجع ج 19 ص 188.
(3). راجع ج 9 ص 122.
(4). راجع ج 17 ص 145.

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 34 الى 35]
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35)
قوله تعالى: (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) أي دوام البقاء في الدنيا نزلت حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون. وذلك أن المشركين كانوا يدفعون نبوته ويقولون: شاعر نتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان، فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك. (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) أي أفهم، مثل قول الشاعر: «1»
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
أي أهم! فهو استفهام إنكار. وقال الفراء: جاء بالفاء ليدل على الشرط، لأنه جواب قولهم سيموت. ويجوز أن يكون جئ بها، لان التقدير فيها: أفهم الخالدون إن مت! قال الفراء: ويجوز حذف الفاء وإضمارها، لان" هم" لا يتبين فيها الاعراب. أي إن مت فهم يموتون أيضا، فلا شماتة في الإماتة. وقرى" مت" و" مت" بكسر الميم وضمها لغتان. قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) تقدم في (آل عمران) «2» (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)" فِتْنَةً 10" مصدر على غير اللفظ. أي نختبركم بالشدة والرخاء والحلال والحرام، فننظر كيف شكركم وصبركم. (وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) أي للجزاء بالأعمال.

[سورة الأنبياء (21): آية 36]
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36)
__________
(1). هو أبو خراش الهذلي ورفاه سكته من الرعب يقول: سكنوني. اعتبر بمشاهدة الوجوه وجعلها دليلا على ما في النفوس.
(2). راجع ج 4 ص 297 فما بعدها.

خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40)

قوله تعالى: (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) أي ما يتخذونك. والهزء السخرية، وقد تقدم. وهم المستهزءون المتقدمو الذكر في آخر سورة" الحجر" «1» في قوله:" إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ" [الحجر: 95]. كانوا يعيبون من جحد إلهية أصنامهم وهم جاحدون لإلهية الرحمن، وهذا غاية الجهل (أَهذَا الَّذِي) أي يقولون: أهذا الذي؟ فأضمر القول وهو جواب" إِذا" وقوله:" إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً" كلام معترض بين" إِذا" وجوابه. (يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ) أي بالسوء والعيب. ومنه قول عنترة.
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب «2»
أي لا تعيبي مهري. (وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ) أي بالقرآن. (هُمْ كافِرُونَ)" هُمْ" الثانية توكيد كفرهم، أي هم الكافرون مبالغة في وصفهم بالكفر.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 37 الى 40]
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (40)
قوله تعالى: (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) أي ركب على العجلة فخلق عجولا، كما قال الله تعالى:" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ 30: 54" «3» [الروم: 54] أي خلق الإنسان ضعيفا. ويقال: خلق الإنسان من الشر أي شريرا إذا بالغت في وصفه به. ويقال: إنما أنت ذهاب ومجيء. أي ذاهب جائي. أي طبع الإنسان العجلة، فيستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت مضرة. ثم قيل: المراد بالإنسان آدم عليه السلام. قال سعيد بن جبير والسدي: لما دخل الروح في عيني
__________
(1). راجع ج 10 ص 62.
(2). قاله لامرأة له من بجيلة كانت تلومه في فرس كان يؤثره على خيله ويطعمه ألبان إبله.
(3). راجع ج 14 ص 46.

آدم عليه السلام نظر في ثمار الجنة، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة. فذلك قوله:" خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ". وقيل: خلق آدم يوم الجمعة في آخر النهار، فلما أحيا الله رأسه استعجل، وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس، قاله الكلبي ومجاهد وغيرهما. وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني: العجل الطين بلغة حمير. وأنشدوا:
والنخل ينبت بين الماء والعجل «1»

وقيل: المراد بالإنسان الناس كلهم. وقيل المراد: النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار في تفسير ابن عباس، أي لا ينبغي لمن خلق من الطين الحقير أن يستهزئ بآيات الله ورسله. وقيل: إنه من المقلوب، أي خلق العجل من الإنسان. وهو مذهب أبي عبيدة. النحاس: وهذا القول لا ينبغي أن يجاب به في كتاب الله، لان القلب إنما يقع في الشعر اضطرارا كما «2» قال:
كان الزناء فريضة الرجم

ونظيره «3» هذه الآية:" وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا" [الاسراء: 11] وقد مضى في" سبحان" «4» [الاسراء: 1]. (سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) هذا يقوي القول الأول، وأن طبع الإنسان العجلة، وأنه خلق خلقا لا يتمالك، كما قال عليه السلام حسب ما تقدم في" سبحان". والمراد بالآيات ما دل على صدق محمد عليه السلام من المعجزات، وما جعله له من العاقبة المحمودة. وقيل: ما طلبوه من العذاب، فأرادوا الاستعجال وقالوا:" مَتى هذَا الْوَعْدُ 10: 48" [يونس: 48]؟ وما علموا أن لكل شي أجلا مضروبا. نزلت في النضر بن الحرث. وقوله:" إِنْ كانَ هذا «5» هُوَ الْحَقَّ" [الأنفال: 32]. وقال الأخفش سعيد: معنى" خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ" أي قيل له كن فكان، فمعنى" فَلا تَسْتَعْجِلُونِ" على هذا القول أنه من يقول للشيء كن فيكون، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ) 10: 48 أي الموعود، كما يقال: الله رجاؤنا أي مرجونا. وقيل: معنى" الْوَعْدُ 10: 48" هنا الوعيد، أي الذي يعدنا من العذاب. وقيل: القيامة. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) يا معشر المؤمنين.
__________
(1). صدر البيت:
والنبع في الصخرة الصماء منبته

[.....]
(2). البيت: للجعدي وصدره:
كانت فريضة ما تقول كما

(3). في ب وج وط وك وى: نظير هذه الآية. راجع ج 10 ص 226.
(4). في ب وج وط وك وى: نظير هذه الآية. راجع ج 10 ص 226.
(5). راجع ج 7 ص 398.

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44)

قوله تعالى: (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) العلم هنا بمعنى المعرفة فلا يقتضي مفعولا ثانيا مثل" لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ 60" [الأنفال: 60]. وجواب" لَوْ 20" محذوف، أي لو علموا الوقت الذي (لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) وعرفوه لما استعجلوا الوعيد. وقال الزجاج: أي لعلموا صدق الوعد. وقيل: المعنى لو علموه لما أقاموا على الكفر ولآمنوا. وقال الكسائي: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة، أي لو علموه علم يقين لعلموا أن الساعة آتية. ودل عليه (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً) 40 أي فجأة يعني القيامة. وقيل العقوبة. وقيل: النار فلا يتمكنون حيلة (فَتَبْهَتُهُمْ) 40. قال الجوهري: بهته بهتا أخذه بغتة، قال الله تعالى:" بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ 40". وقال الفراء:" فَتَبْهَتُهُمْ 40" أي تحيرهم، يقال: بهته يبهته إذا واجهه بشيء يحيره. وقيل: فتفجأهم. (فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها) 40 أي صرفها عن ظهورهم. (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي لا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار.

[سورة الأنبياء (21): آية 41]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (41)
قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) 10 هذا تسلية للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعزية له. يقول: إن استهزأ بك هؤلاء، فقد استهزئ برسل من قبلك، فاصبر كما صبروا. ثم وعده النصر فقال: (فَحاقَ) أي أحاط ودار (بِالَّذِينَ) كفروا و(سَخِرُوا مِنْهُمْ) وهزءوا بهم (ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) أي جزاء استهزائهم.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 42 الى 44]
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (44)

قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ) يحرسكم ويحفظكم. والكلاءة الحراسة والحفظ، كلأه الله كلاء (بالكسر) أي حفظه وحرسه. يقال: أذهب في كلاءة الله، واكتلأت منهم أي احترست، قال الشاعر هو ابن هرمة:
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها
وقال آخر: «1»
أنخت بعيري واكتلأت بعينه

وحكى الكسائي والفراء" قل من يكلؤكم" بفتح اللام وإسكان الواو. وحكيا" من يكلاكم" على تخفيف الهمزة في الوجهين، والمعروف تحقيق الهمزة وهي قراءة العامة. فأما" يكلاكم" فخطأ من وجهين فيما ذكره النحاس: أحدهما: أن بدل الهمزة إنما يكون في الشعر. والثاني: أنهما يقولان في الماضي كليته. ثم قيل: مخرج اللفظ مخرج الاستفهام والمراد به النفي. وتقديره: قل لا حافظ لكم (بِاللَّيْلِ) إذا نمتم (وَ) ب (النَّهارِ) إذا قمتم وتصرفتم في أموركم. (مِنَ الرَّحْمنِ) أي من عذابه وبأسه، كقوله تعالى:" فمن ينصرني من الله" «2» [هود: 63] أي من عذاب الله. والخطاب لمن اعترف منهم بالصانع، أي إذا أقررتم بأنه الخالق، فهو القادر على إحلال العذاب الذي تستعجلونه. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ) أي عن القرآن. وقيل: عن مواعظ ربهم وقيل: عن معرفته. (مُعْرِضُونَ) لاهون غافلون. قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ) المعنى: ألهم والميم صلة. (تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أي من عذابنا. (لا يَسْتَطِيعُونَ) يعنى الذين زعم هؤلاء الكفار أنهم ينصرونهم لا يستطيعون (نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ) فكيف ينصرون عابديهم. (وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) قال ابن عباس: يمنعون. وعنه: يجارون، وهو اختيار الطبري. تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير منه، قال الشاعر:
ينادي بأعلى صوته متعوذا ... ليصحب منها والرماح دواني
__________
(1). هو كعب بن زهير وعجزه.
وآمرت نفسي أي أمري أفعل

(2). راجع ج 9 ص 58 فما بعد.

قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46)

وروى معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال:" ينصرون" أي يحفظون. قتادة: أي لا يصحبهم الله بخير، ولا يجعل رحمته صاحبا لهم. قوله تعالى: (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ) قال ابن عباس: يريد أهل مكة. أي بسطنا لهم ولآبائهم في نعيمها و(طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) في النعمة فظنوا أنها لا تزول عنهم، فاغتروا وأعرضوا عن تدبير حجج الله عز وجل. (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) أي بالظهور عليها لك يا محمد أرضا بعد أرض، وفتحها بلدا بعد بلد مما حول مكة، قال معناه الحسن وغيره. وقيل: بالقتل والسبي، حكاه «1» الكلبي. والمعنى واحد. وقد مضى في" الرعد" «2» الكلام في هذا مستوفى. (أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) يعني كفار مكة بعد أن نقصنا من أطرافهم، بل أنت تغلبهم وتظهر عليهم.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 45 الى 46]
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (46)
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ) أي أخوفكم وأحذركم بالقرآن. (وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ) أي من أصم الله قلبه، وختم على سمعه، وجعل على بصره غشاوة، عن فهم الآيات وسماع الحق. وقرا أبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن السميقع" وَلا يَسْمَعُ" بياء مضمومة وفتح الميم على ما لم يسم فاعله" الصم" رفعا أي إن الله لا يسمعهم. وقرا ابن عامر والسلمى أيضا، وأبو حيوة ويحيى بن الحرث" ولا تسمع" بتاء مضمومة وكسر الميم" الصُّمُّ" نصبا، أي إنك يا محمد" لا تسمع الصم الدعاء"، فالخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ورد هذه القراءة بعض أهل اللغة. وقال: وكان يجب أن يقول: إذا ما تنذرهم. قال النحاس: وذلك جائز، لأنه قد عرف المعنى.
__________
(1). في ج: (حكاه الثعلبي).
(2). راجع ج 9 ص 333.

وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)

قوله تعالى: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ) قال ابن عباس: طرف. قال قتادة: عقوبة. ابن كيسان: قليل وأدنى شي، مأخوذة من نفح المسك. قال: «1»
وعمرة من سروات النساء ... تنفح بالمسك أردانها
ابن جريج: نصيب، كما يقال: نفح فلان لفلان من عطائه، إذا أعطاه نصيبا من المال. قال الشاعر: «2»
لما أتيتك أرجو فضل نائلكم ... نفحتني نفحة طابت لها العرب
أي طابت لها النفس. والنفحة في اللغة الدفعة اليسيرة، فالمعنى ولين مسهم أقل شي من العذاب. (لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) أي متعدين. فيعترفون حين لا ينفعهم الاعتراف.

[سورة الأنبياء (21): آية 47]
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (47)
قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) الموازين جمع ميزان. فقيل: إنه يدل بظاهره على أن لكل مكلف ميزانا توزن به أعماله، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في كفة. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله، كما قال:
ملك تقوم الحادثات لعدله ... فلكل حادثة لها ميزان
ويمكن أن يكون ميزانا واحدا عبر عنه بلفظ الجمع. وخرج اللالكاني الحافظ أبو القاسم في سننه عن أنس يرفعه: (إن ملكا موكلا بالميزان فيؤتي بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن رجح نادي الملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف نادي الملك شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا (. وخرج عن حذيفة رضي الله عنه قال:) صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام) وقيل: للميزان كفتان وخيوط ولسان والشاهين، فالجمع يرجع إليها. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: ذكر الميزان مثل وليس ثم
__________
(1). هو قيس بن الخطيم الأنصاري.
(2). هو للرماح بن ميادة مدح به الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

ميزان وإنما هو العدل. والذي وردت به الاخبار وعليه السواد الأعظم القول الأول. وقد مضى في" الأعراف" «1» بيان هذا، وفي" الكهف" «2» أيضا. وقد ذكرناه في كتاب" التذكرة" مستوفى والحمد لله. و" القسط" العدل أي ليس فيها بخس ولا ظلم كما يكون في وزن الدنيا. و" القسط" صفة الموازين ووحد لأنه مصدر، يقال: ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط. مثل رجال عدل ورضا. وقرأت فرقة" القصط" بالصاد." لِيَوْمِ الْقِيامَةِ" أي لأهل يوم القيامة. وقيل: المعنى في يوم القيامة." فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً" أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسي. (وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) قرأ نافع وشيبة وأبو جعفر" مثقال حبة" بالرفع هنا، وفي" لقمان" «3» على معنى إن وقع أو حضر، فتكون كان تامة ولا تحتاج إلى خبر الباقون" مثقال" بالنصب على معنى وإن كان العمل أو ذلك الشيء مثقال. ومثقال الشيء ميزانه من مثله. (أَتَيْنا بِها) مقصورة الالف قراءة الجمهور أي أحضرناها وجينا بها للمجازاة عليها ولها. يجاء بها أي بالحبة ولو قال به أي بالمثقال لجاز. وقيل: مثقال الحبة ليس شيئا غير الحبة فلهذا قال:" أتينا بها". وقرا مجاهد وعكرمة:" آتينا" بالمد على معنى جازينا بها. يقال: آتى يؤاتي مؤاتاة. (وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) أي مجازين «4» على ما قدموه من خير وشر. وقيل:" حاسبين" أي «5» لا أحد أسرع حسابا منا. والحساب العد. روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلا قعد بين يدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم؟ قال: (يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك [إياهم «6»] فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل) قال: فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أما تقرأ كتاب الله تعالى" ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا") فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم. قال حديث غريب.
__________
(1). راجع ج 7 ص 165.
(2). راجع ج 10 ص 418.
(3). راجع ج 14 ص 66 فما بعد.
(4). كذا في الأصول. [.....]
(5). كذا في ك. وفي غيرها من الأصول: إذ.
(6). من ب وج وز وط وك.

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 48 الى 50]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً) وحكى عن ابن عباس وعكرمة" الفرقان ضياء" بغير واو على الحال. وزعم الفراء أن حذف الواو والمجيء بها واحد، كما قال الله عز وجل:" إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ «1». وَحِفْظاً" [الصافات: 7- 6] أي حفظا. ورد عليه هذا القول الزجاج. قال: لان الواو تجئ لمعنى فلا تزاد. قال: وتفسير" الفرقان" التوراة، لان فيها الفرق بين الحرام والحلال. قال:" وَضِياءً" مثل" فِيهِ هُدىً وَنُورٌ" «2» وقال ابن زيد:" الفرقان" هنا هو النصر على الاعداء، دليله قوله تعالى:" وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ" «3» [الأنفال: 41] يعني يوم بدر. قال الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية، لدخول الواو في الضياء، فيكون معنى الآية: ولقد آتينا موسى وهرون النصر والتوراة التي هي الضياء والذكر. (لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) أي غائبين، لأنهم لم يروا الله تعالى، بل عرفوا بالنظر والاستدلال أن لهم ربا قادرا، يجازي على الأعمال فهم يخشونه في سرائرهم، وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس. (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ) أي من قيامها قبل التوبة. (مُشْفِقُونَ) أي خائفون وجلون. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ) يعني القرآن (أَفَأَنْتُمْ لَهُ) يا معشر العرب (مُنْكِرُونَ) وهو معجز لا تقدرون على الإتيان بمثله. وأجاز الفراء" وهذا ذكر مباركا أنزلناه" بمعنى أنزلناه مباركا

[سورة الأنبياء (21): الآيات 51 الى 56]
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (51) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (52) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (53) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (55)
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)
__________
(1). راجع ج 15 ص 64.
(2). راجع ج 6 ص 208.
(3). راجع ج؟ ص 20.

وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)

قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ) قال الفراء: أي أعطيناه هداه. (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل النبوة، أي وفقناه للنظر والاستدلال، لما جن عليه الليل فرأى النجم والشمس والقمر. وقيل:" من قبل" أي من قبل موسى وهرون. والرشد على هذا النبوة. وعلى الأول أكثر أهل التفسير، كما قال ليحيى:" وآتيناه الحكم صبيا" «1» [مريم: 12]. وقال القرظي: رشده صلاحه. (وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) أي إنه أهل لإيتاء الرشد وصالح للنبوة. قوله تعالى: (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ) قيل: المعنى أي اذكر حين قال لأبيه، فيكون الكلام قد تم عند قوله:" وكنا به عالمين". وقيل: المعنى،" وكنا به عالمين إذ قال" فيكون الكلام متصلا ولا يوقف على قوله:" عالِمِينَ"." لِأَبِيهِ" وهو آزر" وَقَوْمِهِ" نمرود ومن اتبعه. (ما هذِهِ التَّماثِيلُ) أي الأصنام. والتمثال اسم موضوع للشيء المصنوع مشبها بخلق من خلق الله تعالى. يقال: مثلت الشيء بالشيء أي شبهته به. واسم ذلك الممثل تمثال. (الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ) أي مقيمون على عبادتها. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) أي نعبدها تقليدا لاسلافنا. (قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي في خسران بعبادتها، إذ هي جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم. (قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ) أي أجاء أنت بحق فيما تقول؟ (أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) أي لاعب مازح. (قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي لست بلاعب، بل ربكم والقائم بتدبيركم خالق السموات والأرض. (الَّذِي فَطَرَهُنَّ) أي خلقهن وأبدعهن. (وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي على أنه رب السموات والأرض. والشاهد يبين الحكم، ومنه" شَهِدَ اللَّهُ" «2» [آل عمران: 18] بين الله، فالمعنى: وأنا أبين بالدليل ما أقول.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 57 الى 58]
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)
__________
(1). راجع ص 74 من هذا الجزء فما بعد.
(2). راجع ج 4 ص 40 فما بعد.

قوله تعالى: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ) أخبر أنه لم يكتف بالمحاجة باللسان بل كسر أصنامهم فعل واثق بالله تعالى، موطن نفسه على مقاساة المكروه في الذب عن الدين. والتاء في" تَاللَّهِ" تختص في القسم باسم الله وحده، والواو تختص بكل مظهر، والباء بكل مضمر ومظهر. قال الشاعر: «1»
تالله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس
وقال ابن عباس: أي وحرمة الله لأكيدن أصنامكم، أي لأمكرن بها. والكيد المكر. كاده يكيده كيدا ومكيدة، وكذلك المكايدة، وربما سمى الحرب كيدا، يقال: غزا فلان فلم يلق كيدا، وكل شي تعالجه فأنت تكيده. (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) أي منطلقين ذاهبين. وكان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا- روى ذلك عن ابن مسعود على ما يأتي بيانه في" والصافات" «2»- فقال إبراهيم في نفسه:" وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ". قال مجاهد وقتادة: إنما قال ذلك إبراهيم في سر من قومه، ولم يسمعه إلا رجل واحد وهو الذي أفشاه عليه. والواحد يخبر عنه بخبر الجمع إذا كان ما أخبر به مما يرضى به غيره. ومثله" يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ" «3» [المنافقون: 8]. وقيل: إنما قاله بعد خروج القوم، ولم يبق منهم إلا الضعفاء فهم الذين سمعوه. وكان إبراهيم احتال في التخلف عنهم بقوله:" إِنِّي سَقِيمٌ" [الصافات: 89] أي ضعيف عن الحركة. قوله تعالى: (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً) أي فتاتا. والجذ الكسر والقطع، جذذت الشيء كسرته وقطعته. والجذاذ والجذاذ ما كسر منه، والضم أفصح من كسره. قاله الجوهري. الكسائي: ويقال لحجارة الذهب جذاذ، لأنها تكسر. وقرا الكسائي والأعمش وابن محيصن:" جذاذا" بكسر الجيم، أي كسرا وقطعا جمع جذيذ وهو الهشيم، مثل خفيف وخفاف وظريف وظراف. قال الشاعر:
جذذ الأصنام في محرابها ... ذاك في الله العلي المقتدر
__________
(1). هو مالك بن خالد الخناعي الهذلي. وحيد هنا (كعنب): كل نتوء في الجبل. والمشمخر: الجبل العالي. والظبان: ياسمين البر. والمعنى: لا يبقى.
(2). راجع ج 15 ص 94.
(3). راجع ج 18 ص 129.

قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)

الباقون بالضم، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. [مثل «1»] الحطام والرفات الواحدة جذاذة. وهذا هو الكيد الذي أقسم به ليفعلنه بها. وقال:" فَجَعَلَهُمْ"، لان القوم اعتقدوا في أصنامهم الإلهية. وقرا ابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال:" جذاذا" بفتح الجيم، والفتح والكسر لغتان كالحصاد والحصاد. أبو حاتم: الفتح والكسر والضم بمعنى، حكاه قطرب. (إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ) أي عظيم الآلهة في الخلق فإنه لم يكسره. وقال السدي ومجاهد: ترك الصنم الأكبر وعلق الفأس الذي كسر به الأصنام في عنقه، ليحتج به عليهم. (لعلهم إليه) أي إلى إبراهيم دينه" يَرْجِعُونَ" إذا قامت الحجة عليهم. وقيل:" لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ" أي إلى الصنم الأكبر" يَرْجِعُونَ" في تكسيرها.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 59 الى 61]
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (60) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)
قوله تعالى: (قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) المعنى لما رجعوا من عيدهم ورأوا ما أحدث بآلهتهم، قالوا على جهة البحث والإنكار:" مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ". وقيل:" مَنْ" ليس استفهاما، بل هو ابتداء وخبره" لَمِنَ الظَّالِمِينَ" أي فاعل هذا ظالم. والأول أصح لقوله: (سمعنا فتى يذكرهم) وهذا هو جواب" مَنْ فَعَلَ هذا". والضمير في" قالُوا" للقوم الضعفاء الذين سمعوا إبراهيم، أو الواحد على ما تقدم. ومعنى" يَذْكُرُهُمْ" يعيبهم ويسبهم فلعله الذي صنع هذا. واختلف الناس في وجه رفع إبراهيم، فقال الزجاج: يرتفع على معنى يقال له هو إبراهيم، فيكون [خبر مبتدإ «2»] محذوف، والجملة محكية. قال: ويجوز أن يكون رفعا على النداء وضمة بناء، وقام له مقام ما لم يسم فاعله. وقيل: رفعه على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، على أن يجعل إبراهيم غير دال على الشخص، بل يجعل النطق به دالا على بناء هذه اللفظة أي يقال له هذا القول وهذا اللفظ، [وهذا «3»] كما تقول
__________
(1). في الأصول: (أي) وهو تحريف.
(2). في الأصول: (فيكون مبتدأ وخبره محذوف وهو تحريف.
(3). من ب وج وز وط وك.

قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)

زيد وزن فعل، أو زيد ثلاثة أحرف، فلم تدل بوجه الشخص، بل دللت بنطقك على نفس اللفظة وعلى هذه الطريقة تقول: قلت إبراهيم، ويكون مفعولا صحيحا نزلته منزلة قول وكلام، فلا يتعذر بعد ذلك أن يبني الفعل فيه للمفعول. هذا اختيار ابن عطية في رفعه. وقال الأستاذ أبو الحجاج الإشبيلي الأعلم: هو رفع على الإهمال. قال ابن عطية: لما رأى وجوه الرفع كأنها لا توضح المعنى الذي قصدوه، ذهب إلى رفعه بغير شي، كما قد يرفع التجرد والعرو عن العوامل الابتداء. والفتى الشاب والفتاة الشابة. وقال ابن عباس: ما أرسل الله نبيا إلا شابا. ثم قرأ:" سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ". قوله تعالى: (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ) فيه مسألة واحدة، وهي: أنه لما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فقالوا: ائتوا به ظاهرا بمرأى من الناس حتى يروه (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) عليه بما قال، ليكون ذلك حجة عليه. وقيل:" لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ" عقابه فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه. أو لعل قوما" يَشْهَدُونَ" بأنهم رأوه يكسر الأصنام، أو" لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ" طعنه على آلهتهم ليعلموا أنه يستحق العقاب. قلت: وفي هذا دليل على أنه كان لا يؤاخذ أحد بدعوى أحد فيما تقدم، لقوله تعالى:" فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ" وهكذا الامر في شرعنا ولا خلاف فيه.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 62 الى 63]
قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (63)
قوله تعالى (قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ) فيه أربع مسائل: الاولى- لما لم يكن السماع عاما ولا ثبتت الشهادة استفهموه هل فعل أم لا؟ وفي الكلام حذف فجاء إبراهيم حين أتى به فقالوا: أأنت فعلت هذا بالآلهة؟ فقال لهم إبراهيم على جهة الاحتجاج عليهم:" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا" أي إنه غار وغضب من أن يعبد هو

ويعبد الصغار معه ففعل هذا بها لذلك، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين، تنبيها لهم على فساد اعتقادهم. كأنه قال: بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء. وفي الكلام تقديم على هذا التأويل في قوله:" فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ". وقيل: أراد بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون. بين أن من لا يتكلم ولا يعلم ولا يستحق أن يعبد. وكان قوله من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. أي سلوهم إن نطقوا فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل. وفي ضمن هذا الكلام اعتراف بأنه هو الفاعل وهذا هو الصحيح لأنه عدده على نفسه، فدل أنه خرج مخرج التعريض. وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله، كما قال إبراهيم لأبيه:" يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
" «1» [مريم: 42]- الآية- فقال إبراهيم:" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا" ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون، فيقول لهم فلم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة منهم، ولهذا يجوز عند الامة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه، فإنه أقرب في الحجة وأقطع للشبهة، كما قال لقومه:" هذا رَبِّي" «2» وهذه أختي و" إِنِّي سَقِيمٌ" «3» و" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا" وقرا ابن السميقع" بل فعله" بتشديد اللام بمعنى فلعل الفاعل كبيرهم. وقال الكسائي: الوقف عند قوله:" بَلْ فَعَلَهُ" أي فعله من فعله، ثم يبتدئ" كَبِيرُهُمْ هذا". وقيل: أي لم ينكرون أن يكون فعله كبيرهم؟ فهذا إلزام بلفظ الخبر. أي من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلا، والمعنى: بل فعله كبيرهم فيما يلزمكم. الثانية- روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لم يكذب إبراهيم النبي في شي قط إلا في ثلاث:" إِنِّي سَقِيمٌ" [الصافات: 89] وقوله: لسارة أختي وقوله:" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ" (لفظ الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. ووقع في الاسراء في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة إبراهيم قال: وذكر قوله في الكوكب" هذا رَبِّي". فعلى هذا تكون الكذبات أربعا إلا أن الرسول عليه السلام قد نفى تلك بقوله: (لم يكذب إبراهيم النبي قط إلا في ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله:
__________
(1). راجع ص 110 من هذا الجزء. [.....]
(2). راجع ج 7 ص 25.
(3). راجع ج 15 ص 19 فما بعد.

" إِنِّي سَقِيمٌ" [الصافات: 89] وقوله:" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ" وواحدة في شأن سارة) الحديث لفظ مسلم وإنما يعد عليه قوله في الكوكب:" هذا رَبِّي" [الانعام: 78] كذبة وهي داخلة في الكذب، لأنه- والله أعلم- كان حين قال ذلك في حال الطفولية، وليست حالة تكليف. أو قال لقومه مستفهما لهم على جهة التوبيخ الإنكار، وحذفت همزة الاستفهام. أو على طريق الاحتجاج على قومه: تنبيها على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية. وقد تقدمت هذه الوجوه كلها في" الانعام" «1» مبينة والحمد لله. الثالثة- قال القاضي أبو بكر بن العربي: في هذا الحديث نكتة عظمي تقصم الظهر، وهي أنه عليه السلام قال: (لم يكذب إبراهيم إلا في ثلاث كذبات ثنتين ما حل بهما عن دين الله وهما قوله" إِنِّي سَقِيمٌ" [الصافات: 89] وقوله" بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ" ولم يعد [قوله «2»] هذه أختي في ذات الله تعالى وإن كان دفع بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم عليه السلام فيها حظ من صيانة فراشه وحماية أهله، لم يجعلها في ذات الله، وذلك لأنه لا يجعل في جنب الله وذاته إلا العمل الخالص من شوائب الدنيا، والمعاريض التي ترجع إلى النفس إذا خلصت للدين كانت لله سبحانه، كما قال:" أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ" [الزمر: 3 ( «3»]. وهذا لو صدر منا لكان لله، لكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا. والله أعلم. الرابعة- قال علماؤنا: الكذب هو الاخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه. والأظهر أن قول إبراهيم فيما أخبر عنه عليه السلام كان من المعاريض، وإن كانت معاريض وحسنات وحججا في الخلق ودلالات، لكنها أثرت في الرتبة، وخفضت عن محمد المنزلة، واستحيا منها قائلها، على ما ورد في حديث الشفاعة، فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم إجلالا لله، فإن الذي كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة، أن يصدع بالحق ويصرح بالحق لأمر كيفما كان، ولكنه رخص له فقبل الرخصة فكان ما كان من القصة، والقصة ولهذا جاء في حديث الشفاعة (إنما اتخذت خليلا من وراء وراء) بنصب وراء فيهما على البناء كخمسة عشر، وكما قالوا
__________
(1). راجع ج 7 ص 25 فما بعد.
(2). الزيادة من (أحكام القرآن) لابن العربي.
(3). راجع ج 15 ص 232 فما بعد.

فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)

جاري بيت بيت. ووقع في بعض نسخ مسلم (من وراء من وراء) بإعادة من، وحينئذ لا يجوز البناء على الفتح، وإنما يبني كل واحد منهما على الضم، لأنه قطع عن الإضافة ونوى المضاف كقبل وبعد، وإن لم ينو المضاف أعرب ونون غير أن وراء لا ينصرف، لان ألفه للتأنيث، لأنهم قالوا في تصغيرها ورئية، قال الجوهري: وهي شاذة. فعلى هذا يصح الفتح فيهما مع وجود" من" فيهما. والمعنى إني كنت خليلا متأخرا عن غيري. ويستفاد من هذا أن الخلة لم تصح بكمالها إلا لمن صح له في ذلك اليوم المقام المحمود كما تقدم. وهو نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 64 الى 67]
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (67)
قوله تعالى: (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ) أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته، المتفطن لصحة حجة خصمه. (فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) أي بعبادة من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس، من لا يرد عن رأسه الفأس. قوله تعالى: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) أي عادوا إلى جهلهم وعبادتهم «1» فقالوا:" لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ" ف"- قالَ" قاطعا لما به يهذون، ومفحما لهم فيما يتقولون" أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَكُمْ
" أي النتن لكم" وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ". وقيل، (نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) أي طأطئوا رؤسهم خجلا من إبراهيم وفيه نظر لأنه لم يقل نكسوا رؤوسهم بفتح الكاف بل قال" نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ" أي ردوا على ما كانوا عليه في أول الامر وكذا قال ابن عباس قال: أدركهم الشقاء فعادوا إلى كفرهم.
__________
(1). كذا في ب وج وز وى. وفي اوط: عبادتهم.

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 68 الى 69]
قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (68) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (69)
قوله تعالى: (قالُوا حَرِّقُوهُ) لما انقطعوا بالحجة أخذتهم عزة بإثم وانصرفوا إلى طريق الغشم والغلبة وقالوا حرقوه. روى أن قائل هذه المقالة هو رجل من الأكراد من أعراب فارس، أي من باديتها، قاله ابن عمر ومجاهد وابن جريج. ويقال: اسمه هيزر «1» فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقيل: بل قاله ملكهم نمرود. (وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) بتحريق إبراهيم لأنه يسبها ويعيبها. وجاء في الخبر: أن نمرود بنى صرحا طوله ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا. قال ابن إسحاق: وجمعوا الحطب شهرا ثم أوقدوها، واشتعلت واشتدت، حتى أن كان الطائر ليمر بجنباتها فيحترق من شدة وهجها. ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا. ويقال: إن إبليس صنع لهم المنجنيق يومئذ. فضجت السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة وجميع الخلق، إلا الثقلين ضجة واحدة: ربنا! إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره يحرق فيك فأذن لنا في نصرته. فقال الله تعالى:" إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه" فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خزان الماء- وهو في الهواء- فقالوا: يا إبراهيم إن أردت أخمدنا النار بالماء. فقال: لا حاجة لي إليكم. وأتاه ملك الريح فقال: لو شئت طيرت النار. فقال: لا. ثم رفع رأسه إلى السماء فقال:" اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس أحد يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل". وروى أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك) قال: ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع، فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال:" أما إليك فلا". فقال جبريل: فاسأل ربك. فقال:" حسبي من سؤالي علمه بحالي". فقال
__________
(1). وقيل: اسمه (هيزن) كما في تاريخ الطبري وتفسيره. وقيل: (هيون).

وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)

الله تعالى وهو أصدق القائلين: (يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) قال بعض العلماء: جعل الله فيها بردا يرفع حرها، وحرا يرفع بردها، فصارت سلاما عليه. قال أبو العالية: ولو لم يقل" بَرْداً وَسَلاماً" لكان بردها أشد عليه من حرها، ولو لم يقل" عَلى إِبْراهِيمَ" لكان بردها باقيا على الأبد. وذكر بعض العلماء: أن الله تعالى أنزل زربية «1» من الجنة فبسطها في الجحيم، وأنزل الله ملائكة: جبريل وميكائيل وملك البرد وملك السلامة. وقال على وابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها، ولم تبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت أنها تعني. قال السدي: وأمر الله كل عود من شجرة أن يرجع إلى شجره ويطرح ثمرته. وقال كعب وقتادة: لم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه. فأقام في النار سبعة أيام لم يقدر أحد أن يقرب من النار، ثم جاءوا فإذا هو قائم يصلي. وقال المنهال بن عمرو قال إبراهيم:" ما كنت أياما قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار". وقال كعب وقتادة والزهري: ولم تبق يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فلذلك أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتلها وسماها فويسقة. وقال شعيب الحماني: ألقى إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة. وقال ابن جريج: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست وعشرين سنة. ذكر الأول الثعلبي، والثاني الماوردي، فالله أعلم. وقال الكلبي: بردت نيران الأرض جميعا فما أنضجت كراعا، فرآه نمروذ من الصرح وهو جالس على السرير يؤنسه ملك الظل. فقال: نعم الرب ربك! لأقربن له أربعة آلاف بقرة وكف عنه.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 70 الى 73]
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (71) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (72) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (73)
__________
(1). الزربية: الطنفسة وقيل: البساط ذو الخمل وزايها مثلثة.

قوله تعالى: (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً) أي أراد نمروذ وأصحابه أن يمكروا به (فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) [أي «1»] في أعمالهم، ورددنا مكرهم عليهم بتسليطنا أضعف خلقنا. قال «2» ابن عباس: سلط الله عليهم أضعف خلقه البعوض، فما برح نمروذ حتى رأى عظام أصحابه وخيله تلوح، أكلت لحومهم وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره فلم تزل تأكل إلى أن وصلت دماغه، وكان أكرم الناس عليه الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد. فأقام بهذا نحوا من أربعمائة سنة. قوله تعالى: (وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) يريد نجينا إبراهيم ولوطا إلى [الأرض «3»] أرض الشام وكانا بالعراق. وكان [إبراهيم «4»] عليه السلام [عمه لوط «5»
]، قاله ابن عباس. وقيل: لها مباركة لكثرة خصبها وثمارها وأنهارها، ولأنها معادن الأنبياء. والبركة ثبوت الخير، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح. وقال ابن عباس: الأرض المباركة مكة. وقيل: بيت المقدس، لان منها بعث الله أكثر الأنبياء، وهي أيضا كثيرة الخصب والنمو، عذبة الماء، ومنها يتفرق في الأرض. قال أبو العالية: ليس ماء عذب إلا يهبط من السماء إلى الصخرة التي ببيت المقدس، ثم يتفرق في الأرض. ونحوه عن كعب الأحبار. وقيل: الأرض المباركة مصر. قوله تعالى: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) أي زيادة، لأنه دعا في إسحاق وزيد يعقوب من غير دعاء فكان ذلك نافلة، أي زيادة على ما سأل، إذ قال:" رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ" «6» [الصافات: 100]. ويقال لولد الولد نافلة، لأنه زيادة على الولد. (وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) أي وكلا من إبراهيم وإسحاق ويعقوب جعلناه صالحا عاملا بطاعة الله. وجعلهم صالحين إنما يتحقق بخلق الصلاح والطاعة لهم، وبخلق القدرة على الطاعة، ثم ما يكتسبه العبد فهو مخلوق لله تعالى. قوله تعالى: (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات. ومعنى" بأمرنا" أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والامر والنهي، فكأنه قال يهدون بكتابنا وقيل: المعنى يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بإرشاد الخلق، ودعائهم إلى التوحيد. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ) أي أن يفعلوا الطاعات. (وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) أي مطيعين.
__________
(1). من ب وج وز وط وك وى.
(2). سبق أن نبهنا على أن ابن عباس يكذب عليه بعض الرواة.
(3). من ب وج وز وط وك وى.
(4). من ك.
(5). كذا في ك. وفي غيرها من النسخ: لوط. وهو خطأ.
(6). راجع ج 15 ص 97 فما بعد. [.....]

وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 74 الى 75]
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)
قوله تعالى: (وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً)" لُوطاً" منصوب بفعل مضمر دل عليه الثاني، أي وآتينا لوط آتيناه. وقيل: أي واذكر لوطا. والحكم النبوة، والعلم المعرفة بأمر الدين وما يقع به الحكم بين الخصوم. وقيل:" عِلْماً" فهما، والمعنى واحد. (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ) يريد سدوم. ابن عباس: كانت سبع قرى، قلب جبريل عليه السلام ستة وأبقي واحدة للوط وعياله، وهي زغر التي فيها الثمر من كورة فلسطين إلى حد الشراة «1»، ولها قرى كثيرة إلى حد بحر الحجاز «2». وفي الخبائث التي كانوا يعملونها قولان: أحدهما: اللواط على ما تقدم. والثاني: الضراط، أي كانوا يتضارطون في ناديهم ومجالسهم. وقيل: الضراط وخذف «3» الحصي وسيأتي. (إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ) أي خارجين عن طاعة الله، والفسوق الخروج وقد تقدم. (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا) أي في النبوة. وقيل: في الإسلام. وقيل: الجنة. وقيل: عنى بالرحمة إنجاءه من قومه (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).

[سورة الأنبياء (21): الآيات 76 الى 77]
وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (77)
قوله تعالى: (وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ) أي واذكر نوحا إذ نادى، أي دعا." مِنْ قَبْلُ" أي من قبل إبراهيم ولوط على قومه، وهو قوله:" رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً" «4» [نوح: 26] وقال لما كذبوه:" أني مغلوب فانتصر" «5» [القمر: 10]. (فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) أي من الغرق. والكرب الغم الشديد" واهله" أي المؤمنين منهم. (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا)
__________
(1). كذا في ب وز وك. وهو الأشبه. والشراة جبل بنجد لطيئ. وفي اوج وط: السراة بالمهملة: جبل من عرفات إلى حد نجران.
(2). في ك: نجد بالحجاز.
(3). كذا في ك: وفي ب وج وز وط: حذف. بالمهملة.
(4). راجع ج 18 ص 312.
(5). راجع ج 17 ص 131.
(

وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)

قال أبو عبيدة:" مِنَ" بمعنى على. وقيل: المعنى فانتقمنا له" مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا"." فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ" أي الصغير منهم والكبير.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 78 الى 79]
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (79)
فيه ست وعشرون مسألة: الاولى- قوله تعالى: (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ) أي وأذكرهما إذ يحكمان، ولم يرد بقوله" إِذْ يَحْكُمانِ" الاجتماع في الحكم وإن جمعهما في القول، فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز. وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده، وكان سليمان الفاهم لها بتفهيم الله تعالى إياه:" فِي الْحَرْثِ" اختلف فيه على قولين: فقيل: كان زرعا، قاله قتادة. وقيل: كرما نبتت عناقيده، قال ابن مسعود وشريح «1». و" الحرث" يقال فيهما، وهو في الزرع أبعد من الاستعارة. الثانية- قوله تعالى: (إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) أي رعت فيه ليلا، والنفش الرعي بالليل. يقال: نفشت بالليل، وهملت بالنهار، إذا رعت بلا راع. وأنفشها صاحبها. وابل نفاش. وفي حديث عبد الله بن عمرو: الحبة في الجنة مثل كرش البعير يبيت نافشا، أي راعيا، حكاه الهروي. وقال ابن سيده: لا يقال الهمل في الغنم وإنما هو في الإبل: الثالثة- قوله تعالى: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) دليل على أن أقل الجمع اثنان وقيل: المراد الحاكمان والمحكوم عليه، فلذلك قال" لِحُكْمِهِمْ". الرابعة- قوله تعالى: (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ) أي فهمناه القضية والحكومة، فكنى عنها إذ سبق ما يدل عليها. وفضل حكم سليمان حكم أبيه في أنه أحرز أن يبقي [ملك «2»] كل واحد منهما على متاعه وتبقى نفسه طيبة بذلك، وذلك أن داود عليه السلام رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث. وقالت فرقة: بل دفع الغنم إلى صاحب الحرث، والحرث إلى صاحب الغنم.
__________
(1). في ك: سعيد.
(2). من ب وج وز وط وى.

قال ابن عطية: فيشبه على القول الواحد أنه رأى الغنم تقاوم الغلة التي أفسدت. وعلى القول الثاني رآها تقاوم الحرث والغلة، فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب الذي يخرج منه الخصوم، وكانوا يدخلون إلى داود من باب آخر فقال: بم قضى بينكما نبي الله داود؟ فقالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث: فقال لعل الحكم غير هذا انصرفا معي: فأتى أباه فقال: يا نبي الله أنك حكمت بكذا وكذا وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم [فيه «1»] في السنة المقبلة، رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه. فقال داود: وفقت يا بني لا يقطع الله فهمك. وقضى بما قضى به سليمان، قال معناه ابن مسعود ومجاهد وغيرهما. قال الكلبي: قوم داود الغنم والكرم الذي أفسدته الغنم فكانت القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم. وهكذا قال النحاس، قال: إنما قضى بالغنم لصاحب الحرث، لان ثمنها كان قريبا منه. وأما في حكم سليمان فقد قيل: كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء أيضا. الخامسة- (وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) تأول قوم أن داود عليه السلام لم يخطئ في هذه النازلة، بل فيها أوتي الحكم والعلم. وحملوا قوله:" فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ" على أنه فضيلة له على داود وفضيلته راجعة إلى داود، والوالد تسره زيادة ولده عليه. وقالت فرقة: بل لأنه لم يصب العين المطلوبة في هذه النازلة، وإنما مدحه الله بأن له حكما وعلما يرجع إليه في غير هذه النازلة. وأما في هذه فأصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام، ولا يمتنع وجود الغلط والخطإ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرون عليه، وإن أقر عليه غيرهم. ولما هدم الوليد كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيبا فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيبا فقد أخطأت أنت، فأجابه الوليد" وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ. فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً". وقال قوم كان داود وسليمان- عليهما السلام- نبيين يقضيان بما يوحى إليهما، فحكم داود بوحي،
__________
(1). كذا في ك. وفي ب وج وز وط وى: عليه.

وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، وعلى هذا" فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ" أي بطريق الوحي الناسخ لما أوحى إلى داود، وأمر سليمان أن يبلغ ذلك داود، ولهذا قال:" وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً". هذا قول جماعة من العلماء ومنهما ابن فورك. وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد وهي: السادسة- واختلف العلماء في جواز الاجتهاد على الأنبياء فمنعه قوم، وجوزه المحققون، لأنه ليس فيه استحالة عقلية، لأنه دليل شرعي فلا إحالة أن يستدل به الأنبياء، كما لو قال له الرب سبحانه وتعالى: إذا غلب على ظنك كذا فاقطع بأن ما غلب على ظنك هو حكمي فبلغه الامة، فهذا غير مستحيل في العقل. فإن قيل: إنما يكون دليلا إذا عدم النص وهم لا يعدمونه. قلنا: إذا لم ينزل الملك فقد عدم النص عندهم، وصاروا في البحث كغيرهم من المجتهدين عن معاني النصوص التي عندهم. والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين أنهم معصومون عن الخطأ، وعن الغلط، وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك. كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم. وذهب أبو علي ابن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء أنه لم يكن بعده من يستدرك غلطه، ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه. وقد قيل: إنه على العموم في جميع الأنبياء، وأن نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله عليهم في تجويز الخطإ على سواء إلا أنهم لا يقرون على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء. هذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد سألته امرأة عن العدة فقال لها: (اعتدي حيث شئت) ثم قال لها: (امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله). وقال له رجل: أرأيت لو قتلت صبرا محتسبا أيحجزني عن الجنة شي؟ فقال: (لا) ثم دعاه فقال: (إلا الدين كذا أخبرني جبريل عليه السلام). السابعة- قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن القضاة هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. وقد اختلف الناس في المجتهدين في الفروع إذا

اختلفوا، فقالت فرقة: الحق في طرف واحد عند الله، وقد نصب على ذلك أدلة، وحمل المجتهدين على البحث عنها، والنظر فيها، فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الإطلاق، وله أجران أجر في الاجتهاد واجر في الإصابة، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطئ في أنه لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور. وهذا سليمان قد صادف العين المطلوبة، وهي التي فهم. ورأت فرقة أن العالم المخطئ لا إثم في خطئه وإن كان غير معذور. وقالت فرقة: الحق في طرف واحد ولم ينصب الله تعالى عليه دلائل «1» [بل «2»] وكل الامر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه أصاب ومن أخطأ فهو معذور مأجور ولم يتعبد بإصابة العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط. وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم: إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين، وكل مجتهد مصيب، المطلوب إنما هو الأفضل في ظنه، وكل مجتهد قد أداه نظره إلى الأفضل في ظنه، والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض، ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون قول مخالفه. ومنه رد مالك رحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس على" الموطأ"، فإذا قال عالم في أمر حلال فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله، وكذا في العكس. قالوا: وإن كان سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى والتي أرجح فالأولى ليست بخطإ، وعلى هذا يحملون قوله عليه السلام: (إذا اجتهد العالم فأخطأ) أي فأخطأ الأفضل. الثامنة- روى مسلم وغيره عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) هكذا لفظ الحديث في كتاب مسلم (إذا حكم فاجتهد) فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والامر بالعكس، فإن الاجتهاد مقدم على الحكم، فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع. وإنما معنى هذا الحديث: إذا أراد أن يحكم، كما قال:" فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ" «3» [النحل: 98] فعند
__________
(1). في ج وز: دليلا بل.
(2). في ج وز: دليلا بل.
(3). راجع ج 10 ص 174.

ذلك أراد أن يجتهد في النازلة. ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون: إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم لإمكان أن يظهر له ثانيا خلاف ما ظهر له أولا، اللهم إلا أن يكون ذاكرا لأركان اجتهاده، مائلا إليه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في أمارة أخرى. التاسعة- إنما يكون يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالما بالاجتهاد والسنن والقياس، وقضاء من مضي لان اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطإ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر. يدل على ذلك حديثه الآخر، رواه أبو داود: (القضاة ثلاثة) الحديث. قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على الخطأ، ومما يؤيد هذا قوله تعالى:" فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ" الآية. قال الحسن: أثنى على سليمان ولم يذم داود. العاشرة- ذكر أبو التمام المالكي أن مذهب مالك أن الحق في واحد من أقاويل المجتهدين وليس ذلك في أقاويل المختلفين، وبه قال أكثر الفقهاء. قال: وحكى ابن القاسم أنه سأل مالكا عن اختلاف الصحابة، فقال: مخطئ ومصيب، وليس الحق في جميع أقاويلهم. وهذا القول قيل: هو المشهور عن مالك وإليه ذهب محمد بن الحسين. واحتج من قال هذا بحديث عبد الله بن عمرو، قالوا: وهو نص على أن في المجتهدين وفي الحاكمين مخطئا ومصيبا، قالوا: والقول بأن كل مجتهد مصيب يؤدي إلى كون الشيء حلالا حراما، وواجبا ندبا. واحتج أهل المقالة الاولى بحديث ابن عمر. قال: نادى فينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم انصرف من الأحزاب (ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال الآخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحدا من الفريقين، قالوا: فلو كان أحد الفريقين مخطئا لعينه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ويمكن أن يقال: لعله إنما سكت عن تعيين المخطئين لأنه غير آثم بل مأجور،

فاستغنى عن تعيينه. والله أعلم. ومسألة الاجتهاد طويلة متشعبة، وهذه النبذة التي ذكرناها كافية في معنى الآية، والله الموفق للهداية. الحادية عشرة- ويتعلق بالآية فصل آخر: وهو رجوع الحاكم بعد قضائه من اجتهاده إلى اجتهاد آخر أرجح من الأول، فإن داود عليه السلام فعل ذلك. وقد اختلف في ذلك علماؤنا رحمهم الله تعالى، فقال عبد الملك ومطرف في" الواضحة": ذلك له ما دام في ولايته، فأما إن كانت ولاية أخرى فليس له ذلك، وهو بمنزلة غيره من القضاة. وهذا هو ظاهر قول مالك رحمة الله في" المدونة". وقال سحنون في رجوعه من اجتهاد فيه قول إلى غيره مما رآه أصوب ليس له ذلك، وقاله ابن عبد الحكم. قالا: ويستأنف الحكم بما قوي عنده. قال سحنون: إلا أن يكون نسي الأقوى عنده في ذلك الوقت، أو وهم فحكم بغيره فله نقضه، وأما وإن حكم بحكم هو الأقوى عنده في ذلك الوقت ثم قوى عنده غيره بعد ذلك فلا سبيل إلى نقض الأول، قاله سحنون في كتاب ابنه. وقال أشهب في كتاب ابن المواز إن كان رجوعه إلى الأصوب في مال فله نقض الأول، وإن كان في طلاق أو نكاح أو عتق فليس له نقضه. قلت: رجوع القاضي عما حكم القاضي إذا تبين له أن الحق في غيره ما دام في ولايته أولى. وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما، رواها الدارقطني، وقد ذكرناها في" الأعراف" ولم يفصل، وهي الحجة لظاهر قول مالك. ولم يختلف العلماء أن القاضي إذا قضى تجوزا وبخلاف أهل العلم فهو مردود، إن كان على وجه الاجتهاد، فأما أن يتعقب قاض حكم قاض آخر فلا يجوز ذلك له لان فيه مضرة عظمي من جهة نقض الأحكام، وتبديل الحلال بالحرام، وعدم ضبط قوانين الإسلام، ولم يتعرض أحد من العلماء لنقض ما رواه الآخر، وإنما كان يحكم بما ظهر له. الثانية عشرة- قال بعض الناس: إن داود عليه السلام لم يكن أنفذ الحكم وظهر له ما قال غيره. وقال آخرون: لم يكن حكما وإنما كانت فتيا.

قلت: وهكذا تؤول فيما رواه أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال:" بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت
هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا- يرحمك الله- هو ابنها، فقضى به للصغرى، قال أبو هريرة: إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، ما كنا نقول إلا المدية، أخرجه مسلم. فأما القول بأن ذلك من داود فتيا فهو ضعيف، لأنه كان النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وفتياه حكم. وأما القول الآخر فيبعد، لأنه تعالى قال:" إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ" فبين أن كل واحد منهما كان قد حكم. وكذا قوله في الحديث: فقضى به للكبرى، يدل على إنفاذ القضاء وإنجازه. ولقد أبعد من قال: إنه كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى من حيث هي كبرى، لان الكبر والصغر طرد محض عند الدعاوى كالطول والقصر والسواد والبياض وذلك لا يوجب ترجيح أحد المتداعيين حتى يحكم له أو عليه لأجل ذلك. وهو مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع. والذي ينبغي أن يقال: إن داود عليه السلام إنما قضى به للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها. ولم يذكر في الحديث تعيينه إذ لم تدع حاجة إليه، فيمكن أن الولد كان بيدها، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البينة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان. وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا الحديث. وهو الذي تشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها. لا يقال: فإن كان داود قضى بسبب شرعي فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه، فالجواب: أن سليمان عليه السلام لم يتعرض لحكم أبيه بالنقض، وإنما احتال حيلة لطيفة ظهر له بسببها صدق الصغرى، وهي أنه لما قال: هات السكين أشقه بينكما، قالت الصغرى: لا، فظهر له من قرينه الشفقة في الصغرى، وعدم ذلك في الكبرى، مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها. ولعله كان ممن سوغ له أن يحكم بعلمه. وقد ترجم النسائي على هذا الحديث" حكم الحاكم بعلمه". وترجم له أيضا" السعة للحاكم أن يقول

للشيء الذي لا يفعله أفعل ليستبين الحق". وترجم له أيضا" نقض الحاكم لا يحكم به غيره ممن هو مثله أو أجل منه". ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عند ما رأت من سليمان الحزم والجد في ذلك، فقضى بالولد للصغرى، ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره، فإنه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين وبعدها، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول، لكن من باب تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب. والله أعلم. وفي هذا الحديث من الفقه أن الأنبياء سوغ لهم الحكم بالاجتهاد، وقد ذكرناه. وفية من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وفية الحجة لمن يقول: إن الام تستلحق، وليس مشهور مذهب مالك، وليس هذا موضع ذكره. وعلى الجملة فقضاء سليمان في هذه القصة «1» تضمنها مدحه تعالى له بقوله:" فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ". الثالثة عشرة- قد تقدم القول في الحرث والحكم في هذه الواقعة في شرعنا: أن على أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، ثم الضمان في المثل بالمثليات، وبالقيمة في ذوات القيم. والأصل في هذه المسألة في شرعنا ما حكم به [محمد «2»] نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ناقة البراء بن عازب. رواه مالك عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة للبراء دخلت حائط رجل فأفسدت فيه فقضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن على أهل الحوائط حفظها بالليل، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن «3» على أهلها. هكذا رواه جميع الرواة مرسلا. وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب، إلا ابن عيينة فإنه رواه عن الزهري عن سعيد وحرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة، فذكر مثله بمعناه. ورواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب أنه بلغه أن ناقة البراء دخلت حائط قوم، مثل حديث مالك سواء، إلا أنه لم يذكر حرام بن سعد بن محيصة ولا غيره. قال أبو عمر: لم يصنع ابن أبي ذئب
__________
(1). في ك: القضية.
(2). من ب وج وز وط وى.
(3). ضامن بمعنى مضمون. [.....]

شيئا، إلا أنه أفسد إسناده. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يتابع «1» عبد الرزاق على ذلك وأنكروا عليه قوله عن أبيه. ورواه ابن جريج عن ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن ناقة دخلت في حائط قوم فأفسدت، فجعل الحديث لابن شهاب عن أبي أمامة، ولم يذكر أن الناقة كانت للبراء. وجائز أن يكون الحديث عن ابن شهاب عن ابن محيصة، وعن سعيد ابن المسيب، وعن أبي أمامة- والله أعلم- فحدث به عمن شاء منهم على ما حضره وكلهم ثقات. قال أبو عمر: وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث. الرابعة عشرة- ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعا في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شي وأدخل فسادها في عموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (جرح العجماء جبار) فقاس جميع أعمالها على جرحها. ويقال: أنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا القول، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء، وكونه ناسخا لحديث البراء ومعارضا له، فإن النسخ شروطه معدومة، والتعاوض إنما يصح إذا لم يمكن استعماله أحدهما إلا بنفي الآخر، وحديث (العجماء جرحها جبار) عموم متفق عليه، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء، لان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو جاء عنه في حديث واحد: العجماء جرحها جبار نهارا لا ليلا وفي الزرع والحوائط والحرث، لم يكن هذا مستحيلا من القول، فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض؟! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في الأصول. الخامشة عشرة- إن قيل: ما الحكمة في تفريق الشارع بين الليل والنهار، وقد قال الليث بن سعد: يضمن أرباب المواشي بالليل والنهار كل ما أفسدت، ولا يضمن أكثر من قيمة الماشية؟ قلنا: الفرق بينهما واضح وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال
__________
(1). في ز: لم ينازع.

مواشيهم ترعي بالنهار، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل الزروع، لأنه وقت التصرف في المعاش، كما قال الله سبحانه وتعالى:" وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً" «1» [النبأ: 1 1] فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شي إلى موضعه وسكنه، كما قال الله تعالى:" مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ" «2» [القصص: 72] وقال:" وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً" «3» [الانعام: 96] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرط صاحب الماشية في ردها إلى منزله، أو فرط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئا فعليه ضمان ذلك، فجرى الحكم على الأوفق الاسمح، وكان ذلك أرفق بالفريقين وأسهل على الطائفتين، وأحفظ للمالين، وقد وضح الصبح لذي عينين، ولكن لسليم الحاستين، وأما قول الليث: لا يضمن أكثر من قيمة الماشية، فقد قال أبو عمر: لا أعلم من أين قال هذا الليث بن سعد، إلا أن يجعله قياسا على العبد الجاني لا يفتك بأكثر من قيمته ولا يلزم سيده في جنايته أكثر من قيمته، وهذا ضعيف الوجه، كذا قال في" التمهيد" وقال في" الاستذكار": فخالف الحديث في (العجماء جرحها جبار) وخالف ناقة البراء، وقد تقدمه إلى ذلك طائفة من العلماء منهم عطاء. قال ابن جريج قلت لعطاء: الحرث الماشية ليلا أو نهارا؟ قال: يضمن صاحبها ويغرم. قلت: كان عليه حظرا أو لم يكن؟ قال نعم! يغرم. قلت: ما يغرم؟ قال: قيمة ما أكل حماره ودابته وماشيته. وقال معمر عن ابن شبرمة: يقوم الزرع على حاله التي أصيب عليها دراهم. وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما: يضمن رب الماشية ليلا أو نهارا، من طرق لا تصح. السادسة عشرة- قال مالك: ويقوم الزرع الذي أفسدت المواشي بالليل على الرجاء والخوف. قال: والحوائط التي تحرس والتي لا تحرس، والمحظر عليها وغير المحظر سواء، يغرم أهلها ما أصابت بالليل بالغا ما بلغ، وإن كان أكثر من قيمتها. قال: وإذا انفلتت دابة بالليل فوطئت على رجل نائم لم يغرم صاحبها شيئا، وإنما هذا في الحائط والزرع والحرث، ذكره عنه ابن عبد الحكم. وقال ابن القاسم: ما أفسدت الماشية بالليل فهو في مال ربها،
__________
(1). راجع ج 19 ص 170.
(2). راجع ج 14 ص 308.
(3). راجع ج 7 ص 44.

وإن كان أضعاف ثمنها، لان الجناية من قبله إذ لم يربطها، وليست الماشية كالعبيد، حكاه سحنون وأصبغ وأبو زيد عن ابن القاسم. السابعة عشرة- ولا يستأني بالزرع أن ينبت أو لا ينبت كما يفعل في سن الصغير. وقال عيسى عن ابن القاسم: قيمته لو حل بيعه. وقال أشهب وابن نافع في المجموعة عنه: وإن لم يبد صلاحه. ابن العربي: والأول أقوى لأنها صفته فتقوم كما يقوم كل متلف على صفته. الثامنة عشرة- لو لم يقض للمفسد له بشيء حتى نبت وانجبر فإن كان فيه قبل ذلك منفعة رعى أو شيء ضمن تلك المنفعة، وإن لم تكن فيه منفعة فلا ضمان. وقال أصبغ: يضمن، لان التلف قد تحقق والجبر ليس من جهته فلا يعتد له به. التاسعة عشرة- وقع في كتاب ابن سحنون أن الحديث إنما جاء في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة، وأما البلاد التي هي زروع متصلة غير محظرة، وبساتين كذلك، فيضمن أرباب النعم ما أفسدت من ليل أو نهار، كأنه ذهب إلى أن ترك تثقيف الحيوان في مثل هذه البلاد تعد، لأنها ولا بد تفسد. وهذا جنوح إلى قول الليث. الموفية عشرين- قال أصبغ في المدينة: ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذواد، فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو أن تكون بقعة زرع، أو بقعة سرح، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ماشية تحتاج، وعلى أربابها حفظها، وما أفسدت فصاحبها ضامن ليلا أو نهارا، وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الذي حرثه فيها حفظه، ولا شي على أرباب المواشي. الحادية والعشرون- المواشي على قسمين: ضواري وحريسة وعليهما قسمها مالك. فالضواري هي المعتادة للزرع «1» والثمار، فقال مالك: تغرب وتباع في بلد لا زرع فيه، رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره. قال ابن حبيب: وإن كره ذلك ربها، وكذلك قال مالك في الدابة التي ضريت في إفساد الزرع: تغرب وتباع. وأما ما يستطاع الاحتراس منه فلا يؤمر صاحبه بإخراجه.
__________
(1). في ك: الزروع.

الثانية والعشرون- قال أصبغ: النحل والحمام والاوز والدجاج كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن [ضريت «1»]، وعلى أهل القرية حفظ زروعهم. قال ابن العربي: وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها. من أراد أن يتخذ ما ينتفع به مما لا يضر بغيره مكن منه، وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد فلا سبيل إليه. قال عليه السلام: (لا ضرر ولا ضرار) وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة لا ضمان على أربابها إلا بعد التقدم. ابن العربي: وأرى الضمان عليهم قبل التقدم إذا كانت ضواري. الثالثة والعشرون- ذكر عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي أن شاة وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شريح، فقال الشعبي: انظروه فإنه سيسألهم ليلا وقعت فيه أو نهارا، ففعل. ثم قال: إن كان بالليل ضمن وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح" إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ" قال: والنفش بالليل والهمل بالنهار. قلت: ومن هذا الباب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (العجماء جرحها جبار) الحديث. وقال ابن شهاب: والجبار الهدر، والعجماء البهيمة، قال علماؤنا: ظاهر قوله: (العجماء جرحها جبار) أن ما انفردت البهيمة بإتلافه لم يكن فيه شي، وهذا مجمع عليه. فلو كان معها قائد أو سائق أو راكب فحملها أحدهم على شي فأتلفته لزمه حكم المتلف، فإن كانت جناية مضمونة بالقصاص وكان الحمل عمدا كان فيه القصاص ولا يختلف فيه، لان الدابة كالآلة. وإن كان عن غير قصد كانت فيه الدية على العاقلة. وفي الأموال الغرامة في مال الجاني. الرابعة والعشرون- واختلفوا فيمن أصابته برجلها أو ذنبها، فلم يضمن مالك والليث والأوزاعي صاحبها، وضمنه الشافعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة. واختلفوا في الضارية فجمهورهم أنها كغيرها، ومالك وبعض أصحابه يضمنونه. الخامسة والعشرون- روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الرجل جبار) قال الدارقطني: لم يروه
__________
(1). في اوب وج وح وز وط وك: (أضرت) والتصويب من (الموطأ).

غير سفيان بن حسين ولم يتابع عليه، وخالفه الحفاظ عن الزهري منهم مالك وابن عيينة ويونس ومعمر وابن جريج والزبيدي وعقيل وليث بن سعد، وغيرهم كلهم رووه عن الزهري فقالوا: (العجماء جبار والبئر جبار والمعدن جبار) ولم يذكروا الرجل وهو الصواب. وكذلك رواه أبو صالح السمان، وعبد الرحمن الأعرج، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة، ولم يذكروا فيه (والرجل جبار) وهو المحفوظ عن أبي هريرة. السادسة والعشرون- قوله: (والبئر جبار) قد روى موضعه (والنار جبار) قال الدارقطني: حدثنا حمزة بن القاسم الهاشمي حدثنا حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث عبد الرزاق: حديث أبي هريرة (والنار جبار) ليس بشيء لم يكن في الكتاب باطل ليس هو بصحيح. حدثنا محمد بن مخلد حدثنا أبو إسحاق «1» إبراهيم بن هانئ قال سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل اليمن يكتبون النار النير ويكتبون البئر، يعني مثل ذلك. وإنما لقن عبد الرزاق (النار جبار). وقال الرمادي: قال عبد الرزاق قال معمر لا أراه إلا وهما. قال أبو عمر: روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (النار جبار) وقال يحيي بن معين: أصله البئر ولكن معمرا صحفه قال أبو عمر: لم يأت ابن معين على قوله هذا بدليل، وليس هكذا ترد أحاديث الثقات. ذكر وكيع عن عبد العزيز بن حصين عن يحيى بن يحيى الغساني قال: أحرق رجل سافي قراح «2» له فخرجت شرارة من نار حتى أحرقت شيئا لجاره. قال: فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز ابن حصين فكتب إلي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (العجماء جبار) وأرى أن النار جبار. وقد روي (والسائمة جبار) بدل العجماء فهذا ما ورد في ألفاظ هذا الحديث ولكل معنى لفظ صحيح مذكور في شرح الحديث وكتب الفقه. قوله تعالى: (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ) قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبحا والجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقيل: كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت
__________
(1). كذا في ب وج وز وط وك. وكذا في التهذيب.
(2). قراح: مزرعة.

وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)

حتى يشتاق، ولهذا قال:" وَسَخَّرْنا" أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقيل: إن سيرها معه تسبيحها، والتسبيح مأخوذ من السباحة، دليله قوله تعالى:" يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ" «1» [سبأ: 10]. وقال قتادة:" يُسَبِّحْنَ" يصلين معه إذا صلى، والتسبيح الصلاة. وكل محتمل. وذلك فعل الله تعالى بها، ذلك لان الجبال لا تعقل فتسبيحها دلالة على تنزيه الله تعالى عن صفات العاجزين والمحدثين.

[سورة الأنبياء (21): آية 80]
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (80)
فيه ثلاث مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ) يعني اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له، واللبوس عند العرب السلاح كله، درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا. قال الهذلي «2» يصف رمحا:
ومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي نعاج مجفل
واللبوس كل ما يلبس، وأنشد ابن السكيت: «3»
ألبس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها
وأراد الله تعالى هنا الدرع، وهو بمعنى الملبوس نحو الركوب والحلوب. قال قتادة: أول من صنع الدروع داود. وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها وحلقها. الثانية- قوله تعالى: (لِتُحْصِنَكُمْ) «4» ليحرزكم. (مِنْ بَأْسِكُمْ) أي من حربكم. وقيل: من السيف والسهم والرمح، أي من آلة بأسكم فحذف المضاف. ابن عباس:" مِنْ بَأْسِكُمْ" من سلاحكم. الضحاك: من حرب أعدائكم. والمعنى واحد. وقرا الحسن
__________
(1). راجع ج 14 ص 264 فما بعد.
(2). هو أبو كبير الهذلي واسمه عامر بن الحليس من قصيدة أولها:
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشباب الأول
والبئيس: الشجاع. والروق: القرن. وذو نعاج: يعني ثورا والنعاج: البقر من الوحش.
(3). البيت لبيهس الفزاري.
(4). (ليحصنكم) بالياء قراءة نافع.

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)

وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح" لِتُحْصِنَكُمْ" بالتاء ردا على الصنعة «1». وقيل: على اللبوس والمنعة التي هي الدروع. وقرا شيبة وأبو بكر والمفضل ورويس وابن أبي إسحاق:" لنحصنكم" بالنون لقوله:" وَعَلَّمْناهُ" وقرا الباقون بالياء جعلوا الفعل للبوس، أو يكون المعنى ليحصنكم الله. (فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) أي على تيسير نعمة الدروع لكم. وقيل:" هل أنتم شاكرون" بأن تطيعوا رسولي. الثالثة- هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب، وهو قول أهل العقول والألباب، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء، فالسبب سنة الله في خلقه فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة، ونسب من ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة. وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع، وكان أيضا يصنع الخوص، وكان يأكل من عمل يده، وكان آدم حراثا، ونوح نجارا ولقمان خياطا، وطالوت دباغا. وقيل: سقاء، فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس. وفي الحديث:" إن الله يحب المؤمن المحترف الضعيف المتعفف ويبغض السائل الملحف". وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة" الفرقان" «2». وقد تقدم في غير ما آية، وفية كفاية والحمد لله.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 81 الى 82]
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (82)
قوله تعالى: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً) أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة، أي شديدة الهبوب. يقال منه: عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف. وفي لغة بني أسد: أعصفت الريح فهي معصف ومعصفة. والعصف التبن فسمي به شدة الريح،
__________
(1). كذا في ب وج وز وط وك وى، وهو الصواب.
(2). راجع ج 13 ص 12 فما بعد وص 72. [.....]

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

لأنها تعصفه بشدة تطيرها. وقرا عبد الرحمن الأعرج والسلمى وأبو بكر" وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ" برفع الحاء على القطع مما قبله، والمعنى ولسليمان تسخير الريح، ابتداء وخبر. (تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها) يعني الشام. يروي أنها كانت تجري به وبأصحابه إلى حيث أراد، ثم ترده إلى الشام. وقال وهب: كان سليمان بن داود إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير، وقام له الجن والانس حتى يجلس على سريره. وكان امرأ غزاء لا يقعد عن الغزو، فإذا أراد أن يغزو أمر بخشب فمدت ورفع عليها الناس والدواب وآلة الحرب، ثم أمر العاصف فأقلت ذلك، ثم أمر الرخاء فمرت «1» به شهرا في رواحه وشهرا في غدوه، وهو معنى قوله تعالى:" تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ" «2» [ص: 36]. والرخاء اللينة. (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ) أي بكل شي عملنا عالمين بتدبيره. قوله تعالى: (وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ) أي وسخرنا له من يغوصون، يريد تحت الماء. أي يستخرجون له الجواهر من البحر. والغوص النزول تحت الماء، وقد غاص في الماء، والهاجم على الشيء غائص. والغواص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ، وفعله الغياصة. (وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ) أي سوى ذلك من الغوص، قاله الفراء. وقيل: يراد بذلك المحاريب والتماثيل وغير ذلك مما يسخرهم فيه. (وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ) أي لأعمالهم. وقال الفراء: حافظين لهم من أن يفسدوا أعمالهم، أو يهيجوا أحدا من بني آدم في زمان سليمان. وقيل:" حافظين" من أن يهربوا أو يمتنعوا. أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره. وقد قيل: إن الحمام والنورة والطواحين والقوارير والصابون من استخراج الشياطين.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 83 الى 84]
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (84)
__________
(1). في ك: فمدت.
(2). راجع ج 15 ص 198 فما بعد.

قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ) أي واذكر أيوب إذ نادى ربه. (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) أي نالني في بدني ضر وفي مالي وأهلي. قال ابن عباس: سمي أيوب لأنه آب إلى الله تعالى في كل حال. وروى أن أيوب عليه السلام كان رجلا من الروم ذا مال عظيم، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين، يكفل الأيتام والأرامل، ويكرم الضيف، ويبلغ ابن السبيل، شاكرا لأنعم الله تعالى، وأنه دخل مع قومه على جبار عظيم فخاطبوه في أمر، فجعل أيوب يلين له في القول من أجل زرع كان له فامتحنه الله بذهاب ماله واهلة، وبالضر في جسمه حتى تناثر لحمه وتدود جسمه، حتى أخرجه أهل قريته إلى خارج القرية، وكانت امرأته تخدمه. قال الحسن: مكث بذلك تسع سنين وستة أشهر. فلما أراد الله أن يفرج عنه قال الله تعالى له:" ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ" [ص: 42] فيه شفاؤك، وقد وهبت لك أهلك ومالك وولدك ومثلهم معهم. وسيأتي في" ص" «1» ما للمفسرين في قصة أيوب من تسليط الشيطان عليه، والرد عليهم إن شاء الله تعالى. واختلف في قول أيوب:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ" على خمسة عشر قولا: الأول: أنه وثب ليصلي فلم يقدر على النهوض فقال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ" إخبارا عن حاله، لا شكوى لبلائه، رواه أنس مرفوعا. الثاني- أنه إقرار بالعجز فلم يكن منافيا للصبر. الثالث- أنه سبحانه أجراه على لسانه ليكون حجة لأهل البلاء بعده في الإفصاح بما ينزل بهم. الرابع- أنه أجراه على لسانه إلزاما له في صفة الآدمي في الضعف عن تحمل البلاء. الخامس- أنه انقطع الوحي عنه أربعين يوما فخاف هجران ربه فقال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ". وهذا قول جعفر بن محمد. السادس- أن تلامذته الذين كانوا يكتبون عنه لما أفضت حاله إلى ما انتهت إليه محوا ما كتبوا عنه، وقالوا: ما لهذا عند الله قدر، فاشتكى الضر في ذهاب الوحي والدين من أيدي الناس. وهذا مما لم يصح سنده. والله أعلم، قاله ابن العربي. السابع- أن دودة سقطت «2» من لحمه فأخذها وردها في موضعها فعقرته فصاح" مَسَّنِيَ الضُّرُّ" فقيل: أعلينا نتصبر. قال ابن العربي: وهذا بعيد جدا
__________
(1). راجع ج 15 ص 207.
(2). في ك: سقطت من جلده فطلبها ليردها فلم يجدها. فسيأتي.

مع أنه يفتقر إلى نقل صحيح، ولا سبيل إلى وجوده. الثامن- أن الدود كان يتناول بدنه فصبر حتى تناولت دودة قلبه وأخرى لسانه، فقال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ" لاشتغاله عن ذكر الله. قال ابن العربي: وما أحسن هذا لو كان له سند ولم تكن دعوى عريضة. التاسع- أنه أبهم عليه جهة أخذ البلاء له هل هو تأديب، أو تعذيب، أو تخصيص، أو تمحيص، أو ذخر أو طهر، فقال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ" أي ضر الاشكال في جهة أخذ البلاء. قال ابن العربي: وهذا غلو لا يحتاج إليه. العاشر- أنه قيل له سل الله العافية فقال: أقمت في النعيم سبعين سنة وأقيم في البلاء سبع سنين وحينئذ أسأله فقال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ". قال ابن العربي: وهذا ممكن ولكنه لم يصح في إقامته مدة خبر ولا في هذه القصة. الحادي عشر- أن ضره قول إبليس لزوجه اسجدي لي فخاف ذهاب الايمان عنها فتهلك ويبقي بغير كافل. الثاني عشر- لما ظهر به البلاء قال قومه: قد أضربنا كونه معنا وقذره فليخرج عنا، فأخرجته امرأته إلى ظاهر البلد، فكانوا إذا خرجوا رأوه وتطيروا به وتشاءموا برؤيته، فقالوا: ليبعد بحيث لا نراه. فخرج إلى بعد من القرية، فكانت امرأته تقوم عليه وتحمل قوته إليه. فقالوا: إنها تتناوله وتخالطنا فيعود بسببه ضره إلينا. فأرادوا قطعها عنه، فقال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ". الثالث عشر: قال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما من بعيد لا يقدران أن يدنوا منه من نتن ريحه، فقال أحدهما: لو علم الله في أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا البلاء، فلم يسمع شيئا أشد عليه من هذه الكلمة، فعند ذلك قال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ" ثم قال:" اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت شبعان قط وأنا أعلم مكان جائع فصدقني" فنادى مناد من السماء" أن صدق عبدي" وهما يسمعان فخرا ساجدين. الرابع عشر- أن معنى:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ" من شماتة الاعداء، ولهذا قيل له: ما كان أشد عليك في بلائك؟ قال شماتة الاعداء. قال ابن العربي: وهذا ممكن فإن الكليم قد سأله أخوه العافية من ذلك فقال:" إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ" «1» [الأعراف: 150]. الخامس عشر- أن امرأته كانت ذات ذوائب فعرفت حين منعت أن تتصرف لاحد بسببه
__________
(1). راجع ج 7 ص 286 فما بعد.

ما تعود به عليه، فقطعت ذوائبها واشترت بها ممن يصلها قوتا وجاءت به إليه، وكان يستعين بذوائبها في تصرفه وتنقله، فلما عدمها وأراد الحركة في تنقله لم يقدر قال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ". وقيل: إنها لما اشترت القوت بذوائبها جاءه إبليس «1» [لعنه الله «2»] في صفة رجل وقال له: إن أهلك بغت فأخذت وحلق شعرها. فحلف أيوب أن يجلدها، فكانت المحنة على قلب المرأة أشد من المحنة على قلب أيوب. قلت: وقول سادس عشر- ذكره ابن المبارك: أخبرنا يونس بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر يوما أيوب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما أصابه من البلاء، الحديث. وفية أن بعض إخوانه ممن صابره ولازمه قال: يا نبي الله لقد أعجبني أمرك وذكرته إلى أخيك وصاحبك، أنه قد ابتلاك بذهاب الأهل والمال وفي جسدك منذ ثمانية عشرة سنة حتى بلغت ما ترى ألا يرحمك فيكشف عنك! لقد أذنبت ذنبا ما أظن أحدا بلغه! فقال أيوب عليه السلام:" ما أدري ما يقولان غير أن ربي عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتزاعمان وكل يحلف بالله- أو على النفر يتزاعمون- فانقلب إلى أهلي فأكفر عن أيمانهم إرادة ألا يأثم أحد ذكره ولا يذكره أحد إلا بالحق" فنادى ربه" أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ" إنما كان دعاؤه عرضا عرضه على الله تبارك وتعالى يخبره بالذي بلغه، صابرا لما يكون من الله تبارك وتعالى فيه. وذكر الحديث. وقول سابع عشر- سمعته ولم أقف عليه أن دودة سقطت من جسده فطلبها ليردها إلى موضعها فلم يجدها فقال:" مَسَّنِيَ الضُّرُّ" لما فقد من أجر ألم تلك الدودة، وكان أراد أن يبقى له الأجر موفرا إلى وقت العافية، وهذا حسن إلا أنه يحتاج إلى سند. قال العلماء: ولم يكن قوله" مَسَّنِيَ الضُّرُّ" جزعا، لان الله تعالى قال:" إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً" «3» [ص: 44] بل كان ذلك دعاء منه، والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم ابن حبيب يقول حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان، فسألت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب كان شكاية قد قال الله تعالى:" إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً" [ص: 44]
__________
(1). في ج: الشيطان.
(2). من ك.
(3). راجع ج 15 ص 212 فما بعد.

فقلت: ليس هذا شكاية وإنما كان دعاء، بيانه (فَاسْتَجَبْنا لَهُ) والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. وسيل الجنيد عن هذه الآية فقال: عرفه فاقة السؤال ليمن عليه بكرم النوال «1». قوله تعالى: (فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ) قال مجاهد وعكرمة: قيل لأيوب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت تركناهم لك في الجنة وإن شئت آتيناكهم في الدنيا. قال مجاهد: فتركهم الله عز وجل له في الجنة وأعطاه مثلهم في الدنيا. قال النحاس: والاسناد عنهما بذلك صحيح. قلت: وحكاه المهدوي عن ابن عباس. وقال الضحاك: قال عبد الله بن مسعود كان أهل أيوب قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله عز وجل في أقل من طرف البصر، وآتاه مثلهم معهم. وعن ابن عباس أيضا: كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له مثلهم معهم. وقاله قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم. قال ابن مسعود: مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له، وولدت [له «2»] امرأته سبعة بنين وسبع بنات. [قال «3»] الثعلبي: وهذا القول أشبه بظاهر الآية. قلت: لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في سورة" البقرة" «4» في قصة" الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ" [البقرة: 243]. وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصعقة فماتوا ثم أحيوا «5»، وذلك أنهم ماتوا قبل آجالهم، وكذلك هنا والله أعلم. وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى:" وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ" في الآخرة" وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ" في الدنيا. وفي الخبر: إن الله بعث إليه جبريل عليه السلام حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت عين ماء حار «6»، واخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان، وغاص في الماء غوصه فنبت لحمه وعاد إلى منزله، ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم، ونشأت سحابة على قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثة أيام بلياليها جرادا من ذهب. فقال له جبريل: أشبعت؟ فقال: ومن
__________
(1). في ك: كريم النوال.
(2). من ب وج وز وط وك.
(3). من ب وج وز وط وك.
(4). راجع ج 3 ص 230.
(5). راجع ج 1 ص 404 وج 7 ص 295.
(6). في ج: جار. [.....]

وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)

يشبع من فضل الله!. فأوحى الله إليه: قد أثنيت عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده، ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك صبرا ما صبرت. (رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) أي فعلنا ذلك به رحمة من عندنا. وقيل: ابتليناه ليعظم ثوابه غدا. (وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) أي وتذكيرا للعباد، لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له وهو أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب، فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة، واحتمال الضرر. واختلف في مدة إقامته في البلاء، فقال ابن عباس: كانت مدة البلاء سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال. وهب: ثلاثين سنة. الحسن: سبع سنين وستة أشهر. قلت: وأصح من هذا والله أعلم ثماني عشرة سنة، رواه ابن شهاب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذكره ابن المبارك وقد تقدم.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 85 الى 86]
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)
قوله تعالى: (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ) وهو أخنوخ وقد تقدم (وَذَا الْكِفْلِ) أي واذكرهم. وخرج الترمذي الحكيم في" نوادر الأصول" وغيره من حديث ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (كان في بني إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل لا يتورع «1» من ذنب عمله فاتبع امرأة فأعطاها ستين دينارا [على أن يطأها «2»] فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال ما يبكيك قالت من هذا العمل والله ما عملته قط قال أأكرهتك قالت لا ولكن حملني عليه الحاجة قال اذهبي فهو لك والله لا أعصى الله بعدها أبدا ثم مات من ليلته فوجدوا مكتوبا على باب داره إن الله قد غفر لذي الكفل) وخرجه أبو عيسى الترمذي أيضا. ولفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين- حتى عد سبع مرات- [لم أحدث به «3»] ولكني سمعته أكثر من ذلك، سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (كان)
__________
(1). في ج وز وك وى.
(2). من ب.
(3). الزيادة من صحيح الترمذي.

ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال ما يبكيك أأكرهتك قالت لا ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه إلا الحاجة فقال تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك وقال والله لا أعصى الله بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر لذي الكفل) قال: حديث حسن. وقيل إن اليسع لما كبر قال: لو استخلفت رجلا على الناس حتى أنظر كيف يعمل. فقال: من يتكفل لي بثلاث: بصيام النهار وقيام الليل وألا يغضب وهو يقضى؟ فقال رجل من ذرية العيص: أنا، فرده ثم قال مثلها من الغد، فقال الرجل: أنا، فاستخلفه فوفى فأثنى الله عليه فسمى ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر، قال أبو موسى ومجاهد وقتادة. وقال عمر «1» بن عبد الرحمن بن الحرث وقال أبو موسى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن ذا الكفل لم يكن نبيا، ولكنه كان عبدا صالحا فتكفل بعمل رجل صالح عند موته، وكان يصلى لله كل يوم مائة صلاة فأحسن الله الثناء عليه. وقال كعب: كان في بني إسرائيل ملك كافر فمر ببلاده رجل صالح فقال: والله إن خرجت من هذه البلاد حتى أعرض على هذا الملك الإسلام. فعرض عليه فقال: ما جزائي؟ قال: الجنة- ووصفها له- قال: من يتكفل لي بذلك؟ قال: أنا، فأسلم الملك وتخلى عن المملكة وأقبل على طاعة ربه حتى مات، فدفن فأصبحوا فوجدوا يده خارجة من القبر وفيها رقعة خضراء مكتوب فيها بنور أبيض: إن الله قد غفر لي وأدخلني الجنة ووفى عن كفالة فلان، فأسرع الناس إلى ذلك الرجل بأن يأخذ عليهم الايمان، ويتكفل لهم بما تكفل به للملك، ففعل ذلك فآمنوا كلهم فسمى ذا الكفل. وقيل: كان رجلا عفيفا يتكفل بشأن كل إنسان وقع في بلاء أو تهمة أو مطالبة فينجيه الله على يديه. وقيل: سمى ذا الكفل لان الله تعالى تكفل له في سعيه وعمله بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمانه. والجمهور على أنه ليس بنبي. وقال الحسن: هو نبي قبل إلياس. وقيل: هو زكريا بكفالة مريم. (كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) أي على أمر الله والقيام بطاعته واجتناب معاصيه. (وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا) أي في الجنة (إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ).
__________
(1). في الأصول: عمرو بن عبد الله. والتصويب من التهذيب.

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 87 الى 88]
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)
قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ) أي واذكر" ذا النون" وهو لقب ليونس بن متى لابتلاع النون إياه. والنون الحوت. وفي حديث عثمان رضي الله عنه أنه رأى صبيا مليحا فقال: دسموا نونته كي لا تصيبه العين. روى ثعلب عن ابن الاعرابي: النونة النقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير، ومعنى دسموا سودوا. (إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً) قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير: مغاضبا لربه عز وجل. واختاره الطبري والقتبي واستحسنه المهدوي، وروي عن ابن مسعود. وقال النحاس: وربما أنكره هذا من لا يعرف اللغة وهو قول صحيح. والمعنى: مغاضبا من أجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك. والمؤمن يغضب لله عز وجل إذا عصى. وأكثر أهل اللغة يذهب إلى أن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة: (اشترطي لهم الولاء) من هذا. وبالغ القتبي في نصرة هذا القول. وفي الخبر في وصف يونس: إنه كان ضيق الصدر فلما حمل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع «1» تحت الحمل الثقيل، فمضى على وجهه مضى الآبق الناد. وهذه المغاضبة كانت صغيرة. ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم. وقال ابن مسعود: أبق من ربه أي من أمر ربه حتى أمره بالعودة إليهم بعد رفع العذاب عنهم. فإنه كان يتوعد قومه نزول العذاب في وقت معلوم، وخرج من عندهم في ذلك الوقت، فأظلهم العذاب فتضرعوا فرفع عنهم ولم يعلم يونس بتوبتهم، فلذلك ذهب مغاضبا وكان من حقه ألا يذهب إلا بإذن محدد. وقال الحسن: أمره الله تعالى بالمسير إلى قومه فسأل أن ينظر ليتأهب، فأعجله الله حتى سأل أن يأخذ نعلا ليلبسها فلم ينظر، وقيل له: الامر أعجل من ذلك- وكان في خلقه ضيق- فخرج مغاضبا لربه، فهذا قول. وقول
__________
(1). الربع: ما ولد من الإبل في الربيع.

النحاس أحسن ما قيل في تأويله. أي خرج مغاضبا من أجل ربه، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه. وقيل: إنه غاضب قومه حين طال عليه أمرهم وتعنتهم فذهب فارا بنفسه، ولم يصبر على أذاهم وقد كان الله أمره بملازمتهم والدعاء، فكان ذنبه خروجه من بينهم من غير إذن من الله. روي معناه عن ابن عباس والضحاك، وأن يونس كان شابا ولم يحمل أثقال النبوة، ولهذا قيل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ" «1» [القلم: 48]. وعن الضحاك أيضا خرج مغاضبا لقومه، لان قومه لما لم يقبلوا منه وهو رسول من الله عز وجل كفروا بهذا فوجب أن يغاضبهم، وعلى كل أحد أن يغاضب من عصى الله عز وجل. وقالت فرقة منهم الأخفش: إنما خرج مغاضبا للملك الذي كان على قومه. قال ابن عباس: أراد شعيا النبي والملك الذي كان في وقته اسمه حزقيا أن يبعثوا يونس إلى ملك نينوى، وكان غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بني إسرائيل، وكان الأنبياء في ذلك الزمان يوحى إليهم، والامر والسياسة إلى ملك قد اختاروه فيعمل على وحي ذلك النبي، وكان أوحى الله لشعيا: أن قل لحزقيا الملك أن يختار نبيا قويا أمينا من بني إسرائيل فيبعثه إلى أهل نينوى فيأمرهم بالتخلية عن بني إسرائيل فإني ملق في قلوب ملوكهم وجبابرتهم التخلية عنهم. فقال يونس لشعيا: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل سماني لك؟ قال: لا. قال فها هنا أنبياء أمناء أقوياء. فألحوا عليه فخرج مغاضبا للنبي والملك وقومه، فأتى بحر الروم وكان من قصته ما كان، فابتلى ببطن الحوت لتركه أمر شعيا، ولهذا قال الله تعالى:" فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ" «2» [الصافات: 142] والمليم من فعل ما يلام عليه. وكان ما فعله إما صغيرة أو ترك الاولى. وقيل: خرج ولم يكن نبيا في ذلك الوقت ولكن أمره ملك من ملوك بني إسرائيل أن يأتي نينوى، ليدعو أهلها بأمر شعيا فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله، فخرج مغاضبا للملك، فلما نجا من بطن الحوت بعثه الله إلى قومه فدعاهم وآمنوا به. وقال القشيري: والأظهر أن هذه المغاضبة كانت بعد إرسال الله تعالى إياه وبعد رفع العذاب عن القوم بعد ما أظلهم، فإنه كره رفع العذاب عنهم.
__________
(1). راجع ج 18 ص 253.
(2). راجع ج 15 ص 121.

قلت: هذا أحسن ما قيل فيه على ما يأتي بيانه في" والصافات" «1» إن شاء الله تعالى. وقيل: إنه كان من أخلاق قومه قتل من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتل فغضب، وخرج فارا على وجهه حتى ركب في سفينة فسكنت ولم تجر. فقال أهلها: أفيكم آبق؟ فقال: أنا هو. وكان من قصته ما كان، وأبتلى ببطن الحوت تمحيصا من الصغيرة كما قال في أهل أحد:" حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ" [آل عمران: 152] إلى قوله:" وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا" «2» [آل عمران: 141] فمعاصي الأنبياء مغفورة، ولكن قد يجري تمحيص ويتضمن ذلك زجرا عن المعاودة. وقول رابع: إنه لم يغاضب ربه ولا قومه، ولا الملك، وأنه من قولهم غضب إذا أنف. وفاعل قد يكون من واحد، فالمعنى أنه لما وعد قومه بالعذاب وخرج عنهم تابوا وكشف عنهم العذاب، فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك فخرج آبقا. وينشد هذا البيت:
وأغضب أن تهجى تميم بدارم

أي آنف. وهذا فيه نظر، فإنه يقال لصاحب هذا القول: إن تلك المغاضبة وإن كانت من الأنفة، فالانفة لأبد أن يخالطها الغضب وذلك الغضب وإن دق على من كان؟! وأنت تقول لم يغضب على ربه ولا على قومه! قوله تعالى: (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ) قيل: معناه استزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته. وهذا قول مردود مرغوب عنه، لأنه كفر. روى عن سعيد بن جبير حكاه عنه المهدوي، والثعلبي عن الحسن. وذكر الثعلبي وقال عطاء وسعيد بن جبير وكثير من العلماء معناه: فظن أن لن نضيق عليه. قال الحسن: هو من قوله تعالى:" اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ" «3» [الرعد: 26] أي يضيق. وقوله" وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ" «4» [الطلاق: 7]. قلت: وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن. وقدر وقدر وقتر وقتر بمعنى، أي ضيق وهو قول ابن عباس فيما ذكره الماوردي والمهدوي. وقيل: هو من القدر الذي هو القضاء والحكم، أي فظن أن لن نقضي عليه بالعقوبة، قاله قتادة ومجاهد والفراء. مأخوذ من القدر وهو الحكم
__________
(1). راجع ج 15 ص 121.
(2). راجع ج 4 ص 233 فما بعد.
(3). راجع ج 9 ص 313 فما بعد.
(4). راجع ج 18 ص 170.

دون القدرة والاستطاعة. وروي عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، أنه قال في قول الله عز وجل:" فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ" هو من التقدير ليس من القدرة، يقال منه: قدر الله لك الخير يقدره قدرا، بمعنى قدر الله لك الخير. وأنشد ثعلب:
فليست عشيات اللوى برواجع ... لنا أبدا ما أورق السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر
يعني ما تقدره وتقضى به يقع. وعلى هذين التأويلين العلماء. وقرا عمر بن عبد العزيز والزهري:" فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ" بضم النون وتشديد الدال من التقدير. وحكى هذه القراءة الماوردي عن ابن عباس. وقرا عبيد بن عمير وقتادة والأعرج:" أن لن يقدر عليه" بضم الياء مشددا على الفعل المجهول. وقرا يعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق والحسن وابن عباس أيضا:" يقدر عليه" بياء مضمومة وفتح الدال مخففا على الفعل المجهول. وعن الحسن أيضا:" فظن أن لن يقدر عليه". الباقون" نقدر" بفتح النون وكسر الدال وكله بمعنى التقدير. قلت: وهذان التأويلان تأولهما العلماء في قول الرجل الذي لم يعمل خيرا قط لأهله إذا مات فحرقوه (فوالله لئن قدر الله على) الحديث فعلى التأويل الأول يكون تقديره: والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبتي وجزاني على ذنوبي ليكونن ذلك، ثم أمر أن يحرق بإفراط خوفه. وعلى التأويل الثاني: أي لئن كان سبق في قدر الله وقضائه أن يعذب كل ذي جرم على جرمه ليعذبني الله على إجرامي وذنوبي عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين غيري. وحديثه خرجه الأئمة في الموطأ وغيره. والرجل كان مؤمنا موحدا. وقد جاء في بعض طرقه (لم يعمل خيرا إلا التوحيد) وقد قال حين قال الله تعالى: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب. والخشية لا تكون إلا لمؤمن مصدق، قال الله تعالى:" إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ" «1» [فاطر: 28]. وقد قيل: إن معنى" فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ" الاستفهام وتقديره: أفظن، فحذف ألف الاستفهام إيجازا، وهو قول سليمان «2» [أبو [المعتمر. وحكى القاضي منذر بن سعيد: أن بعضهم قرأ:" أفظن" بالألف.
__________
(1). راجع ج 14 ص
(2). في الأصل (سليمان بن المعتمر) وهو تحريف والتصويب من (تهذيب التهذيب).

قوله تعالى: (فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى:" فَنادى فِي الظُّلُماتِ" اختلف العلماء في جمع الظلمات ما المراد به، فقالت فرقة منهم ابن عباس وقتادة: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة الحوت. وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال حدثنا عبد الله بن مسعود في بيت المال قال: لما ابتلع الحوت يونس عليه السلام أهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس تسبيح الحصى فنادى في الظلمات ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت، وظلمة الليل، وظلمة البحر" أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"" فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ" «1» [الصافات: 145] كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش. وقالت فرقة منهم سالم بن أبي الجعد: ظلمة البحر، وظلمة حوت التقم الحوت الأول. ويصح أن يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الأول فقط، كما قال:" في غيابات «2» الجب" [يوسف: 10] وفي كل جهاته ظلمة فجمعها سائغ. وذكر الماوردي: أنه يحتمل أن يعبر بالظلمات عن ظلمة الخطيئة، وظلمة الشدة، وظلمة الوحدة. وروى: أن الله تعالى أوحى إلى الحوت:" لا تؤذ منه شعرة فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعامك" وروى: أن يونس عليه السلام سجد في جوف الحوت حين سمع تسبيح الحيتان في قعر البحر. وذكر ابن أبي الدنيا حدثنا العباس بن يزيد العبدي حدثنا إسحاق «3» ابن إدريس حدثنا جعفر بن سليمان عن عوف عن سعيد بن أبي الحسن قال: لما التقم الحوت يونس عليه السلام ظن أنه قد مات فطول رجليه فإذا هو لم يمت فقام إلى عادته يصلي فقال في دعائه:" واتخذت لك مسجدا حيث لم يتخذه أحد". وقال أبو المعالي: قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لا تفضلوني على يونس بن متى) المعنى فإني لم أكن وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه، وهو في قعر البحر في بطن الحوت. وهذا يدل على أن الباري سبحانه وتعالى
__________
(1). راجع ج 15 ص 127. [.....]
(2). راجع ج 9 ص 132.
(3). كذا في الأصول، ولعله (عبد الله بن إدريس) فإن عبد الله المذكور حدث عنه العبدى كما في (تهذيب التهذيب).

ليس في جهة. وقد تقدم هذا المعنى في" البقرة" «1» و" الأعراف" «2»." أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" يريد فيما خالف فيه من ترك مداومة قومه والصبر عليهم. وقيل: في الخروج من غير أن يؤذن له. ولم يكن ذلك من الله عقوبة، لان الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان ذلك تمحيصا. وقد يؤدب من لا يستحق العقاب كالصبيان، ذكره الماوردي. وقيل: من الظالمين في دعائي على قومي بالعذاب. وقد دعا نوح على قومه فلم يؤاخذ. وقال الواسطي في معناه: نزه ربه عن الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا. ومثل هذا قول آدم وحواء:" رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا" «3» [الأعراف: 23] إذ كانا السبب في وضعهما أنفسهما في غير الموضع الذي أنزلا فيه. الثانية- روى أبو داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (دعاء ذي النون في بطن الحوت" لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" لم يدع به رجل مسلم في شي قط إلا استجيب له) وقد قيل: إنه اسم الله الأعظم. ورواه سعد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي الخبر: في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه كما أجابه وينجيه كما أنجاه، وهو قوله:" وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ" وليس هاهنا صريح دعاء وإنما هو مضمون قوله:" إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ" فاعترف بالظلم فكان تلويحا. قوله تعالى: (وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم. وذلك قوله:" فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ" «4» [الصافات: 144- 143] وهذا حفظ من الله عز وجل لعبده يونس رعى له حق تعبده، وحفظ ذمام ما سلف له من الطاعة. وقال الأستاذ أبو إسحاق: صحب ذو النون الحوت أياما قلائل فإلى يوم القيامة يقال له ذو النون، فما ظنك بعبد عبده سبعين سنة يبطل هذا عنده! لا يظن به ذلك." مِنَ الْغَمِّ" أي من بطن الحوت. قوله تعالى:" وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ" قراءة العامة بنونين من أنجي ينجي. وقرا ابن عامر" نجي" بنون واحدة وجيم مشددة وتسكين الياء على الفعل الماضي وإضمار المصدر أي وكذلك نجي النجاء المؤمنين، كما تقول: ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا وأنشد:
__________
(1). راجع ج 2 ص 308 فما بعد.
(2). راجع ج 7 ص ص 180.
(3). راجع ج 7 ص 223 فما بعد وص 180.
(4). راجع ج 15 ص 121.

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

ولو ولدت قفيرة «1» جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا
أراد لسب السب بذلك الجرو. وسكنت ياؤه على لغة من يقول بقي ورضى فلا يحرك الياء. وقرا الحسن" وذروا ما بقي من الربا" «2» [البقرة: 278] استثقالا لتحريك ياء قبلها كسرة. وأنشد:
خمر الشيب لمتي تحميرا ... وحدا بي إلى القبور البعيرا
ليت شعري إذا القيامة قامت ... ودعى بالحساب أين المصيرا
سكن الياء في دعي استثقالا لتحريكها وقبلها كسرة وفاعل حدا المشيب، أي وحدا المشيب البعير، ليت شعري المصير أين هو. هذا تأويل الفراء وأبي عبيد وثعلب في تصويب هذه القراءة. وخطأها أبو حاتم والزجاج وقالوا: هو لحن، لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله، وإنما يقال: نجي المؤمنون. كما يقال: كرم الصالحون. ولا يجوز ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا، لأنه لا فائدة [فيه «3»] إذ كان ضرب يدل على الضرب. ولا يجوز أن يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله تعالى. ولابي عبيد قول آخر- وقاله القتبي- وهو أنه أدغم النون في الجيم. النحاس: وهذا القول لا يجوز عند أحد من النحويين، لبعد مخرج النون من مخرج الجيم فلا تدغم فيها، ولا يجوز في" مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ" «4»" مجاء بالحسنة" قال النحاس: ولم أسمع في هذا أحسن من شي سمعته من علي بن سليمان. قال: الأصل ننجي فحذف إحدى النونين، لاجتماعهما كما تحذف إحدى التاءين، لاجتماعهما نحو قوله عز وجل:" وَلا تَفَرَّقُوا" «5» [آل عمران: 103] والأصل تتفرقوا. وقرا محمد بن السميقع وأبو العالية:" وكذلك نجى المؤمنين" أي نجى الله المؤمنين، وهي حسنة.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 89 الى 90]
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (90)
__________
(1). قفيرة (كجهينة): أم الفرزدق. والبيت لجرير من قصيدة يهجو بها الفرزدق.
(2). راجع ج 3 ص 362.
(3). الزيادة من (إعراب القرآن) للنحاس.
(4). راجع ج 7 ص 150.
(5). راجع ج 4 ص 158.

قوله تعالى: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ) أي واذكر زكريا. وقد تقدم في" آل عمران" «1» ذكره. (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً) أي منفردا لا ولد لي وقد تقدم. (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) أي خير من يبقى بعد كل من يموت، وإنما قال" وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ" لما تقدم من قوله:" يَرِثُنِي" [مريم: 6] أي أعلم أنك لا تضيع دينك ولكن لا تقطع هذه الفضيلة التي هي القيام بأمر الدين عن عقبى. كما تقدم في" مريم" «2» بيانه. قوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنا لَهُ) أي أجبنا دعاءه: (وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ). تقدم ذكره مستوفى: (وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين: إنها كانت عاقرا فجعلت ولودا. وقال ابن عباس وعطاء: كانت سيئة الخلق، طويلة اللسان، فأصلحها الله تعالى فجعلها حسنة الخلق. قلت: ويحتمل أن تكون جمعت المعنيين فجعلت حسنة الخلق ولودا." إِنَّهُمْ" يعني الأنبياء المسمين في هذه السورة. (كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ). وقيل: الكناية راجعة إلى زكريا وامرأته ويحيى. قوله تعالى: (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً) فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى: (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً) أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء وحال الشدة. وقيل: المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة ورجاء ورهبة وخوف، لان الرغبة والرهبة متلازمان. وقيل: الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهب رفع ظهورها، قاله خصيف، وقال ابن عطية: وتلخيص هذا أن عادة كل داع من البشر أن يستعين بيديه فالرغب من حيث هو طلب يحسن منه أن يوجه باطن الراح نحو المطلوب منه، إذ هو موضع إعطاء أو بها يتملك، والرهب من حيث هو دفع مضرة يحسن معه طرح ذلك، والإشارة إلى ذهابه وتوقيه بنفض اليد ونحوه. الثانية- روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يسمح بهما وجهه وقد مضى في" الأعراف" «3»
__________
(1). راجع ج 4 ص 74 فما بعد.
(2). راجع ص 81 من هذا الجزء.
(3). راجع ج 7 ص 224 فما بعد. [.....]

الاختلاف في رفع الأيدي، وذكرنا هذا الحديث وغيره هناك. وعلى القول بالرفع فقد اختلف الناس في صفته وإلى أين؟ فكان بعضهم يختار أن يبسط كفيه رافعهما حذو صدره وبطونهما إلى وجهه، روى عن ابن عمر وابن عباس. وكان علي يدعو بباطن كفيه، وعن أنس مثله، وهو ظاهر حديث الترمذي. وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها وامسحوا بها وجوهكم). وروى عن ابن عمر وابن الزبير برفعهما إلى وجهه، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري، قال: وقف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرفة فجعل يدعو وجعل ظهر كفيه مما يلي وجهه، ورفعهما فوق ثدييه وأسفل من منكبيه. وقيل: حتى يحاذي بهما وجهه وظهورهما مما يلي وجهه. قال أبو جعفر الطبري والصواب أن يقال: إن كل هذه الآثار المروية عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متفقة غير مختلفة المعاني، وجائز أن يكون ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاختلاف أحوال الدعاء كما قال ابن عباس: إذا أشار أحدكم بإصبع واحد فهو الإخلاص وإذا رفع يديه حذو صدره فهو «1» الدعاء، وإذا رفعهما حتى يجاوز بهما رأسه وظاهرهما مما يلي وجهه فهو الابتهال. قال الطبري: وقد روى قتادة عن أنس قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو بظهر كفيه وباطنهما. و" رَغَباً وَرَهَباً" منصوبان على المصدر، أي يرغبون رغبا ويرهبون رهبا. أو على المفعول من أجله، أي للرغب والرهب. أو على الحال. وقرا طلحة بن مصرف:" ويدعونا" بنون واحدة. وقرا الأعمش: بضم الراء وإسكان الغين والهاء مثل السقم والبخل، والعدم والضرب لغتان وابن وثاب والأعمش أيضا" رغبا ورهبا" بالفتح في الراء والتخفيف في الغين والهاء، وهما لغتان مثل: نهر ونهر وصخر وصخر. ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو. (وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) أي متواضعين خاضعين.
__________
(1). في ك: ألة الدعاء. لعله الأصل.

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)

[سورة الأنبياء (21): آية 91]
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91)
قوله تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) أي واذكر مريم التي أحصنت فرجها. وإنما ذكرها وليست من الأنبياء ليتم ذكر عيسى عليه السلام ولهذا قال:" وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ" ولم يقل آيتين لان معنى الكلام: وجعلنا شأنهما وأمرهما وقصتهما آية للعالمين. وقال الزجاج: إن الآية فيهما واحدة، لأنها ولدته من غير فحل وعلى مذهب سيبويه التقدير: وجعلناها آيه للعالمين وجعلنا ابنها آية للعالمين ثم حذف. وعلى مذهب الفراء: وجعلناها آية للعالمين وابنها، مثل قوله جل ثناؤه:" وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ" «1». وقيل: إن من آياتها أنها أول امرأة قبلت في النذر في المتعبد. ومنها أن الله عز وجل غذاها برزق من عنده لم يجره على يد عبد من عبيده. وقيل: إنها لم تلقم ثديا قط. و" أَحْصَنَتْ" يعني عفت فامتنعت من الفاحشة. وقيل: إن المراد بالفرج فرج القميص، أي لم تعلق بثوبها ريبة، أي إنها طاهرة الأثواب. وفروج القميص أربعة: الكمان والأعلى والأسفل. قال السهيلي: فلا يذهبن وهمك إلى غير هذا، فإنه من لطيف الكناية لان القرآن أنزه معنى، وأوزن لفظا، وألطف إشارة، وأحسن عبارة من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل، لا سيما والنفخ من روح القدس بأمر القدوس، فأضف القدس إلى القدوس، ونزه المقدسة المطهرة عن الظن الكاذب والحدس." فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا" يعني أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها، فأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها. وقد مضى هذا في" النساء" «2» و" مريم" فلا معنى للإعادة." آيَةً" أي علامة وأعجوبة للخلق، وعلما لنبوة عيسى، ودلالة على نفوذ قدرتنا فيما نشاء.

[سورة الأنبياء (21): آية 92]
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)
قوله تعالى: (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) لما ذكر الأنبياء قال: هؤلاء كلهم مجتمعون على التوحيد، فالأمة هنا بمعنى الدين الذي هو الإسلام، قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. فأما المشركون فقد خالفوا الكل. (وَأَنَا رَبُّكُمْ) أي إلهكم وحدي. (فاعبدوني) أي أفردوني بالعبادة. وقرا عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق:" إن هذه أمتكم أمة واحدة" ورواها
__________
(1). راجع ج 8 ص 193 فما بعد.
(2). راجع ج 6 ص 22 فما بعد.

وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)

حسين عن أبي عمرو. الباقون" أُمَّةً واحِدَةً" بالنصب على القطع بمجيء النكرة بعد تمام الكلام، قاله الفراء. الزجاج: انتصب" أُمَّةً" على الحال، أي في حال اجتماعها على الحق، أي هذه أمتكم ما دامت أمة واحدة واجتمعتم على التوحيد فإذا تفرقتم وخالفتم فليس من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق، وهو كما تقول: فلان صديقي عفيفا أي ما دام عفيفا فإذا خالف العفة لم يكن صديقي. وأما الرفع فيجوز أن يكون على البدل من" أُمَّتُكُمْ" أو على إضمار مبتدإ، أي إن هذه أمتكم، هذه أمة واحدة. أو يكون خبرا بعد خبر. ولو نصبت" أُمَّتُكُمْ" على البدل من" هذِهِ" لجاز ويكون" أمة واحدة" خبر" إن".

[سورة الأنبياء (21): الآيات 93 الى 94]
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (94)
قوله تعالى: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) أي تفرقوا في الدين، قال الكلبي. الأخفش: اختلفوا فيه. والمراد المشركون، ذمهم لمخالفتهم الحق، واتخاذهم آلهة من دون الله. قال الأزهري: أي تفرقوا في أمرهم، فنصب" أَمْرَهُمْ" بحذف" في". فالمتقطع على هذا لازم وعلى الأول متعد. والمراد جميع الخلق، أي جعلوا أمرهم في أديانهم قطعا وتقسموه بينهم، فمن موحد، ومن يهودي، ومن نصراني، ومن عابد ملك أو صنم. (كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) أي إلى حكمنا فنجازيهم. قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ)" مِنَ" للتبعيض لا للجنس إذ لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع الطاعات [كلها «1»] فرضها ونفلها، فالمعنى: من يعمل شيئا من الطاعات فرضا أو نفلا وهو موحد مسلم. وقال ابن عباس: مصدقا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ) أي لا جحود لعمله، أي لا يضيع جزاؤه ولا يغطي والكفر ضده الايمان. والكفر أيضا جحود النعمة، وهو ضد الشكر. وقد كفره كفورا وكفرانا. وفي حرف ابن مسعود" فلا كفر لسعيه". (وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ) لعمله حافظون. نظيره" أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى " «2» [آل عمران: 195] أي كل ذلك محفوظ ليجازي به.
__________
(1). كذا في ب وج وط وى.
(2). راجع ج 4 ص 318.

وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 95 الى 97]
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (97)
قوله تعالى: (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) قراءة زيد بن ثابت واهل المدينة:" وَحَرامٌ" وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. واهل الكوفة" وحرم" ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم. وهما لغتان مثل حل وحلال. وقد روى عن ابن عباس وسعيد بن جبير" وحرم" بفتح الحاء والميم وكسر الراء. وعن ابن عباس أيضا وعكرمة وأبي العالية:" وحرم" بضم الراء وفتح الحاء والميم. وعن ابن عباس أيضا" وحرم" وعنه أيضا" وحرم"،" وحرم". وعن عكرمة أيضا" وحرم". وعن قتادة ومطر الوراق" وحرم" تسع قراءات. وقرا السلمي" على قرية أهلكتها". واختلف في" لا" في قوله:" لا يَرْجِعُونَ" فقيل: هي صلة، روى ذلك عن ابن عباس، واختاره أبو عبيد، أي وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك. وقيل: ليست بصلة، وإنما هي ثابتة ويكون الحرام بمعنى الواجب، أي وجب على قرية، كما قالت الخنساء:
وإن حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجوه إلا بكيت على صخر
تريد أخاها، ف"- لا" ثابتة على هذا القول. قال النحاس: والآية مشكلة ومن أحسن ما قيل فيها وأجله ما رواه ابن عيينة وابن علية وهشيم وابن إدريس ومحمد بن فضيل وسليمان «1» بن حيان ومعلى عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله عز وجل:" وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها" قال: وجب انهم لا يرجعون، قال: لا يتوبون. قال أبو جعفر: واشتقاق هذا بين في اللغة، وشرحه: أن معنى حرم الشيء حظر ومنع منه، كما أن معنى أحل أبيح ولم يمنع منه، فإذا كان" حَرامٌ" و" حرم" بمعنى واجب فمعناه أنه قد ضيق الخروج
__________
(1). في الأصول: سليم بن حيان وكذا في التهذيب بالفتح ولعل صوابه: سليمان كما في التهذيب أيضا إذ هو الراوي عن ابن أبي هند. والله أعلم.

منه ومنع فقد دخل في باب المحظور بهذا، فأما قول أبي عبيدة: إن" لا" زائدة فقد رده عليه جماعة، لأنها لا تزاد في مثل هذا الموضع، ولا فيما يقع فيه إشكال، ولو كانت زائدة لكان التأويل بعيدا أيضا، لأنه إن أراد وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدنيا فهذا ما لا فائدة فيه، وإن أراد التوبة فالتوبة لا تحرم. وقيل: في الكلام إضمار أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها، أو بالختم على قلوبها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، قاله الزجاج وأبو علي، و" لا" غير زائدة. وهذا هو معنى قول ابن عباس رضى الله عنه. قوله تعالى: (حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ) تقدم القول فيهم. وفي الكلام حذف، أي حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج، مثل" وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ" «1» [يوسف: 82]. (وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) قال ابن عباس: من كل شرف يقبلون، أي لكثرتهم ينسلون من كل ناحية. والحدب ما ارتفع من الأرض، والجمع الحداب مأخوذ من حدبة الظهر، قال عنترة:
فما رعشت يداي ولا ازدهاني ... تواترهم إلي من الحداب
وقيل:" ينسلون" يخرجون، ومنه قول امرئ القيس:
فسلي ثيابي من ثيابك تنسل «2»

وقيل: يسرعون، ومنه قول النابغة: «3»
عسلان الذئب أمسى قاربا «4» ... برد الليل عليه فنسل
يقال: عسل الذئب يعسل عسلا وعسلانا إذا أعنق وأسرع. وفي الحديث: (كذب عليك العسل) أي عليك بسرعة المشي. وقال الزجاج: والنسلان مشية الذئب إذا أسرع، يقال: نسل فلان في العدو ينسل بالكسر والضم نسلا ونسولا ونسلانا، أي أسرع. ثم قيل في الذين ينسلون من كل حدب: إنهم يأجوج ومأجوج، وهو الأظهر، وهو قول ابن مسعود وابن عباس. وقيل: جميع الخلق، فإنهم يحشرون إلى أرض الموقف، وهم يسرعون من كل
__________
(1). راجع ج 9 ص 245 فما بعد.
(2). البيت من معلقته وصدره:
وإن تك قد ساءتك منى خليقة

(3). وقيل: هو للبيد كما في (اللسان) مادة (عسل).
(4). القارب: السائر ليلا.

صوب. وقرى في الشواذ" وهم من كل جدث ينسلون" أخذا من قوله:" فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ «1» يَنْسِلُونَ" [يس: 51]. وحكى هذه القراءة المهدوي عن ابن مسعود والثعلبي عن مجاهد وأبي الصهباء. قوله تعالى: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) يعني القيامة. وقال الفراء والكسائي وغيرهما: الواو زائدة مقحمة، والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق" فاقترب" جواب" إذا". وأنشد الفراء «2»:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى

أي انتحى، والواو زائدة، ومنه قوله تعالى:" وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ «3». وَنادَيْناهُ" [الصافات: 104- 103] أي للجبين ناديناه. وأجاز الكسائي أن يكون جواب" إذا"" فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا" ويكون قوله:" وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ" معطوفا على الفعل الذي هو شرط. وقال البصريون: الجواب محذوف والتقدير: قالوا يا ويلنا، وهو قول الزجاج، وهو قول حسن. قال الله تعالى:" وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى " «4» [الزمر: 3] المعنى: قالوا ما نعبدهم، وحذف القول كثير. قوله تعالى" فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ"" هِيَ" ضمير الأبصار، والأبصار المذكورة بعدها تفسير لها كأنه قال: فإذا أبصار الذين كفروا شخصت عند مجيء الوعد. وقال الشاعر:
لعمر أبيها لا تقول ظعينتي ... ألا فر عني مالك بن أبي كعب
فكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها. وقال الفراء:" هِيَ" عماد، مثل." فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ" «5» [الحج: 46]. وقيل: إن الكلام تم عند قوله:" هي" التقدير: فإذا هي، بمعنى القيامة بارزة واقعة، أي من قربها كأنها آتية حاضرة ثم ابتداء فقال:" شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا" على تقديم الخبر على الابتداء، أي أبصار الذين كفروا شاخصة من هذا اليوم، أي من هوله لا تكاد تطرف، يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها.
__________ (1). راجع ج 15 ص 39 فما بعده.
(2). البيت لامرئ القيس وهو من معلقته وتمامه:
بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل

(3). راجع ج 15 ص 99 فما بعد.
(4). راجع ج 15 ص 232 فما بعد. [.....]
(5). راجع ج 15 ص 232 فما بعد.

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)

[سورة الأنبياء (21): آية 98]
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (98)
فيه أربع مسائل: الاولى: قوله تعالى:" إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ" قال ابن عباس: آية لا يسألني الناس عنها! لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها، أو جهلوها «1» فلا يسألون عنها، فقيل: وما هي؟ قال:" إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ" لما أنزلت شق على كفار قريش، وقالوا: شتم آلهتنا، وأتوا ابن الزبعري وأخبروه، فقال: لو حضرته لرددت عليه. قالوا: وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده اليهود تعبد عزيرا أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته، ورأوا أن محمدا قد خصم، فأنزل الله تعالى:" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ" [الأنبياء: 101] وفية نزل" وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا" [الزخرف: 57] يعني ابن «2» الزبعري" إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ" [الزخرف: 57] بكسر الصاد، أي يضجون، وسيأتي «3». الثانية- هذه الآية أصل في القول بالعموم وأن له صيغا مخصوصة، خلافا لمن قال ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه، وهو باطل بما دلت عليه هذه الآية وغيرها، فهذا عبد الله بن الزبعرى قد فهم" ما" في جاهليته جميع من عبد، ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء، واللسن البلغاء، ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى منها، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح. الثالثة: قراءة العامة بالصاد المهملة أي إنكم يا معشر الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وقود جهنم، قاله ابن عباس. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها. وقرا علي ابن أبي طالب وعائشة رضوان الله عليهما:" حطب جهنم" بالطاء. وقرا ابن عباس" حضب" بالضاد المعجمة، قال الفراء: يريد الحصب. قال: وذكر لنا أن الحضب في لغة أهل
__________
(1). كذا في ط وك: جهلوها. وفي غيرهما: جهلوا.
(2). في ك: يا ابن الزبعري.
(3). راجع ج 16 ص 201.

لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)

اليمن الحطب، وكل ما هيجت به النار وأوقدتها به فهو حضب، ذكره الجوهري. والموقد محضب. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى:" حَصَبُ جَهَنَّمَ" كل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به. ويظهر من هذه الآية أن الناس من الكفار وما يعبدون من الأصنام حطب لجهنم. ونظير هذه الآية قوله تعالى:" فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ" [البقرة: 24]. وقيل: إن المراد بالحجارة حجارة الكبريت، على ما تقدم في" البقرة" «1» وأن النار لا تكون على الأصنام عذابا ولا عقوبة، لأنها لم تذنب، ولكن تكون عذابا على من عبدها: أول شي بالحسرة، ثم تجمع على النار فتكون نارها أشد من كل نار، ثم يعذبون بها. وقيل: تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم. وقيل: إنما جعلت في النار تبكيتا لعبادتهم. الرابعة: قوله تعالى:" أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ" أي فيها داخلون. والخطاب للمشركين عبدة الأصنام، أي أنتم وأردؤها مع الأصنام. ويجوز أن يقال: الخطاب للأصنام وعبدتها، لان الأصنام وإن كانت جمادات فقد يخبر عنها بكنايات الآدميين. وقال العلماء: لا يدخل في هذا عيسى ولا عزير ولا الملائكة صلوات الله عليهم، لان" ما" لغير الآدميين. فلو أراد ذلك لقال:" ومن". قال الزجاج: ولان المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 99 الى 100]
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (100)
قوله تعالى: (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها) أي لو كانت الأصنام آلهة لما ورد عابدوها النار. وقيل: ما وردها العابدون والمعبودون، ولهذا قال:" وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ". قوله تعالى: (لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ) أي لهؤلاء الذين وردوا النار من الكفار والشياطين، فأما الأصنام فعلى الخلاف فيها، هل يحييها الله تعالى ويعذبها حتى يكون لها زفير أو لا؟ قولان: والزفير صوت نفس المغموم يخرج من القلب. وقد تقدم في" هود" «2». (وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ)
__________
(1). راجع ج 1 ص 235 فما بعد.
(2). راجع ج 9 ص 78 فما بعد.

إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)

قيل: في الكلام حذف، والمعنى وهم فيها لا يسمعون شيئا، لأنهم يحشرون صما، كما قال الله تعالى:" وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا" «1» [الاسراء: 97]. وفي سماع الأشياء روح وأنس، فمنع الله الكفار ذلك في النار. وقيل: لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون صوت من يتولى تعذيبهم من الزبانية. وقيل: إذا قيل لهم" اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ" «2» [المؤمنون: 108] يصيرون حينئذ صما بكما، كما قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار في جهنم جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن في النار من يعذب غيره.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 101 الى 103]
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (101) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (102) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى ) أي الجنة (أُولئِكَ عَنْها) أي عن النار (مُبْعَدُونَ) فمعنى الكلام الاستثناء، ولهذا قال بعض أهل العلم:" إِنَّ" هاهنا بمعنى" إلا" وليس في القرآن غيره. وقال محمد بن حاطب: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرأ هذه الآية على المنبر" إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى " فقال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إن عثمان منهم). قوله تعالى: (لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها) أي حس النار وحركة لهبها. والحسيس والحس الحركة. وروى ابن جريج عن عطاء قال قال أبو راشد الحروري لابن عباس:" لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها" فقال ابن عباس: أمجنون أنت؟ فأين قوله تعالى:" وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها" «3» وقوله تعالى:" فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ" «4» [هود: 98] وقوله:" إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً" «5» [مريم: 86]. ولقد كان من دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالما، وأدخلني الجنة فائزا. وقال أبو عثمان النهدي:
__________
(1). راجع ج 10 ص 333.
(2). راجع ج 12 ص 153.
(3). راجع ص 135. وص 152 من هذا الجزء.
(4). راجع ج 9 ص 93 فما بعد.
(5). راجع ص 152 ص 149 من هذا الجزء.

يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)

على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس حس. وقيل: إذا دخل أهل الجنة [الجنة «1»] لم يسمعوا حس أهل النار وقبل ذلك يسمعون، فالله أعلم (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ) أي دائمون وهم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وقال" وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ
" «2» [فصلت: 31]. قوله تعالى: (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) وقرا أبو جعفر وابن محيصن" لا يَحْزُنُهُمُ" بضم الياء وكسر الزاي. الباقون بفتح الياء وضم الزاي. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرئ بهما. والفزع الأكبر أهوال يوم القيامة والبعث، عن ابن عباس. وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعباد إلى النار. وقال ابن جريج وسعيد بن جبير والضحاك: هو إذا أطبقت النار على أهلها، وذبح الموت بين الجنة والنار وقال ذو النون المصري: هو القطيعة والفراق. وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ثلاثة يوم القيامة في كثيب من المسك الأذفر ولا يحزنهم الفزع الأكبر رجل أم قوما محتسبا وهم له رضوان ورجل أذن لقوم محتسبا ورجل ابتلى برق الدنيا فلم يشغله عن طاعة ربه (. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مررت برجل يضرب غلاما له، فأشار إلى الغلام، فكلمت مولاه حتى عفا عنه، فلقيت أبا سعيد الخدري فأخبرته، فقال: يا بن أخي من أغاث مكروبا أعتقه الله من النار يوم الفزع الأكبر. سمعت ذلك من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة يهنئونهم ويقولون لهم: (هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) وقيل: تستقبلهم ملائكة الرحمة عند خروجهم من القبور عن ابن عباس" هذا يَوْمُكُمُ" أي ويقولون لهم، فحذف." الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" فيه الكرامة.

[سورة الأنبياء (21): آية 104]
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (104)
قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ) قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والأعرج والزهري" تطوي" بتاء مضمومة" السماء" رفعا على ما لم يسم فاعله. مجاهد" يطوي"
__________
(1). من ب وج وط وز وك.
(2). راجع ج 15 ص 357.

على معنى يطوى الله السماء. الباقون" نطوي" بنون العظمة. وانتصاب" يَوْمَ" على البدل من الهاء المحذوفة في الصلة، التقدير: الذي كنتم توعدونه يوم نطوي السماء. أو يكون منصوبا ب"- نعيد" من قوله" كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ". أو بقوله:" لا يَحْزُنُهُمُ" أي لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم الذي نطوي فيه السماء. أو على إضمار واذكر، وأراد بالسماء الجنس، دليله:" وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" «1» [الزمر: 67]." كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ" «2» قال ابن عباس ومجاهد: أي كطي الصحيفة على ما فيها، فاللام بمعنى" على". وعن ابن عباس أيضا: اسم كاتب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وليس بالقوي، لان كتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معروفون ليس هذا منهم، ولا في أصحابه من اسمه السجل. وقال ابن عباس أيضا وابن عمر والسدي:" السِّجِلِّ" ملك، وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه. ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه أعمال العباد، يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل خميس واثنين، وكان من أعوانه فيما ذكروا هاروت وماروت. والسجل الصك، وهو اسم مشتق من السجالة وهي الكتابة، وأصلها من السجل وهو الدلو، تقول: ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع دلوا، ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة. وقد سجل الحاكم تسجيلا. وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:
من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب «3»
ثم بني هذا الاسم على فعل مثل حمر وطمر وبلي. وقرا أبو زرعة بن عمرو بن جرير:"/ كطي السجل" بضم السين والجيم وتشديد اللام. وقرا الأعمش وطلحة:" كَطَيِّ السِّجِلِّ" بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام. قال النحاس: والمعنى واحد إن شاء الله تعالى. والتمام عند قوله:" للكتاب". والطي في هذه الآية يحتمل معنيين: أحدهما: الدرج الذي هو ضد النشر، قال الله تعالى:" وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ" [الزمر: 67]. والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو، لان الله تعالى يمحو ويطمس رسومها ويكدر نجومها.
__________
(1). راجع ج 15 ص 277 فما بعد. [.....]
(2). (الكتاب) بالإفراد قراءة نافع.
(3). الكرب: حبل يشد على عراقي الدلو ثم يثنى ثم يثلث ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير.

قال الله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ" «1» [التكوير: 2- 1]" وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ" [التكوير: 11]." للكتاب" وتم الكلام. وقراءة الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيى وخلف:" للكتب" جمعا ثم استأنف الكلام فقال:" كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ" أي نحشرهم حفاة عراة غرلا كما بدئوا في البطون. وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلا أول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام- ثم قرأ-" كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ" أخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بموعظة فقال: (يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا" كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ" ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام) وذكر الحديث. وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب" التذكرة" مستوفى. وذكر سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود قال: يرسل الله عز وجل ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت منه لحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأرض بالثرى. وقرا" كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ". وقال ابن عباس: المعنى نهلك كل شي ونفنيه كما كان أول مرة «2»، وعلى هذا فالكلام متصل بقوله:" يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ" أي نطويها فنعيدها إلى الهلاك والفناء فلا تكون شيئا. وقيل: نفنى السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها، كقوله:" يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ" «3» [إبراهيم: 48] والقول الأول أصح وهو نظير قوله:" وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" «4» [الانعام: 94] وقوله عز وجل:"- عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
" «5»." وَعْداً" نصب على المصدر، أي وعدنا وعدا" عَلَيْنا" إنجازه والوفاء به أي من البعث والإعادة ففي الكلام حذف: ثم أكد ذلك بقوله جل ثناؤه:" إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ" قال الزجاج: معنى" إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ" إنا كنا قادرين على ما نشاء. وقيل" إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ" أي ما وعدناكم وهو كما قال:" كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا" [المزمل: 18]. وقيل:" كانَ" للاخبار بما سبق من قضائه. وقيل: صلة.
__________
(1). راجع ج 19 ص 225. وص 47.
(2). هذا القول يحتاج إلى تدبر كما قال الألوسي.
(3). راجع ج 9 ص 383.
(4). راجع ج 7 ص 42.
(5). راجع ج 10 ص 417.

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 105 الى 106]
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (106)
قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ) الزبور والكتاب واحد، ولذلك جاز أن يقال للتوراة والإنجيل زبور. زبرت أي كتبت وجمعه زبر. وقال سعيد بن جبير:" الزبور" التوراة والإنجيل والقرآن. (مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) الذي في السماء (أَنَّ الْأَرْضَ) أرض الجنة (يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) رواه سفيان عن الأعمش عن سعيد بن جبير. الشعبي:" الزبور" زبور داود، و" الذكر" توراة موسى عليه السلام. مجاهد وابن زيد:" الزبور" كتب الأنبياء عليهم السلام، و" الذِّكْرِ" أم الكتاب الذي عند الله في السماء. وقال ابن عباس:" الزبور" الكتب التي أنزلها الله من بعد موسى على أنبيائه، و" الذكر" التوراة المنزلة على موسى. وقرا حمزة" فِي الزَّبُورِ" بضم الزاي جمع زبر" أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" أحسن ما قيل فيه أنه يراد بها أرض الجنة كما قال سعيد بن جبير، لان الأرض في الدنيا قال قد ورثها الصالحون وغيرهم. وهو قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال مجاهد وأبو العالية: ودليل هذا التأويل قوله تعالى:" وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ" «1» [الزمر: 74] وعن ابن عباس: أنها الأرض المقدسة. وعنه أيضا: أنها أرض الأمم الكافرة ترثها أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالفتوح. وقيل: إن المراد بذلك بنو إسرائيل، بدليل قوله تعالى:" وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها" «2» [الأعراف: 137] وأكثر المفسرين على أن المراد بالعباد الصالحين أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقرا حمزة" عبادي الصالحون" بتسكين الياء. (إِنَّ فِي هذا) أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه. وقيل: إن في القرآن (لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) قال أبو هريرة وسفيان الثوري: هم أهل الصلوات الخمس. وقال ابن عباس رضي الله عنهما:" عابدين" مطيعين. والعابد المتذلل الخاضع. قال القشيري: ولا يبعد أن يدخل فيه كل عاقل، لأنه من حيث الفطرة متذلل للخالق، وهو بحيث لو تأمل القرآن واستعمله لأوصله ذلك إلى الجنة. وقال ابن عباس أيضا: هم أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان. وهذا هو القول الأول بعينه.
__________
(1). راجع ج 15 ص 284 فما بعد.
(2). راجع ج 7 ص 272.

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)

[سورة الأنبياء (21): الآيات 107 الى 109]
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (109)
قوله تعالى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رحمة لجميع الناس فمن آمن به وصدق به سعد، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق. وقال ابن زيد: أراد بالعالمين المؤمنين خاصة. قوله تعالى: (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) فلا يجوز الاشراك به. (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي منقادون لتوحيد الله تعالى، أي فأسلموا، كقوله تعالى:" فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ" «1» [المائدة: 91] أي انتهوا. قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي إن أعرضوا عن الإسلام (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) أي أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا، كقوله تعالى:" وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ" «2» [الأنفال: 58] أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضا، أي استويت أنت وهم فليس لفريق عهد ملتزم في حق الفريق الآخر. وقال الزجاج: المعنى أعلمتكم بما يوحى إلي على استواء في العلم به، ولم أظهر لاحد شيئا كتمته عن غيره. (وَإِنْ أَدْرِي)" إن" نافية بمعنى" ما" أي وما أدرى. (أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ) يعني أجل يوم القيامة لا يدريه أحد لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، قاله ابن عباس. وقيل: آذنتكم بالحرب ولكني لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم.

[سورة الأنبياء (21): الآيات 110 الى 112]
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (111) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (112)
قوله تعالى: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ) أي من الشرك وهو المجازي عليه. (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ) أي لعل الامهال (فِتْنَةٌ لَكُمْ) أي اختبار ليرى كيف صنيعكم
__________
(1). راجع ج 6 ص 285 فما بعد.
(2). راجع ج 8 ص 31.

وهو أعلم. (وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) قيل: إلى انقضاء المدة. وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى بني أمية في منامه يلون الناس، فخرج الحكم من عنده فأخبر بني أمية بذلك، فقالوا له: ارجع فسله متى يكون ذلك. فأنزل الله تعالى" وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ"" وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ" يقول لنبيه عليه السلام قل لهم ذلك. قوله تعالى: (قالَ «1» رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) ختم السورة بأن أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتفويض الامر إليه وتوقع الفرج من عنده، أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين وانصرني عليهم. روى سعيد عن قتادة قال: كانت الأنبياء تقول:" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا. وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ" «2» [الأعراف: 89] فأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول:" رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ" فكان إذا لقى العدو يقول وهو يعلم أنه على الحق وعدوه على الباطل" رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ" أي أقض به. وقال أبو عبيدة: الصفة هاهنا أقيمت مقام الموصوف والتقدير: رب أحكم بحكمك الحق. و" رب" في موضع نصب، لأنه نداء مضاف. وقرا أبو جعفر بن القعقاع وابن محيصن:" قل رب أحكم بالحق" بضم الباء. قال النحاس: وهذا لحن عند النحويين، لا يجوز عندهم رجل أقبل، حتى تقول يا رجل أقبل أو ما أشبهه. وقرا الضحاك وطلحة ويعقوب:" قال ربي أحكم بالحق" بقطع الالف مفتوحة الكاف والميم مضمومة. أي قال محمد ربي أحكم بالحق من كل حاكم. وقرا الجحدري" قل ربي أحكم" على معنى أحكم الأمور بالحق. (وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) أي تصفونه من الكفر والتكذيب. وقرا المفضل والسلمى" على ما يصفون" بالياء على الخبر. الباقون بالتاء على الخطاب. والله أعلم.
تم الجزء الحادي عشر من تفسير القرطبي يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني عشر وأوله: (سورة الحج)
تحقيق أبي إسحاق إبراهيم أطفيش
__________
(1). (قل) على صيغة الامر قراءة نافع.
(2). راجع ج 7 ص 250 فما بعد.

الجزء الثاني عشر

[تفسير سورة الحج ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة الحج وهي مكية، سوى ثلاث ءايات: قوله تعالى:" هذانِ خَصْمانِ" «1» [الحج: 19] إلى تمام ثلاث آيات، قاله ابن عباس ومجاهد. وعن ابن عباس أيضا (أنهن أربع آيات)، قوله" عَذابَ الْحَرِيقِ". [الحج: 22] وقال الضحاك وابن عباس أيضا: (هي مدنية)- وقاله قتادة- إلا أربع آيات:" وَما أَرْسَلْنا «2» مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ" [الحج: 52] إلى" عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ" [الحج: 55] فهن مكيات. وعد النقاش ما نزل بالمدينة عشر آيات. وقال الجمهور: السورة مختلطة، منها مكي ومنها مدني. وهذا هو الأصح، لان الآيات تقتضي ذلك، لان" يا أَيُّهَا النَّاسُ" مكي، «3» و" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا 10" مدني. الغزنوي: وهي من أعاجيب السور، نزلت ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، مكيا ومدنيا، سلميا وحربيا، ناسخا ومنسوخا، محكما ومتشابها، مختلف العدد. قلت: وجاء في فضلها ما رواه الترمذي وأبو داود والدارقطني عن عقبة بن عامر قال قلت: يا رسول الله، فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟ قال: (نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما). لفظ الترمذي. وقال: هذا حديث حسن ليس إسناده بالقوي. واختلف أهل العلم في هذا، فروي عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وابن عمر أنهما قالا:" فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين". وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وراي بعضهم أن فيها سجدة واحدة، وهو قول سفيان الثوري. روى الدارقطني عن عبد الله بن ثعلبة قال: رأيت عمر بن الخطاب سجد في الحج سجدتين، قلت في الصبح؟ قال في الصبح.
__________
(1). راجع ص 79 وص 87 من هذا الجزء. [.....]
(2). راجع ص 79 وص 87 من هذا الجزء.
(3). يعنى غالبه مكي.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)

(بسم الله الرحمن الرحيم)

[سورة الحج (22): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)
«1» روى الترمذي عن عمران بن حصين أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما نزلت:" يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ- إلى قوله- وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
" قال: أنزلت عليه هذا الآية وهو في سفر فقال:" أتدرون أي يوم ذلك"؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال:" ذاك يوم يقول الله لآدم أبعث بعث النار قال يا رب وما بعث النار قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة". فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قاربوا وسددوا فإنه لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية- قال- فيؤخذ العدد من الجاهلية فإن تمت وإلا كملت من المنافقين وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة «2» في ذراع الدابة أو كالشامة «3» في جنب البعير- ثم قال- إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة- فكبروا، ثم قال- إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة- فكبروا، ثم قال- إنى لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة" فكبروا. قال: لا أدري قال الثلثين أم لا. قال: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن الحسن عن عمران بن حصين. وفية: فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة، فلما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" اعملوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شي إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم وبني إبليس" قال: فسري عن القوم بعض الذي يجدون، فقال:" اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة" قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري [رضي الله عنه ] قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يقول الله تعالى يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك- قال- يقول أخرج بعث النار قال وما بعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين «4»
__________
(1). الرقمة الهنة الناشئة في ذراع الدابة.
(2). الرقمة الهنة الناشئة في ذراع الدابة.
(3). الشامة: علامة تخالف البدن الذي هي فيه.
(4). في بعض النسخ:" تسعمائة وتسعة وتسعون" فالنصب على المفعولية، والرفع على الخبرية.

قال فذاك حين يشيب الصغير وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
". قال: فاشتد ذلك عليهم، قالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الرجل؟ فقال:" أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل". وذكر الحديث بنحو ما تقدم في حديث عمران بن حصين. وذكر أبو جعفر النحاس قال: حدثنا أحمد بن محمد ابن نافع قال حدثنا سلمة قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:" يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ"- إلى-" وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
" قال: نزلت على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في مسير له، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال:" أتدرون أي يوم هذا هذا يوم يقول الله عز وجل لآدم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يا آدم قم فابعث بعث أهل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة". فكبر ذلك على المسلمين، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سدوا وقاربوا وأبشروا فوالذي نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الحمار وإن معكم الخليقتين ما كانتا مع شي إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الجن والانس". قوله تعالى:" يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ" المراد بهذا النداء المكلفون، أي اخشوه في أوامره أن تتركوها، ونواهيه أن تقدموا عليها. والاتقاء: الاحتراس من المكروه، وقد تقدم في أول" البقرة" القول فيه مستوفى «1»، فلا معنى لإعادته. والمعنى: احترسوا بطاعته عن عقوبته. قوله تعالى:" إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ" الزلزلة شدة الحركة، ومنه" وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ" «2» [البقر و: 214]. واصل الكلمة من زل عن الموضع، أي زال عنه وتحرك. وزلزل الله قدمه، أي حركها. وهذه اللفظة تستعمل في تهويل الشيء. وقيل: هي الزلزلة المعروفة التي هي إحدى شرائط الساعة، التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور. وقد قيل: إن هذه الزلزلة تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها، فالله أعلم.
__________
(1). راج ج 1 ص 161.
(2). راجع ج 3 ص 33.

يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)

[سورة الحج (22): آية 2]
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)
قوله تعالى: (يَوْمَ تَرَوْنَها)
الهاء في" تَرَوْنَها
" عائدة عند الجمهور على الزلزلة، ويقوي هذا وقوله عز وجل." تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
". والرضاع والحمل إنما هو في الدنيا. وقالت فرقة: الزلزلة في يوم القيامة، واحتجوا بحديث عمران بن حصين الذي ذكرناه، وفيه:" أتدرون أي يوم ذلك ..." الحديث. وهو الذي يقتضيه سياق مسلم في حديث أبي سعيد الخدري. قوله:" تَذْهَلُ
" أي تشتغل، قاله قطرب. وأنشد:
ضربا «1» يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
وقيل: تنسى. وقيل تلهو. وقيل: تسلو، والمعنى متقارب." عَمَّا أَرْضَعَتْ
" قال المبرد:" ما" بمعنى المصدر، أي تذهل عن الإرضاع. قال: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس بعد البعث حمل وإرضاع. إلا أن يقال: من ماتت حاملا تبعث حاملا فتضع حملها للهول. ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك. ويقال: هذا كما قال الله عز وجل:" يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً" «2» [المزمل: 17]. وقيل: تكون مع النفخة الاولى. وقيل: تكون مع قيام الساعة، حتى يتحرك الناس من قبورهم في النفخة الثانية. ويحتمل أن تكون الزلزلة في الآية عبارة عن أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى:" مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا" «3» [البقرة: 214]. وكما قال عليه السلام:" اللهم اهزمهم وزلزلهم". وفائدة ذكر هول ذلك اليوم التحريض على التأهب له والاستعداد بالعمل الصالح. وتسمية الزلزلة ب" شَيْءٌ" إما لأنها
__________
(1). في الأصول:" بضرب" والتصويب عن سيرة ابن هشام. وقبله:
نحن قتلنا كم على تأويله ... كما قتلنا كم على تنزيله
والرجز لعبد الله بن رواحة، ارتجزه وهو يقود ناقة سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين دخل مكة في عمرة القضاء. راجع سيرة ابن هشام
. (2). راجع ج 19 ص 47.
(3). راجع ج 3 ص 33 فما بعد.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3)

حاصلة متيقن وقوعها، فيستسهل لذلك أن تسمى شيئا وهي معدومة، إذ اليقين يشبه الموجودات. وإما على المآل، أي هي إذا وقعت شي عظيم. وكأنه لم يطلق الاسم ألان، بل المعنى أنها إذا كانت فهي إذا شي عظيم، ولذلك تذهل المراضع وتسكر الناس، كما قال: (وَتَرَى النَّاسَ سُكارى )
أي من هولها ومما يدركهم من الخوف والفزع. (وَما هُمْ بِسُكارى )
من الخمر. وقال أهل المعاني، وترى الناس كأنهم سكارى. يدل عليه قراءة أبي زرعة هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله" وَتَرَى النَّاسَ
" بضم التاء، أي تظن ويخيل إليك. وقرا حمزة والكسائي" سكرى" بغير ألف. الباقون" سُكارى
" وهما لغتان لجمع سكران، مثل كسلي وكسالى. والزلزلة: التحريك العنيف. والذهول. الغفلة عن الشيء بطروء «1» ما يشغل عنه من هم أو وجع أو غيره. قال ابن زيد: المعنى تترك ولدها للكرب الذي نزل بها.

[سورة الحج (22): الآيات 3 الى 4]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (4)
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (4) قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) قيل: المراد النضر بن الحارث، قال: إن الله عز وجل غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد ترابا. (وَيَتَّبِعُ) أي في قوله ذلك. (كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ) متمرد. (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ) قال قتادة ومجاهد: أي من تولى الشيطان. (فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ).

[سورة الحج (22): آية 5]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)
__________
(1). في الأصول:" بطريان".

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ)- إلى قوله- (مُسَمًّى) فيه اثنتا عشرة مسألة: الاولى- قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) هذا احتجاج على العالم بالبداءة الاولى. وقوله:" إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ" متضمنة التوقيف. وقرا الحسن ابن أبي الحسن:" الْبَعْثِ" بفتح العين، وهي لغة في" البعث" عند البصريين. وهي عند الكوفيين بتخفيف" بعث". والمعنى: يا أيها الناس إن كنتم في شك من الإعادة. (فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ) أي خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر، يعني آدم عليه السلام (مِنْ تُرابٍ). (ثُمَّ) خلقنا ذريته. (مِنْ نُطْفَةٍ) وهو المني، سمي نطفة لقلته، وهو القليل من الماء، وقد يقع على الكثير منه، ومنه الحديث" حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورا". أراد بحر المشرق وبحر المغرب. والنطف: القطر. نطف ينطف وينطف. وليلة نطوفة دائمة القطر. (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) وهو الدم الجامد. والعلق الدم العبيط، أي الطري. وقيل: الشديد الحمرة. (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ) وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ، ومنه الحديث" ألا وإن في الجسد مضغة". وهذه الأطوار أربعة أشهر. قال ابن عباس: وفي العشر بعد الأشهر الاربعة ينفخ فيه الروح، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشر. الثانية- روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة حدثنا داود عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود وعن ابن عمر أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال:" يا رب، ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما الأجل والأثر «1»، بأي أرض تموت؟ فيقال له أنطلق إلى
__________
(1). الأثر: الأجل، وسمي به لأنه يتبع العمر.

أم الكتاب فإنك تجد فيها قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب، فتخلق فتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها، ثم قرأ عامر:" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ". وفي الصحيح عن أنس بن مالك- ورفع الحديث- قال:" إن الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة. أي رب علقة. أي رب مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقا- قال- قال الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد. فما الرزق فما الأجل. فيكتب كذلك في بطن أمه". وفي الصحيح أيضا عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:" إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول أي رب أذكر أم أنثى ..." وذكر الحديث. وفي الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو الصادق المصدوق" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ..." الحديث. فهذا الحديث مفسر للأحاديث الأول، فإن فيه:" يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح" فهذه أربعة أشهر وفي العشر ينفخ الملك الروح، وهذه عدة المتوفي [عنها زوجها] كما قال ابن عباس. وقوله:" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه" قد فسره ابن مسعود، سئل الأعمش: ما يجمع في بطن أمه؟ فقال: حدثنا خيثمة قال قال عبد الله: إذا وقعت النطفة في الرحم فأراد أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوما ثم تصير دما في الرحم، فذلك جمعها، وهذا وقت كونها علقة. الثالثة- نسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية، وأن ما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عند التصوير والتشكيل بقدرة الله وخلقه واختراعه، ألا تراه سبحانه

قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية، وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال:" وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ" «1» [الأعراف: 11]. وقال:" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ «2» مَكِينٍ" [المؤمنون: 13- 12]. وقال:" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ". وقال تعالى:" هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ" «3» [التغابن: 2]. ثم قال:" وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ" «4». [غافر: 64]. وقال:" لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" «5» [التين: 4]. وقال:" خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ". [العلق: 2]. إلى غير ذلك من الآيات، مع ما دلت عليه قاطعات البراهين أن لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين. وهكذا القول في قول:" ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح" أي أن النفخ سبب خلق الله فيها الروح والحياة. وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة، فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره. فتأمل هذا الأصل وتمسك به، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال الطبيعيين «6» وغيرهم. الرابعة- لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوما، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس، كما بيناه بالأحاديث. وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل: إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهذا الدخول في الخامس يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل. الخامسة- النطفة ليست بشيء يقينا، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة إذا لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل، فإذا طرحته علقة فقد تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال يتحقق به أنه ولد. وعلى هذا فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل، تبرأ به الرحم، وتنقضي به العدة، ويثبت به لها حكم أم الولد. وهذا مذهب مالك رضي الله عنه وأصحابه. وقال الشافعي رضي الله عنه:
__________
(1). راجع ج 7 ص 168. [.....]
(2). راجع ص 108 فما بعد من هذا الجزء.
(3). راجع ج 18 ص 132.
(4). راجع ج 15 ص 326.
(5). راجع ج 20 ص 113 فما بعد. وص 119.
(6). في الأصول: الطبائع.

لا اعتبار بإسقاط العلقة، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط، فإن خفي التخطيط وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج، والمنصوص أنه تنقضي به العدة ولا تكون أم ولد. قالوا: لان العدة تنقضي بالدم الجاري، فبغيره أولى. السادسة- قوله تعالى: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) قال الفراء:" مُخَلَّقَةٍ" تامة الخلق،" وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" السقط. وقال ابن الاعرابي:" مُخَلَّقَةٍ" قد بدأ خلقها،" وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" لم تصور بعد. ابن زيد: المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، و" غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" التي لم يخلق فيها شي. قال ابن العربي: إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلقة، لان الكل خلق الله تعالى، وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال الله تعالى:" ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ" [المؤمنون: 14] فذلك ما قال ابن زيد. قلت: التخليق من الخلق، وفية معنى الكثرة، فما تتابع عليه الأطوار فقد خلق خلقا بعد خلق، وإذا كان نطفة فهو مخلوق، ولهذا قال الله تعالى:" ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ" [المؤمنون: 14] والله أعلم. وقد قيل: إن قوله:" مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ" يرجع إلى الولد بعينه لا إلى السقط، أي منهم من يتم الرب سبحانه مضغته فيخلق له الأعضاء أجمع، ومنهم من يكون خديجا ناقصا غير تمام. وقيل: المخلقة أن تلد المرأة لتمام الوقت. ابن عباس: المخلقة ما كان حيا، وغير المخلقة السقط. قال:
أفي غير المخلقة البكاء ... فأين الحزم ويحك والحياء
السابعة- أجمع العلماء على أن الامة تكون أم ولد بما تسقطه من ولد تام الخلق. وعند مالك والأوزاعي وغيرهما بالمضغة كانت مخلقة أو غير مخلقة. قال مالك: إذا علم أنها مضغة. وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن كان قد تبين له شي من خلق بني آدم إصبع أو عين أو غير ذلك فهي له أم ولد. وأجمعوا على أن المولود إذا استهل صارخا يصلى عليه، فإن لم يستهل صارخا لم يصل عليه عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهما. وروي عن ابن عمر أنه يصلى عليه، وقاله ابن المسيب وابن سيرين وغيرهما. وروي عن المغيرة بن شعبة أنه

كان يأمر بالصلاة على السقط، ويقول سموهم واغسلوهم وكفنوهم وحنطوهم، فإن الله أكرم بالإسلام كبيركم وصغيركم، ويتلو هذه الآية" فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ"- إلى-" وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ". قال ابن العربي: لعل المغيرة بن شعبة أراد بالسقط ما تبين خلقه فهو الذي يسمى، وما لم يتبين خلقه فلا وجود له. وقال بعض السلف: يصلي عليه متى نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر. وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:" إذا استهل المولود ورث". الاستهلال: رفع الصوت، فكل مولود كان ذلك منه أو حركة أو عطاس أو تنفس فإنه يورث لوجود ما فيه من دلالة الحياة. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي. قال الخطابي: وأحسنه قول أصحاب الرأي. وقال مالك: لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ما لم يستهل [صارخا «1»]. وروي عن محمد ابن سيرين والشعبي والزهري وقتادة. الثامنة- قال مالك رضي الله عنه: ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغرة «2». وقال الشافعي: لا شي فيه حتى يتبين من خلقه [شي «3»]. قال مالك: إذا سقط الجنين فلم يستهل صارخا ففيه الغرة. وسواء تحرك أو عطس فيه الغرة أبدا، حتى يستهل صارخا ففيه الدية كاملة. وقال الشافعي رضي الله عنه وسائر فقهاء الأمصار: إذا علمت حياته بحركة أو بعطاس أو باستهلال أو بغير ذلك مما تستيقن به حياته ففيه الدية. التاسعة- ذكر القاضي إسماعيل أن عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع، واحتج عليه بأنه حمل، وقال قال الله تعالى:" وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ" «4». قال القاضي إسماعيل: والدليل على ذلك أنه يرث أباه، فدل على وجوده خلقا وكونه ولدا وحملا. قال ابن العربي: ولا يرتبط به شي من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقا. قلت: ما ذكرناه من الاشتقاق وقول عليه الصلاة والسلام:" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه" يدل على صحة ما قلناه، ولان مسقطة العلقة والمضغة يصدق على المرأة إذا
__________
(1). من ك.
(2). الغرة عند الفقهاء: ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد والإماء.
(3). من ك.
(4). راجع ج 18 ص 162 فما بعد.

ألقته أنها كانت حاملا وضعت ما استقر في رحمها، فيشملها قوله تعالى:" وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ". [الطلاق: 4] ولأنها وضعت مبدأ الولد عن نطفة متجسدا كالمخطط، وهذا بين. العاشرة- روى ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد حدثنا يزيد عن عبد الملك النوفلي عن يزيد بن رومان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه [خلفي" «1»]. وأخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث له عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فقال:" أحب إلي من ألف فارس أخلفه ورائي". الحادية عشرة-" (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ)" يريد: كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم. (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ) قرئ بنصب" نقر" و" نخرج"، رواه أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم قال قال أبو حاتم: النصب على العطف. وقال الزجاج:" نُقِرُّ" بالرفع لا غير، لأنه ليس المعنى: فعلنا ذلك لنقر في الأرحام ما نشاء، وإنما خلقهم عز وجل ليدلهم على الرشد والصلاح. وقيل: المعنى لنبين لهم أمر البعث، فهو اعتراض بين الكلامين. وقرأت هذه الفرقة بالرفع." وَنُقِرُّ"، المعنى: ونحن نقر. وهي قراءة الجمهور. وقرى:" ويقر" و" يخرجكم" بالياء، والرفع على هذا سائغ. وقرا ابن وثاب:" ما نشاء" بكسر النون. والأجل المسمى يختلف بحسب جنين جنين، فثم من يسقط وثم من يكمل أمره ويخرج حيا. وقال:" ما نَشاءُ" ولم يقل من نشاء لأنه يرجع إلى الحمل، أي نقر في الأرحام ما نشاء من الحمل ومن المضغة وهي جماد فكنى عنها بلفظ ما. الثانية عشرة- قوله تعالى: (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) أي أطفالا، فهو اسم جنس. وأيضا فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد، قال الشاعر:
يلحينني في حبها ويلمنني ... وإن العواذل ليس لي بأمير
__________
(1). زيادة عن سنن ابن ماجة.

ولم يقل أمراء. وقال المبرد: وهو اسم يستعمل مصدرا كالرضا والعدل، فيقع على الواحد والجمع، قال الله تعالى:" أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ" «1» [النور: 31]. وقال الطبري: وهو نصب على التمييز، كقوله تعالى:" فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً"»
[النساء: 4]. وقيل: المعنى ثم نخرج كل واحد منكم طفلا. والطفل يطلق من وقت انفصال الولد إلى البلوغ. وولد كل وحشية أيضا طفل. ويقال: جارية طفل، وجاريتان طفل وجوار طفل، وغلام طفل، وغلمان طفل. ويقال أيضا: طفل وطفلة وطفلان وطفلتان وأطفال. ولا يقال: طفلات. وأطفلت المرأة صارت ذات طفل. والمطفلة: الظبية معها طفلها، وهي قريبة عهد بالنتاج. وكذلك الناقة، [والجمع [مطافل ومطافيل. والطفل (بالفتح في الطاء) الناعم، يقال: جارية طفلة أي ناعمة، وبنان طفل. وقد طفل الليل إذا أقبل ظلامه. والطفل (بالتحريك): بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب. والطفل (أيضا): مطر، قال:
لوهد «3» جاده طفل الثريا

(ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) قيل: إن" ثُمَّ" زائدة كالواو في قوله" حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها" «4» [الزمر: 73]، لان ثم من حروف النسق كالواو." أَشُدَّكُمْ" كمال عقولكم ونهاية قواكم. وقد مضى في" الانعام" «5» بيانه. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) 70 أي أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل، ولهذا قال: (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) كما قال في سورة يس:" وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ" «6» [يس: 68]. وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر". أخرجه النسائي عن سعد، وقال: وكان يعلمهن بنيه كما يعلم المكتب «7» الغلمان. وقد مضى في النحل هذا المعنى «8».
__________
(1). راجع ص 226 من هذا الجزء فما بعد.
(2). راجع ج 5 ص 23 فما بعد.
(3). الوهد والوهدة: المطمئن من الأرض كأنه حفرة.
(4). راجع ج 15 ص 184 فما بعد. [.....]
(5). راجع ج 7 ص 124.
(6). راجع ج 15 ص 38 فما بعد.
(7). المكتب المعلم.
(8). راجع ج 10 ص 140.

قوله تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً) ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأول:" فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ" فخاطب جمعا. وقال في الثاني:" وَتَرَى الْأَرْضَ" فخاطب واحدا، فانفصل اللفظ عن اللفظ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكري البعث. (هامِدَةً) يابسة لا تنبت شيئا، قال ابن جريج. وقيل: دارسة. والهمود الدروس. قال الأعشى:
قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا ... وأرى ثيابك باليات همدا
الهروي:" هامِدَةً" أي جافة ذات تراب. وقال شمر: يقال: همد شجر الأرض إذا بلي وذهب. وهمدت أصواتهم إذا سكنت. وهمود الأرض ألا يكون فيها حياة ولا نبت ولا عود ولم يصبها مطر. وفي الحديث:" حتى كاد يهمد من الجوع" أي يهلك. يقال: همد الثوب يهمد إذا بلي. وهمدت النار تهمد. قوله تعالى: (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ) أي تحركت. والاهتزاز: شدة الحركة، يقال: هززت الشيء فاهتز، أي حركته فتحرك. وهز الحادي الإبل هزيزا فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها بحدائه. واهتز الكوكب في انقضاضه. وكوكب هاز. فالأرض تهتز بالنبات، لان النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفية، فسماه اهتزازا مجازا. وقيل: اهتز نباتها، فحذف المضاف، قال المبرد، واهتزازه شدة حركته، كما قال الشاعر:
تثنى إذا قامت وتهتز إن مشت ... كما اهتز غصن البان في ورق خضر
والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض. (وَرَبَتْ) أي ارتفعت وزادت. وقيل: انتفخت، والمعنى واحد، وأصله الزيادة. ربا الشيء يربو ربوا أي زاد، ومنه الربا والربوة. وقرا يزيد بن القعقاع وخالد بن إلياس" وربأت" أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة، وهو الذي يحفظ القوم على شي مشرف، فهو رابي وربيئة على المبالغة. قال امرؤ القيس:

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)

بعثنا ربيئا قبل ذاك مخملا ... كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي «1»
(وَأَنْبَتَتْ) أي أخرجت. (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) أي لون. (بَهِيجٍ) أي حسن، عن قتادة. أي يبهج من يراه. والبهجة الحسن، يقال: رجل ذو بهجة. وقد بهج (بالضم) بهاجة وبهجة فهو بهيج. وأبهجني أعجبني بحسنه. ولما وصف الأرض بالإنبات دل على أن قوله:" اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ" يرجع إلى الأرض لا إلى النبات. والله أعلم.

[سورة الحج (22): الآيات 6 الى 7]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)
قوله تعالى:" ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ" لما ذكر افتقار الموجودات إليه وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره في قول:" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ"- إلى قوله-" بَهِيجٍ". قال بعد ذلك:" ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ". فنبه سبحانه وتعالى بهذا على أن كل ما سواه وإن كان موجودا حقا فإنه لا حقيقة له من نفسه، لأنه مسخر مصرف. والحق الحقيقي: هو الموجود المطلق الغني المطلق، وأن وجود كل ذي وجود عن وجوب وجوده، ولهذا قال في آخر السورة:" وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ" «2» [الحج: 62]. والحق الموجود الثابت الذي لا يتغير ولا يزول، وهو الله تعالى. وقيل: ذو الحق على عباده. وقيل: الحق «3» بمعنى في أفعاله. وقال الزجاج:" ذلِكَ" في موضع رفع، أي الامر ما وصف لكم وبين. (بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) أي لان الله هو الحق. وقال: ويجوز أن يكون
__________
(1). المخمل: الذي يخمل نفسه، أي يسيرها ويخفيها لئلا يشعر به الصيد والغضى: الشجر، والعرب تقول: أخبث الذئاب ذئب الغضى، وإنما صار كذلك لأنه لا يباشر الناس إلا إذا أراد أن يغير. والضراء (بالفتح والمد): الشجر الملتف في الوادي يستر من دخل فيه. وفلان يمشى الضراء: إذا مشى مستخفيا فيما يواري من الشجر.
(2). راجع ص 91 من هذا الجزء.
(3). في ك: الحق في أفعاله. وفي ط:" وقيل الحق أي بمعنى كذا في أفعاله"

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)

" ذلِكَ" نصبا، أي فعل الله ذلك بأنه هو الحق. (وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى ) أي بأنه (وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي وبأنه قادر على ما أراد. (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ) عطف على قوله:" ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ" من حيث اللفظ، وليس عطفا في المعنى، إذ لا يقال فعل الله ما ذكر بأن الساعة آتية، بل لأبد من إضمار فعل يتضمنه، أي وليعلموا أن الساعة آتية (لا رَيْبَ فِيها) أي لا شك. (وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) يريد للثواب والعقاب.

[سورة الحج (22): الآيات 8 الى 10]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (8) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (9) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (10)
قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (8) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (9) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10) 10- 8 قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) أي نير بين الحجة. نزلت في النضر بن الحارث. وقيل: في أبي جهل بن هشام، قال ابن عباس. والمعظم على أنها نزلت في النضر بن الحارث كالآية الاولى، فهما في فريق واحد، والتكرير للمبالغة في الذم، كما تقول للرجل تذمه وتوبخه: أنت فعلت هذا! أنت فعلت هذا! ويجوز أن يكون التكرير لأنه وصفه في كل آية بزيادة، فكأنه قال: إن النضر بن الحارث يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، والنضر بن الحارث يجادل في الله من غير علم ومن غير هدى وكتاب منير، ليضل عن سبيل الله. وهو كقولك: زيد يشتمني وزيد يضربني، وهو تكرار مفيد، قال القشيري. وقد قيل: نزلت فيه بضع عشرة آية. فالمراد بالآية الاولى إنكاره البعث، وبالثانية إنكاره النبوة، وأن القرآن منزل من جهة الله. وقد قيل: كان من قول النضر بن الحارث أن الملائكة بنات الله، وهذا جدال في الله تعالى:" مِنَ" في موضع رفع بالابتداء. والخبر في قوله:" وَمِنَ النَّاسِ". (ثانِيَ عِطْفِهِ) نصب على الحال. ويتأول على معنيين: أحدهما- روي عن ابن عباس أنه قال: هو النضر بن الحارث،

لوى عنقه مرحا وتعظما. والمعنى الأخر: وهو قول الفراء: أن التقدير: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ثاني عطفه، أي معرضا عن الذكر، ذكره النحاس. وقال مجاهد وقتادة: لاويا عنقه كفرا. ابن عباس: معرضا عما يدعى إليه كفرا. والمعنى واحد. وروى الأوزاعي عن مخلد بن حسين عن هشام بن حسان عن ابن عباس في قوله عز وجل:" ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" قال: هو صاحب البدعة. المبرد: العطف ما انثنى من العنق. وقال المفضل: والعطف الجانب، ومنه قولهم: فلان ينظر في أعطافه، أي في جوانبه. وعطفا الرجل من لدن رأسه إلى وركه. وكذلك عطفا كل شي جانباه. ويقال: ثنى فلان عني عطفه إذا أعرض عنك. فالمعنى: أي هو معرض عن الحق في جداله ومول عن النظر في كلامه، وهو كقوله تعالى:" وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها" «1» [لقمان: 7]. وقوله تعالى:" لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ" «2» [المنافقون: 5]. وقوله:" أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ" «3» [الاسراء: 83]. وقوله:" ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى" «4» [القيامة: 33]. (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي عن طاعة الله تعالى. وقرى" ليضل" بفتح الياء. واللام لام العاقبة، أي يجادل فيضل، كقوله تعالى:" لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً" «5» [القصص: 8]. أي فكان لهم كذلك. ونظيره" إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُوا" «6» [النحل: 55- 54]. (لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ) أي هوان وذل بما يجري له من الذكر القبيح على ألسنة المؤمنين إلى يوم القيامة، كما قال:" وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ 10" «7» [القلم: 10] الآية. وقوله تعالى:" تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ" «8» [المسد: 1]. وقيل: الخزي هاهنا القتل، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتل النضر بن الحارث يوم بدر صبرا، كما تقدم في آخر الأنفال. (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ) أي نار جهنم. (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) 10 أي يقال له في الآخرة إذا دخل النار: ذلك العذاب بما قدمت يداك من المعاصي والكفر. وعبر باليد عن الجملة، لان اليد التي تفعل وتبطش للجملة. و" ذلِكَ" بمعنى هذا، كما تقدم في أول البقرة «9».
__________
(1). راجع ج 14 ص 57.
(2). راجع ج 18 ص 126 فما بعد وص 231.
(3). راجع ج 10 ص 321 وص 114.
(4). راجع ج 19 ص 111 فما بعد وص 231.
(5). راجع ج 13 ص 250.
(6). راجع ج 10 ص 321 وص 114.
(7). راجع ج 19 ص 111 فما بعد وص 231. [.....]
(8). راجع ج 20 ص 234.
(9). راجع ج 1 ص 157.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)

[سورة الحج (22): آية 11]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (11)
قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ)" مِنَ" في موضع رفع بالابتداء، والتمام" انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ" على قراءة الجمهور" خَسِرَ". وهذه الآية خبر عن المنافقين. قال ابن عباس: يريد شيبة بن ربيعة كان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما أوحى إليه ارتد شيبة بن ربيعة. وقال أبو سعيد الخدري: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله، فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال أقلني! فقال:" إن الإسلام لا يقال" فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيرا! ذهب بصري ومالي وولدي! فقال:" يا يهودي إن الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والفضة والذهب"، فأنزل الله تعالى:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ". وروى إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ" قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال هذا دين صالح، فإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء. وقال المفسرون: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيسلمون، فإن نالوا رخاء أقاموا، وإن نالتهم شدة ارتدوا. وقيل نزلت في النضر بن الحارث. وقال ابن زيد وغيره: نزلت في المنافقين. ومعنى" عَلى حَرْفٍ" على شك، قاله مجاهد وغيره. وحقيقته أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه. وحرف كل شي طرفه وشفيره وحده، ومنه حرف الجبل، وهو أعلاه المحدد. وقيل:" عَلى حَرْفٍ" أي على وجه واحد، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف. وقيل:" عَلى حَرْفٍ" على شرط، وذلك أن شيبة ابن ربيعة قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبل أن يظهر أمره: أدع لي ربك أن يرزقني مالا وابلا

يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12)

وخيلا وولدا حتى أو من بك وأعدل إلى دينك، فدعا له فرزقه الله عز وجل ما تمنى، ثم أراد الله عز وجل فتنته واختباره وهو أعلم به فأخذ منه ما كان رزقه بعد أن أسلم فارتد عن الإسلام فأنزل الله تبارك وتعالى فيه:" وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ" يريد شرط. وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه. وبالجملة فهذا الذي يعبد الله على حرف ليس داخلا بكليته، وبين هذا بقوله (فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ) صحة جسم ورخاء معيشة رضي وأقام على دينه. (وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ) أي خلاف ذلك مما يختبر به (انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ) أي ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر. (خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) قرأ مجاهد وحميد بن قيس والأعرج والزهري وابن أبي إسحاق- وروي عن يعقوب-" خاسر الدنيا" بألف، نصبا على الحال، وعليه فلا يوقف على" وَجْهِهِ". وخسرانه الدنيا بأن لاحظ في غنيمة ولا ثناء، والآخرة بأن لا ثواب له فيها.

[سورة الحج (22): آية 12]
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12)
قوله تعالى: (يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي هذا الذي يرجع إلى الكفر يعبد الصنم الذي ولا ينفع ولا يضر. (ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) قال الفراء: الطويل.

[سورة الحج (22): آية 13]
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)
قوله تعالى: (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) أي هذا الذي انقلب على وجهه يدعو من ضره أدنى من نفعه، أي في الآخرة لأنه بعبادته دخل النار، ولم ير منه نفعا أصلا، ولكنه قال: ضره أقرب من نفعه ترفيعا للكلام، كقوله تعالى:" وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" «1» [سبأ: 24]. وقيل: يعبدونهم توهم أنهم يشفعون لهم غدا، كما قال الله تعالى:
__________
(1). راجع ج 14 ص 298.

" وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ 10: 18" «1» [يونس: 18]. وقال تعالى:" ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى " «2» [الزمر: 3]. وقال الفراء والكسائي والزجاج: معنى الكلام القسم والتأخير، أي يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه. فاللام مقدمة في غير موضعها. و" مِنْ" في موضع نصب ب" يَدْعُوا" واللام جواب القسم. و" ضَرُّهُ" مبتدأ و" أَقْرَبُ" خبره. وضعف النحاس تأخير اللام وقال: وليس للأم من التصرف ما يوجب أن يكون فيها تقديم ولا تأخير. قلت: حق اللام التقديم وقد تؤخر، قال الشاعر:
خالي لانت ومن جرير خال ... ينل العلاء ويكرم الاخوالا
أي لخالي أنت، وقد تقدم. النحاس: وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال: في الكلام حذف، والمعنى يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلها. قال النحاس: وأحسب هذا القول غلطا على محمد بن يزيد، لأنه لا معنى له، لان ما بعد اللام مبتدأ فلا يجوز نصب إله، وما أحسب مذهب محمد بن يزيد إلا قول الأخفش، وهو أحسن ما قيل في الآية عندي، والله أعلم، قال:" يَدْعُوا" بمعنى يقول. و" مِنْ" مبتدأ وخبره محذوف، والمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه. قلت: وذكر هذا القول القشيري رحمه الله عن الزجاج والمهدوي عن الأخفش، وكمل إعرابه فقال:" يَدْعُوا" بمعنى يقول، و" مِنْ" مبتدأ، و" ضَرُّهُ" مبتدأ ثان، و" أَقْرَبُ" خبره، والجملة صلة" مِنْ"، وخبر" مِنْ" محذوف، والتقدير يقول لمن ضره أقرب من نفعه إلهه، ومثله قول عنترة:
يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم «3»
قال القشيري: والكافر الذي يقول الصنم معبودي لا يقول ضره أقرب من نفعه، ولكن المعنى يقول الكافر لمن ضره أقرب من نفعه في قول المسلمين معبودي وإلهي. وهو كقوله
__________
(1). راجع ج 8 ص 321.
(2). راجع ج 15 ص 232.
(3). الأشطان: جمع شطن، وهو حيل البئر. واللبان (بفتح اللام): الصدر. والأدهم: الفرس. يريد أن الرماح في صدر هذا الفرس بمنزلة حبال البئر من الدلاء، لان البئر إذا كانت كثيرة الجرفة اضطربت الدلو فيها فيجعل لها حبلان لئلا تضطرب. (عن شرح المعلقات).

تعالى:" يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ" «1» [الزخرف: 49]، أي يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرا. وقال الزجاج: يجوز أن يكون" يَدْعُوا" في موضع الحال، وفية هاء محذوفة، أي ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، أي في حال دعائه إياه، ففي" يَدْعُوا" هاء مضمرة، ويوقف على هذا على" يَدْعُوا". وقوله:" لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ" كلام مستأنف مرفوع بالابتداء، وخبره" لَبِئْسَ الْمَوْلى "، وهذا لان اللام لليمين والتوكيد فجعلها أول الكلام. قال الزجاج ويجوز أن يكون" ذلِكَ" بمعنى الذي، ويكون في محل النصب بوقوع" يَدْعُوا" عليه، أي الذي هو [في «2»] الضلال البعيد يدعو، كما قال:" وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى 20: 17" «3» أي ما الذي. ثم قوله" لَمَنْ ضَرُّهُ" كلام مبتدأ، و" لَبِئْسَ الْمَوْلى " خبر المبتدأ، وتقدير الآية على هذا: يدعو الذي هو الضلال البعيد، قدم المفعول وهو الذي، كما تقول: زيدا يضرب، واستحسنه أبو علي. وزعم الزجاج أن النحويين أغفلوا هذا القول، وأنشد:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق «4»
أي والذي. وقال الزجاج أيضا والفراء: يجوز أن يكون" يَدْعُوا" مكررة على ما قبلها، على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء، ولا تعديه إذ قد عديته أولا، أي يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره يدعو، مثل ضربت زيدا ضربت، ثم حذفت يدعو الآخرة اكتفاء بالأولى. قال الفراء: ويجوز" لَمَنْ ضَرُّهُ" بكسر اللام، أي يدعو إلى من ضره أقرب من نفعه، قال الله عز وجل:" بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها" «5» أي إليها. وقال الفراء أيضا والقفال: اللام صلة، أي يدعو من ضره أقرب من نفعه، أي يعبده. وكذلك هو في قراءة عبد الله بن مسعود. (لَبِئْسَ الْمَوْلى ) أي في التناصر (وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) أي المعاشر والصاحب والخليل. مجاهد: يعني الوثن.
__________
(1). راجع ج 16 ص 96.
(2). من ك.
(3). راجع ج 11 ص 186.
(4). هذا البيت أول أبيات ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. وعدس: زجر للبغل ليسرع. وعباد هو ابن زياد أخو عبيد الله بن زياد الذي قاتل الحسين بن علي رضي الله عنهما في كربلاء. هجا ابن مفرغ هذا عبادا فحقد عليه وجفاه، فأخذه أخوه عبيد الله وحبسه وعذبه، فلما طال حبسه دخل أهل اليمن إلى معاوية فشفوا فيه فأطلق سراحه. (راجع الشعر والشعراء لابن قتيبة وخزانة الأدب في الشاهد الثالث بعد الثلاثمائة والثامن والعشرين بعد الأربعمائة
(5). راجع ج 20 ص 149.

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14)

[سورة الحج (22): آية 14]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (14)
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) لما ذكر حال المشركين وحال المنافقين والشياطين ذكر حال المؤمنين في الآخرة أيضا. (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) أي يثيب من يشاء ويعذب من يشاء، فللمؤمنين الجنة بحكم وعده الصدق وبفضله، وللكافرين النار بما سبق من عدله، لا أن فعل الرب معلل بفعل العبيد.

[سورة الحج (22): آية 15]
مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (15)
قوله تعالى: (مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ) قال أبو جعفر النحاس: من أحسن ما قيل فيها أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه. (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ) أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء. (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له. (فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ) وحيلته ما يغيظه من نصر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والفائدة في الكلام أنه إذا لم يتهيأ له الكيد والحيلة بأن يفعل مثل هذا لم يصل إلى قطع النصر. وكذا قال ابن عباس: إن الكناية في" يَنْصُرَهُ اللَّهُ" ترجع إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو وإن لم يجر ذكره فجميع الكلام دال عليه، لان الايمان هو الايمان بالله وبمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والانقلاب عن الدين انقلاب عن الدين الذي أتى به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي من كان يظن ممن يعادي محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن يعبد الله على حرف أنا لا ننصر محمدا فليفعل كذا وكذا. وعن ابن عباس أيضا أن الهاء تعود على" مَنْ" والمعنى: من كان يظن أن الله لا يرزقه فليختنق، فليقتل نفسه، إذ لا خير في حياة تخلو من عون الله. والنصر على هذا القول الرزق،

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16)

تقول العرب: من ينصرني نصره الله، أي من أعطاني أعطاه الله. ومن ذلك قول العرب: أرض منصورة، أي ممطورة. قال الفقعسي: «1»
وإنك لا تعطي امرأ فوق حقه ... ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره
وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال:" مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ" أي لن يرزقه. وهو قول أبي عبيدة. وقيل: إن الهاء تعود على الدين، والمعنى: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه. (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ) أي بحبل. والسبب ما يتوصل به إلى الشيء." إِلَى السَّماءِ" إلى سقف البيت. ابن زيد: هي السماء المعروفة. وقرا الكوفيون" ثُمَّ لْيَقْطَعْ" بإسكان اللام. قال النحاس: وهذا بعيد في العربية، لان" ثُمَّ" ليست مثل الواو والفاء، لأنها يوقف، عليها وتنفرد. وفي قراءة عبد الله:" فليقطعه ثم لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ". قيل:" ما" بمعنى الذي، أي هل يذهبن كيده الذي يغيظه، فحذف الهاء ليكون أخف. وقيل:" ما" بمعنى المصدر، أي هل يذهبن كيده غيظه.

[سورة الحج (22): آية 16]
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16)
قوله تعالى: (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ) يعني القرآن. (وَأَنَّ اللَّهَ) أي وكذلك أن الله (يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ)، علق وجود الهداية بإرادته، فهو الهادي لا هادي سواه.

[سورة الحج (22): آية 17]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي بالله وبمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (وَالَّذِينَ هادُوا) اليهود، وهم المنتسبون إلى ملة موسى عليه السلام. (وَالصَّابِئِينَ) هم قوم يعبدون النجوم.
__________
(1). في الأصول الفقيمي والتصويب عن تفسير الطبري.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)

(وَالنَّصارى ) هم المنتسبون إلى ملة عيسى. (وَالْمَجُوسَ) هم عبد ة النيران القائلين أن للعالم أصلين: نور وظلمة. قال قتادة: الأديان خمسة، أربعة للشيطان وواحد للرحمن. وقيل: المجوس في الأصل النجوس لتدينهم باستعمال النجاسات، والميم والنون يتعاقبان كالغيم والغين، والأيم والأين. وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفى «1». (وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) هم العرب عبدة الأوثان. (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي يقضي ويحكم، فللكافرين النار، وللمؤمنين الجنة. وقيل: هذا الفصل بأن يعرفهم المحق من المبطل بمعرفة ضرورية، واليوم يتميز المحق عن المبطل بالنظر والاستدلال. (إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) أي من أعمال خلقه وحركاتهم وأقوالهم، فلا يعزب عنه شي منها، سبحانه! وقوله" إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ" خبر" إِنَّ" في قوله" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا" كما تقول: إن زيدا إن الخير عنده. وقال الفراء: ولا يجوز في الكلام إن زيدا إن أخاه منطلق، وزعم أنه إنما جاز في الآية لان في الكلام معنى المجازاة، أي من آمن ومن تهود أو تنصر أو صبأ يفصل بينهم، وحسابهم على الله عز وجل. ورد أبو إسحاق على الفراء هذا القول، واستقبح قوله: لا يجوز إن زيدا إن أخاه منطلق، قال: لأنه لا فرق بين زيد وبين الذين، و" إن" تدخل على كل مبتدأ فتقول إن زيدا هو منطلق، ثم تأتي بإن فتقول: إن زيدا إنه منطلق. وقال الشاعر:
إن الخليفة إن الله سربله ... سربال عز به ترجى الخواتيم «2»

[سورة الحج (22): آية 18]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (18)
__________ (1). راجع ج 1 ص 433.
(2). ويروى:" تزجي" بالزاي والجيم، والإزجاء السوق. والخواتيم جمع الخاتام لغة في الخاتم. يريد أن سلاطين الآفاق يرسلون إليه خواتمهم خوفا منه فيضاف ملكهم إلى ملكه. وهذا البيت من قصيدة لجرير يمدح بها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. (عن خزانة الأدب). [.....]

قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) هذه رؤية القلب، أي ألم تر بقلبك وعقلك. وتقدم معنى السجود في" البقرة"، «1» وسجود الجماد في" النحل"»
." وَالشَّمْسُ" معطوفة على" مَنْ". وكذا (وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ). ثم قال: (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) وهذا مشكل من الاعراب، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل، مثل:" وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً «3»"؟ [الإنسان: 31] فزعم الكسائي والفراء أنه لو نصب لكان حسنا، ولكن اختير الرفع لان المعنى وكثير أبى السجود، فيكون ابتداء وخبرا، وتم الكلام عند قوله:" وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ". ويجوز أن يكون معطوفا، على أن يكون السجود التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوه وصحة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شي. ويجوز أن ينتصب على تقدير: وأهان كثيرا حق عليه العذاب، ونحوه. وقيل: تم الكلام عند قوله" وَالدَّوَابُّ" ثم ابتدأ فقال:" وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ" في الجنة" وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ". وكذا روي عن ابن عباس أنه قال: (المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب، ذكره ابن الأنباري. وقال أبو العالية: ما في السموات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجد الله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه. قال القشيري: وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس، فهذا سجود حقيقي، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد. قلت: الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم، وسيأتي في سورة" يس" عند قوله تعالى:" وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها" «4». [يس: 38]. وقد تقدم في البقرة معنى السجود لغة ومعنى. قوله تعالى: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه. وقال ابن عباس: إن من تهاون بعبادة الله صار إلى النار. (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لاحد عليه. وحكى الأخفش والكسائي والفراء:" وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ" أي إكرام.
__________
(1). راجع ج 1 ص 291.
(2). راجع ج 10 ص 112.
(3). راجع ج 19 ص 150.
(4). راجع ج 15 ص 26 فما بعد.

هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)

[سورة الحج (22): الآيات 19 الى 21]
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)
قوله تعالى: (هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) خرج مسلم عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما إن" هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ" إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث رضى الله عنهم وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. وبهذا الحديث ختم مسلم رحمه الله كتابه. وقال ابن عباس: نزلت هذه الآيات الثلاث على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة في ثلاثة نفر من المؤمنين وثلاثة نفر كافرين، وسماهم، كما ذكر أبو ذر. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة، يريد قصته في مبارزته هو وصاحباه، ذكره البخاري. وإلى هذا القول ذهب هلال بن يساف وعطاء بن يسار وغيرهما. وقال عكرمة: المراد بالخصمين الجنة والنار، اختصمتا فقالت النار: خلقني لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني لرحمته. قلت: وقد ورد بتخاصم الجنة والنار حديث عن أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (احتجت الجنة والنار فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها (. خرجه البخاري ومسلم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وقال ابن عباس أيضا: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله منكم، وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل إليه من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا وتركتموه وكفرتم به حسدا، فكانت هذه خصومتهم، وأنزلت فيهم هذه الآية. وهذا قول قتادة، والقول الأول أصح رواه البخاري عن حجاج بن منهال عن هشيم عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن

قيس بن عباد عن أبي ذر، ومسلم عن عمرو بن زرارة عن هشيم، ورواه سليمان التيمي عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن علي قال. فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر" هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ"- إلى قوله-" عَذابَ الْحَرِيقِ". وقرا ابن كثير:" هذان خصمان" بتشديد النون من" هذان". وتأول الفراء الخصمين على أنهما فريقان أهل دينين، وزعم أن الخصم الواحد المسلمون والآخر اليهود والنصارى، اختصموا في دين ربهم، قال: فقال" اخْتَصَمُوا" لأنهم جمع، قال: ولو قال" اختصما" لجاز. قال النحاس: وهذا تأويل من لا دراية له بالحديث ولا بكتب أهل التفسير، لان الحديث في هذه الآية مشهور، رواه سفيان الثوري وغيره عن أبي هاشم عن أبي مجلز عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما أن هذه الآية نزلت في حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. وهكذا روى أبو عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس. وفية قول رابع أنهم المؤمنون كلهم والكافرون كلهم من أي ملة كانوا، قاله مجاهد والحسن وعطاء بن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود والكلبي وهذا القول بالعموم يجمع المنزل فيهم وغيرهم. وقيل: نزلت في الخصومة في البعث والجزاء، إذ قال به قوم وأنكره قوم. (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) يعني من الفرق الذين تقدم ذكرهم. (قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ) أي خيطت وسويت، وشبهت النار بالثياب لأنها لباس لهم كالثياب. وقوله:" قُطِّعَتْ" أي تقطع لهم في الآخرة ثياب من نار، وذكر بلفظ الماضي لان ما كان من أخبار الآخرة فالموعود منه كالواقع المحقق، قال الله تعالى:" وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ" «1» [المائدة: 116] أي يقول الله تعالى. ويحتمل أن يقال قد أعدت الآن تلك الثياب لهم ليلبسوها إذا صاروا إلى النار. وقال سعيد بن جبير:" مِنْ نارٍ" من نحاس، فتلك الثياب من نحاس قد أذيبت وهي السرابيل المذكورة في" قطر آن" «2» [إبراهيم: 50] وليس في الآنية شي إذا حمي
__________
(1). راجع ج 6 ص 374.
(2). راجع ج 9 ص 385، والقطر النحاس المذاب والاني الذي انتهى إلى حره.

يكون أشد حرا منه. وقيل: المعنى أن النار قد أحاطت بهم كإحاطة الثياب المقطوعة إذا لبسوها عليهم، فصارت من هذا الوجه ثيابا لأنها بالإحاطة كالثياب، مثل:" وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً 10" «1» [النبأ: 10]. (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ) أي الماء الحار المغلي بنار جهنم. وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان (. قال: هذا حديث حسن صحيح غريب.) يُصْهَرُ 20) يذاب. (بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ) 20 والصهر إذابة الشحم. والصهارة ما ذاب منه، يقال: صهرت الشيء فانصهر، أي أذبته فذاب، فهو صهير. قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة:
تروي لقى ألقي في صفصف ... تصهره الشمس فما ينصهر «2»
أي تذيبه الشمس فيصبر على ذلك. (وَالْجُلُودُ) 20 أي وتحرق الجلود، أو تشوى الجلود، فإن الجلود لا تذاب، ولكن يضم في كل شي ما يليق به، فهو كما تقول: أتيته فأطعمني ثريدا، إي والله ولبنا قارصا «3»، أي وسقاني لبنا. وقال الشاعر:
علفتها تبنا وماء باردا

(وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) أي يضربون بها ويدفعون، الواحدة مقمعة، ومقمع أيضا كالمحجن، يضرب به على رأس الفيل. وقد قمعته إذا ضربته بها. وقمعته وأقمعته بمعنى، أي قهرته وأذللته فانقمع. قال ابن السكيت: أقمعت الرجل عنى إقماعا إذا طلع عليك فرددته عنك. وقيل: المقامع المطارق، وهي المرازب أيضا. وفي الحديث (بيد كل ملك من خزنة جهنم مرزبة لها شعبتان فيضرب الضربة فيهوي بها سبعين ألفا (. وقيل: المقامع سياط من نار، وسميت بذلك لأنها تقمع المضروب، أي تذلله.
__________
(1). راجع ج 19 ص 169 فما بعد.
(2). تروى تسوق إليه الماء، أي تصير له كالراوية. واللقى (بالفتح): الشيء الملقى لهوانه. والصفصف: المستوي من الأرض.
(3). القارص: الحامض من ألبان الإبل خاصة. وقيل: القارص اللبن الذي يحذي اللسان، ولم يخصص.

كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)

[سورة الحج (22): آية 22]
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (22)
قوله تعالى: (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها) أي من النار. (أُعِيدُوا فِيها) بالضرب بالمقامع. وقال أبو ظبيان: ذكر لنا أنهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش بهم وتفور فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها فيريدون الخروج فتعيدهم الخزان إليها بالمقامع. وقيل: إذا اشتد غمهم فيها فروا، فمن خلص منهم إلى شفيرها إعادتهم الملائكة فيها بالمقامع، ويقولون لهم: (ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) أي المحرق، مثل الأليم والوجيع. وقيل: الحريق الاسم من الاحتراق. تحرق الشيء بالنار واحترق، والاسم الحرقة والحريق. والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا توسع، والمراد به إدراكهم الألم.

[سورة الحج (22): آية 23]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (23)
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) لما ذكر أحد الخصمين وهو الكافر ذكر حال الخصم الآخر وهو المؤمن. (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ)" مِنْ" صلة «1». والأساور جمع أسورة، وأسورة واحدها سوار، وفية ثلاث لغات: ضم السين وكسرها وإسوار. قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة، وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ. قال هنا وفي فاطر «2»:
__________
(1). هذا على مذهب الأخفش والكوفيين الذين يجيزون زيادة" مِنْ" في الإيجاب. أما الذين لا يجيزون زيادتها في الإيجاب فقال بعضهم إنها للتبعيض إنها للابتداء، وبعضهم إنها بيانية. (راجع البحر المحيط) وروح المعاني في الكلام عن هذه الآية.)
(2). راجع ج 14 ص ...

" مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً" [فاطر: 33] وقال في سورة الإنسان «1»:" وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ" [الإنسان: 21]. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة سمعت خليلي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء). وقيل: تحلى النساء بالذهب والرجال بالفضة. وفية نظر، والقرآن يرده. (وَلُؤْلُؤاً) قرأ نافع وابن القعقاع وشيبة وعاصم هنا وفي سورة الملائكة «2»:" لُؤْلُؤاً" بالنصب، على معنى ويحلون لؤلؤا، واستدلوا بأنها مكتوبة في جميع المصاحف هنا بألف. وكذلك قرأ يعقوب والجحدري وعيسى بن عمر بالنصب هنا والخفض في" فاطر" اتباعا للمصحف، ولأنها كتبت هاهنا بألف وهناك بغير ألف. الباقون «3» بالخفض في الموضعين. وكان أبو بكر لا يهمز" اللُّؤْلُؤُ" في كل القرآن، وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف. قال القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت «4». قلت: وهو ظاهر القرآن بل نصه. وقال ابن الأنباري: من قرأ" لؤلؤ" بالخفض وقف عليه ولم يقف على الذهب. وقال السجستاني: من نصب" اللؤلؤ" فالوقف الكافي" مِنْ ذَهَبٍ"، لان المعنى ويحلون لؤلؤ. قال ابن الأنباري: وليس كما قال، لأنا إذا خفضنا" اللؤلؤ" نسقناه على لفظ الأساور، وإذا نصبناه نسقناه على تأويل الأساور، وكأنا قلنا: يحلون فيها أساور ولؤلؤا، فهو في النصب بمنزلته في الخفض، فلا معنى لقطعه من «5» الأول. قوله تعالى: (وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ) أي وجميع ما يلبسونه من فرشهم ولباسهم وستورهم حرير، وهو أعلى مما في الدنيا بكثير. وروى النسائي عن أبي هريرة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب فيها في الآخرة- ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة (. فإن قيل: قد سوى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين هذه الأشياء الثلاثة وأنه يحرمها في الآخرة، فهل يحرمها
__________
(1). راجع ج 19 ص 141.
(2). راجع ج 14 ص ....
(3). الذي في المصحف طبعه الحكومة المصرية أنها بالألف في الموضعين. [.....]
(4). المصمت: الذي لا يخالطه غيره.
(5). في ك: عن.

وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)

إذا دخل الجنة؟ قلنا: نعم! إذا لم يتب منها حرمها في الآخرة وإن دخل الجنة، لاستعجاله ما حرم الله عليه في الدنيا. لا يقال: إنما يحرم ذلك في الوقت الذي يعذب في النار أو بطول مقامه في الموقف، فأما إذا دخل الجنة فلا، لان حرمان شي من لذات الجنة لمن كان في الجنة نوع عقوبة ومؤاخذة، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه. فإنا نقول: ما ذكرتموه محتمل، لولا ما جاء ما يدفع هذا الاحتمال ويرده من ظاهر الحديث الذي ذكرناه. وما رواه الأئمة من حديث ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة). والأصل التمسك بالظاهر حتى يرد نص يدفعه، بل قد ورد نص على صحة ما ذكرناه، وهو ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا هشام عن قتادة عن داود السراج عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو). وهذا نص صريح وإسناده صحيح. فإن كان (وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو) من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو الغاية في البيان، وإن كان من كلام الراوي على ما ذكر فهو أعلم بالمقال وأقعد بالحال، ومثله لا يقال بالرأي، والله أعلم. وكذلك (من شرب الخمر ولم يتب) و(من استعمل آنية الذهب والفضة) وكما لا يشتهي منزلة من هو أرفع منه، وليس ذلك بعقوبة، كذلك لا يشتهي خمر الجنة ولا حريرها ولا يكون ذلك عقوبة. وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة مستوفي، والحمد لله، وذكرنا فيها أن شجر الجنة وثمارها يتفتق عن ثياب الجنة، وقد ذكرناه في سورة الكهف «1».

[سورة الحج (22): آية 24]
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (24)
قوله تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ) أي أرشدوا إلى ذلك. قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله والحمد لله. وقيل: القرآن، ثم قيل: هذا في الدنيا، هدوا إلى الشهادة،
__________
(1). راجع ج 10 ص 397.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)

وقراءة القرآن. (وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ) أي إلى صراط الله. وصراط الله: دينه وهو الإسلام. وقيل: هدوا في الآخرة إلى الطيب من القول، وهو الحمد لله، لأنهم يقولون غدا الحمد لله الذي هدانا لهذا، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، فليس في الجنة لغو ولا كذب فما يقولونه فهو طيب القول. وقد هدوا في الجنة إلى صراط الله، إذ ليس في الجنة شي من مخالفة أمر الله. وقيل: الطيب من القول ما يأتيهم من الله من البشارات الحسنة." وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ" أي إلى طريق الجنة.

[سورة الحج (22): آية 25]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (25)
فيه سبع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ) أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن المسجد الحرام عام الحديبية، وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع، إلا أن يريد صدهم لافراد من الناس، فقد وقع ذلك في صدر [من «1»] المبعث. والصد: المنع، أي وهم يصدون. وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي. وقيل: الواو زائدة" وَيَصُدُّونَ" خبر" إِنَّ". وهذا مفسد للمعنى المقصود، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله: (" وَالْبادِ" تقديره: خسروا إذا هلكوا. وجاء" وَيَصُدُّونَ" مستقبلا إذ هو فعل يديمونه، كما جاء قوله تعالى:" الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ «2» اللَّهِ" [الرعد: 28]، فكأنه قال: إن الذين كفروا من شأنهم الصد. ولو قال إن الذين كفروا وصدروا لجاز. قال النحاس: وفي كتابي عن أبي إسحاق قال وجائز أن يكون- وهو الوجه- الخبر" نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ". قال أبو جعفر: وهذا غلط، ولست أعرف ما الوجه فيه، لأنه جاء بخبر" إِنَّ" جزما، وأيضا
__________
(1). من ك.
(2). راجع ج 9 ص 314.

فإنه جواب الشرط، ولو كان خبر" إِنَّ" لبقي الشرط، بلا جواب، ولا سيما والفعل الذي في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب. الثانية- قوله تعالى: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ) قيل: إنه المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن، لأنه لم يذكر غيره. وقيل: الحرم كله، لان المشركين صدوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه عنه عام الحديبية، فنزل خارجا عنه، قال الله تعالى:" وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «1»" [الفتح: 25] وقال:" سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ" [الاسراء: 1]. وهذا صحيح، لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك. الثالثة- قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ) أي للصلاة والطواف والعبادة، وهو كقوله تعالى:" إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ" «2» [آل عمران: 96]. (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) العاكف: المقيم الملازم. والبادي: أهل البادية ومن يقدم عليهم. يقول: سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد، فليس أهل مكة أحق من النازح إليه. وقيل: إن المساواة إنما هي في دوره ومنازله، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها. وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كله، وهذا قول مجاهد ومالك، رواه عنه ابن القاسم. وروي عن عمر وابن عباس وجماعة أن القادم له النزول حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى. وقال ذلك سفيان الثوري وغيره. وكذلك كان الامر في الصدر الأول، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة، فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر وقال: أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله تعالى:؟ فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه فاتخذ الناس الأبواب. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء، وكانت الفساطيط تضرب في الدور. وروى عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد، وهذا هو العمل اليوم. وقال بهذا جمهور من الامة «3».
__________
(1). راجع ج 16 ص 283.
(2). راجع ج 4 ص 237.
(3). في ك: الأئمة.

وهذا الخلاف يبنى على أصلين: أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس. وللخلاف سببان: أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة، لكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم، كما فعل عمر رضي الله عنه بأرض السواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لاتباع ولا تكرى، ومن سبق إلى موضع كان أولى به. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي. أو كان فتحها صلحا- وإليه ذهب الشافعي- فتبقى ديارهم بأيديهم، وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاءوا. وروى عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا، وهو أول من حبس في السجن في الإسلام، على ما تقدم بيانه في آية المحاربين من سورة" المائدة" «1». وقد روى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حبس في تهمة. وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول: لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة. قلت: الصحيح ما قاله مالك، وعليه تدل ظواهر الاخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة. قال أبو عبيد: ولا نعلم مكة يشبهها شي من البلاد. وروى الدارقطني عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. وزاد في رواية، وعثمان. وروى أيضا عن علقمة بن نضلة الكناني قال: كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما السوائب، لا تباع من احتاج سكن ومن استغنى أسكن. وروى أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها واكل ثمنها- وقال- من أكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا (. قال الدارقطني: كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ووهم فيه، ووهم أيضا في قوله: عبيد الله «2» بن أبي يزيد وإنما هو ابن أبي زياد القداح، والصحيح أنه موقوف، وأسند الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر
__________
(1). راجع ج 6 ص 153.
(2). أحد رجال سند الحديث.

بيوتها (. وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، ألا أبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس؟ فقال: (لا، إنما هو مناخ من سبق إليه). وتمسك الشافعي رضي الله عنه بقوله تعالى:" الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ 40" [الحج: 40] فأضافها إليهم. وقال عليه السلام يوم الفتح: (من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن). الرابعة- قرأ جمهور الناس:" سواء" بالرفع، وهو على الابتداء، و" الْعاكِفُ" خبره. وقيل: الخبر" سواء" وهو مقدم، أي العاكف فيه والبادي سواء، وهو قول أبي علي: والمعنى: الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبدا العاكف فيه والبادي سواء. وقرا حفص عن عاصم:" سَواءً" بالنصب، وهي قراءة الأعمش. وذلك يحتمل أيضا وجهين: أحدهما- أن يكون؟؟ مفعولا ثانيا لجعل، ويرتفع" الْعاكِفُ" به لأنه مصدر، فأعمل عمل اسم الفاعل لأنه في معنى مستو. والوجه الثاني- أن يكون حالا من الضمير في جعلناه. وقرأت فرقة:" سَواءً" بالنصب" العاكف" بالخفض، و" البادي" عطفا على الناس، التقدير: الذي جعلناه للناس العاكف واليادى. وقراءة ابن كثير في الوقف والوصل بالياء ووقف أبو عمرو بغير ياء ووصل بالياء. وقرا نافع بغير ياء في الوصل والوقف «1». وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام، واختلفوا في مكة، وقد ذكرناه. الخامسة- (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) شرط، وجوابه" نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ". والإلحاد في اللغة: الميل، إلا أن الله تعالى بين أن الميل بالظلم هو المراد. واختلف في الظلم، فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:" وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ" قال: الشرك. وقال عطاء: الشرك والقتل. وقيل: معناه صيد حمامه، وقطع شجره، ودخوله غير محرم. وقال ابن عمر: كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان: لا والله! وبلى والله! وكلا والله! ولذلك كان له فسطاطان، أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم، وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الحل، صيانة للحرم عن قولهم كلا والله وبلى والله، حين عظم الله الذنب فيه. وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان أحدهما
__________
(1). أثبتها ورش عن نافع في الوصل دون الوقف.

في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم، فقيل له في ذلك فقال: إن كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول كلا والله وبلى والله، والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، فتكون المعصية معصيتين، إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام، وهكذا الأشهر الحرم سواء. وقد تقدم. وروى أبو داود عن يعلى بن أمية أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه). وهو قول عمر بن الخطاب. والعموم يأتي على هذا كله. السادسة- ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك وابن زيد إلى أن هذه الآية تدل على أن الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله. وقد روى نحو ذلك عن ابن مسعود وابن عمر قالوا: لو هم رجل بقتل رجل بهذا البيت وهو (بعدن أبين) «1» لعذبه الله. قلت: هذا صحيح، وقد جاء هذا المعنى في سورة" ن وَالْقَلَمِ" [القلم: 1] مبينا، على ما يأتي بيانه «2» هناك إن شاء الله تعالى. السابعة- الباء في" بِإِلْحادٍ" زائدة كزيادتها في قوله تعالى:" تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ 20" «3» [المؤمنون: 20]، وعليه حملوا قول الشاعر:
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج «4» ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
أراد: نرجو الفرج. وقال الأعشى:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا

أي رزق. وقال آخر «5»:
ألم يأتيك والإنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
__________
(1). عدن: مدينة مشهورة واقعة بالقرب من مدخل البحر الأحمر، وتضاف إلى" أبين" وهي بخلاف عدن.
(2). راجع ج 18 ص 241.
(3). راجع ص 14 من هذا الجزء. [.....]
(4). الفلج (بتحريك ثانية): موضع لبنى جعدة بن قيس بنجد، وهو في أعلى بلاد قيس (راجع معجم ما استعجمم وكتاب خزانة الأدب في الشاهد التاسع والثمانين بعد السبعمائة).
(5). القائل هو قيس بن زهير العبسي، شاعر جاهلي. وهو من قصيدة دالية قالها فيما كان شجر بينه وبين الربيع بن زياد العبسي. (راجع خزانة الأدب في الشاهد السادس والثلاثين بعد الستمائة).

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)

أي ما لاقت، والباء زائدة، وهو كثير. وقال الفراء: سمعت أعرابيا وسألته عن شي فقال: أرجو بذاك، أي أرجو ذاك. وقال الشاعر:
بواد يمان ينبت الشث صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان «1»
أي المرخ. وهو قول الأخفش، والمعنى عنده: ومن يرد فيه إلحادا بظلم. وقال الكوفيون: دخلت الباء لان المعنى بأن يلحد، والباء مع أن تدخل وتحذف. ويجوز أن يكون التقدير: ومن برد الناس فيه بإلحاد. وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه. ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة. هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم، وقد ذكرناه آنفا.

[سورة الحج (22): آية 26]
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)
فيه مسألتان: الاولى- قوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) أي واذكر إذ بوأنا لإبراهيم، يقال: بوأته منزلا وبوأت له. كما يقال: مكنتك ومكنت لك، فاللام في قوله:" لِإِبْراهِيمَ" صلة للتأكيد، كقوله:" رَدِفَ لَكُمْ" «2» [النمل: 72]، وهذا قول الفراء. وقيل:" بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ" أي أريناه أصله ليبنيه، وكان قد درس بالطوفان وغيره، فلما جاءت مدة إبراهيم عليه السلام أمره الله ببنيانه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا، فبعث الله ريحا فكشفت عن أساس آدم عليه السلام، فرتب قواعده عليه، حسبما تقدم بيانه في" البقرة" «3». وقيل:" بَوَّأْنا 10: 93" نازلة منزلة فعل يتعدى باللام، كنحو جعلنا، أي جعلنا لإبراهيم مكان البيت مبوأ. وقال الشاعر:
كم من أخ لي ماجد ... بوأته بيدي لحدا»
__________
(1). الشث: شجر طيب الريح مر الطعم يدبغ به. والمرخ: شجر كثير النار. والشبهان: نبت شائك له ورد لطيف أحمر.
(2). راجع ج 13 ص 230.
(3). راجع ج 2 ص 122.
(4). البيت نت قصيدة لعمرو بن معديكرب الزبيدي.

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)

الثانية- (أَنْ لا تُشْرِكْ) هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام في قول الجمهور. وقرا عكرمة:" أن لا يشرك" بالياء، على نقل معنى القول الذي قيل له. قال أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة، بمعنى لئلا يشرك. وقيل: إن" أَنْ" مخففة من الثقيلة. وقيل مفسرة. وقيل زائدة، مثل:" فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ" «1» [يوسف: 96]. وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده وأنتم، فلم تفوا بل أشركتم. وقالت فرقة: الخطاب من قوله:" أَنْ لا تُشْرِكْ" لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج. والجمهور على أن ذلك لإبراهيم، وهو الأصح. وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء. وقيل: عنى به التطهير عن الأوثان، كما قال تعالى:" فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ 30" «2» [الحج: 30]، وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم عليه السلام. وقيل: المعنى نزه بيتي عن أن يعبد فيه صنم. وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه. وقد مضى ما للعلماء في تنزيه المسجد الحرام وغيره من المساجد بما فيه كفاية في سورة" براءة" «3». والقائمون هم المصلون. وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها، وهو القيام والركوع والسجود.

[سورة الحج (22): آية 27]
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)
فيه سبع مسائل: الاولى- قوله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) قرأ جمهور الناس:" وَأَذِّنْ" بتشديد الذال. وقرا الحسن بن أبي الحسن وابن محيصن:" وآذن" بتخفيف الذال ومد الالف. ابن عطية: وتصحف هذا على بن جني، فإنه حكى عنهما" وآذن" على أنه فعل ماض، وأعرب على ذلك بأن جعله عطفا على" بَوَّأْنا 10: 93". والأذان الاعلام، وقد تقدم في" براءة" «4».
__________
(1). راجع ج 9 ص 259.
(2). راجع ص 53 من هذا الجزء فما بعد.
(3). راجع ج 8 ص 104.
(4). راجع ج 8 ص 69.

الثانية- لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، وقيل له: أذن في الناس بالحج، قال: يا رب! وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلى الإبلاغ، فصعد إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح: يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار، فحجوا، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك! فمن أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين، وجرت التلبية على ذلك، قاله ابن عباس وابن جبير. وروى عن أبي الطفيل قال قال لي ابن عباس: (أتدرى ما كان أصل التلبية؟ قلت لا! قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج خفضت الجبال رءوسها ورفعت له القرى، فنادى في الناس بالحج فأجابه كل شي: لبيك اللهم لبيك. وقيل: إن الخطاب لإبراهيم عليه السلام تم عند قوله:" السُّجُودِ"، ثم خاطب الله عز وجل محمدا عليه الصلاة والسلام فقال:" وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ" أي أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث- إن الخطاب من قوله:" أَنْ لا تُشْرِكْ" مخاطبة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وهذا قول أهل النظر، لان القرآن أنزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك. وهاهنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو" أَنْ لا تُشْرِكْ بِي" بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم عليه السلام غائب، فالمعنى على هذا: وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد الله تعالى وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده. وقرا جمهور الناس:" بِالْحَجِّ" بفتح الحاء. وقرا ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها. وقيل: إن نداء إبراهيم من جملة ما أمر به من شرائع الدين. والله أعلم. الثالثة- قوله تعالى: (يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ) وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، وإنما قال" يَأْتُوكَ" وإن كانوا يأتون الكعبة لان المنادى إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجا فكأنما أتى إبراهيم، لأنه أجاب نداءه، وفية تشريف إبراهيم. ابن عطية:" رِجالًا" جمع راجل مثل تاجر وتجار، وصاحب وصحاب. وقيل: الرجال

جمع رجل، والرجل جمع، راجل مثل تجار وتجر وتاجر، وصحاب وصحب وصاحب. وقد يقال في الجمع: رجال بالتشديد، مثل كافر وكفار. وقرا ابن أبي إسحاق وعكرمة" رجالا" بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية الجمع، ورويت عن مجاهد. وقرا مجاهد" رجالي" على وزن فعالي، فهو مثل كسالى. قال النحاس: في جمع راجل خمسة أوجه، ورجالة مثل ركاب، وهو الذي روى عن عكرمة، ورجال مثل قيام، ورجلة، ورجل، ورجالة. الذي روى عن مجاهد رجالا غير معروف، والأشبه به أن يكون غير منون مثل كسالى وسكارى، ولو نون لكان على فعال، وفعال في الجمع قليل. وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي. (وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ) لان معنى" ضامِرٍ" معنى ضوامر. قال الفراء: ويجوز" يأتي" على اللفظ. والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر، يقال: ضمر يضمر ضمورا، فوصفها الله تعالى بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة. وذكر سبب الضمور فقال:" يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" أي أثر فيها طول السفر. ورد الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها، كما قال:" وَالْعادِياتِ ضَبْحاً 100: 1" «1» [العاديات: 1] في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله. الرابعة- قال بعضهم: إنما قال" رِجالًا" لان الغالب خروج الرجال إلى الحج دون الإناث، فقوله" رِجالًا" من قولك: هذا رجل، وهذا فيه بعد، لقوله" وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ" يعني الركبان، فدخل فيه الرجال والنساء. ولما قال تعالى:" رِجالًا" وبدأ بهم دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس: ما آسى على شي فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا، فإني سمعت الله عز وجل يقول:" يَأْتُوكَ رِجالًا". وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ماشيين. وقرا أصحاب ابن مسعود:" يأتون" وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، والضمير للناس. الخامسة- لا خلاف في جواز الركوب والمشي، واختلفوا في الأفضل منهما، فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل، اقتداء بالنبي صلى الله عليه و
- سلم ولكثرة
__________
(1). راجع ج 20 ص 153.

النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل لما فيه من المشقة على النفس، ولحديث أبي سعيد قال: حج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، وقال: (اربطوا أوساطكم بأزركم) ومشى خلط «1» الهرولة، خرجه ابن ماجة في سننه. ولا خلاف في أن الركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل، للاقتداء بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. السادسة- استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط. قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه، وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر، فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقوى. فأما إذا اقترن به عدو وخوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصا، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الاعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع. قال ابن عطية: وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاما، ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشيء من هذه الاعذار، وهذا ضعيف. قلت: وأضعف من ضعيف، وقد مضى في" البقرة" «2» بيانه. والفج: الطريق الواسعة، والجمع فجاج. وقد مضى في" الأنبياء" «3». والعميق معناه البعيد. وقراءة الجماعة" يَأْتِينَ". وقرا أصحاب عبد الله" يأتون" وهذا للركبان و" يَأْتِينَ" للجمال، كأنه. قال: وعلى إبل ضامرة يأتين (مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أي بعيد، ومنه بئر عميقة أي بعيدة القعر، ومنه:
وقاتم الأعماق خاوى المخترق «4»
__________
(1). خلط الهرولة (بالكسر) أي شيئا مخلوطا بالهرولة، بأن يمشى حينا ويهرول حينا أو معتدلا.
(2). راجع ج 2 ص 3. 195
(3). راجع ج 11 ص 285. [.....]
(4). هذا أول أرجوزة من أراجيز رؤية بن العجاج، وبعده:
مشتبه الاعلام لماع الخفق

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)

السابعة- واختلفوا في الواصل إلى البيت، هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا، فروى أبو داود قال، سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه فقال: ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم نكن نفعله. وروى ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (ترفع الأيدي في سبع مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت والصفا والمروة والموقفين والجمرتين). وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وضعفوا حديث جابر، لان مهاجرا المكي راوية مجهول. وكان ابن عمر يرفع يديه عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثله.

[سورة الحج (22): الآيات 28 الى 29]
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)
فيه ثلاث وعشرون مسألة: الاولى- قوله تعالى: (لِيَشْهَدُوا) أي أذن بالحج يأتوك رجالا وركبانا ليشهدوا، أي ليحضروا. والشهود الحضور. (مَنافِعَ لَهُمْ) أي المناسك، كعرفات والمشعر الحرام. وقيل المغفرة. وقيل التجارة. وقيل هو عموم، أي ليحضروا منافع لهم، أي ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة، قال مجاهد وعطاء واختاره ابن العربي، فإنه يجمع ذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وأخرى. ولا خلاف في أن المراد بقوله:" لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ" «1» [البقرة: 198] التجارة. الثانية- (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ) قد مضى في" البقرة" الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات «2». والمراد بذكر اسم الله ذكر التسمية عند الذبح والنحر، مثل
__________
(1). راجع ج 2 ص 413.
(2). راجع ج 3 ص 1.

قولك: باسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك. ومثل قولك عند الذبح" إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي" «1» [الانعام: 162] الآية. وكان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم، فبين الرب أن الواجب الذبح على اسم الله، وقد مضى في" الانعام". الثالثة- واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر، فقال مالك رضي الله عنه: بعد صلاة الامام وذبحه، إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به. وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح. والشافعي دخول وقت الصلاة ومقدار ما توقع فيه الخطبتين فاعتبر الوقت دون الصلاة. هذه رواية المزني عنه، وهو قول الطبري. وذكر الربيع عن البويطي قال قال الشافعي: ولا يذبح أحد حتى يذبح الامام إلا أن يكون ممن لا يذبح، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح. وهذا كقول مالك. وقال أحمد: إذا انصرف الامام فاذبح. وهو قول إبراهيم. وأصح هذه الأقوال قول مالك، لحديث جابر بن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال ونحروا وظنوا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد نحر، فأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من كان نحر أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرجه مسلم والترمذي وقال: وفي الباب عن جابر وجندب وأنس وعويمر بن أشقر وابن عمر وأبي زيد الأنصاري، وهذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم ألا يضحى بالمصر حتى يضحى الامام. وقد احتج أبو حنيفة بحديث البراء، وفية: (ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين). خرجه مسلم أيضا. فعلق الذبح على الصلاة ولم يذكر الذبح، وحديث جابر يقيده. وكذلك حديث البراء أيضا، قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا) الحديث. وقال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلم خلافا بين العلماء أن من ذبح قبل الصلاة وكان من أهل المصر أنه غير مضح، لقوله عليه السلام: (من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم).
__________ (1). راجع ج 7 ص 152 وص 72 فما بعد.

الرابعة- وأما أهل البوادي ومن لا أمام له فمشهور مذهب مالك [أنه «1»] يتحرى وقت ذبح الامام، أو أقرب الأئمة إليه. وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه، ويجزيه إن ذبح بعده. وقال أهل الرأى يجزيهم من بعد الفجر. وهو قول ابن المبارك، ذكره عنه الترمذي. وتمسكوا بقوله تعالى:" وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ". فأضاف النحر إلى اليوم. وهل اليوم من طلوع الفجر أو من طلوع الشمس، قولان. ولا خلاف أنه لا يجزى ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر من يوم النحر. الخامسة- واختلفوا كم أيام النحر؟ فقال مالك: ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده. وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل، وروى ذلك عن أبي هريرة وأنس بن مالك من غير اختلاف عنهما. وقال الشافعي: أربعة، يوم النحر وثلاثة بعده. وبه قال الأوزاعي، وروى ذلك عن على رضى الله عنه وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وروى عنهم أيضا مثل قول مالك وأحمد. وقيل: هو يوم النحر خاصة وهو العاشر من ذى الحجة، وروى عن ابن سيرين. وعن سعيد بن جبير وجابر بن زيد أنهما قالا: النحر في الأمصار يوم واحد وفي منى ثلاثة أيام. وعن الحسن البصري في ذلك ثلاث روايات: إحداها كما قال مالك، والثانية كما قال الشافعي، والثالثة إلى آخر يوم من ذى الحجة، فإذا أهل هلال المحرم فلا أضحى. قلت: وهو قول سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ورويا حديثا مرسلا مرفوعا خرجه الدارقطني: الضحايا إلى هلال ذى الحجة، ولم يصح، ودليلنا قوله تعالى:" فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ" الآية، وهذا جمع قلة، لكن المتيقن منه الثلاثة، وما بعد الثلاثة غير متيقن فلا يعمل به. قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم أضحى، وأجمعوا على أن لا أضحى بعد انسلاخ ذى الحجة، ولا يصح عندي في هذا إلا قولان: أحدهما- قول مالك والكوفيين. والآخر- قول الشافعي والشاميين، وهذان القولان مرويان
__________
(1). من ك.

عن الصحابة فلا معنى للاشتغال بما خالفهما، لان ما خالفهما لا أصل له في السنة ولا في قول الصحابة، وما خرج عن هذين فمتروك لهما. وقد روى عن قتادة قول سادس، وهو أن الأضحى يوم النحر وستة أيام بعده، وهذا أيضا خارج عن قول الصحابة فلا معنى له. السادسة- واختلفوا في ليالي النحر هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أولا، فروى عن مالك في المشهور أنها لا تدخل فلا بجوز الذبح بالليل. وعليه جمهور أصحابه وأصحاب الرأى، لقوله تعالى:" وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ" فذكر الأيام، وذكر الأيام دليل على أن الذبح في الليل لا يجوز. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: الليالي داخلة في الأيام ويجزى الذبح فيها. وروى عن مالك وأشهب نحوه، ولاشهب تفريق بين الهدى والضحية، فأجاز الهدى ليلا ولم يجز الضحية ليلا. السابعة- قوله تعالى:" عَلى ما رَزَقَهُمْ" أي على ذبح ما رزقهم. (مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ) والانعام هنا الإبل والبقر والغنم. وبهيمة الانعام هي الانعام، فهو كقولك صلاة الاولى، ومسجد الجامع. الثامنة- (فَكُلُوا مِنْها) أمر معناه الندب عند الجمهور. ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته وأن يتصدق بالأكثر، مع تجويزهم الصدقة بالكل واكل الكل. وشذت طائفة فأوجبت الأكل والإطعام بظاهر الآية «1»، ولقوله عليه السلام: (فكلوا وادخروا وتصدقوا). قال الكيا: قوله تعالى" فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا" يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه. التاسعة- دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها. ومشهور مذهب مالك رضي الله عنه أنه لا يأكل من ثلاث: جزاء الصيد، ونذر المساكين وفدية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله، واجبا كان أو تطوعا. ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار. العاشرة- فإن أكل مما منع منه فهل يغرم قدر ما أكل أو يغرم هديا كاملا، قولان في مذهبنا، وبالأول قال ابن الماجشون. قال ابن العربي: وهو الحق، لا شي عليه غيره.
__________
(1). في ب وج وك: بظاهر الامر.

وكذلك لو نذر هديا للمساكين فيأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما أكل- خلافا للمدونة- لان النحر قد وقع، والتعدي إنما هو على اللحم، فيغرم قدر ما تعدى فيه. قوله «1» تعالى: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) يدل على وجوب إخراج النذر إن كان دما أو هديا أو غيره، ويدل ذلك على أن النذر لا يجوز أن يأكل منه وفاء بالنذر، وكذلك جزاء الصيد وفدية الأذى، لان المطلوب أن يأتي به كاملا من غير نقص لحم ولا غيره، فإن أكل من ذلك كان عليه هدى كامل. والله أعلم. الحادية عشرة- هل يغرم قيمة اللحم أو يغرم طعاما، ففي كتاب محمد عن عبد الملك أنه يغرم طعاما. والأول أصح، لان الطعام إنما هو في مقابلة الهدى كله عند تعذره عبادة، وليس حكم التعدي حكم العبادة. الثانية- فإن عطب من هذا الهدى المضمون الذي هو جزاء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين شي قبل محله أكل منه صاحبه وأطعم منه الأغنياء والفقراء ومن أحب، ولا يبيع من لحمه ولا جلده ولا من قلائده شيئا. قال إسماعيل بن إسحاق: لان الهدى المضمون إذا عطب قبل أن يبلغ محله كان عليه بدله، لذلك جاز أن يأكل منه صاحبه ويطعم. فإذا عطب الهدى التطوع قبل أن يبلغ محله لم يجز أن يأكل منه ولا يطعم، لأنه لما لم يكن عليه بدله خيف أن يفعل ذلك بالهدى وينحر من غير أن يعطب، فاحتيط على الناس، وبذلك مضى العمل. وروى أبو داود عن ناجية الأسلمي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث معه بهدى وقال: (إن عطب منها شي فانحره ثم اصبغ نعله في دمه ثم خل بينه وبين الناس). وبهذا الحديث قال مالك والشافعي في أحد قوليه، وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأى ومن اتبعهم في الهدى التطوع: لا يأكل منها سائقها شيئا، ويخلى بينها وبين الناس يأكلونها. وفي صحيح مسلم: (ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك). وبظاهر هذا النهى قال ابن عباس والشافعي في قوله الأخر، واختاره ابن المنذر، فقالا: لا يأكل منها [سائقها] ولا أحد من أهل رفقته. قال أبو عمر قوله عليه السلام (ولا يأكل منها ولا أحد من أهل رفقتك) لا يوجد إلا في حديث ابن عباس. وليس ذلك
__________
(1). كذا في جميع الأصول. والمتبادر أنه استدلال للقول الثاني. فليتأمل.

في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ناجية. وهو عندنا أصح من حديث ابن عباس، وعليه العمل عند الفقهاء. ويدخل في قوله عليه السلام: (خل بينها وبين الناس) أهل رفقته وغيرهم. وقال الشافعي وأبو ثور: ما كان من الهدى أصله واجبا فلا يأكل منه، وما كان تطوعا ونسكا أكل منه وأهدى وادخر وتصدق. والمتعة والقرآن عنده نسك. ونحوه مذهب الأوزاعي. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يأكل من هدى المتعة والتطوع، ولا يأكل مما سوى ذلك مما وجب بحكم الإحرام. وحكى عن مالك: لا يأكل من دم الفساد. وعلى قياس هذا لا يأكل من دم الجبر، كقول الشافعي والأوزاعي. تمسك مالك بأن جزاء الصيد جعله الله للمساكين بقوله تعالى:" أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ" «1» [المائدة: 95]. وقال في فدية الأذى:" فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ" «2» [البقرة: 196]. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكعب بن عجرة: (أطعم ستة مساكين مدين لكل مسكين أو صم ثلاثة أيام أو انسك شاة). ونذر المساكين مصرح به، وأما غير ذلك من الهدايا فهو باق على أصل قوله:" وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ"- إلى قوله-" فَكُلُوا مِنْها" [الحج: 36]. وقد أكل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى رضي الله عنه من الهدى الذي جاء به وشربا من مرقة، وكان عليه السلام قارنا في أصح الأقوال والروايات، فكان هديه على هذا واجبا، فما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح. والله أعلم. وإنما أذن الله سبحانه من الأكل من الهدايا لأجل أن العرب كانت لا ترى أن تأكل من نسكها، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمخالفتهم، فلا جرم كذلك شرع وبلغ، وكذلك فعل حين أهدى وأحرم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الثالثة عشرة- (فَكُلُوا مِنْها) قال بعض العلماء: قوله تعالى" فَكُلُوا مِنْها" ناسخ لفعلهم، لأنهم كانوا يحرمون لحوم الضحايا على أنفسهم ولا يأكلون منها- كما قلناه في الهدايا- فنسخ الله ذلك بقوله:" فَكُلُوا مِنْها" وبقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من ضحى فليأكل من أضحيته) ولأنه عليه السلام أكل من أضحيته وهديه. وقال الزهري: من السنة أن تأكل أولا من الكبد.
__________
(1). قراءة نافع راجع ج 6 ص 302.
(2). راجع ج 2 ص 365 فما بعد.

الرابعة عشرة- ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ويطعم الثلث ويأكل هو واهلة الثلث. وقال ابن القاسم عن مالك: ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم موصوف. قال مالك في حديثه: وبلغني عن ابن مسعود، وليس عليه العمل. روى الصحيح وأبو داود قال: ضحى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشاة ثم قال: (يا ثوبان، أصلح لحم هذه الشاة) قال: فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة. وهذا نص في الفرض. واختلف قول الشافعي، فمرة قال: يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله تعالى:" فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ" فذكر شخصين. وقال مرة: يأكل ثلثا ويهدى ثلثا ويطعم ثلثا، لقوله تعالى:" فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ" [الحج: 36] فذكر ثلاثة. الخامسة عشرة- المسافر يخاطب بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر، إذ الأصل عموم الخطاب بها، وهو قول كافة العلماء. وخالف في ذلك أبو حنيفة والنخعي، وروى عن على، والحديث حجة عليهم. واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى، فلم ير عليه أضحية، وبه قال النخعي. وروى ذلك عن الخليفتين أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم، لان الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدى. فإذا أراد أن يضحى جعله هديا، والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبهوا بأهل منى فيحصل لهم حظ من أجرهم. السادسة عشرة- اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال. روى عن على وابن عمر رضي الله عنهما من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا بعد ثلاث. وروياه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وسيأتي. وقالت جماعة: ما روى من النهى عن الادخار منسوخ، فيدخر إلى أي وقت أحب. وبه قال أبو سعيد الخدري وبريدة الأسلمي. وقالت فرقة: يجوز الأكل منها مطلقا. وقالت طائفة: إن كانت بالناس حاجة إليها فلا يدخر، لان النهى إنما كان لعلة وهى قوله عليه السلام: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت) «1» ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدم لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخ. وتنشأ هنا مسألة أصولية وهى:
__________
(1). الدافة: القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد. والدافة: قوم من الاعراب يريدون المصر، يريد أنهم قوم قدموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي ليفرقوها ويتصدفوا بها فينتفع أولئك القادمون بها. (ابن الأثير).

السابعة عشرة- وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ ورفعه لارتفاع علته. أعلم أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدا، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة، فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. الثامنة عشرة- الأحاديث الواردة في هذا الباب بالمنع والإباحة صحاح ثابتة. وقد جاء المنع والإباحة معا، كما هو منصوص في حديث عائشة وسلمة بن الأكوع وأبى سعيد الخدري رواها الصحيح. وروى الصحيح عن أبى عبيد مولى ابن أزهر أنه شهد العيد مع عمر ابن الخطاب قال: ثم صليت العيد مع على بن أبى طالب رضي الله عنه، قال: فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوها. وروى عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق «1» ثلاث. قال سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. وروى أبو داود عن نبيشة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنا كنا نهيناكم عن لحومها فوق ثلاث لكي تسعكم جاء الله بالسعة فكلوا وادخروا واتجروا ألا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل (. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ولا تتضاد، ويكون قول أمير المؤمنين على ابن أبي طالب وعثمان محصور، لان الناس كانوا في شدة محتاجين، ففعل كما فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قدمت الدافة. والدليل على هذا ما حدثنا إبراهيم بن شريك قال: حدثنا أحمد قال حدثنا ليث قال حدثني الحارث بن يعقوب عن يزيد بن أبي يزيد عن امرأته أنها سألت عائشة رضي الله عنها عن لحوم الأضاحي فقالت: قدم علينا على بن أبي طالب من سفر فقدمنا إليه منه، فأبى أن يأكل حتى يسأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسأله فقال: (كل من ذى الحجة إلى ذى الحجة). وقال الشافعي: من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة. ومن قال بالرخصة مطلقا لم يسمع النهى عن الادخار. ومن قال بالنهي
__________
(1). في ك: بعد.

والرخصة سمعهما جميعا فعمل بمقتضاهما. والله أعلم. وسيأتي في سورة" الكوثر" «1» الاختلاف في وجوب الأضحية وندبيتها وأنها ناسخة لكل ذبح تقدم، إن شاء الله تعالى. التاسعة عشرة- قوله تعالى: (وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ)" الفقير" من صفة البائس، وهو الذي ناله البؤس وشدة الفقر، يقال: بئس يبأس بأسا إذا افتقر، فهو بائس. وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة دهر وإن لم يكن فقيرا، ومنه قوله عليه السلام: (لكن البائس سعد «2» بن خولة). ويقال رجل بئيس أي شديد. وقد بؤس يبؤس بأسا إذ اشتد، ومنه قوله تعالى:" وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ" «3» [الأعراف: 165] أي شديد. وكلما كان التصدق بلحم الأضحية أكثر كان الأجر أوفر. وفي القدر الذي يجوز أكله خلاف قد ذكرناه، فقيل. النصف، لقوله:" فَكُلُوا، مِنْها وَأَطْعِمُوا" وقيل: الثلثان، لقوله: (ألا فكلوا وادخروا واتجروا) أي اطلبوا الأجر بالإطعام. واختلف في الأكل والإطعام، فقيل: واجبان. وقيل مستحبان. وقيل: بالفرق بين الأكل والإطعام، فالأكل مستحب والإطعام واجب، وهو قول الشافعي. الموفية عشرين- قوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ) أي ثم ليقضوا بعد نحر الضحايا والهدايا ما بقي عليهم من أمر الحج، كالحلق ورمى الجمار وإزالة شعث ونحوه. قال ابن عرفة: أي ليزيلوا عنهم أدرانهم. وقال الأزهري: التفث الأخذ من الشارب وقص الاظفار ونتف الإبط وحلق العانة، وهذا عند الخروج من الإحرام. وقال النضر بن شميل: التفث في كلام العرب إذهاب الشعث، وسمعت الأزهري يقول: التفث في كلام العرب لا يعرف إلا من قول ابن عباس واهل التفسير. وقال الحسن: هو إزالة قشف الإحرام. وقيل: التفث مناسك الحج كلها، رواه ابن عمر وابن عباس. قال ابن العربي: لو صح عنهما لكان حجة لشرف الصحبة والإحاطة باللغة، قال: وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرا ولا أحاطوا بها خبرا، لكني تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال:
__________
(1). راجع ج 20 ص 216.
(2). رثى له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن مات بمكة. يعنى في الأرض التي هاجر منها: (راجع ترجمته في كتاب الاستيعاب).
(3). راجع ج 7 ص 308 [.....]

إنه قص الاظفار واخذ الشارب وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح. قال: ولم يجئ فيه شعر يحتج به. وقال صاحب العين: التفث هو الرمي والحلق والتقصير والذبح وقص الاظفار والشارب والإبط. وذكر الزجاج والفراء نحوه، ولا أراه أخذوه إلا من قول العلماء. وقال قطرب: تفث الرجل إذا كثر وسخه. قال أمية بن أبي الصلت:
حفوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا ... ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا
وما أشار إليه قطرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك، وهو الصحيح في التفث. وهذه صورة إلقاء التفث لغة، وأما حقيقته الشرعية فإذا نحر الحاج أو المعتمر هديه وحلق رأسه وأزال وسخه وتطهر وتنقى ولبس فقد أزال تفثه ووفى نذره، والنذر ما لزم الإنسان والتزمه. قلت: ما حكاه عن قطرب وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي. وذكر بيتا آخر فقال:
قضوا تفثا ونحبا «1» ثم ساروا ... إلى نجد وما انتظروا عليا
وقال الثعلبي: واصل التفث في اللغة الوسخ، تقول العرب للرجل تستقذره: ما أتفثك أي ما أوسخك وأقذرك. قال أمية بن أبى الصلت:
ساخين «2» آباطهم لم يقذفوا تفثا ... وينزعوا عنهم قملا وصئبانا

الماوردي: قيل لبعض الصلحاء: ما المعنى في شعث المحرم؟ قال: ليشهد الله تعالى منك الاعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته. الحادية والعشرون- (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) أمروا بوفاء النذر مطلقا إلا ما كان معصية، لقوله عليه السلام: (لا وفاء لنذر في معصية الله)، وقوله: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه). (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: لا خلاف بين المتأولين في ذلك.
__________
(1). من معاني النحب: الحاجة والنذر.
(2). ساخين: تاركين.

الثانية والعشرون- للحج ثلاثة أطواف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع. قال إسماعيل بن إسحاق: طواف القدوم سنة، وهو ساقط عن المراهق وعن المكي وعن كل من يحرم بالحج من مكة. قال: والطواف الواجب الذي لا يسقط بوجه من الوجوه، وهو طواف الإفاضة الذي يكون بعد عرفة، قال الله تعالى:" ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ". قال: فهذا هو الطواف المفترض في كتاب الله عز وجل، وهو الذي يحل به الحاج من إحرامه كله. قال الحافظ أبو عمر: ما ذكره إسماعيل في طواف الإفاضة هو قول مالك عند أهل المدينة، وهى رواية ابن وهب وابن نافع وأشهب عنه. وهو قول جمهور أهل العلم من فقهاء أهل الحجاز والعراق. وقد روى ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك أن طواف القدوم واجب. وقال ابن القاسم في غير موضع من المدونة ورواه أيضا عن مالك: الطواف الواجب طواف القادم مكة. وقال: من نسى الطواف في حين دخوله مكة أو نسى شوطا منه، أو نسى السعي أو شوطا منه حتى رجع إلى بلده ثم ذكره، فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة حتى يطوف بالبيت ويركع ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يهدى. وإن أصاب النساء رجع فطاف وسعي، ثم اعتمر وأهدى. وهذا كقوله فيمن نسى طواف الإفاضة سواء. فعلى هذه الرواية الطوافان جميعا واجبان، والسعى أيضا. وأما طواف الصدر وهو المسمى بطواف الوداع فروى ابن القاسم وغيره عن مالك فيمن طاف طواف الإفاضة على غير وضوء: أنه يرجع من بلده فيفيض إلا أن يكون تطوع بعد ذلك. وهذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه، وأنه يجزيه تطوعه عن الواجب المفترض عليه من طوافه. وكذلك أجمعوا أن من فعل في حجه شيئا تطوع به من عمل الحج، وذلك الشيء واجب في الحج قد جاز وقته، فإن تطوعه ذلك يصير للواجب لا للتطوع بخلاف الصلاة. فإذا كان التطوع ينوب عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول مكة أحرى أن ينوب عن طواف الإفاضة، إلا ما كان من الطواف بعد رمى جمرة العقبة يوم النحر أو بعده للوداع. ورواية ابن عبد الحكم عن مالك بخلاف ذلك، لان فيها أن طواف

الدخول مع السعي ينوب عن طواف الإفاضة لمن رجع إلى بلده مع الهدى، كما ينوب طواف الإفاضة مع السعي لمن لم يطف ولم يسع حين دخوله مكة مع الهدى أيضا عن طواف القدوم. ومن قال هذا قال: إنما قيل لطواف الدخول واجب ولطواف الإفاضة واجب لان بعضهما، ينوب عن بعض، ولأنه قد روى عن مالك أنه يرجع من نسى أحدهما من بلده على ما ذكرنا، ولان الله عز وجل لم يفترض على الحاج إلا طوافا واحدا بقوله:" وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ"، وقال في سياق الآية:" وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ" والواو عندهم في هذه الآية وغيرها لا توجب رتبة إلا بتوقيف. وأسند الطبري عن عمرو ابن أبي سلمة قال: سألت زهيرا عن قوله تعالى:" وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ" فقال: هو طواف الوداع. وهذا يدل على أنه واجب، وهو أحد قولي الشافعي، لأنه عليه السلام رخص للحائض أن تنفر دون أن تطوفه، ولا يرخص إلا في الواجب. الثالثة والعشرون- اختلف المتأولون في وجه صفة البيت بالعتيق، فقال مجاهد والحسن: العتيق القديم. يقال: سيف عتيق، وقد عتق أي قدم، وهذا قول يعضده النظر. وفي الصحيح (أنه أول مسجد وضع في الأرض). وقيل: عتيقا لان الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء الزمان، قال معناه ابن الزبير ومجاهد. وفى الترمذي عن عبد الله بن الزبير قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنما سمى البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار) قال: هذا حديث حسن صحيح «1»، وقد روى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرسلا. فإن ذكر ذاكر الحجاج بن يوسف ونصبه المنجنيق على الكعبة حتى كسرها قيل له: إنما أعتقها عن كفار الجبابرة، لأنهم إذا أتوا بأنفسهم متمردين ولحرمة البيت غير معتقدين، وقصدوا الكعبة بالسوء فعصمت منهم ولم تنلها أيديهم، كان ذلك دلالة على أن الله عز وجل صرفهم عنها قسرا. فأما المسلمون الذين اعتقدوا حرمتها فإنهم إن كفوا عنها لم يكن في ذلك من الدلالة على منزلتها عند الله مثل ما يكون منها في كف الاعداء، فقصر الله تعالى هذه الطائفة
عن الكف بالنهي والوعيد، ولم يتجاوزه إلى الصرف بالإلجاء والاضطرار،
__________
(1). في ب وج وط وك: عريب.

ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)

وجعل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر. وقالت طائفة: سمى عتيقا لأنه لم يملك موضعه قط. وقالت فرقة: سمى عتيقا لان الله عز وجل يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب. وقيل: سمى عتيقا لأنه أعتق من غرق الطوفان، قاله ابن جبير. وقيل: العتيق الكريم. والعتق الكرم. قال طرفة يصف أذن الفرس:
مؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب «1»

وعتق الرقيق: الخروج من ذل الرق إلى كرم الحرية. ويحتمل أن يكون العتيق صفة مدح تقتضي جودة الشيء، كما قال عمر: حملت على فرس عتيق، الحديث. والقول الأول أصح للنظر والحديث الصحيح. قال مجاهد: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام، وسمي عتيقا لهذا، والله أعلم.

[سورة الحج (22): الآيات 30 الى 31]
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (31)
فيه ثمان مسائل: الاولى- قوله تعالى:" ذلِكَ" يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير: فرضكم ذلك، أو الواجب ذلك. ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير: امتثلوا ذلك، ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير:
هذا وليس كمن يعيا بخطته ... وسط الندى إذا ما قائل نطقا
__________
(1). المؤلل: المحدد. والربرب: القطيع من بقر الوحش، وقيل الظباء. وهذه الرواية في البيت مخالفة لما في ديوانه ومعلقته. والرواية فيهما:
مؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي شاة بحومل مفرد
ويريد بالشاة هنا الثور الوحشي.

والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله:" ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ"، ويدخل في ذلك تعظيم المواضع، قاله ابن زيد وغيره. ويجمع ذلك أن تقول: الحرمات امتثال الامر من فرائضه وسننه. وقوله: (فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) 30 أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها. وقيل: ذلك التعظيم خير من خيراته ينتفع به، وليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير. الثانية- قوله تعالى: (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ) 30 أن تأكلوها: وهى الإبل والبقر والغنم. (إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) أي في الكتاب من المحرمات، وهى الميتة والموقوذة وأخواتها. ولهذا اتصال بأمر الحج، فإن في الحج الذبح، فبين ما يحل ذبحه واكل لحمه. وقيل:" إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ" «1» الثالثة- قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ) 30 الرجس: الشيء القذر. الوثن: التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها. والنصارى تنصب الصليب وتعبده وتعظمه فهو كالتمثال أيضا. وقال عدى ابن حاتم: أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي عنقي صليب من ذهب فقال: (ألق هذا الوثن عنك) أي الصليب، وأصله من وثن الشيء أي أقام في مقامه. وسمي الصنم وثنا لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. يريد اجتنبوا عبادة الأوثان، روى عن ابن عباس وابن جريج. وسماها رجسا لأنها سبب الرجز وهو العذاب. وقيل: وصفها بالرجس، والرجس النجس فهي نجسة حكما. وليست النجاسة وصفا ذاتيا للأعيان وإنما هي وصف شرعي من أحكام الايمان، فلا تزال إلا بالايمان كما لا تجوز الطهارة إلا بالماء. الرابعة- (مَنْ) في قوله:" مِنَ الْأَوْثانِ 30" قيل: إنها لبيان الجنس، فيقع نهيه عن رجس «2» الأوثان فقط، ويبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا الموضع. ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، فكأنهم نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم، إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس. ومن قال إن" مَنْ" للتبعيض، قلب معنى الآية وأفسده.
__________
(1). راجع ج 6 ص 31.
(2). في ك: جنس الأوثان.

الخامسة- قوله تعالى: (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) 30 والزور: الباطل والكذب. وسمي زورا لأنه أميل عن الحق، ومنه" تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ" «1»، [الكهف: 17]، ومدينة زوراء، أي مائلة. وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور. وفي الخبر أنه عليه السلام قام خطيبا فقال: (عدلت شهادة الزور الشرك بالله) قالها مرتين أو ثلاثا. يعنى أنها قد جمعت مع عبادة الوثن في النهى عنها. السادسة- هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور، وينبغي للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعززه وينادى عليه ليعرف لئلا يغتر بشهادته أحد. ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب، فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرز فيها لم تقبل، لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة، إذ لا يستطيع أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه. وإن كان دون ذلك فشمر في العبادة وزادت حاله في التقى قبلت شهادته. وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (إن أكبر الكبائر الاشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقول الزور). وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. السابعة- (حُنَفاءَ لِلَّهِ) معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق. ولفظة" حُنَفاءَ" من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل. و" حُنَفاءَ" نصب على الحال. وقيل:" حُنَفاءَ" حجاجا، وهذا تخصيص لا حجة معه. الثامنة- قوله تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ) أي هو يوم القيامة بمنزلة من لا